البيان الثالث 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2289


بياناً ثالثاً : وهو أنّ جميع ما يقع في عالم الكون والفساد قد تعلّقت به الإرادة الأزلية فيجب أن يوجد ، وإلاّ لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، وبما أنّ الأفعال الصادرة في الخارج منها فهي أيضاً ممّا تعلّقت به الإرادة الأزلية فلابدّ من وقوعها .

ولا يخفى أنّ هذا البيان كسابقه كاد أن يكون ممّا اتّفقت عليه كلمتهم .

وليعلم أيضاً أنّ الإرادة الأزلية لمّا كانت من الصفات الذاتية عندهم ، وهي متّحدة مع الذات ، فاسناد جميع الكائنات إليها مساوق لإسنادها إلى نفس الذات والمآل فيهما واحد .

قال سيّد المحقّقين في الإيقاظ الأوّل من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات : خيرات نظام الوجود وكمالاته الفرائض والنوافل بأسرها ، والذوات والصفات والأخلاق والملكات والأفعال والأعمال إنّما انبعاثها بالذات من إرادة الله الحقّة الواجبة ، ورحمته الفيّاضة الواسعة ، وخيريّته المحضة التامّة ، ووهّابيّته الفعّالة الدائمة ، وإن كان فيضانه من فيض جوده العظيم بمقدار استعدادات المواد على مبلغ استحقاقات الماهيات . فأمّا الشرور والآلام والنقائص والآثام فمن تلقاء سوء الاستعدادات ، ونقص الاستحقاقات ، وتزاحمات أرهاط الهيولانيات
وتصادمات سكّان عالم الظلمات ، لا من بخل من المفيض وضنانة من الجائد ، أو عجز في القدرة وقصور في الإفاضة ، تعالى جناب الفيّاض الحقّ عن ذلك كلّه علوّاً كبيراً(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع القبسات : 75 الهامش الأيسر / الإيقاظ الأوّل (الطبعة القديمة) ، وذكرها مع زيادة في نفس القبسات : 475 (ضمن القبس العاشر ـ الطبعة الجديدة) .

ــ[56]ــ

والكلام في هذا البيان يقع من جهات :

الاُولى : حقيقة إرادته ومشيّته تعالى .

الثانية : في صحّة تعلّق الإرادة الأزلية بالأفعال وعدمها .

الثالثة : في علل الشرور والآلام والنقائص والآثام .

أمّا الجهة الاُولى فنقول : قد حقّقنا سابقاً(1) أنّ صفات الله تبارك وتعالى على قسمين : ذاتية وفعلية ، وبيّنا أيضاً الفرق بينهما بصحّة تعلّق القدرة بالنسبة إلى الصفات الفعلية إيجاداً وإعداماً ، وعدمها بالنسبة إلى الصفات الذاتية ، وقد وجدنا الإرادة من الصفات الفعلية الحادثة بصحّة تعلّق القدرة عليها إيجاداً وإعداماً ، وبه نطق كثير من الروايات الآتية المتضمّنة لكلمتي الإرادة والمشيّة(2)، فالالتزام بكونها من الصفات الذاتية التزام من غير ملزم .

نعم بناءً على ما يظهر من كلمات بعض الفلاسفة بل أكثرهم ـ من أنّ حقيقة الإرادة هو العلم بالأصلح ـ فهي من الصفات الذاتية ، إلاّ أنّك قد عرفت بطلان ذلك فيما تقدّم(3).

وبناءً على ما صرّح به بعض آخر منهم من أنّ الإرادة المتعلّقة بإيجاد الكائنات أيّاً ما كان لا تنفكّ عن الذات المقدّسة ، لدوام فيضه وَجوده كما صرّح به المحقّق المذكور ، لابدّ من الالتزام بقدم العالم أو حدوث الذات المقدّسة ، والتالي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص14 و17 .
(2) راجع ص91 وما بعدها ، راجع أيضاً الكافي 1 : 109 / 1 ، 2 ، بحار الأنوار 4 : 145 / 18 ، 20 .
(3) راجع ص16 .

ــ[57]ــ

باطل فالمقدّم مثله كما أشبعنا القول فيه فيما مضى(1).

وأمّا الجهة الثانية : فالصحيح فيها أنّ أفعال العباد غير متعلّقة لإرادة الله وجوداً أو عدماً ، فإنّ الإرادة ـ كما عرفت ـ من الصفات الفعلية ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في الوجود والعدم ، فهي لا تتعلّق إلاّ بفعل نفس المريد أو تركه لا بفعل شخص آخر الصادر منه باختياره ، فكما لا معنى لتعلّق إرادة زيد بفعل عمرو أو بعدمه كذلك لا معنى لتعلّق إرادة الله به مع فرض صدوره منه باختياره .

نعم لا ننكر تعلّق إرادة الله بصدور فعل من أحد أحياناً حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، إلاّ أنّ الفعل حينئذ لابدّ من صدوره في الخارج ، ولا معنى لدخل اختياره فيه بوجه ، فيصدر الفعل منه في الخارج قهراً عليه ، كما نرى من نوم أحد أحياناً أو يقظته من نومه وغير ذلك .

فلو اُطلق لفظ الإرادة واُريد به العلم فلا شكّ في إمكان تعلّقها بالفعل الاختياري من شخص آخر ، كما لا شكّ في علمه سبحانه بجميع العوالم من موجوداتها ومعدوماتها من الأفعال وغيرها ، إلاّ أنّك قد عرفت(2) في جواب شبهة الأشاعرة أنّ تعلّق العلم الأزلي بفعل شيء أو تركه لا ينافي صدوره أو تركه بالاختيار . هذا مع أنّه لا شكّ في صدور الأفعال القبيحة والعبثية في الخارج ، وكيف يتفوّه العاقل بتعلّق إرادة الله بها ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

وأمّا الجهة الثالثة : فقد عرفت(3) أنّ الأفعال الصادرة عن العباد ـ خيرها وشرّها ـ إنّما تصدر عنهم بإعمالهم قدرتهم فيها ، بإفاضة الله سبحانه مبادئ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص14 .
(2) في ص36 وما بعدها .
(3) في ص30 وما بعدها .

ــ[58]ــ

وجودها من القدرة وغيرها آناً فآناً ، فلا جبر ولا تفويض بل منزلة بينهما .

وأمّا الملكات النفسانية فما كان منها حاصلا باختيار العبد بإيجاد مبادئه وأسبابه ، فحاله حال الفعل الاختياري في كونه وسطاً بين الجبر والتفويض ، وما كان منها خارجاً عن اختياره فهو مستند إلى إرادة الله سبحانه حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، وتوصيف بعض تلك الملكات بالشرّ إنّما هو بضرب من المسامحة وبالإضافة إلى جهة دون جهة ، وإلاّ فهو ممّا لابدّ منه في نظام الوجود ، ومثل ذلك لا يكون إلاّ خيراً . فكما أنّ الحكمة اقتضت إعطاء القوّة الجسمية لأحد وضعفها لآخر كذلك اقتضت إعطاء القوّة في الإدراك لشخص وضعفها لشخص آخر ، وهكذا الأمر في سائر الصفات النفسانية المقتضية في أنفسها للخيرات والشرور ، مع بقاء الاختيار في جميعها للعبد ، وأنّ الله له الإعطاء والمنع والبسط والقبض ، وهو الحكيم الخبير .

وأمّا ما ذكره السيّد (قدّس سرّه)(1) من استناد الشرور والآلام والنقائص والآثام إلى سوء الاستعدادات ونقص الاستحقاقات فيظهر بطلانه ممّا ذكرناه ، على أنّه يرد عليه : أنّ نقصان الاستحقاق وسوء الاستعداد أمر قائم بالوجود أو الماهية ؟

فإن قيل : إنّ معروضه الوجود فلا ريب في أنّه مخالف لما اتّفقت عليه كلمتهم من أنّ الوجود خير محض ، وتعلّقه بجميع الممكنات بإفاضة الله سبحانه على حدّ سواء .

وإن قيل : إنّه الماهية كما هو ظاهر كلام السيّد وصريح كلام غيره ، ولذلك قال الشيخ : ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها(2)، فيرد عليه أنّ الماهية ليست
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب القبسات : 475 (ضمن القبس العاشر) وقد تقدّمت عبارته في ص55 .
(2) حكاه عنه في شوارق الإلهام 1 : 138 .

ــ[59]ــ

إلاّ حدّاً للوجود ، ولا تقرّر لشيء منها في شيء من العوالم العرضية والطولية ، فكيف تكون معروضة لكمال الاستحقاق ونقصانه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net