الآيات الدالّة على الاختيار وأقسامها 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3644

 

في تقسيم الآيات الدالّة على الاختيار

اعلم أنّ الآيات التي يمكن أن يستفاد منها الاختيار على أقسام خمسة :

الأوّل : ما يكون منها في قوّة التصريح بالاختيار .

الثاني : ما يدلّ منها على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هما لإتمام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص94 .

ــ[78]ــ

الحجّة ، وعدم تعذيبه تعالى إيّاهم إلاّ بعده .

الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عن الله سبحانه .

الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد .

الخامس : الآيات التي تدلّ على خطاب الله تبارك وتعالى العصاة يوم القيامة ، واعترافهم بتقصيرهم فيه .

وهذه الآيات آيات محكمة ، وظاهرة الدلالة على المطلوب .

وأمّا ما استدلّ به من الآيات على كون العباد مضطرّين في أفعالهم فسيجيء الجواب عن الاستدلال بها فيما بعد إن شاء الله تعالى(1).

ولا يخفى أنّا لا نورد من أقسام الآيات المذكورة إلاّ نموذجاً من كلّ قسم ، لأنّ إيراد جميعها يقتضي التفصيل كثيراً ، ولا حاجة إليه بعد وضوح الحقّ وظهوره .

أمّا القسم الأوّل : فكقوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ)(2).

وقوله تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىِّ)(3).

وقوله تعالى : (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(4).

وقوله تعالى : (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص82 وما بعدها .
(2) الأنعام 6 : 104 .
(3) البقرة 2 : 256 .
(4) البقرة 2 : 286 .

ــ[79]ــ

وَإِثْماً مُبِيناً)(1).

وقوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الخ(2).

وقوله تعالى : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(3).

وقوله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل)(4).

وقوله تعالى : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(5).

وقوله تعالى : (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(6).

وقوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(7).

وقوله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(8).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 112 .
(2) الأنعام 6 : 148 .
(3) الأعراف 7 : 28 .
(4) يونس 10 : 108 .
(5) النحل 16 : 111 .
(6) الإسراء 17 : 15 .
(7) الروم 30 : 44 .
(8) الجاثية 45 : 15 .

ــ[80]ــ

وقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(1).

وقوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)(2).

وقوله تعالى : (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(3).

القسم الثاني : ما يدلّ على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هو لإتمام الحجّة . وآياته كثيرة جدّاً ، ونذكر عدّة منها : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(4) (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)(5) (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(6).

وتقريب الاستدلال بهذا القسم من الآيات من جهتين :

الاُولى : ما ذكرنا سابقاً(7) من قبح العقاب على الفعل الاضطراري ، فإنّه ظلم والله عدل حكيم ، ومن هذه الجهة يشترك هذا القسم مع القسم الثالث .

الثانية : لزوم التكليف بما لا يطاق ، فإنّ بعث الرسول للعبد المجبور لأن يكلّفه بفعل ليس في اختياره تكليف بما لا يطاق ، مع لزوم لغويّته.

القسم الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عنه تعالى ، كقوله عزّ من قائل : (إِنَّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإنسان 76 : 3 .
(2) الإنسان 76 : 29 .
(3) الشمس 96 : 8 ـ 10 .
(4) القصص 28 : 59 .
(5) الشعراء 26 : 208 .
(6) الإسراء 17 : 15 .
(7) في ص45 وما بعدها .

 
 

ــ[81]ــ

اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة)(1) وكقوله تعالى : (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(2) (أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)(3) (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(4) وتقريب الاستدلال بها ظاهر .

وأمّا إنكار الأشعري لقبح الظلم على الله فقد عرفت(5) ما فيه ، وأنّ حكم العقل بقبحه لا يختصّ بفرد دون فرد ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . على أنّ الآيات المزبورة دالّة على عدم الوقوع لا محالة ، وهذا المقدار كاف في عدم صحّة العقاب على أمر غير اختياري .

القسم الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد . وهذا القسم شامل لجميع القرآن إلاّ الأحكام والوعد والوعيد كما لا يخفى ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا)(6) (الَّذِينَ آمَنُوا)(7)، (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)(8)، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)(9).

القسم الخامس : الآيات الدالّة على ندامة الكفّار يوم القيامة ، كقوله : (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً)(10)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 40 .
(2) البقرة 2 : 281 ، آل عمران 3 : 25 ، 161 ، الأنعام 6 : 160 ، وغيرها من الآيات .
(3) آل عمران 3 : 182 ، الأنفال 8 : 51 ، الحجّ 22 : 10 .
(4) يونس 10 : 44 .
(5) في ص46 .
(6) البقرة 2 : 6 ، 26 ، 39 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها .
(7) البقرة 2 : 25 ، 62 ، 82 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها .
(8) المائدة 5 : 38 .
(9) النور 24 : 2 .
(10) النبأ 78 : 40 .

ــ[82]ــ

 أو خطابه تعالى : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)(1) (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)(2) وغيرها من الآيات الواردة بهذا العنوان .

ووجه الاستدلال بها أنّه لو لم تكن الأفعال اختيارية فلماذا هذه الندامة ولماذا هذا الخطاب .

فإذا تبيّن دلالة الآيات الكثيرة على الاختيار فلا يبقى وزن لدعوى الأشعري دلالة بعض الآيات على الاضطرار ، مع أنّ جميع تلك الآيات غير ظاهرة فيما يدّعيه كما ستقف عليها .

والوجه في ذلك : أنّ ما ادّعي من الآيات التي تدلّ على الاضطرار لا يخلو عن أحد أقسام ستّة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجّ 22 : 10 .
(2) النبأ 78 : 40 . 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net