1- تعريف الاجتهاد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4590


 مباحث الإجتهاد

    ويقع الكلام فيه من جهات :

   1 ـ تعريف الاجتهاد  :

   الاجتهاد مأخوذ من الجُهد ـ بالضم ـ وهو لغة : الطاقة ، أو أنه من الجَهد ـ  بالفتح  ـ ومعناه : المشقة ويأتي بمعنى الطاقة أيضاً ، وعليه فالاجتهاد بمعنى بذل الوسع والطاقة سواء أخذناه من الجَهد ـ بالفتح ـ أو الجُهد ـ بالضم ـ وذلك لأن بذل الطاقة لا يخلو عن مشقة وهما أمران متلازمان ، هذا بحسب اللغة .

   وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفوه : باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي وتعريف الاجتهاد بذلك وإن وقع في كلمات أصحابنا (قدّس الله أسرارهم) إلاّ أن الأصل في ذلك هم العامة ، حيث عرّفوه بذلك لذهابهم إلى اعتبار الظن في الأحكام الشرعية، ومن هنا أخذوه في تعريف الاجتهاد ووافقهم عليه أصحابنا مع عدم ملائمته لما هو المقرّر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شيء ، وأن العبرة إنما هي بما جعلت

ــ[9]ــ

له الحجية شرعاً سواء أ كان هو الظن أو غيره ، فتفسير الاجتهاد بذلك مما لا تلتزم به الإمامية بتاتاً . بل يمكن المناقشة فيه حتّى على مسلك العامة لأن الدليل في الأحكام الشرعية عندهم غير منحصر بالظن فهو تفسير بالأخص . وعليه فهذا التعريف ساقط عند كلتا الطائفتين .

   ومن هنا فسّره المتأخرون من أصحابنا بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية . وتعريف الاجتهاد بذلك وإن لم ترد عليه المناقشة المتقدمة ، إلاّ أن الاجتهاد بهذا المعنى ليس من أطراف الوجوب التخييري الثابت للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، وذلك لأن الأحكام الواقعية ـ على ما بيّناه سابقاً ـ قد تنجّزت بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال ولأجله قد استقل العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ ، وهو لا يتحصل إلاّ بالاحتياط أو بتحصيل العلم بالأحكام من دون متابعة الغير كما في الاجتهاد ، أو بمتابعته كما في التقليد ، حيث إن المكلف بتركه تلك الطرق يحتمل العقاب في كل ما يفعله ويتركه لاحتمال حرمته أو وجوبه ، والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ومن البديهي أن المجتهد أعني من له ملكة الاستنباط من غير أن يستنبط ويتصدى لتحصيل الحجة ولا في حكم واحد ، كغيره يحتمل العقاب في كل من أفعاله وتروكه ، ومعه لا بدّ له أيضاً إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو يحتاط .

   وبهذا ينكشف أن الاجتهاد الّذي يعدّ عِدلاً للتقليد والاحتياط ليس هو بمعنى الملكة ، وإنما معناه : تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بالفعل ، أعني العمل والاستنباط الخارجيين لأنه المؤمّن من العقاب ولا أثر في ذلك للملكة، وتوضيحه :

   أن ملكة الاجتهاد غير ملكة السخاوة والشجاعة ونحوهما من الملكات ، إذ الملكة في مثلهما إنما تتحقق بالعمل وبالمزاولة كدخول المخاوف والتصدي للمهالك ، فإن بذلك يضعف الخوف متدرّجاً ويزول شيئاً فشيئاً حتى لا يخاف صاحبه من الحروب العظيمة وغيرها من الاُمور المهام ، فترى أنه يدخل الأمر الخطير كما يدخل داره . وكذلك الحال في ملكة السخاوة فإن بالاعطاء متدرّجاً قد يصل الانسان مرتبة يقدّم غيره على نفسه ، فيبقى جائعاً ويطعم ما بيده لغيره . والمتحصل أن العمل في أمثال تلك الملكات متقدم على الملكة ، وهذا بخلاف ملكة الاجتهاد لأنها إنما تتوقف على جملة

ــ[10]ــ

من المبادئ والعلوم كالنحو والصرف وغيرهما ، والعمدة علم الاُصول فبعدما تعلّمها الانسان تحصل له ملكة الاستنباط وإن لم يتصدّ للاستنباط ولا في حكم واحد، إذن العمل أي الاستنباط متأخر عن الملكة ، فلا وجه لما قد يتوهم من أنها كسائر الملكات غير منفكة عن العمل والاستنباط ، فمن حصلت له الملكة فلا محالة اشتغل بالاستنباط ، وعليه فبمجرّد حصول الملكة له يحصل له الأمن عن العقاب . بل الاستنباط كما عرفت متأخر عن الملكة من غير أن يكون له دخل في حصولها . نعم تتقوى الملكة بالممارسة والاستنباط ـ بعد تحققها في نفسها ـ لا أنها تتوقف عليه في الوجود .

   إذن الاجتهاد بمعنى الملكة لا يترتب عليه الأمن من العقاب ولا يكون عِدلاً للتقليد والاحتياط .

   فالصحيح أن يعرّف الاجتهاد بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وهو بهذا المعنى سليم عن كلتا المناقشتين المتقدمتين .

   بقي شيء : وهو أن المجتهد بمعنى من له الملكة قبل أن يستنبط شيئاً من الأحكام هل يجوز تقليده ؟ وهل يحرم عليه تقليد الغير ؟ وهل يترتب عليه غير ذلك من الأحكام المترتبة على الاجتهاد ، أو أنها مختصة بالمجتهد الّذي تصدى لتحصيل الحجة على الأحكام أعني المستنبط بالفعل ، ولا يعمّ من له الملكة إذا لم يتصدّ للاستنباط خارجاً ؟ ولكنه بحث خارج عن محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في الاجتهاد الّذي هو عديل التقليد والاحتياط وهو من أطراف الواجب التخييري . وأما أن الأحكام المتقدمة تترتب على من له ملكة الاستنباط أو لا تترتب فيأتي عليه الكلام في البحث عن شرائط المقلد إن شاء الله .

   ثمّ إن التعريف الّذي قدّمناه للاجتهاد مضافاً إلى أنه سليم عن المناقشتين المتقدمتين، يمكن أن تقع به المصالحة بين الأخباريين والاُصوليين ، وذلك لأن الفريقين يعترفان بلزوم تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية ولا استيحاش للأخباريين عن الاجتهاد بهذا المعنى ، وإنما أنكروا جواز العمل بالاجتهاد المفسّر باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي ، والحق معهم لأن الاجتهاد بذلك المعنى بدعة ولا يجوز العمل على

ــ[11]ــ

طبقه ، إذ لا عبرة بالظن في الشريعة المقدسة ، بل قد نهى الله سبحانه عن اتّباعه في الكتاب العزيز وقال عزّ من قائل : (وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّاً إن الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ) (1) وقال : (يا أ يّها الّذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظّن ... ) (2) إلى غير ذلك من الآيات .

   وأمّا تحصيل الحجّة على الأحكام فهو مما لا بدّ منه عند كل من اعترف بالشرع والشريعة ، لبداهة أن الأحكام الشرعية ليست من الاُمور البديهية الّتي لا يحتاج إثباتها إلى دليل . نعم ، قد يقع الخلاف في بعض المصاديق والصغريات ، مثلاً لا يرى الاُصولي شيئاً حجة وهو حجة عند المحدّثين ، أو بالعكس إلاّ أنه غير مضرّ بالاتفاق على كبرى لزوم تحصيل الحجة على الحكم ، كيف فانه قد وقع نظيره بين كل من الطائفتين ، فترى أن المحدّث الاسترابادي يرى عدم حجية الاستصحاب في الأحكام الكلّية إلاّ في استصحاب عدم النسخ (3) ويرى غيره خلافه ، هذا كلّه في الاجتهاد .

   وكذلك الحال في التقليد ، إذ لا موقع لاستيحاش المحدّثين منه لأنه على ما فسّرنا الاجتهاد به من الاُمور الضرورية والمرتكزة عند العقلاء ، حيث إن من لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو أنه تمكن ولكنه لم يتصد لتحصيلها جاهل به كما أن من حصّلها عالم بالحكم ، وجواز رجوع الجاهل إلى العالم من الضروريات الّتي لم يختلف فيها إثنان ، وهو أمر مرتكز في الأذهان وثابت ببناء العقلاء في جميع الأعصار والأزمان .

   والمتحصل إلى هنا : أن الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي كما يراه المحدّثون بدعة وضلال ، إلاّ أن الاُصوليين لا يريدون إثباته وتجويزه ولا يدّعون وجوبه ولا جوازه بوجه ، بناءاً على عدم تمامية مقدمات الإنسداد ـ  كما هو الصحيح  ـ وأمّا الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فهو أمر لا يسع المحدّث إنكاره وهو الّذي يرى الاُصولي وجوبه . فما أنكره المحدّثون لا يثبته الاُصوليون كما أن ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يونس 10 : 36 .

(2) الحجرات 49 : 12 .

(3) الفوائد المدنية : 141 ـ 143 .

ــ[12]ــ

يريد الاُصولي إثباته لا ينكره المحدّثون . إذن يظهر أن النزاع بين الفريقين لفظي وهو راجع إلى التسمية فإن المحدّث لا يرضى بتسمية تحصيل الحجة إجتهاداً وأما واقعه فكلتا الطائفتين تعترف به كما مر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net