تقليد غير الأعلم فيما توافق مع الأعلم 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1952


ــ[169]ــ

   [ 18 ] مسألة 18 : الأحوط عدم تقليد المفضول حتى ((1)) في المسألة الّتي توافق فتواه فتوى الأفضل (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما الأشدية في المراتب العلمية بأن يقال : إن من انكشف له حكم المسألة انكشافاً جزمياً فهو مقدّم على من انكشف له حكمها انكشافاً ظنياً مثلاً ، أو إن من انكشف له حكمها من أدلتها ظناً يتقدم على من لم يحصل له الظن بحكمها من أدلتها أو الأقوائية بحسب المبنى ، كما إذا كان أحد المجتهدين قوياً في مبانيه العلمية بحيث لا يشك فيها بتشكيك المشككين ، ولا يرفع اليد عنها بالمناقشة في أدلتها بخلاف الآخر ، فلا يمكن حمل الأعلم على شيء منهما ، وذلك لأنهما غير راجعين إلى الأعرفية في التطبيق . على أن الاجتهاد إنما يدور مدار قيام الحجة على الحكم وعدمه سواء انكشف بها الحكم الشرعي جزمياً أو ظنياً أم لم ينكشف ، وسواء أمكن التشكيك في مباني المجتهد أم لم يمكن ، فلا توقف للاجتهاد على شدة الانكشاف وضعفه ، ولا على قوة المباني وعدمها فلاحظ .

   (1) ذكرنا في المسألة الثانية عشرة أن الأعلم إنما يجب تقليده فيما إذا علمت المخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى ، وأما مع العلم بالموافقة بينهما أو احتمالها فلا يجب تقليد الأعلم بوجه ، لأن الحجية إنما ثبتت لطبيعي فتوى العالم أو الفقيه على نحو صرف الوجود ، فإذا عمل المقلّد بفتياهما فقد عمل على طبق الحجة أعني فتوى الفقيه ، ولم يقم دليل على وجوب تعيين المجتهد المقلّد وتمييزه حينئذ وهو نظير ما إذا ورد روايتان ودلتا على وجوب شيء معيّن وأفتى المجتهد بوجوبه استناداً إلى الجامع بين الروايتين ، فإنه حينئذ قد عمل على طبق الحجة الشرعية ، ولا يجب عليه أن يعيّن ما عمل به منهما ، فما يظهر من الماتن من لزوم تعيين المجتهد المقلّد في مفروض الكلام مما لا مستند له ، وتوضيح ذلك :

   أن المجتهدين المتعددين إذا اتفقوا في الاجتهاد لم يقم أي دليل على أن العامّي يجب أن يستند إلى فتاواهم في مقام العمل ، تساووا في الفضيلة أم اختلفوا وقد تكلمنا على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا بأس بتركه في هذا الفرض .

ــ[170]ــ

ذلك في محلّه (1) فلا نعيد ، إلاّ أ نّا لو قلنا بوجوب الاستناد فهل الواجب أن يستند إلى خصوص فتوى أحدهم المعيّن ، أو يكفي الاستناد إلى الجامع أو المجموع ؟

   الصحيح أن الاستناد إلى فتوى أي واحد من المجتهدين المتفقين في الاجتهاد يجزي في مقام الامتثال ، وذلك لشمول أدلة الحجية لفتوى كل واحد منهم في محل الكلام وسرّه أن الحجية نظير غيرها من الأحكام الوضعية أو التكليفية قد جعلت لطبيعي الدليل وهو قابل الصدق على الواحد والكثير . إذن فموضوع الحجية في المقام إنما هو طبيعي فتوى العالم أو الفقيه وهو قابل الانطباق على فتوى كل من المجتهدين وبهذا تتصف كل واحدة من الفتاوى المتفقة بالمنجّزية والمعذّرية ، ويسوغ للمكلف أن يستند إلى فتوى هذا بخصوصها وإلى فتوى ذاك كذلك .

   كما أن له أن يستند إلى الطبيعي الملغى عنه الخصوصيات والمشخصات والكثرات والمميزات لأنه الموضوع للحجية ، كما هو الحال في بقية الحجج المتفقة في المضمون وبهذا يظهر أن الاستناد إلى مجموع الفتاوى غير صحيح ، لأن المجموع بما هو مجموع أعني اعتبار ضم كل واحدة منها إلى الاُخرى في مقام الاستناد ينافي حجية كل من الفتاوى في نفسها ، لما ذكرناه من أن كل واحدة من الفتاوى حجة على استقلالها فلا معنى لانضمام بعضها إلى بعضها الآخر في مقام الاستناد ، وبعبارة اُخرى أن كل واحدة منها معذّرة ومنجّزة لا أنها جزؤهما . وأما الاستناد إلى المجموع لا بما هو كذلك ، بل بمعنى الجميع بأن يستند إلى هذا في نفسه وإلى ذاك كذلك وهو المعبّر عنه بالعموم الاستغراقي ، فلا يرد عليه المحذور المتقدم لعدم كون الاستناد إلى الفتوى الثانية منافياً لحجية الاُولى باستقلالها إلاّ أنه لغو لا أثر له ، فإنه بعد حجية كل واحدة من الفتاوى في نفسها وجواز الاستناد إليها باستقلالها لا حاجة إلى الاستناد إلى الاُخرى بوجه .

   ودعوى أن ذلك يستلزم توارد العلل المتعددة على معلول واحد . مندفعة بأن الداعي على الاتيان بالعمل أو تركه إنما هو ثبوت التكليف به أو بتركه ، فالامتثال مستند إلى التكليف الواحد وإن قامت عليه حجج متعددة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 107  .

ــ[171]ــ

   [ 19 ] مسألة 19 : لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم(1)، كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم(2).

   [ 20 ] مسألة 20 : يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص(3) وكذا يعرف بشهادة عدلين ((1)) من أهل الخبرة (4) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لأن الأدلة المتقدمة المسوّغة للتقليد غير شاملة للتقليد من غير المجتهد لاختصاصها بالعالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل غير الصادقة على غير المجتهد .

   (2) على ما فصلنا الكلام فيه في أول الكتاب وقلنا إن كل مكلف لا بدّ أن يكون في أعماله أو تروكه مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً ، كما أن المجتهد ليس له أن يقلّد الغير ، إذ لا تشمله الأدلة المسوّغة للتقليد . وأما الواجد لملكة الاجتهاد إذا لم يتصد للاستنباط أصلاً أو أنه استنبط جملة قليلة من الأحكام فقد بيّنا في التكلّم على أقسام الاجتهاد أن الصحيح عدم مشروعية التقليد في حقه ، كما أنه لا يجوز التقليد منه إذا لم يتصد للاستنباط أصلاً فليراجع (2) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net