حقيقة الإنشاء والفرق بينه وبين الاخبار 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 6157


حقيقة الإنشاء والإخبار

وبعد ذلك كلّه يقع الكلام في حقيقة الانشاء والفرق بينه وبين الإخبار فنقول : إنّ الانشاء عند المشهور عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ في قبال الإخبار الذي هو عبارة عن حكاية نسبة سلبية أو إيجابية .

ولكنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا يوجد باللفظ شيء من الجواهر والأعراض ولا الاعتباريات في العالم ، لأنّ الجواهر أو الأعراض يتوقّف تحقّقها على تحقّق عللها ومبادئ وجودها ، لا أنّها توجد باللفظ وهو ظاهر ، كما أنّ الاُمور الاعتبارية وجودها تابع لاعتبار معتبرها ، والاعتبار أمر نفساني لا يحتاج إلى اللفظ ، فلا يكون للايجاد باللفظ معنىً محصّلا ، فلا يمكن أن يكون ذلك حقيقة للانشاء .

وأمّا الاستعمال أعني استعمال اللفظ في المعنى ، فإنّه أيضاً لا يختصّ بالانشاء إذ الاستعمال عبارة عن إعمال الشيء فيما وضع له ، فلبس الثوب استعمال له ومطالعة الكتاب استعمال للكتاب ، ومنه استعمال اللفظ فيما وضع له من المعنى وهو متحقّق في الانشائيات والاخباريات والجملات والمفردات ، كانت الجملة تامّة أو ناقصة ، فلا يكون شيء من ذلك حقيقة للانشاء .

فلابدّ في بيان حقيقة الانشاء والاخبار أن يقال : الانشاء هو إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ما ، والاخبار إبراز قصد الحكاية عن ثبوت شيء أو نفيه ، فالفرق بينهما إنّما هو في المبرز (بالفتح) ، فإنّ المبرز في الانشاء عبارة عن أمر لا تعلّق له

ــ[40]ــ

بالخارج والاُمور الواقعية وهو الاعتبار ، فإنّ الاعتبار أمر نفساني لا يحتاج إلى شيء وراء نفسه ولا تعلّق له بالخارج أبداً ، وبالاستعمال يبرز ذلك الاعتبار القائم بالنفس . وأمّا المبرز في الاخبار فهو أمر له تعلّق بالخارج وهو عبارة عن قصد حكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه ، والقصد وإن كان أيضاً من الاُمور القائمة بالنفس إلاّ أنّ له تعلّقاً بالخارج ولأجل ذلك يتّصف بالصدق والكذب ، لأنّه ربما تكون الحكاية مطابقة للواقع واُخرى مخالفة له ، وهذا بخلاف الانشاء إذ لا معنى لمطابقة الاعتبار فيه للواقع وعدمه ، وقصد الحكاية هو الذي يمكن أن يكون مدلولا للجملات الاخبارية ولا يستفاد منها أزيد من أنّ المتكلّم بصدد الحكاية وقاصد لحكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه . وأمّا نفس ثبوت القيام لزيد في مثل الاخبار عن قيام زيد فلا يستفاد من الجملة أبداً ، بل ربما يكون ثابتاً له في الواقع واُخرى منتفياً عنه سواء قصد الحكاية أم لم يقصدها ، وعليه فالبيع عبارة عن إبراز اعتبار كون المعوّض للمشتري أي كونه طرفاً لاضافته في مقابل العوض ، وقد عرفت أنّه إنّما يتحقّق فيما إذا كان نظر البائع إلى حفظ مالية ماله ورفع اليد عن خصوصيته في قبال المشتري الذي نظره إلى جلب الخصوصية برفع اليد عن مالية ماله ، فلو كان نظر كلّ واحد منهما إلى حفظ المالية أو إلى حفظ الخصوصية فهو خارج عن البيع وداخل تحت العناوين الاُخر ، وبما أشرنا إليه يتميّز البائع عن المشتري وهو ظاهر .

ثمّ إنّ ما اعتبره البائع من تبديل متعلّقي الاضافتين ، ربما يكون مورداً لاعتبار الشارع والعقلاء أيضاً ، بمعنى أنّه يكون ممضى عندهما باعتبارهما له واُخرى لا يكون مورداً لامضاء العقلاء والشارع ولا يكون معتبراً عندهما ، وكيف كان فاعتبار شخص البائع هو المقوّم للمعاملة البيعيّة من دون توقّفها على اعتبار العقلاء أو الشارع ونسبته إلى اعتبار العقلاء والشارع نظير نسبة الموضوع إلى الحكم ، يعني أنّ اعتبار البائع موضوع لاعتبار العقلاء أو الشارع ، بمعنى أنّ العقلاء

 
 

ــ[41]ــ

الشيخ (قدس سره) هو الثاني على ما ذكره في تنبيهات الاستصحاب، فلا يرد عليه ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره).

 وأمّا الاشكال على المقدمة الثانية: فبيانه ـ على ما ذكره صاحب الكفاية والمحقق النائيني ـ أ نّه لو سلّم إدراك العقل ملاك الحكم الشرعي بحيث يكون حكمه بوجود الملاك دائراً مدار جميع القيود وينتفي بانتفاء أحدها، لا يلزم من انتفاء الحكم العقلي انتفاء الحكم الشرعي، لامكان بقاء ملاك الحكم الشرعي في الواقع، فانّ انتفاء ما يراه العقل ملاكاً للحكم الشرعي لا يوجب انتفاء الملاك الواقعي له.

 وبعبارة اُخرى: الملازمة بين الحكم الشرعي والحكم العقلي إنّما هي بحسب مقام الاثبات دون مقام الثبوت، لأنّ العقل كاشف عن وجود الملاك للحكم الشرعي، وبعد انتفاء حكم العقل بانتفاء بعض القيود ترتفع كاشفية العقل، ويحتمل بقاء الملاك الواقعي للحكم الشرعي، لأنّ الشرع قد حكم باُمور كثيرة لا يدرك العقل ملاكها أصلاً، كتقبيل الحجر الأسود، وحرمة الارتماس في شهر رمضان، وغيرهما من التعبديات. مضافاً إلى ما في الكفاية من أ نّه لو سلّمنا انتفاء الملاك الواقعي الذي أدركه العقل، يحتمل بقاء الحكم الشرعي لاحتمال وجود ملاك آخر لنفس هذا الحكم، فنجري الاستصحاب في الحكم الشرعي الشخصي لا في الملاك حتى يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي. وهذا الاشكال لا دافع له. وعليه فالصحيح عدم الفرق في جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي بين كونه مستفاداً من الدليل الشرعي أو الدليل العقلي.

 ثمّ إنّه ذكر الشيخ(1) (قدس سره) أ نّه إذا اشتبه موضوع حكم العقل وشك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فرائد الاُصول 2: 651.

ــ[42]ــ

في بقائه كما إذا شك في بقاء الاضرار في السم الذي حكم العقل بقبح شربه، يجري استصحاب الضرر، ويحصل منه الظن بالضرر، فيحكم بالحرمة الشرعية.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net