جواب ابن سينا عن إشكال لغوية البعث أو الزجر أو عدم صحّة الجزاء على أمر غير اختياري 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2255


فمنها : ما ذكره الشيخ ابن سينا على ما حكاه عنه السيّد في القبسات وهو : أنّ العقاب للنفس على خطيئتها كما ستعلم هو كالمرض للبدن ، إلى قوله : فكما(2) لحوق المرض الجسماني للبدن بسبب تراكم الفضلات الفاسدة التابعة لنهمه ضروري وكذلك لحوق العقاب للنفس بحسب مرضها العقلاني من جهة العقائد الباطلة والأخلاق الرذيلة ضروري ، وهذا النوع من العقاب إنّما يكون للنفس الإنسانية بسبب الملكات الردية الراسخة فيها المضادّة لجوهر ذاتها(3) انتهى .

والظاهر أنّ الشيخ أراد بذلك أنّ العقاب من اللوازم الذاتية للخطيئة ، وهو كعروض المرض للبدن لفساد المزاج بتراكم الفضلات الفاسدة، وجوابه يظهر ممّا ذكرناه آنفاً .

ومنها : ما ذكره الشيخ أيضاً ، فإنّه قال بعد كلام له ما هذه عبارته : فإذن إحقاق الوعيد وتصديقه أي الإيفاء به من العناية بالإرادة والاختيار واجب في الحكمة التامّة البالغة لأجل الغرض الكلّي ، وهو كفّ الخلق عن مباشرة أسباب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما يستفاد من عبارة القبسات المتقدّمة في ص49 ، راجع أيضاً نهاية الحكمة : 297 .
(2) يظهر من مراجعة القبسات أنّ قوله : فكما ... لجوهر ذاتها ، من كلام السيّد (رحمه الله) .
(3) كتاب القبسات : 440 (ضمن القبس العاشر) .

ــ[65]ــ

العقاب الموجبة للفساد ، وإن كان ذلك غير ملائم للمجرم العاصي ، ولا واجباً أيضاً من مختار رحيم لو لم يكن الملحوظ إلاّ هذا الجانب الجزئي ولم تكن مصلحة كلّية عامّة(1).

ولا يخفى عليك أنّ الكلام تارةً يقع في فعلية العقاب بالإيفاء بالوعيد بعد فرض الاستحقاق من جهة المخالفة الاختيارية ، وهذا ممّا لا إشكال فيه في المقام ولو مع قطع النظر عمّا ذكره الشيخ من الغرض الكلّي وهو كفّ الناس عن مباشرة أسباب العقاب الموجبة للفساد ، فإنّه بعد صدور المخالفة الاختيارية المقتضية لصحّة العقاب في حكم العقل لا إشكال فيهما ، فإن عاقب الله تعالى فبعدله ، وإن عفا فبفضله .

واُخرى يقع الكلام فيما يوجب استحقاق العقاب ، وهذا هو محلّ الكلام في المقام ، فإنّه بعد فرض ضرورة الفعل واستحالة عدمه بضرورة علّته كيف يصحّ العقاب عليه ، وهل هو إلاّ من الظلم القبيح في حكم العقل ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

ومنها : ما أجاب به إمام أصحابه الفخر الرازي بقوله : فإن قيل : فإذا كان الكلّ بقدره فما فائدة الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فالجواب : أمّا الأمر والنهي فوقوعهما أيضاً من القضاء والقدر ، وأمّا الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء(2). ثمّ أتمّ جوابه بما سلكه الشيخ في جوابه الأوّل .

أقول : أمّا جوابه عن إشكال عدم صحّة العقاب على تقدير ضرورة الفعل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة سرّ القدر : 238 ، الإشارات والتنبيهات 3 : 328 فما بعدها ، وحكاه السيّد في القبسات : 441 (ضمن القبس العاشر) .
(2) المباحث المشرقية 2 : 546 ـ 547 ، وحكاه عنه في الأسفار 6 : 386 .

ــ[66]ــ

وانتهائه إلى الإرادة الأزلية فقد مرّ فساده .

وأمّا جوابه عن لغوية البعث والزجر بأنّ وقوع الأمر والنهي أيضاً من القضاء والقدر فهو عجيب جدّاً ، إذ المراد بالأمر والنهي لو كان مجرّد التكلّم بصيغتيهما ولو لم يكن بداعي البعث والتحريك فهو وإن كان ممكناً في نفسه ، ولو مع عدم القدرة على متعلّقه ، إلاّ أنّ الالتزام به يقتضي القول بعدم تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان بالعمل بالأركان ، فبماذا يستحقّ الكافر والعاصي العقاب مع فرض عدم مخالفتهما لتكليف المولى ، أو يستحقّ المطيع للثواب مع فرض عدم التكليف في حقّه .

وإن اُريد به الإنشاء بداعي جعل الداعي ، المعبّر عنه بالبعث أو الزجر فكيف يعقل صحّة ذلك مع عدم قدرة العبد على الامتثال وكون الفعل أو الترك ضرورياً ، أو ليس البعث على ما يستحيل وجوده والزجر عمّا يجب وجوده من اللغو والعبث ، بل من المستحيل ممّن يلتفت إلى عدم قدرة العبد على الامتثال .

وقد ظهر من جميع ما ذكرناه : أنّه لا ينحلّ شيء من هذه الإشكالات إلاّ بما قرّرناه وبيّناه من ثبوت الأمر بين الأمرين ، كما صرّحت به روايات أهل البيت(1) الذين هم كمثل سفينة نوح ، من تمسّك بهم نجى ، ومن تخلّف عنهم غرق .


تتميم

ذكر بعض الأساطين (قدّس سرّه) على ما في تقرير بعض تلامذته وجهاً غريباً لتصوير الأمر بين الأمرين ، ولا بأس بنقل عبارة المقرّر ثمّ تذييله بما يرد عليه ، قال في بدائع الأفكار : وتحريره يتم بتمهيد مقدّمة وهي أنّ عوارض الشيء على أقسام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآتي بعضها في ص94 ـ 95 .

ــ[67]ــ

ثلاثة :

أحدها : ما يعرض على الشيء وليس بلازم لوجوده ولا لماهيّته ، كالبياض للجسم مثلا .

ثانيها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لماهيّته .

ثالثها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لوجوده ، كالحرارة للنار .

أمّا القسم الأوّل : فلا ريب في أنّ جعل المعروض بمعنى إيجاده لا يستلزم جعل عارضه ، بل يحتاج العارض إلى جعل مستقل .

وأمّا القسمان الآخران : فما هو قابل لتعلّق الجعل به هو المعروض ، وهو المجعول بالذات ، وأمّا لازم كل من القسمين المذكورين فيتحقّق قهراً بجعل نفس ملزومه ومعروضه ، بلا حاجة إلى جعل مستقل غير جعل ملزومه ومعروضه . فالمعروض يتحقّق بالإرادة الأزليّة المتعلّقة به ، ولازمه لا يحتاج إلى تعلّق إرادة أزليّة به ، بل إرادة معروضه تكفي في تحقّقه عن تعلّق إرادة أزليّة اُخرى به .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أوصاف الإنسان على قسمين :

أحدهما : أنّه يكون من عوارض وجوده ، وليس بلازم لوجوده أو ماهيّته كالعلم والضحك ونحوهما ، وقد عرفت في المقدّمة أنّ هذا النحو من العوارض يحتاج إلى جعل مستقل يتعلّق به ، ولا يغني جعل معروضه عن جعله ، مثلا علم الإنسان بكون العمل الكذائي ذا مصلحة يحتاج إلى تعلّق إرادة أزليّة توجده في نفس الإنسان ، ولا تكفي الإرادة الأزليّة المتعلّقة بوجود الإنسان عن تعلّق إرادة اُخرى به .

وثانيهما : أن يكون الوصف من لوازم وجوده ولو في بعض مراتبه ، وقد عرفت أنّ هذا النحو من الأوصاف لا يحتاج في تحقّقه إلى جعل مستقل غير جعل معروضه ، فالإنسان ولو في بعض مراتب وجوده مقهور بالاتّصاف بصفة الاختيار

ــ[68]ــ

ويكفي في تحقّق صفة الاختيار للإنسان تعلّق الإرادة الأزليّة بوجود نفس الإنسان .

ولا ريب في أنّ كلّ فعل صادر من الإنسان بإرادته له مباد ، كعلم بفائدته وكشوق إليه ، وقدرة عليه ، واختياره في أن يفعله وأن لا يفعله، وإرادته المحرّكة نحوه ، وعليه يكون للفعل الصادر من الإنسان نسبتان :

إحداهما إليه باعتبار تعلّق اختياره به ، الذي هو من لوازم وجود الإنسان المجعولة بجعله لا بجعل مستقل .

والاُخرى إلى الله تعالى باعتبار إيجاد العلم بفائدة ذلك الفعل في نفس فاعله وإيجاد قدرته عليه ، وشوقه إليه ، إلى غير ذلك من المبادي التي ليست من لوازم وجود الإنسان ، وليست مجعولة بجعله بل بجعل مستقلّ منه تعالى .

فحينئذ لا يكون الفعل الصادر من الإنسان بإرادته مفوّضاً إليه بقول مطلق ولا مستنداً إليه تعالى كذلك ليكون العبد مقهوراً عليه ، ومعه يصحّ أن يقال : لا جبر في البين ، لكون أحد مبادي الفعل هو اختيار الإنسان المنتهي إلى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة كون بقيّة مباديه الاُخرى مستندة إليه تعالى ، ولا مانع من أن يكون ما ذكرنا هو المقصود بقوله (عليه السلام) : «لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين»(1) انتهى .
 

ويرد على ما ذكره :

أوّلا : أنّ ذلك لو تمّ وكان الاختيار مجعولا بجعل أصل وجود الإنسان لم يصحّ العقاب على الفعل المترتّب عليه ، فإنّ مبادي الفعل حينئذ بين ما هو متعلّق الإرادة الأزليّة مستقلا ، كالعلم والقدرة والشوق ونحوها ، وما هو متعلّق لها  بتعلّق الإرادة بأصل الوجود وكونه مجعولا بجعله، وبذلك يكون الفعل ضرورياً لا محالة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الأفكار : 203 ـ 205 .

ــ[69]ــ

ومعه لا يبقى مجال للتكليف بالبعث أو الزجر ، ولا لصحّة العقاب على المخالفة كما عرفت .

وثانياً : أنّ جعل الاختيار ـ الذي هو أمر يحدث بعد وجود الإنسان بكثير ـ من لوازم الوجود من الغرائب ، فإنّ لازم الوجود غير قابل الانفكاك عنه والاختيار ليس كذلك بالضرورة .

نعم كون الإنسان مالكاً لاختياره ـ بمعنى سلطنته عليه ـ من لوازم وجوده في الجملة ، إلاّ أنّه عبارة اُخرى عن قدرته على الفعل والترك ، وليس أمراً آخر في قباله ، وقد صرّح في العبارة المتقدّمة بكون القدرة مجعولة بجعل مستقل من الله تعالى .

وثالثاً : أنّ لازم الوجود إذا كان موجوداً بوجود غير ملزومه كيف يعقل جعله بجعل ملزومه ، وهل الجعل غير الإيجاد ، وهل الإيجاد غير الوجود المتّحد معه بالذات والمختلف معه بالاعتبار . فإذا كان الوجود متعدّداً كان الجعل متعدّداً بالضرورة ، غاية الأمر يكون الجعلان متقارنين زماناً ، وأين هذا من وحدة الجعل وتعدّد المجعول .

ورابعاً : أنّ ما ذكره من كون اللازم لازماً للوجود مرّة وللماهية اُخرى كلام مشهور لا أصل له ، إذ الماهيّة لا تقرّر لها في وعاء لها ليعرض لها شيء ، بل العوارض كلّها للوجود ، غاية الأمر أنّ بعضها لا يختصّ بالوجود الخارجي ، بل يعرض له وللوجود الذهني أيضاً ، كالزوجية للأربعة ونحوها .

هذا آخر ما أردنا نقله من بيانات القدماء من الفلاسفة ومن حذا حذوهم وما تيسّر لنا من تحقيق الحقّ فيها ، وممّا لابدّ منه للخائض في أمثال هذه المسائل العويصة أن يجرّد قصده لكشف الحقائق ومعرفة طرقه ، ولا يغترّ بالاصطلاحات الرهيبة والخطابيات المدهشة ، فإنّ مثلها مثل الكابوس تنفعل منه النفس وليس

ــ[70]ــ

وراءه شيء من الحقيقة ، وأنّ الاصطلاح يمحوه الاصطلاح ، والحقائق باقية على حالها لم تزل ولا تزال (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَْرْضِ) .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net