البيان الثالث 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1989


البيان الثالث للفلاسفة المتأخّرين

وقد أوضحوا حقيقة صدور الأفعال ببيان آخر نبيّنه بأكمل وجه ، ولعلّ المراجع يفهم غير ما ظهر لنا من هذا البيان ، وهو تقسيم البحث عن الفعل باعتبار جهات ثلاث .

والذي دعاهم إلى هذا التفصيل هو أنّ كلّ كائن حي أو غير حيّ من الجواهر أو من الصفات قد لا يكون للبحث فيه من جهة واحدة شيء محصّل ، بل لابدّ من ملاحظة اختلاف جهات البحث ، ولذلك حاولوا تحليل صدور الفعل مع ملاحظة تلك الجهات الثلاث : الاُولى جهة البحث الفلسفي ، الثانية : جهة البحث النفسي ، الثالثة : جهة البحث الأخلاقي ، فليس البحث عن صدور الفعل ذا جهة بسيطة كي يدور الإثبات والنفي عليها وحدها .

فبالنظر إلى الجهة الاُولى ـ وهي ربط الفعل بالقوانين الفلسفيّة ـ يبدو الفعل إجبارياً ، وقد مرّ بيان الاستدلال والجواب مسهباً .

وأمّا جهة البحث النفسي فمقتضاها اختيار الإنسان في أفعاله وتروكه ، لظهور حكم الوجدان بكون النفس ذات قوّة حقيقية بها توجب اختيار الفعل في حين أنّه قادر على اختيار الآخر وتركهما ، وإنّما نعرف وجود تلك القوّة بمعونة الأفعال وتعقّبها بالغايات التي جعلها الفاعل أهدافاً لأفعاله .

وأمّا جهة الأخلاق فهي أوضح من اُختيها ، فلا نطيل الكلام فيها .

ولكن الذي نرومه في المقام هو بيان أنّ القوانين الفلسفية المزعوم أنّها تؤدّي إلى الجبر مأخوذة من أحد طريقين : إمّا من طريق العقل كالقوانين غير المرتبطة بالمحسوسات موضوعاً ومحمولا ونسبة ، وإمّا من طريق المحسوسات كقاعدة الوراثة

ــ[75]ــ

عندهم أو الملازمة بين الحركة والنور مثلا ، فإذا لم يدلّنا أحد الطريقين على مطلوب لا تطمئنّ إليه نفوسنا .

ولا يخفى أنّ البحث النفسي أو الأخلاقي اللذين ينتجان نتيجة كلّية وضابطة عامّة يكشفان لا محالة عن أنّ ما أثبتناه إنّما هو مقتضى القوانين الفلسفية أيضاً .

وبه تعرف فساد توهّم من ذهب إلى أنّ مقتضى القانون العلمي هو الجبر ومقتضى القوانين الدولية والمقرّرات الحكومية القضائية والجزائية وغيرها هو الاختيار . ووجه الفساد : أنّ من المعلوم شدّة اختلاف قوانين الاُمم والأقوام باختلاف عاداتها ومعتقداتها ، ومع ذلك لم تشذّ واحدة منها في السؤال عن الفعل والجزاء طبق ما وقع عليه ، وهل يعقل أن يكون ذلك من باب البناء والتعبّد المحض ، بل لا استبعاد في كون اختيارية الأفعال من أوّل الضروريات حيث لم يختلف فيها اثنان ، لما ذكرناه من المسؤوليات والقضاء في جميع محاكم العالم ، بخلاف(1) الضروريات حيث ذكرنا سابقاً كثرة وقوع الخلط والاشتباه فيها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net