إجارة الثمر على الشجر - وقوع المنفعة عوضاً - وقوع منافع الحرّ وأعماله عوضاً 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4841


ولكنّا لم نفهم حقيقة ما أراد بهذا المثال ، فلذا نتردّد في المراد ونقول :

إنّه إن أراد بذلك أنّ الاجارة تطلق على نقل الثمرة الموجودة فعلا على الشجرة كنقل التمور الموجودة في البستان على النخيل ، ففيه : أنّ ذلك ممّا لا يطلق عليه الاجارة في شيء من اللغات لا في العربية ولا في غيرها ، ولم نجد أيضاً من أطلق عليه الاجارة من الفقهاء ، بل قد صرّحوا بأنّ الصوف الموجود على الغنم ونحوه لا يمكن إجارته بل الاجارة في مثله باطلة ، لأنّها حينئذ عين في مقابل عين البستان وليست من منافعه . مضافاً إلى أنّه موجب للغرر ، حيث إنّ الثمرة على الشجرة لا يعلم مقدارها .

وإن أراد بذلك إطلاق الاجارة على نقل الثمرة غير الموجودة فعلا على الشجرة بأن يستأجر البستان للانتفاع بثماره التي ستوجد بعداً فهي إجارة حقيقة لأنّ النقل تعلّق بالمنفعة الحاصلة من الشجرة ، غاية الأمر أنّ هذه المنفعة لو وجدت تكون من الأعيان .

وإن أراد أنّه استأجر البستان للتنزّه ونحوه بشرط أن تدخل الأثمار الموجودة فيه فعلا في ملكه ، ففي هذا الفرض أيضاً لم تستعمل الاجارة في نقل العين بل استعملت في نقل المنفعة وهي حيثية التنزّه مثلا ويكون نقل العين أعني الثمار بالشرط لا بالاجارة .


ــ[23]ــ

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّا لم نجد فقيهاً يُطلق الاجارة على نقل الثمرة الموجودة في الشجرة . نعم يصحّ إطلاقها على إجارة البستان للمنافع المستفادة منه بعد الاجارة ، هذا كلّه في المعوّض .

وقوع الثمن منفعة

وأمّا العوض فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّه لا مانع من أن يكون منفعة ، ولا يشترط في البيع أن يكون العوض أيضاً كالمعوّض من الأعيان وأمّا قولهم : إنّ البيع لنقل الأعيان فهو كقولهم : الاجارة لنقل المنافع في أنّه ناظر إلى المعوّض فيهما ، يعني أنّه لابدّ أن يكون المعوّض في البيع عيناً كما أنّه لابدّ أن يكون منفعة في الاجارة ، وليس معناه أنّه يشترط في البيع أن يكون كلا العوضين من الأعيان وفي الاجارة أن يكون كلاهما من المنافع ، لوضوح أنّ العوض في الاجارات يكون من الأعيان كالدراهم والدنانير غالباً فيؤجر الدار بعوض الدرهم أو الدينار ، فلابدّ أن يكون إطلاقهم ذلك بلحاظ المعوّض في كلّ واحد من البابين ، وعليه فلا مانع من أن يجعل العوض في البيع منفعة من المنافع كما إذا باع داره الصغيرة بسكنى دار وسيعة بمدّة عشر سنوات .

وأمّا منافع الحرّ وأعماله وأنّها أيضاً يمكن أن تقع عوضاً في البيع أو لا يمكن فقد استشكل فيه الشيخ (قدّس سرّه) بقوله : ففيه إشكال ، وذلك لأنّ ظاهر تعريف المصباح أن تكون المبادلة واقعة بين مالين قبل وقوع المعاوضة عليهما لا ما يكون مالا بالمعاوضة ، وعليه فإن قلنا بأنّ أعمال الحرّ من الأموال ولو قبل وقوع المعاوضة عليها فلا إشكال . وأمّا إذا قلنا بأنّها إنّما تكون مالا بعد وقوع المبادلة عليها ففي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 8 .

ــ[24]ــ

جعلها عوضاً إشكال .

أقول : أراد (قدّس الله نفسه) بذلك أنّ وقوع أعمال الحرّ عوضاً في البيع على قسمين : فتارةً يستأجر أحد شخصاً للبناية أو الكتابة في مدّة كذا ثمّ يجعل ذلك عوضاً لما يشتريه من الأعيان في المعاملة البيعية كما إذا أراد شراء عباءة فجعل عوضها عبارة عن البناية أو الكتابة التي ملكهما من الأجير بالاجارة الواقعة قبل بيع العباءة ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته فإنّ ما جعله عوضاً في اشتراء العباءة إنّما هو من الأموال حينئذ قبل وقوع معاوضة العباءة به ، لأنّه ملكه بالاجارة . واُخرى يريد نفس البنّاء أو الكاتب أن يجعل عمله عوضاً في اشتراء شيء من الأعيان وصحّة البيع حينئذ مبتنية على أنّ أعمال الحرّ هل هي مال قبل وقوع المعاوضة عليها حتّى يصحّ جعلها عوضاً ، أو أنّها تكون مالا بعد المعاملة والمعاوضة حتّى لا يصحّ جعلها عوضاً ، لأنّ ظاهر تعريف المصباح أن يكون العوضان مالا قبل وقوع المعاوضة والمبادلة عليهما لا ما يكون مالا بنفس المبادلة دون قبلها ، وهذا هو منشأ استشكاله (قدّس سرّه) في المقام .

وربما يقال : بأنّ أعمال الحرّ قبل المعاوضة عليها ليست من الأموال ، ولذا لو حبس أحدٌ حرّاً لا يكون ضامناً لما يفوت من أعماله وهذا بخلاف ما لو حبس العبد فإنّه يضمن أعماله حينئذ ، وليس هذا إلاّ من جهة أنّ أعمال الحرّ ليست من الأموال فعلا لعدم وقوع المعاوضة عليها ، وهذا بخلاف أعمال العبد فإنّه لمّا كان مملوكاً لمولاه كانت منافعه وأعماله مملوكة له أيضاً فعلا ، لأنّ المنافع تابعة للأعيان في الملكية فهي فعلا مال لمالك العبد ولو لم يقع عليها المعاملة ، ومنافعه حينئذ كمنافع داره وبستانه مال له كما هو ظاهر . وكذا لا يحكم الفقهاء بوجوب الحجّ على من يتمكّن من أن يعمل عملا يسوى ألف دينار أو أقل أو أكثر بحيث يكون مستطيعاً فلو كانت أعماله ولو قبل وقوع المعاوضة عليها من الأموال لوجب عليه الحجّ قطعاً ، لصيرورته

ــ[25]ــ

مستطيعاً حينئذ ، وهذان الحكمان يكشفان عن أنّ أعمال الحرّ قبل وقوع المعاوضة عليها ليست من الأموال كما هو واضح ، هذا .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net