الروايات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2268

 

الكلام في الروايات التي توهم دلالتها على الاضطرار

ثمّ إنّ هناك روايات توهم دلالتها على الاضطرار ، وهي بحسب التقسيم ثلاثة أقسام نورد كلاًّ منها تحت عنوان مستقل ، الأول : عنوان القضاء والقدر الثاني : عنوان المشيّة ، الثالث : عنوان الفطرة والطينة .

الأوّل : عنوان القضاء والقدر ، والتقريب الكلّي الجامع لدلالة الروايات المتضمّنة لإحدى الكلمتين أو كلتيهما أنّ الفعل والترك لمّا تعلّق بهما القضاء والقدر فلابدّ من وقوعه على ما قضي عليه .

والجواب عنه يتوقّف على إيراد نبذة من الروايات المتضمّنة لهما ، وحيث إنّها مختلفة بحسب اختلاف ألسنتها نقسّمها إلى طوائف ثلاث :
الاُولى : ما وردت منها مطلقة .

الثانية : ما كانت متضمّنة لهما مع تعرّض نفس الرواية لتفسيرهما .


ــ[96]ــ

الثالثة : الروايات المجملة .

أمّا الطائفة الاُولى : وهي الروايات المطلقة ، فمنها : ما رواه في البحار ـ باب القضاء والقدر والمشيّة ـ باسناده عن عبدالله بن مسكان(1)، قال « قال أبو جعفر (عليه السلام) : لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبعة : بمشيّة ، وإرادة ، وقضاء ، وقدر ، وإذن ، وكتاب ، وأجل ، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة منهنّ فقد كفر »(2).

وفي هذا الباب في البحار باسناده عن محمّد بن عبدالرحمن العزرمي(3)، قال : « سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة »(4).

وأمّا تفسير هذه الروايات فهو بأحد طريقين :

الأوّل : الروايات الواردة في تفسير الكلمتين .

الثاني : استكشافه من موارد استعمالاتهما التي تناسب المقام .

أمّا الطريق الأوّل : وهو التفسير بالطائفة الثانية من الروايات .

فمنها : ما نقلناه سابقاً(5)، وهو الرواية المعروفة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عند انصرافه من صفّين ، وفيها : « قال الشيخ : فما القضاء والقدر الذي ذكرته ياأمير المؤمنين ؟ قال : الأمر بالطاعة ، والنهي عن المعصية ، والتمكين من فعل الحسنة وترك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [في المصدر : عن حريز بن عبدالله أو عبدالله بن مسكان] .
(2) راجع بحار الأنوار 5 : 121 / 65 .
(3) [في المصدر : عن أبيه رفعه إلى من قال : « سمعت ... »] .
(4) راجع بحار الأنوار 5 : 114 / 43 .
(5) في ص89 ـ 90 .

ــ[97]ــ

المعصية ، والمعونة على القربة إليه ، والخذلان لمن عصاه ، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، كلّ ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا، أمّا غير ذلك فلا تظنّه » .

ولا يخفى أنّ هذا الذيل للرواية نقله المحدّث الأعظم المجلسي (قدّس سرّه)(1). فالرواية الشريفة قد فسّرت القضاء والقدر بثبوت جميع الأشياء بمباديها وأسبابها فالفعل مثلا وإن كان ثابتاً في القضاء إلاّ أنّ التمكين منه والأمر به أو النهي عنه أيضاً واقع في مباديه .

ويظهر من بعض الروايات أنّ القضاء المستعمل في الروايات على قسمين : قضاء حتم وقضاء غير حتم ، والذي تعلّق بالأفعال هو الثاني ، بمعنى أنّ القضاء الذي ثبت فيه الفعل هو ما لا ينافي قدرة العبد على الفعل والترك واختياره كما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة ، معلّلا بأنّه لو كان القضاء والقدر الحتميين لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والوعد والوعيد .

فبقرينة أمثال هذه تحمل الروايات الدالّة على استحالة تخلّف الكائنات عمّا قضى عليه على الاُمور التكوينية ، وهو مفاد القضاء والقدر الحتميين ، كرواية الدقّاق في البحار : « فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء »(2) وغيرها ممّا أوقع الاستلزام بين القضاء وتبعيّة المقضي عليه.

وفي بعض الروايات أنّ القضاء غير القدر ، وأنّ الثاني إنّما يتعلّق بالاُمور التكوينية ، كما في رواية يونس عن الرضا (عليه السلام) وفيها : « أتدري ما المشيّة يايونس ؟ قلت : لا ، قال : هو الذكر الأوّل . وتدري ما الإرادة ؟ قلت : لا ، قال : العزيمة على ما شاء . وتدري ما التقدير ؟ قلت : لا ، قال : هو وضع الحدود من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 5 : 96 / 20 .
(2) بحار الأنوار 5 : 102 / 27 .

ــ[98]ــ

الآجال والأرزاق والبقاء والفناء . وتدري ما القضاء ؟ قلت : لا ، قال : هو إقامة العين ، ولا يكون إلاّ ما شاء الله في الذكر الأوّل »(1) فإنّ تفسير القضاء بإقامة العين وإن كان لا يخلو عن إجمال ، إلاّ أنّ تفسير القدر بكونه وضع الحدود من الآجال وغيرها تفسير بالاُمور التكوينية .

ومثلها بعض روايات اُخر ، كرواية اُخرى ليونس وفيها : « أوَ تدري ما قدر ؟ قال : لا ، قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء »(2).

وملخّص الكلام : أنّ هذه الروايات المفسّرة التي نقلناها ليس فيها أدنى ما يشعر بتعلّق القضاء بالأفعال على نحو يستلزم سلب الاختيار عن العبد .

الطريق الثاني : حمل هذه الروايات على أحد المعاني التي تستعمل كلمة القضاء فيها ، وأهمّها ما ورد في القرآن الكريم ، وهي كما عن بعض الأعاظم(3):

المعنى الشاهد
1 ـ العلم  إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا(5).
2 ـ الإعلام  وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ(6).
3 ـ الحكم  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ(7).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 5 : 116 / 49 .
(2) بحار الأنوار 5 : 122 / 69 .
(3) حكاه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد : 385 ـ 386 عن بعض أهل العلم .
(4) يوسف 12 : 68 .
(4) الإسراء 17 : 4 .
(6) النمل 27 : 78 .

ــ[99]ــ

4 ـ القول
 وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ(1).
5 ـ  الحتم  فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ(2).
6 ـ الأمر  وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ(3).
7 ـ الخلق  فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ(4).
8 ـ الفعل  فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض(5).
9 ـ الإتمام  فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاَْجَلَ(6).
10 ـ الفراغ  قُضِيَ الاَْمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(7).

ولا يخفى أنّه يمكن إرجاع بعض هذه المعاني إلى بعض آخر ، وكيف كان فليس من هذه المعاني شيء يناسب إسناد فعل العبد إليه بحيث يوجب اضطراره إليه .

أمّا العلم فقد عرفت سابقاً(8) أنّ انكشاف الواقع على ما هو عليه لا يستلزم وقوعه في الخارج مستنداً إليه .

وأمّا الإعلام ـ بمعنى إخباره تعالى عن أفعالهم ـ فقد عرفت فيما مضى(9) عدم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غافر 40 : 20 .
(2) سبأ 34 : 14 .
(3) الإسراء 17 : 23 .
(4) فصّلت 41 : 12 .
(5) طه 20 : 72 .
(6) القصص 28 : 29 .
(7) يوسف 12 : 41 .
(8) في ص36 ـ 37 .
(9) في ص38 .

ــ[100]ــ

استلزامه الاضطرار ، لأنّه إعلام بصدور الفعل بمباديه ومنها الاختيار .

وأمّا الحكم والأمر فإن كان المقصود منهما هو الأمر والنهي المصطلحين ـ كما هو الظاهر ـ فلا منافاة بينهما وبين اختيار العبد في أفعاله، كما نراه من وجود الأمر والنهي وعدم اعتداد الكفّار والفسّاق بهما ، وإن كان المراد غير ما ذكرناه فهو مجهول ، ولمدّعيه بيانه وإثباته.

وأمّا الحتم فقد أنكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة(1) وغيرها ممّا ورد مفسّراً لكلمتي القضاء والقدر .

وأمّا الخلق والفعل فلوضوح استحالة إسناد الأفعال السفهية والعبثية والشرور إلى جنابه تعالى ثمّ العقوبة عليها ، كما أوضحناه في المباحث السابقة(2) مبسوطاً .

وأمّا الإتمام والفراغ فإن اُريد منهما الإتمام والفراغ التشريعيان فهو ممّا لابدّ من القول به ، فإنّ مآلهما إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل وغيرهما من أسباب إيصال الشرائع ، وإن اُريد منهما ما يقتضي إجبار العبد واضطراره إلى أفعاله وتروكه فهو ممّا قامت الأدلّة العقلية والنقلية على خلافه .

ثمّ إنّه لا يخفى تسمية المجبّرة بالقدرية كما سبق في أوّل البحث(3)، لورود بعض الروايات في المقام(4)، ومن أوضح ما ورد في المقام في نفي القدر على كلا الاصطلاحين ـ الجبر والتفويض ـ الصحيح الذي رواه العلاّمة شبّر في مصابيح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص89 .
(2) لم يتقدّم ما يوضّح ذلك فراجع .
(3) في ص28 .
(4) راجع بحار الأنوار 5 : 12 / 19 ، وقد تقدّمت في ص89 ـ 90 من هذه الرسالة .

ــ[101]ــ

الأنوار عن الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله تعالى أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم فهذا قد وهن الله في سلطانه فهو كافر ، ورجل يقول : إنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا أحسن حمد الله وإذا ساء استغفر الله ، فهو مسلم بالغ »(1).

فإنّك ترى كيف أوقع الاستلزام بين القدر على معنى الإجبار والاضطرار وبين إسناد الظلم إليه تعالى ، وكذلك الاستلزام بين القدر بمعنى التفويض وتوهين الله وإخراجه عن سلطانه جلّ سلطانه ، وفسّر القدر بالتكليف بما يطيقون ، كما كانت الروايات السابقة ناطقة بها ، لا سيّما ما روي عن أمير المؤمنين(2).

وممّا ذكرنا يظهر حال الطائفة الثالثة وهي الروايات المجملة ، فإنّ ما بيّناه من الطريقين هو المبيّن لها ، فإن كانت هناك رواية صريحة الدلالة على الاضطرار فمع قصورها عن معارضة تلك الروايات المتظافرة المتواترة الدالّة على الاختيار ـ بل فوق التواتر الاصطلاحي يقيناً ـ ومع دلالة حكم العقل على خلاف مضمونها حكماً بديهيّاً بحيث توجب بداهته كونه قرينة متّصلة عليها ، فلابدّ من حملها على التقيّة ، لما ذكرناه في المقدّمات(3)، لكون مذهب الجبر أشهر المذاهب عند العامّة .

الثاني : عنوان المشيّة . ويقع الكلام في هذا العنوان في مقامين ، الأوّل : في معنى المشيّة ، الثاني : فيما يراد منها في الأخبار المتضمّنة لها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه في المصدر المذكور ، نعم رواه في بحار الأنوار 5 : 9 / 14 ، لكن في سنده كلام .
(2) راجع ص89 .
(3) في ص27 ـ 28 .

ــ[102]ــ

أمّا المقام الأوّل : فقد أخذها أهل اللغة(1) والفلاسفة(2) مرادفة للإرادة وعن بعض الماضين الفرق بين إسنادها إلى الله تعالى فبمعنى التقدير ، وإسنادها إلى العبد فبمعنى الإرادة .

وكيف كان ، فلا ريب في كونها من صفات الله تبارك وتعالى ، وقد اتّفقت عليه كلمة المسلمين بل أكثر أهل الملّة ، وإنّما الاختلاف في كونها من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ، أو من الصفات الفعلية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتكلّم .

وقد ذهبت الفلاسفة إلى الأوّل ، وقد حقّقنا ـ فيما مرّ غير مرّة ـ أنّها من الصفات الفعلية ، لتعلّق قدرته تعالى بها إيجاداً وإعداماً ، فإنّه تعالى قادر على أن يشاء وأن لا يشاء ، وليس كذلك العلم ونفس القدرة ، وأمّا ما اختاروه من كونها مرادفة للإرادة فهو الحقّ ، نعم إنّ معنى الإرادة والمشيّة المستندة إلى الله تعالى ليس إلاّ إعمال قدرته .

وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عمّا اُريد منها في الروايات الواردة في المقام وكيفية تعلّقها بالموجودات عامّة .

والروايات الدالّة على تعلّق المشيّة بها وإن كانت كثيرة إلاّ أنّا ننقل منها رواية واحدة ، وهي ما رواه في البحار باسناده عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال : « لا يكون شيء في السماوات والأرض إلاّ بسبعة : بقضاء ، وقدر ، وإرادة ، ومشيّة ، وكتاب ، وأجل ، وإذن » الحديث(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع المصباح المنير : 330 ، والمنجد : 410 ، ولسان العرب 1 : 103 .
(2) راجع شرح اُصول الكافي (لصدر المتألّهين) : 288 .
(3) بحار الأنوار 5 : 88 / 7 .

ــ[103]ــ

وقد حقّقنا فيما مضى(1) أنّ الإرادة والمشيّة منه تعالى هي إعمال القدرة فتعلّقها بالموجودات إنفاذ قدرته عليها بإفاضة الوجود ، وكلّ موجود في الخارج فوجوده وكلّ ماله من الأطوار والأحوال والشؤون الكونية إنّما هي باعمال قدرته المطلقة ، وإنفاذ فيّاضيّته التامّة .

وبهذا التقريب لا يوجد موجود في الخارج إلاّ ووجوده منته إليه سبحانه وهذا الأنتهاء يكون على قسمين :

الأوّل : أن ينتهي الموجود بنفسه إلى إعمال قدرته ، كالذوات على اختلافها وكثرتها ، والعلائق الكونية كعلاقة العلّية والمعلولية ، وعلاقة الغايات بالمغيّات والمواد والصور وغيرها ممّا صيّر العالم متكوّناً بها ، فإنّ هذه كلّها أفعاله سبحانه ومنتهية إلى مشيّته التي هي إعماله قدرته بنفسها . القسم الثاني : ما تنتهي إلى جنابه تعالى لا بأنفسها وبلا واسطة كالذوات بل انتهاؤها إليه باقداره عليها ، كالأفعال الصادرة عن العباد ، وهذا الإقدار كما بيّناه فيما مضى من الأبحاث(2) هو فعله سبحانه على الدوام على طبق دوام إفاضته على الموجودات التكوينية على الدوام وبلا انقطاع .

وبهذا ندفع ما ربما يقال من أنّ الإقدار على الفعل لا يصحّح الانتهاء إليه (إلى مشيّته) ووجه الاندفاع : ما ذكرناه من استمرار الفيض وإعمال قدرته في جميع الآنات حتّى الآنات المارّة بالفعل الصادر عن العبد .

ثمّ إنّه قد ذكر في بعض الروايات للمشيّة معان اُخر لا تعمّ جميع أنحاء التعلّق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص56 .
(2) في ص30 و34 .

ــ[104]ــ

والمتعلّق ، فمنها : ما تفرّق بين الطاعات والعبادات وبين سائر التكوينيّات(1) بحيث يوجب اختلافاً في معنى المشيّة على حسب اختلاف متعلّقاتها . ومنها : ما يفسّرها بالعلم وغير ذلك من الاُمور(2).

والمعنى الجامع بحيث يسلم عمّا قيل أو يمكن أن يقال هو ما ذكرناه من اختلاف الانتهاء إليه تعالى ، وليس فيه ما يدلّ على اضطرار العبد في فعله .

الثالث : عنوان الطينة . وقبل الخوض في تحقيق ما اُريد بها في الروايات لابدّ من تمهيد مقدّمتين :

الاُولى : لا ريب ولا شكّ في أنّ لوجود الإنسان قبل هذا العالم ـ عالم الكون والفساد ـ عوالم اُخر ، سار فيها حتّى وصل إليه ومنها عالم الأرواح ، وقد عبّر عنه بعالم الذرّ في بعض الأخبار(3).

وقد ذهب إلى وجوده جمع من المتألّهين وفلاسفة الإسلام ، وهو العالم الذي لم تكن فيه للأبدان والأجسام عين ولا أثر .

وقد فسّرت الآيات الواردة في مضمون أخذ العهد من العباد(4) به(5) وبذلك قد يعبّر عنه بعالم العهد ، وهو على ما بيّنوه بدء خلق الأرواح ثمّ تكليفهم بالتوحيد والإيمان في حال كونهم مختارين .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 151 / 3 ، 4 .
(2) بل يوجد خلافه في بحار الأنوار 4 : 144 / 15 .
(3) الكافي 2 : 6 ، 8 .
(4) كقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...) الأعراف 7 : 172 .
(5) راجع الكافي 2 : 7 / 2 ، 8 / 1 .

ــ[105]ــ

الثانية : قد وقع النزاع والخلاف في تفسير الطينة ، فقد ذهب بعض إلى أنّ المراد بها ما هو الظاهر منها ، وهو التراب الممتزج بقليل من الماء، وهذا هو الذي نختاره ، وقريب منه ما فسّرها به بعضهم من أنّها المواد والصور المعدّة للنطفة .

وربما يظهر من الآخرين الفرق بين استعمالها فيما قبل الحياة الدنيوية وما بعدها ، فاختار كون المراد بها في الأوّل أحد المعنيين المذكورين ، وفي الثاني المادّة المستديرة الثابتة بعد الممات وفناء الجسم .

فإذا عرفت المقدّمتين فنقول : إنّ اختلاف الطينات بحسب الشقاوة والسعادة وإن كان ظاهراً من الأخبار(1) إلاّ أنّ هذا الاختلاف في الطينة لا يرتبط بالجبر والاختيار أصلا ، لأنّا قلنا في المقدّمة الثانية إنّ المراد بالطينة ليست إلاّ ما يظهر من لفظها ، وهو ليس قابلا لجعل الشقاوة والسعادة فيه ، فإنّما هي شيء جامد لا تحسّ ولا تشعر ، ومحلّ الشقاوة والسعادة إنّما هو الأرواح ، وقد دلّت الروايات(2) على أنّ التكليف قد توجّه إليها حال كونها مختارة ، فعليه يكون اختلاف الطينات كاشفاً عمّا اختاروه في عالم العهد ، فلا تنافي خصوصية الطينة التي اكتسبها باختياره في عالم التكليف الأوّل وهذا العالم كونه مختاراً .

وهناك روايات اُخر يظهر منها كون الطينة هي المؤثّرة(3). والجواب عنه واضح ، وذلك لأنّ الروايات الدالّة على تأثيرها قد صرّحت بتركّب كل طينة من جزأين : أحدهما مقتضي الشقاوة ، وثانيهما مقتضي السعادة ، فكلا الوصفين بالنسبة إلى اختيار العبد على السواء ، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 67 : 77 وما بعدها (المقصود ج64 حسب الترتيب القديم) .
(2) لعلّ منها ما في المصدر المتقدّم : 93 / 14 ، 15 ، 21 .
(3) منها ما في المصدر المتقدّم : 78 / 7 ، 9 .

ــ[106]ــ

وإن كان من الروايات شيء ظاهر في كون تخصيص الطينة هو العلّة التامّة للسعادة والشقاوة فإنّها آحاد ، لا تكافئ الضرورة العقلية والآيات الكثيرة والروايات المتجاوزة عن حدّ التواتر على اختلاف عناوينها ، فهي إمّا مؤوّلة أو مطروحة .
والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعترته الطاهرين المعصومين .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net