رأي صاحب الكفاية وما يرد عليه 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2121


إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك فساد ما ذهب إليه صاحب الكفاية في المقام ولا بأس بذكر عباراته وتذييلها ببعض ما يرد عليها .

فمنها : قوله بعد ما ذهب إلى اتّحاد الطلب والإرادة مفهوماً ومصداقاً وإنشاءً : إشكال ودفع ، أمّا الإشكال فهو أنّه يلزم بناءً على اتّحاد الطلب والإرادة في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّي إن لم يكن هناك إرادة ، حيث إنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقي واعتباره في الطلب الجدّي ربما يكون من البديهي . وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد ، ولا يكاد يتخلّف ، إذا أراد الله شيئاً يقول له كن فيكون .

وأمّا الدفع فهو أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينية وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ، دون الإرادة التشريعيّة وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف ، وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان(1) انتهى .

فإنّه يرد عليه أوّلا : أنّ المتبادر من لفظ الطلب إنّما هو التصدّي لتحصيل المراد ، فلا يقال : طالب العلم أو طالب الضالّة أو طالب الدنيا، إلاّ لمن تصدّى لتحصيلها .

وأمّا لفظ الإرادة فالمراد به ـ كما عرفت(2)ـ إمّا الشوق النفساني ، أو عقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 67 .
(2) في ص50 ـ 51 .

ــ[60]ــ

القلب ، أو إعمال القدرة المعبّر عنه بالاختيار ، وعلى كل حال فشيء منها لا يكون متّحداً مع مفهوم الطلب أبداً .

وثانياً : أنّ تقسيم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية لا أساس له أصلا ، فإنّ الإرادة بمعنى الشوق وإن أمكن تعلّقها بفعل نفس المريد تارةً وبفعل غيره اُخرى إلاّ أنّها بهذا المعنى لا يصحّ إسنادها إلى الله تعالى ، لاستحالة تحقّق الشوق فيه سبحانه ، بل قد عرفت(1) عدم صحّة ذلك في نفسه ، فإنّها من الأفعال القائمة بالنفس لا من صفاتها ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في أحد طرفي المقدور ، وعليه فلا يعقل تعلّقه بفعل الغير أبداً ، بل هي تتعلّق دائماً بفعل نفس المريد ، نعم قد يكون فعله هو التشريع ، كما قد يكون غيره ، وعلى كل حال فالإرادة تكوينية لا تشريعية .

وثالثاً : أنّ ما ذكره من ضرورة تحقّق الإيمان والطاعة عند توافق الإرادتين وضرورة تحقّق الكفر والعصيان عند تخالفهما ، يستلزم بطلان استحقاق الثواب والعقاب وبطلان التكليف بالبعث والزجر من أصله ، وسنذكر أنّ ما أجاب به عن ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع .

ومنها قوله : إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلّف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه .

قلت : إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقة بمقدّماتها الاختيارية ، وإلاّ فلابدّ من صدورها بالاختيار ، وإلاّ لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً(2) انتهى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص57 .
(2) كفاية الاُصول : 67 .

 
 

ــ[61]ــ

فإنّه يرد عليه : أنّ الفعل إذا كان ضروري الوجود ولو لضرورة مباديه وامتنع عدمه في الخارج ، كيف يعقل البعث إليه أو الزجر عنه حقيقة ، أو ليس التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب حينئذ من العبث واللغو الظاهر ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، أفهل أوجب تسمية الأمر النفساني إرادة واختياراً مع فرض ضرورة وجوده وكونه علّة الفعل صحّة البعث والزجر وصحّة العقاب والثواب .

وليت شعري ما هو الفارق بيئن الإرادة المفسّرة عنده وعند الفلاسفة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات ، وبين الخوف الحادث للنفس الموجب للوقوع على الأرض أو أمر آخر ، فإن ترتّب الفعل على كلتا الصفتين ضروري ومن باب ترتّب المعلول على علّته ، وحدوث كلتا الصفتين في النفس خارج عن اختيارها ، فبماذا تفترق الصفتان غير تسمية الاُولى بالإرادة والثانية بالخوف ، وبماذا صحّ التكليف والعقاب والثواب مع الاُولى دون الثانية .

وأمّا ما ذكره في الجزء الثاني من الكفاية من أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربّه اُنسه ، وليكون حجّة على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة(1) انتهى .

فيظهر جوابه ممّا بيّناه ، إذ الفعل بعد ضرورة وجوده وانتهائه إلى الذات كيف يعقل إقامة الحجّة على فاعله ، أفهل يعقل سلب الذاتي عن الذات بإقامة ألف حجّة ؟ أو يعقل تخلّف المعلول عن علّته !

وليت شعري كيف يعقل الجمع بين القول بأنّ الحياة والهلاك كلاهما عن بيّنة والقول بأنّ الفعل معلول للإرادة ويستحيل انفكاكه عنها ، والإرادة منتهية إلى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 261 .

ــ[62]ــ

الذات أو إلى الإرادة الأزلية .

ومنها قوله : إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلاّ أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقتهما الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية ، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار .

قلت : العقاب إنّما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار ، الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد في بطن اُمّه ، والشقيّ شقيّ في بطن اُمّه(1)، والناس معادن كمعادن الذهب  والفضّة كما في الخبر(2)، والذاتي لا يعلّل ، فانقطع سؤال أنّه لِمَ جُعل السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً فإنّ السعيد سعيد بنفسه ، والشقيّ شقيّ كذلك ، وإنّما أوجدهما الله تعالى كذلك(3). انتهى .

وكأّنه أراد بذلك ما عن جماعة من الفلاسفة من أنّ العقاب والثواب ليسا من معاقب ومثيب خارجي ، وإنّما هما من اللوازم الذاتية للأفعال الحسنة والقبيحة المنتهية إلى الشقاوة والسعادة الذاتيتين .

فيرد عليه أوّلا : أنّه مخالف لما ثبت من الشرائع من أنّ الثواب أو العقاب إنّما هو جزاء من قبل الله تعالى على العمل الحسن أو القبيح ، كما يفصح عن ذلك كثير من الآيات القرآنية فضلا عن الروايات المتواترة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد مضمونه في موارد كثيرة منها ما رواه الصدوق في التوحيد : 356 / ب58 ح3 ، وما روي في البحار 5 : 9 / 13 .
(2) الكافي 8 : 177 / 197 ، الفقيه 4 : 380 / 5821 .
(3) كفاية الاُصول : 68 .

ــ[63]ــ

وأمّا ما ورد في بعض الروايات من تجسّم بعض الأعمال(1) فلا دلالة فيها على كون ذلك من قبيل اللوازم الذاتية ، بل هو أيضاً من باب الجزاء بالعمل كما لا يخفى .

وثانياً : أنّ العقاب أو الثواب لو كان ذاتياً للعمل فلا معنى لتوقيف العباد وسؤالهم كما هو صريح قوله تعالى : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)(4) وهل يعقل وجه صحيح للسؤال عن الذاتي ؟

وثالثاً : لو كان العقاب من اللوازم الذاتية للفعل الخارجي فما هو معنى العفو والإغماض عن بعض المعاصي بالشفاعة أو بغيرها ؟

ورابعاً : أغمضنا النظر عن العقاب أو الثواب الاُخروي فما هو المصحّح للمسؤوليات الاجتماعية إذا كانت الأفعال ضرورية الوجود في الخارج ؟ فهل يُسأل أحد عن حركة نبضه ودوران دمه في العروق ؟

وخامساً : أنّ الشقاوة والسعادة وصفان ينتزعان من الطاعة والمعصية ومن الإتيان بالأعمال الحسنة والقبيحة ، وأمّا الأوصاف والملكات النفسية فهي من عوارض النفس ، وشيء من ذلك لا معنى لكونه ذاتياً ، لا بمعنى الذاتي في كتاب الكلّيات ـ أعني به الجنس والفصل ـ ولا بمعنى الذاتي في كتاب البرهان ، أعني به ما يكفي في انتزاعه وضع نفس الذات من دون حاجة إلى ضمّ ضميمة ، الذي هو من الخارج المحمول كالإمكان بالإضافة إلى الإنسان .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الكافي 2 : 190 / باب إدخال السرور على المؤمنين ح8 ، 10 ، والبحار 18 : 292 / 2 ، 335 / 36 وغيرها .
(2) الصافات 37 : 24 .

ــ[64]ــ

وقد تلخّص ممّا ذكرنا : أنّه بناءً على ما ذكرته الفلاسفة(1) من كون الإرادة المفسّرة عندهم بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات علّة تامّة للفعل ، وانتهائها إلى الإرادة الأزلية ، يكون الفعل ضروري الوجود لا محالة ، فيكون البعث أو الزجر لغواً ، ويكون العقاب أو الثواب عقاباً أو ثواباً على أمر غير اختياري .

إذا تحقّقت ذلك فلا بأس بذكر بعض ما اُجيب به في المقام عن إشكال لغوية البعث أو الزجر ، أو عدم صحّة الجزاء على أمر غير اختياري.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net