الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4893

 

في التكلّم في الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار

الأوّل : ما يقترن بالقرائن السابقة أو اللاحقة التي تمنع عن انعقاد ظهور الآية في المقصود ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(3).

والجواب : أنّ هذه الآية إنّما وردت في طائفة خاصّة ، ضرورة أنّ جميع الكفّار ليسوا ممّن لا ينفعهم الإنذار ، فإنّ كثيراً منهم قد اهتدوا بهداية النبي الأكرم وأوصيائه الكرام بل بتبليغ سائر المسلمين وإرشادهم ، فالمراد طائفة خاصّة من
ــــــــــــــــــــــــــــ

(3) البقرة 2 : 6 ـ 7 .

ــ[83]ــ

الكفّار ، وهم الذين تعصّبوا في كفرهم وعاندوا الإسلام والمسلمين ووصلوا إلى حدّ لا ينفعهم الإنذار ، فلهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، اُولئك كالأنعام بل هم أضل ، اُولئك هم الغافلون ، فالختم مستند إلى اختيارهم الكفر ومعاندتهم الحقّ، دون العكس .

فالمتحصّل من الآية المباركة : أنّ الكفر ربما يصل إلى حدّ لا ينفع معه الإنذار والمراد بالختم المنسوب إلى الله تعالى إمّا الختم الحقيقي المشاهد للملائكة ، وإمّا الختم المجازي المراد به انتهاء أمرهم وحرمانهم من تسديد الله تعالى وتوفيقه وهدايته . وكيف كان ، فهو مستند إلى اختيارهم الكفر ، ومترتّب عليه .

فإن قلت : ظاهر الآية يدلّ على خروجهم عن القدرة بالمرّة ، وهذا ينافي صحّة إسناد الفعل والترك إليهم .

قلت : كلاّ ، فإنّ غاية ما يستفاد من الآية المباركة هو بلوغ تلك الطائفة غاية الكفر والشقاء وأنّهم لا يؤمنون ولا يتأثّرون بالإنذار ، وليس في ذلك دلالة على عدم قدرتهم على الإيمان أصلا .

على أنّه لو سلّم ذلك لم ينفع الخصم ، لأنّ الخروج عن القدرة بالاختيار ، ولا ينافي الاختيار ، أما ترى صحّة لوم من ألقى نفسه من شاهق مع أنّه غير قادر على حفظ نفسه بعد إلقائه .

وأمّا قوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)(1) فليس فيه أدنى إشعار بكون الإنسان مسلوب الاختيار ، فإنّ المراد بالمرض الموجود فيهم إن كان هو الحقد والحسد والعناد ونحو ذلك فزيادته بظهور شوكة الإسلام وقوّته أمر ظاهر ، فإنّه كلّما قوي الإسلام وزادت شوكته زاد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2 : 10 .

ــ[84]ــ

حقد المعاندين وحسدهم بالضرورة ، وإن كان المراد به الكفر وعدم الخضوع للحقّ فالأمر أيضاً كذلك ، فإنّ كفر الكفرة يشتدّ لا محالة بمعارضة الإسلام ومعاداته .

فالغاية من بعث الرسول وإنزال الكتاب وإن كانت هداية الناس أجمعين ، إلاّ أنّ من أعرض عن الدين واتّبع شهواته ولم يكترث بغير الحياة الدنيا وعارض النبي الأكرم وشريعته يزيد طغيانه وشقاؤه ، فالمؤمن باتّباعه الحقّ واختياره الإيمان يصل إلى مرتبة الهداية والفلاح ، كما أنّ الكافر باتّباعه الباطل واختياره الكفر يزاد في كفره وشقائه ، وكلّ ذلك مستند إلى الاختيار (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(1).

الثاني : الآيات الواردة في وقائع شخصية ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ)(2) وغيره ممّا ورد في أشخاص مخصوصين وأقوام معيّنين .

والجواب عنها : أنّ أكثر هذه الموارد محفوفة بالقرائن السابقة أو اللاحقة من نفس الآيات من أنّهم اُنذروا واُبشروا بتعاليم الدين ، كقوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)(3) ولم يعتدّوا بها بل غرّتهم الحياة الدنيا فاختاروا الكفر والعصيان ، هذا فيما لو كانت الآية ظاهرة في تحقّق ذلك منهم ، وأمّا فيما لو كانت دالّة على لحوق الشقاء وأنّ مصير الشخص الخاصّ أو قوم إلى الشقاء ، فقد قلنا إنّه إنّما أخبر الله تبارك وتعالى بوقوع الشقاء منهم بمباديه الاختيارية .

الثالث : ما ورد من كون جميع ما كان وما يكون وما هو كائن ثابت في اُمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإنسان 76 : 3 .
(2) المسد 111 : 1 .
(3) فصّلت 41 : 17 .

ــ[85]ــ

الكتاب ، أو اللوح المحفوظ(1).

والجواب عن مثل هذه الآيات كالجواب عن تعلّق العلم بالأفعال ، فيكون ثبوت الأفعال والأعمال في اللوح المحفوظ على واقعها الذي ستقع عليه بمباديها ومقتضياتها ، وسيأتي تفصيل ذلك في باب القضاء والقدر إن شاء الله تعالى(2).

الرابع : الآيات التي دلّت على كون الأفعال والتروك متعلّقة بمشيّته تعالى الظاهرة في تبعيّتها لها ، وهي على قسمين :

الأوّل : ما يدلّ على النهي عن إسناد الفعل إلى العبد نفسه إلاّ بمشيّة الله ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَىْء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ)(3).

ولكن لا يخفى أنّ ظاهر الآية الشريفة هو النهي عن القول بكون العبد فاعلا تامّاً إلاّ أن يشاء الله نقض فاعليته ، وبعبارة واضحة : أن لا يتخيّل ويزعم العبد أنّه هو الفاعل ، وأنّه المحصّل لجميع شرائط الفاعلية ومقتضياتها إلاّ أن يمنع الله تبارك وتعالى عن تأثير فاعليته بمشيّته كما زعمه المفوّضة على ما سبق(4) في شرح عقيدتهم ، ففي الحقيقة أنّ الآية وما شابهها من الأدلّة الرادّة على المفوّضة .

الثاني : ما يدلّ على تعلّق المشيّة بنفس الفعل ، كقوله تعالى : (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(5) ممّا لم يحتف بالقرائن الصارفة عن ظهوره ، ولمّا كان هذا القسم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعلّ الظاهر إرادة قوله تعالى : (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد 13 : 39 ، وقوله تعالى : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ) البروج 85 : 21 ـ 22 .
(2) في ص97 .
(3) الكهف 18 : 23 ـ 24 .
(4) في ص29 .
(5) النحل 16 : 93 ، فاطر 35 : 8 .

ــ[86]ــ

يشمل عدّة آيات لذلك جعلناه :

القسم الخامس من الآيات ، ولنمهّد للجواب عن هذا القسم مقدّمة كثيرة الفائدة ، وبها يظهر الجواب عنها وافياً .

فنقول : إنّ الهداية على ما يظهر من موارد استعمالها تطلق على معان :

الأوّل : الهداية التكوينية ، التي هي إفاضة الوجود على الكائنات ، وجعلها منظّمة وخاضعة للسنن الكونية ، كتبعية وجود المعاليل لوجود عللها ، والترتيب الثابت في الحركات والأفاعيل والانفعالات الإدراكية وغير الإدراكية مع ترتيب غايات وأغراض لها ، بحيث لا تتحصّل تلك الغايات إلاّ على ما جعل الترتيب عليه ، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة طه : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(1) وقوله تعالى في سورة الأعلى : (الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(2).

الثاني : الهداية التشريعية ، وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل وسائر أسباب تبليغ الشرائع من الأوصياء وغيرهم ، كقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(3) وهذا القسم من الهداية لا يكون إلاّ على نحو إراءة الطريق وأنّه أيّ طريق يوصل العبد إلى المطلوب لو سلكه باختياره .

الثالث : الهداية الموصلة إلى المطلوب ، وهذا يقابل القسم الثاني ، إذ ليس لهذا المهدي اختيار قبول الهداية وعدمه ، كقوله تعالى في سورة الأنعام : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طه 20 : 50 .
(2) الأعلى 87 : 3 .
(3) الإنسان 76 : 3 .
(4) الأنعام 6 : 149 .

ــ[87]ــ

الرابع : الهداية بمعنى توجيه مقتضيات الخير والعبودية على نحو غير مناف لاختياره ، كتولّد العبد في الجامعة الفاضلة ومن أبوين تقيّين ، أو فقدان أسباب المعصية وأمثالها ممّا يكون دخيلا في توجّه العبد إلى الخيرات وإعراضه عن الشرور ، لا كدخل العلل التامّة بل العلل المعدّة في معاليلها .

فإذا عرفت المقدّمة تظهر لك منها نتيجتان :

الاُولى : ارتفاع الاختلاف عمّا يتراءى عن بعض الآيات في بادئ النظر حيث دلّ بعضها على أنّ الله تعالى هدى الناس أجمعين ، ودلّ بعضها الآخر على أنّه إنّما هدى البعض دون بعض ، فإنّ ما دلّ على هداية جميع الناس ناظرة إلى المعنى الثاني ، وما دلّ على اختصاصها ببعض دون بعض ناظرة إلى المعنى الرابع .

الثانية : ما نحن بصدده من الجواب عن الآيات الظاهرة في استناد الهداية والضلالة إلى مشيّته ، وهي تعلّق المشيّة بتوجيه تلك المقتضيات إلى العبد إن شاء هدايته وسلبها عنه إن شاء ضلالته ، وذلك من دون منافاة بين هذا التعلّق واختيار العبد .

السادس : الآيات التي ادّعيت صراحتها في اضطرار العباد في أفعالهم وتروكهم ، كقوله تعالى في سورة الأنفال : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(1).

والجواب عنه بالحلّ أوّلا ، وبالنقض ثانياً .

أمّا الحلّ فبالنظر إلى مورد نزول الآية الشريفة ، حيث إنّها نزلت في غزوة بدر على ما عن المفسّرين ، مستندين فيه إلى الروايات الواردة في المقام ، منها ما نقله الفيض في الصافي عن القمّي « أنّ قريشاً لمّا جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال : خذ قبضة من التراب فارمهم بها ، فقال لعلي (عليه السلام) أعطني قبضة من حصاة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 17 .

ــ[88]ــ

الوادي ، فأعطاه فرمى بها في وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلاّ شغل بعينيه ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثمّ لمّا انصرفوا أقبلوا على التفاخر ، فيقول الرجل قتلت وأسرت »(1) الحديث .

فإنّ من المعلوم عدم كفاية قدرة البشر على مثل هذه الغلبة ، فنفي الرمي عنه (صلّى الله عليه وآله) إنّما هو لإثبات أنّه من المعجزات وخوارق العادة ، وأن لا يتفاخر المؤمنون بما فعلوا في إثره من القتل والأسر .

ومثلها قوله تعالى في الآية السابقة : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) .

وأمّا النقض فبأنّه لو كان المقصود إسناد الفعل المطلق الصادر عنه (صلّى الله عليه وآله) إليه تعالى لكان من التناقض الظاهر ، كأن يقال : وما أكلت إذ أكلت ، وما قمت إذ قمت ، وما صلّيت إذ صلّيت . وفساده أظهر من أن يخفى .
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net