أدلّة أصالة اللزوم في العقود 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5561


أصالة اللزوم في العقود

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الأصل في جميع المعاملات اللزوم حتّى يثبت الجواز بدليل آخر كدليل خيار البيع ونحوه، واستدلّ لذلك بوجوه:

الأوّل : الاستصحاب وأنّه إذا شككنا في أنّ الأثر الحاصل بالمعاملة قبل الرجوع والفسخ هل يرتفع برجوع أحدهما وفسخه أو لا يرتفع ، فالاستصحاب يقتضي بقاءه كما كان وعدم ارتفاعه بالرجوع والفسخ ، وهذا وإن كان لا يثبت اللزوم إلاّ أنّه نتيجة اللزوم كما هو ظاهر . وقد تمسّك بهذا الاستصحاب جماعة من الأعلام  .

والكلام في ذلك يقع في ثلاثة مقامات : الأوّل : في أنّ هذا الاستصحاب شخصي أو كلّي . والثاني : في أنّه على تقدير كونه كلّياً فهل هو من الأقسام التي يجري فيها الاستصحاب أو ممّا لا يجري فيه ذلك .

والثالث : في أنّه إذا شككنا في المقام في أنّ الاستصحاب شخصي أو كلّي فهل يجري الاستصحاب أو لا يجري ، وكلّ ذلك بعد الغضّ عن إشكال جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية لمعارضته دائماً ، فإنّ الكلام في جريانه من هذه الجهة موكول إلى محلّه(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 51.

(2) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئى 48) : 42.

ــ[95]ــ

أمّا المقام الأوّل : فالظاهر أنّ الاستصحاب شخصي كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وذلك لأنّ الملك أمر اعتباري واحد ، غاية الأمر أنّ الشارع لما يراه من المصالح والمفاسد تارةً يمضيه على نحو الاستمرار والدوام الذي نعبّر عنه باللزوم واُخرى يمضيه موقتاً وما دام لم يفسخ ونعبّر عنه بالجواز ، فاللزوم والجواز حكمان شرعيان مترتّبان على ذلك الأمر الاعتباري ، والحكم لا يصنّف موضوعه ولا يقسّمه إلى أقسام ولا يغيّر حقيقته بوجه، وهو نظير الحرمة والجواز المترتّبين على شرب الخمر وأنّه حرام في حقّ السالم وجائز في حقّ المريض مثلا مع أنّهما لا يغيّران حقيقة الخمر بوجه ولا يقسّمانها إلى قسمين واقعاً ، نعم الحكم باستمرار ذلك الأمر الاعتباري وبانقطاعه يختلف بحسب اختلاف الموارد والأسباب ، مثلا حقيقة الهبة مع كونها واحدة ومع عدم التفات الواهب إلى شيء إذا كان موردها من الأقرباء المعبّر عنهم بالرحم يحكم عليها باللزوم ، وإذا كان غيرهم فيحكم عليها بالجواز ، كما أنّ التمليك الواحد إذا كان بلفظ المصالحة يتّصف باللزوم شرعاً وإذا كان بلفظ الهبة يتّصف بالجواز وهكذا ، وكيف كان فالملك أمر واحد لا تعدّد فيه أبداً  .

ويشهد له ما أفاده شيخنا الأنصاري من أنّ اللزوم والجواز لو كانا من خصوصيات الملك فإمّا أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيتين بجعل المالك أو بحكم الشارع ، والأوّل يقتضي التفصيل بحسب قصد المالك اللزوم أو الجواز ، وهو بديهي البطلان ، إذ لا تأثير لقصد المالك في ذلك ، والثاني يستلزم تخلّف العقد عن القصد ، وهو أيضاً باطل . وهذا الكلام متين لا إشكال فيه .

وبعبارة اُخرى إنّ القسم الثاني من استصحاب الكلّي متقوّم بكون الحادث مردّداً بين حقيقتين شخصيتين أو نوعيتين أو غيرهما تكون إحداهما زائلة والاُخرى باقية ، وأمثلته كثيرة :

منها : ما إذا شككنا في بقاء الحيوان الكلّي في الدار لأجل الشكّ في أنّ ما

ــ[96]ــ

حدث في ضمنه هو زيد الذي نعلم بخروجه بعد ساعة أو أنّه عمرو وهو يبقى إلى آخر اليوم ، فلا مانع حينئذ من استصحاب الجامع بينهما .

ومنها : ما إذا شككنا في ارتفاع الحدث بعد الوضوء لأجل الشكّ في أنّ الحادث هو الحدث الأصغر ليرتفع بالوضوء أو أنّه الحدث الأكبر ليبقى بعده .

ومنها : ما إذا شككنا في ارتفاع النجاسة بعد غسلها مرّة لأجل الشكّ في أنّها نجاسة دموية لترتفع بعد غسلها مرّة أو أنّها نجاسة بولية لئلاّ ترتفع بالغسل مرّة .

وفي جميع ذلك إذا شككنا في بقاء الجامع بين المشكوكين لا مانع من استصحابه وترتيب آثاره ، إلاّ أنّك عرفت أنّ الشكّ في جميعها في كون الحادث هو الطويل أو القصير ، وهما متباينان في حدّ نفسهما بل في حقيقتهما الصنفية أو النوعية بحسب اختلاف الموارد .

وأمّا إذا شككنا في أنّ النجاسة الغائطية ترتفع بعد الغسل مرّة أو لا ترتفع مع العلم بأنّ النجاسة غائطية ، فلا مورد لاستصحاب الكلّي أبداً ، إذ ليس الشكّ فيها في حدوث الفرد الطويل أو القصير المباين أحدهما للآخر ، بل نعلم بأنّ الحادث ماذا وأنّه فرد معيّن وإنّما نشكّ في حكمه وأنّه ترتفع بالغسل مرّة أو لا ترتفع ، وإنّما يجري الاستصحاب الكلّي فيما إذا شككنا في أنّ الحادث هو النجاسة الدموية المعلوم حكمها أو النجاسة البولية التي نعلم بحكمها أيضاً، وحينئذ لا مانع من استصحاب الجامع بينهما . وأمّا في مثل المثال فلا يجري إلاّ الاستصحاب الشخصي ، إذ الشكّ إنّما هو في بقاء الفرد المعلوم تحقّقه ولا شكّ فيه في أمرين مختلفين معلومين بحسب الحكم .

والمقام من ذلك القبيل للعلم بأنّ الحادث هو الملكية البيعية وإنّما نشكّ في حكمها وأنّه اللزوم أو الجواز ، فلا تردّد فيه بين فردين متباينين ليجري استصحاب الكلّي  . نعم لو كنّا شاكّين في أنّ الملكية الحادثة هل هي الملكية الناشئة عن الصلح المعلومة بحسب الحكم وهو اللزوم ، أو أنّها الملكية الناشئة عن الهبة المحكومة

ــ[97]ــ

بالجواز  ، لما كان مانع من جريان استصحاب الكلّي حينئذ ، وهذا بخلاف المقام وتردّد الحادث بين البقاء والارتفاع لا يدرجه في الاستصحاب الكلّي لوجوده في جميع موارد الاستصحاب ، لأنّ التردّد والشكّ في بقائه مقوّم لجريان الاستصحاب ولولاه لما كان له مجال ، ولكنّه غير استصحاب الكلّي كما لا يخفى ، وإلاّ فيرجع جميع الاستصحابات إلى الكلّي وهو كما ترى ، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل .

وأمّا المقام الثاني : وأنّ الاستصحاب على تقدير كونه كلّياً من أيّ أقسام الاستصحابات الكلّية ، وأنّ الاستصحاب يجري فيه أو لا يجري، فلا ينبغي الاشكال في أنّ الاستصحاب مع فرض كونه كلّياً من القسم الثاني ، لأنّ الشكّ فيه في حدوث الفرد الطويل أو القصير وهو الملكية اللازمة الباقية بعد الفسخ أو الملكية الجائزة التي ترتفع بعده ، والاستصحاب يجري في القسم الثاني من أقسام الاستصحابات الكلّية كما ذكرناه في محلّه .

وأورد عليه صاحب الكفاية في تعليقته على المتن(1) بأنّ الاستصحاب في القسم الثاني وإن كان جارياً إلاّ أنّ جريانه في خصوص المقام خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) لأنّه لا يرى اعتبار الاستصحاب في الشكّ في المقتضي ، والشكّ في المقام في اقتضاء المقتضي وأنّه يقتضي الملكية الباقية بعد الفسخ أو الملكية التي لا تبقى بعده هذا  .

ولكنّه مندفع بما ذكرناه في محلّه(2) من أنّ معنى الشكّ في المقتضي على ما هو ظاهر بعض كلمات الشيخ (قدّس سرّه) ـ وإن كان أكثرها غير مبيّن للمراد ـ أن يكون الشيء مع قطع النظر عن حدوث أيّ حادث في العالم ممّا ينقضي بنفسه ويزول كما أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الآخوند): 13.

(2) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 27.

ــ[98]ــ

مقابله ما لا يزول ولا ينقضي في حدّ نفسه إلاّ بحدوث حادث وطروّ مانع ، فمن الأوّل الاجارة والزوجية الانقطاعية ونحوهما لزوالهما في نفسهما مع قطع النظر عن حدوث شيء في العالم لتصرّم الزمان المأخوذ فيهما ، وهذا بخلاف الزوجية الدائمية أو الملكية الحاصلة بالبيع ونحوه لأنّهما يبقيان ما دام لم يمنع عنهما مانع ، وعليه فالشكّ في المقام شكّ في الرافع وليس من قبيل الشكّ في المقتضي ، لبقاء الملكية الحاصلة بالبيع في حدّ نفسها لولا ما يرفعها كما لا يخفى، هذا كلّه .

نعم ، يبقى إشكالان في جريان القسم الثاني من استصحاب الكلّي :

أحدهما : أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة  ، وأن يتعلّق الشكّ بعين ما يتعلّق به اليقين ، وهذا المعنى في الاستصحابات الشخصية متحقّق كما إذا شككنا في بقاء زيد وعدمه فانّ الشكّ فيه في حياة زيد التي كان تعلّق بها اليقين ولكنّه مفقود في القسم الثاني من الاستصحابات الكلّية ، لأنّ الشك في البقاء تعلّق بالفرد الطويل واليقين بالحدوث تعلّق بالفرد المردّد بين الطويل والقصير ، فمشكوك البقاء غير متيقّن الحدوث .

والجواب أنّ اليقين إنّما تعلّق بالجامع بين الفردين وهذا الجامع بعينه مشكوك البقاء ، فاتّحدت القضيتان . فمثلا قبل غسل الثوب مرّة كنّا عالمين بنجاسته وإن لم ندر باصابة البول أو الدم عليه ، إلاّ أنّ نجاسته الجامعة بينهما معلومة وممّا لا إشكال فيه
وبعد ما غسلناه مرّة واحدة نشك في بقاء تلك النجاسة المتيقّنة فنستصحبها لا محالة فالقضية المتيقّنة متّحدة مع القضية المشكوكة ولا مانع عن جريانه من هذه الجهة  .

وثانيهما : أنّ القضيتين وإن كانتا متحدتين إلاّ أنّ هناك أصل حاكم على استصحاب الكلّي ، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء الكلّي وعدمه بعد غسل الثوب مرّة مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ، إذ لو كنّا قطعنا بعدم حدوثه لما كنّا نشكّ في ارتفاع الكلّي للقطع بزوال الفرد القصير ، فالشكّ في بقائه ناش عن الشكّ في

ــ[99]ــ

حدوث الطويل والأصل عدم حدوث الفرد الطويل ، وبجريان الأصل في الشكّ السببي يرتفع الشكّ المسبّبي بالحكومة .

واُجيب عن ذلك بأجوبة متعدّدة ونذكر واحداً منها في المقام : وهو أنّ الشكّ في بقاء الكلّي وعدمه مسبّب عن الشكّ في أنّ الحادث هو الفرد الطويل أو الفرد القصير ، وليس الشكّ فيه مسبّباً عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ليرتفع بالاستصحاب  ، بل الشكّ فيه ناش عن الشكّ في أنّ الحادث أيّهما وجريان استصحاب العدم الأزلي في أحدهما معارض بجريانه في الآخر ، فلا أصل حاكم في البين. وإنّما تعرّضنا لهذين الاشكالين في المقام توضيحاً لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) كما ستقف عليه إن شاء الله . وممّا ذكرناه في المقام يتّضح الحال في  :

المقام الثالث : وأنّه إذا شككنا في أنّ الاستصحاب في المقام شخصي أو كلّي  ، بعد البناء على عدم جريان الاستصحاب في الكلّيات فهل يجري الأصل في المقام أو لا يجري ، وذلك لأنّ الوجه في المنع عن جريان الاستصحابات الكلّية إن كان هو الاشكال الثاني من الاشكالين المتقدّمين الذي محصّله إبداء المانع والمزاحم لجريان الاستصحاب في الكلّي وهو الاستصحاب الحاكم على استصحابه مع تسليم تمامية موضوعه ومقتضيه ، فالاستصحاب جار في المقام مع الشكّ في أنّه شخصي أو كلّي  ، لعدم إحراز المانع والحاكم على ذلك الاستصحاب ، لأنّه إنّما ينشأ فيما إذا كان الاستصحاب كلّياً دون ما إذا كان شخصياً وبما أنّا نشكّ في أنّه كلّي أو شخصي فنشكّ في وجود المزاحم وعدمه ، فلا يبقى مانع عن إجراء الأصل في المقام ، لوضوح أنّ الحاكم إنّما يتحقّق بعد ما وصل إلى المكلّف ، وقبله لا يمكن أن يكون مانعاً بوجوده الواقعي عن جريان الأصل المحكوم في الحكومة الظاهرية حتّى يقال إنّا نحتمل وجود المانع واقعاً فلا يجري الاستصحاب .

وأمّا إذا كان الوجه في المنع عن جريان الاستصحاب هو الاشكال الأوّل

ــ[100]ــ

الذي يرجع محصّله إلى عدم تحقّق موضوع للاستصحاب وعدم اتّحاد القضيتين ، فلا يمكن جريان الاستصحاب مع الشكّ في أنّه شخصي أو كلّي لعدم إحراز موضوع الاستصحاب حينئذ ، لأنّ موضوعه إنّما يتحقّق في فرض كون الاستصحاب شخصياً ، وحيث لم يحرز أنّه شخصي أو كلّي حسب الفرض فلا يحرز موضوع الاستصحاب ، فيكون التمسّك بحديث « لا تنقض اليقين بالشكّ » من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية .

والظاهر أنّ نظر شيخنا الأنصاري في قوله أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّه كلّي أو شخصي(1) إنّما هو الإشكال الثاني دون الأوّل ، هذا .

وقد وجّهه شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(2) بتوجيه آخر: وهو أنّ المنع عن جريان استصحاب الكلّي ليس من جهة ورود مخصّص لفظي لعموم لا تنقض اليقين بالشك  ، وإنّما هو من جهة المخصّص العقلي واللبّي نظير وجود أصل حاكم على استصحابه أو عدم اتّحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة ، وفي المقام نشكّ في أنّه استصحاب كلّي أو شخصي ولازمه الشكّ في أنّ المورد من أفراد المخصّص اللبّي كما إذا كان الاستصحاب كلّياً بناءً على خروجه عن عموم لا تنقض لبّاً ، أو من أفراد العام كما إذا كان الاستصحاب شخصياً ومورداً لعموم لا تنقض ، فاجراء الاستصحاب تمسّكاً بالعام وإن كان تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية ، إلاّ أنّا بيّنا في محلّه(3) أن المخصّص إذا كان لبّياً لا مانع من الرجوع فيه إلى عموم العام ولا محذور في التمسّك بعمومه في الشبهات المصداقية عند ما كان المخصّص لبّياً ، ولأجل ذلك بنى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 52.

(2) منية الطالب 1 : 149 ـ 150.

(3) محاضرات في اُصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 358 .

 
 

ــ[101]ــ

شيخنا الأنصاري على صحّة جريان الاستصحاب في المقام مع الشكّ في أنّه شخصي أو كلّي الملازم للشكّ في أنّ المقام من أفراد المخصّص أو العامّ ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّه مضافاً إلى ما ذكرناه في محلّه(1) من أنّ جميع المخصّصات اللبّية ليس كما أفاده ممّا يجوز التمسّك فيها بالعموم وإنّما يختصّ ببعضها كما ذكرناه هناك  ، يرد عليه أنّه على تقدير تسليم جواز التمسّك بالعمومات في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصص لبّياً مطلقاً ، لا يمكن الإذعان بما أفاده في المقام ، وذلك لأنّ التمسّك بالعمومات في الشبهات المصداقية في المخصصات اللبّية إنّما هو مع إحراز موضوع العام على نحو القطع والشكّ في إنطباق عنوان المخصّص عليه نظير التمسّك بعموم « لعن الله بني اُميّة قاطبة»(2) عند الشك في إيمان واحد منهم ، فانّ كونه من بني اُميّة محرز بالوجدان وإن شك في إيمانه وعدمه ، ومعه يصحّ التمسّك بالعموم لأنّ المخصّص لبّي ، وأمّا مع الشك في تحقّق الموضوع للعام كما إذا شككنا في أنّ رجلا من بني اُميّة أو من غيرهم فلا معنى لأن يتمسّك فيه بعموم « لعن الله بني اُميّة قاطبة  » وإثبات جواز لعنه ، وهو واضح .

والأمر في المقام كذلك، فانّ الوجه في المنع عن جريان الاستصحابات الكلّية إذا كان عبارة عن الوجه الأوّل أعني عدم اتّحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة ، فلا يمكن التمسّك بعموم « لا تنقض اليقين » في المقام من جهة عدم إحراز موضوعه عند الشكّ في أنّه كلّي أو شخصي ، لأنّ المفروض أنّه إذا كان كلّياً لا موضوع له لعدم اتّحاد القضيتين ، وعلى تقدير كونه شخصياً فموضوعه معلوم ومحرز ، وبما أنّا نشك في أنّه كلّي أو شخصي فنشك في أنّ موضوعه موجود أو غير متحقّق ، ومع الشكّ في وجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 358 .

(2) كامل الزيارات : 176 ، وراجع البحار 98 : 292 .

ــ[102]ــ

الموضوع للعام كيف يتمسّك بعمومه ولو كان المخصّص لبّياً ، وهو نظير التمسك بالعموم مع الشكّ في أنّه من بني اُميّة أو من غيرهم .

فتحصّل : أنّ ما أفاده في المقام لا يمكن توجيه كلام شيخنا الأنصاري به وإنّما الصحيح ما ذكرناه في وجهه ، هذا .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أفاد بعد ذلك أنّ الأصل في كلّ عقد وقع في الخارج وشككنا في أنّه من القسم اللازم أو الجائز أن يكون لازماً ، وعليه إذا اختلف المتعاقدان في مورد وادّعى أحدهما أنّه عقد لازم وقال الآخر بل هو عقد جائز  ، فيكون القول قول مدّعي اللزوم لأنّه منكر لتطابق قوله للأصل أعني أصالة اللزوم ، ولكن مدّعي الجواز هو المدّعي لمخالفة قوله للأصل ، ولأنّه لو ترك تُرك كما هو أحد تعريفات المدّعي . ثمّ أفاد أنّه إذا كان مصبّ النزاع غير عنواني اللزوم والجواز بل ملزومهما ، كما إذا ادّعى أحدهما أنّ المعاملة الواقعة على المال صلح فهو ملك لازم ، والآخر قال إنّها هبة فالملك جائز، احتمل التداعي والتحالف بينهما لادّعاء كل واحد منهما أمراً مخالفاً للأصل ، لأنّ الأصل عدم كونها صلحاً كما أنّ الأصل عدم كونها هبة ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ هذا الكلام وإن كان خارجاً عن المقام إلاّ أنّه نقول ملخّصاً  : لا وجه للتداعي في الصورة المذكورة أبداً ، وذلك لأنّ المناط في تعيين المدّعي والمنكر إنّما هي الأغراض التي هي مورد النزاع ، لا مطلق مصبّ الدعوى وإن لم يكون مورداً للنزاع ، وهو كما أفاده شيخنا الاُستاذ(2) نظير ما إذا ضمّ إلى دعوى ملكية الدار دعواه كون برّ إفريقيا كذا مقداراً من المتر والسعة ، فانّه لا يكاد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 53 .

(2) منية الطالب 1 : 152 .

ــ[103]ــ

يفيد من جهة أنّه لا أثر له أبداً . وفي المقام أيضاً مع قطع النظر عن اللزوم والجواز لا أثر لخصوص الصلح والهبة ، وإذا كان المناط والمدار على الآثار والأغراض فلابدّ من لحاظ تلك الآثار ، وعليه فأحدهما يدّعي اللزوم وهو منكر والآخر يدّعي الجواز وهو مدّع ، وقد عرفت أنّ قول مدّعي اللزوم مقدّم ، هذا .

ثمّ لو سلّم أنّ المناط مصبّ الدعوى فالأصل مع مدّعي اللزوم أيضاً ، وذلك لأنّ الأصلين غير متعارضين في المقام أعني أصالة عدم كونها صلحاً وأصالة عدم كونها هبة ، لعدم جريان الاُولى منهما ، إذ لا أثر يترتّب عليها ، فانّ جواز الرجوع في الملك من آثار كون العقد هبة وليس من آثار عدم كونه صلحاً ، نعم أصالة عدم كونه صلحاً يقتضي عدم كون الملك من الابتداء لازماً .

وبعبارة اُخرى : أنّها تقتضي عدم تحقّق الملك اللازم من الابتداء وهو خارج عن محلّ بحثنا ، فانّ المفروض أنّ الملكية متحقّقة قبل رجوعه قطعاً والشك في جواز رجوعه في الملك المتحقّق ، وقد عرفت أنّ جواز الرجوع في الملك المتحقّق من آثار كون العقد هبة وليس من آثار عدم كونه صلحاً إلاّ على نحو الأصل المثبت وترتيب كونه هبة على أصالة عدم كونه صلحاً ، وعليه فلا مجرى لأصالة عدم كون العقد صلحاً ، فيكون استصحاب عدم كونه هبة جارياً بلا معارض ويترتّب عليه اللزوم وعدم جواز الرجوع في الملك ، فيكون مدّعي اللزوم منكراً لمطابقة دعواه للأصل بخلاف مدّعي الجواز فانّه هو المدّعي إذ لا أصل موافق له ، فيكون قول مدّعي اللزوم متقدّماً .

فتحصّل : أنّ مدّعي اللزوم يقدّم قوله بلحاظ مصبّ الدعوى أيضاً . مضافاً إلى ما عرفته من أنّ المنازعات إنّما هي بلحاظ الآثار لا بحسب الألفاظ المؤدّية لها ولا خصوصية للفظ قطعاً .

ــ[104]ــ

ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه)(1) قد تعرّض إلى استصحاب علقة المالك الأوّل الثابتة قبل وقوع المعاملة لاثبات صحّة رجوعه وكون العقد جائزاً ، ولكنّه (قدّس الله نفسه) لم يجب عنه(2) لوضوح ضعفه وظهور وهنه ، حيث إنّ المراد بالعلقة في كلامه إن كان هو العلقة الملكية الثابتة على المال قبل وقوع المعاملة ، ففيه أنّها مرتفعة قطعاً للعلم بارتفاعها بالمعاطاة والبيع ، وإن اُريد بها جواز الرجوع فهي ليست متيقّنة كي تستصحب ، اللهمّ إلاّ أن يستصحب كلّي العلقة وهو من القسم الثالث من استصحاب الكلّي الذي لا قائل بجريانه فيما نعلم .

فتحصّل من جميع ما تلوناه عليك : أنّ الأصل في جميع المعاملات والعقود اللزوم بمقتضى الاستصحاب المتقدّم ، ولا مانع من جريانه في المقام بوجه إلاّ ما أشرنا إليه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية لأجل المعارضة ، ومع قطع النظر عنه لا مانع من جريانه أبداً .

الثاني ممّا استدلّ به على اللزوم في المقام : قوله (صلّى الله عليه وآله) «  الناس مسلّطون على أموالهم»(3) بتقريب أنّ نفوذ الفسخ وجوازه مناف للسلطنة المطلقة على المال ، فانّ من آثارها أن لا يزول سلطنته بفسخ البائع أو المشتري هذا .

ثمّ ذكر الشيخ(4) توهّماً في المقام وهو أنّ كونه مالا له بعد الفسخ غير معلوم والرواية دلّت على إثبات السلطنة لكلّ إنسان على ماله لا على مال غيره .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 51.

(2) بل أجاب عنه فى بحث الخيارات من المكاسب 5 : 22 فى بحث أدلّة لزوم المعاملات .

(3) عوالي اللآلي 3 : 208 ح49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

(4) المكاسب 3 : 53 .

ــ[105]ــ

وأجاب عنه : بأنّ الاستدلال إنّما هو بالنسبة إلى قبل الفسخ والرجوع ، وأنّ نفوذ الفسخ وإرجاع مال الغير بدون رضاه مناف لسلطنته المطلقة .

وهذا الدفع وإن كان متيناً إلاّ أنّه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بالحديث لضعف سنده أوّلا وعدم دلالته ثانياً ، وذلك لما تقدّم من أنّه ناظر إلى جهة سلطنة المالك وأنّها تامّة ، فتجوز له التصرفات التي ثبتت مشروعيتها من دون توقّف على إذن الغير أو إجازته ، فإذا احتمل اشتراط صحّة بيع الزوجة بإذن زوجها فنتمسّك بالحديث في رفعه، وأمّا إعدام السلطنة أو إبقاؤها فلا يمكن استفادتهما منه أبداً ولذا أشكلوا على من تمسّك بالحديث لنفوذ الاعراض وزوال السلطنة به ، بل لو لم يثبت صحّة البيع بأدلّتها لم نكن نحكم بصحّته بهذه الرواية ، لأنّه إعدام للسلطنة وإزالة لها ، وقد ذكرنا أنّ الحديث ناظر إلى استقلال المالك فيما له السلطنة ، وأمّا جواز إزالتها وعدمه فلا ، فالحديث أجنبي عن المدّعى .

الثالث : قوله (عليه السلام) « لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه »(1) فلا يجوز تملّك المال المأخوذ بالمعاطاة بالفسخ لأنّه بغير إذنه وهو حرام ، والتوهّم المتقدّم جار في المقام ومندفع بما أشرنا إليه ، هذا .

ولكن الاستدلال به غير تامّ أيضاً ، لما ذكرناه(2) من أنّ الحلّ لغة بمعنى الإرسال في قبال الحرمة التي هي بمعنى المنع ، فإذا اُسندا إلى الاُمور الاعتبارية كالبيع استفيد منهما الحكم الوضعي وإذا اُسندا إلى الأفعال الخارجية أو الأعيان كالشرب والماء استفيد منهما الحكم التكليفي ، وبما أنّ الحلّية في الحديث اُسندت إلى المال فلا محال تدلّ على الحكم التكليفي ، فمعنى الحديث أنّه لا يجوز تكليفاً التصرف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّى ب13 ح1 (باختلاف يسير) .

(2) في الصفحة 77 .

ــ[106]ــ

في مال الغير بما يناسبه من أكل أو شرب أو لبس وهكذا . فالحديث لا يدلّ على الحكم الوضعي ، إذ استفادة الحكم الوضعي على ذلك يحتاج إلى مؤونة زائدة على الاضمار أو المجاز في الحذف الذي لابدّ من أحدهما . بل الحديث لا يشمل الانشائيات أصلا حتّى بالنسبة إلى الحكم التكليفي ، لأنّ نفس الانشاء واللفظ غير محرّم قطعاً ، لأنّه ليس تصرّفاً في مال الغير ، والامضاء ليس فعلا للمكلّف حتّى يحرم عليه .

الرابع : قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(1) ولا بأس بالتمسّك بها في المقام ، بتقريب أنّ المراد بالأكل على ما تقدّم هو التملّك ، فمعنى الآية لا تتملّكوا أموال الناس إلاّ بالتجارة عن تراض ، ومن الظاهر أنّ التملّك بالرجوع ليس منها . ولا يفرق في صحّة الاستدلال بالآية بين أن يكون الاستثناء متّصلا كما هو الظاهر بأن يكون الباطل علّة فيكون معنى الآية لا تتملّكوا أموال الناس بسبب من الأسباب فإنّه باطل إلاّ أن يكون تجارة عن تراض  ، وبين أن يكون منقطعاً بأن يكون « بالباطل » قيداً . وفي بعض النسخ : «  أنّ التوهّم المتقدّم جار هنا » والظاهر سقوط كلمة « غير » والصحيح « غير جار هنا  » لأنّ الموضوع للجواز في هذه الآية هو تملّك مال الغير لا نفس مال الغير حتّى يقال إنّه غير محرز بعد الرجوع . هذا في الاستدلال بذيل الآية أعني المستثنى .

واستدلّ الشيخ (قدّس سرّه) بصدر الآية أيضاً ، بدعوى أنّ معناه النهي عن تملّك أموال الناس بالأسباب الباطلة عرفاً ، ومن الواضح أنّ التملّك بالرجوع في المعاطاة تملّك بالباطل عرفاً .

وفيه : أنّ الاستدلال مبني على أن يكون المراد بالباطل هو الباطل العرفي كي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 29.

ــ[107]ــ

يصحّ دعوى إحراز أنّ التملّك بالرجوع باطل عرفي ، ولكنّه فاسد ، فإنّ الباطل كسائر الألفاظ ظاهر في الباطل الواقعي ، فإذا شكّ في مورد أنّه من الباطل أو الحقّ كما في المقام أعني الرجوع بعد المعاطاة ، لا يجوز التمسّك بالآية ، لأنّه تمسّك في الشبهة المصداقية .

الخامس : قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) وهذه الآية المباركة ظاهرة بدلالتها المطابقية في أنّ العقود لازمة ، لما ذكرناه غير مرة من أن معنى الوفاء الانهاء وإيصال الشيء إلى آخره ، فأوفوا بالعقود معناه أوصلوها إلى آخرها فلا تفسخوها ولا ترجعوا فيها فيكون إرشاداً إلى لزومها وعدم انفساخها بالرجوع ، إذ لا تحتمل الحرمة التكليفية للفسخ والرجوع . وتوهم أنّ المعاطاة ليست بعقد ، مندفع بأنّ العقد عبارة عن تعاقد الالتزامين وربط أحدهما بالآخر وعقده به ، ولا يشترط فيه اللفظ بوجه، فالمعاطاة عقد غير لفظي ومقتضى الآية لزومها .

السادس : ما ورد في عدّة روايات من أنّ « المؤمنون عند شروطهم إلاّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه »(2)، فإنّ الشرط لغة مطلق الالتزام فيشمل المعاملات الفعلية .

وفيه : أنّ الشرط لغة ليس بمعنى مطلق الالتزام بل خصوص الالتزام المربوط بشيء آخر من عقد ونحوه ، ولذا ترى استهجان إطلاقه على العقود كالبيع والهبة وعليه فلا يشمل المعاطاة كما لا يشمل الشروط الابتدائية ، فيكون خروجها من الحديث بالتخصّص لا بالتخصيص ، هذه هي الأدلة العامة الدالة على لزوم جميع المعاملات بيعاً كان أو غيره ، وقد عرفت أنّ الصحيح منها أمران : أحدهما جملة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة 5 : 1.

(2) الوسائل 12 : 627 / أبواب المهور ب20 ح4 .

ــ[108]ــ

المستثنى منه في قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) الخ(1). وثانيهما : الآية المتقدمة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2).

السابع من الأدلة : هو ما يختص بالبيع أعني قوله « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا وجب البيع »(3) ولا ينبغي الاشكال في أنّ المعاطاة بيع ، لأنه ليس إلاّ الاعتبار المبرز بمبرز ما فعلا كان أو لفظاً ، وعليه فاذا افترق المتعاطيان يجب البيع لا محالة . وأمّا ما عن صاحب الغنية(4) من الاجماع على عدم كون المعاطاة بيعاً فقد عرفت سابقاً أنه محمول على نفي الملك أو على نفي لزومها ، إذ لا معنى للاجماع التعبّدي في المفاهيم اللغوية كمعنى البيع ونحوه ، والاجماع التعبّدي إنما يعقل في الاُمور التعبّدية كما لا يخفى .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الأقوى من هذه الأقوال الستّة هو أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم كالمعاملات اللفظية .

بقي هناك الاجماع والشهرة القائمان على عدم اللزوم في المعاطاة .

فأمّا الشهرة على عدم اللزوم فهي غير قابلة للانكار ، لاشتهار عدم اللزوم في المعاطاة في ألسنة الأصحاب حتى مثل المحقّق الثاني(5) القائل بالملك المتزلزل إلاّ أنه لا اعتبار للشهرة الفتوائية عندنا ، ولو كانت معتبرة للزم الالتزام بعدم إفادة المعاطاة الملك من رأس ، لانعقاد الشهرة بينهم فيما قبل زمان المحقّق الثاني. على أنّها تفيد الاباحة دون الملك ، مع أنّ المفروض أنها مفيدة للملك لا محالة والكلام في أنّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 29 .

(2) المائدة 5 : 1 .

(3) الوسائل 18 : 5 / أبواب الخيار ب1 .

(4) الغنية : 214 .

(5) جامع المقاصد 4 : 58 .

ــ[109]ــ

لازم أو غير لازم .

وأمّا الاجماع فالمحصّل منه على طريقة المتأخرين بحيث يوجب القطع برأي الإمام (عليه السلام) غير حاصل لنا ، وأمّا على طريقة اللطف فهو على تقدير تحقّقه لا يمكن استكشاف رأي المعصوم به ، لبطلان أساسه . وأمّا على طريقة الدخوليين فلا نعلم بدخول الامام في جملة المفتين بأنّها تفيد الملك الجائز كما هو ظاهر ، وعليه فلا يبقى إشكال في أنّها تفيد الملك اللازم ولو كان على خلاف الشهرة بين الأصحاب  .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ البيع اللفظي كان متعارفاً في زمانهم (عليهم السلام) وأنّ السيرة جرت على جواز ردّ المال المأخوذ بالمعاطاة وأنّهم ينكرون على البائع إذا لم يقبل ما باعه بالمعاطاة ، فمندفع بأنّ المراد ليس تخصيص البيع في زمانهم بخصوص البيع المعاطاتي بل نسلّم أنّ كلا من اللفظي والمعاطاتي كان جارياً في زمانهم ، وتعارف اللفظي منهما لا يضرّنا بعد وجود المعاطاتي منهما في زمانهم (عليهم السلام) أيضاً .

وأما مسألة السيرة التي ادّعاها (قدّس سرّه) على جواز المعاطاة فان أراد بها السيرة العقلائية فهي ممّا لا أساس لها ، لأنّهم كما أشرنا إليه سابقاً كانوا يعاملون بالمعاطاة دائماً في الاُمور اليسيرة والخطيرة ولا يرونها جائزة أبداً . وإن أراد بها السيرة المتشرّعية فلا يمكن الاعتماد عليها ، لأنّها ليست متّصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) ، بل هي ناشئة من فتاوى مراجع التقليد ، ولا يكشف ذلك عن رأي المعصوم (عليه السلام) . فالمتحصّل أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم كالبيع اللفظي ويساعدنا على ذلك ما نقله (قدّس سرّه) عن الشهيد (قدّس سرّه) من استحسانه ذلك لو لم يقم على خلافه اجماع ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 59 .

ــ[110]ــ

ثم إنّه ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بعد بيان الاجماع المدعى على عدم إفادة المعاطاة اللزوم : أنّه يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار ، بل يظهر منها أنّ إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفاً بين أهل السوق والتجّار .

وقد ذكر السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته(2): أنّ المراد بالمشار إليه بذلك اعتبار اللفظ في اللزوم ، والمراد بالأخبار لعلّه الخبر الوارد في شراء المصحف(3) والخبر الوارد في شراء أطنان من القصب(4)، ويحتمل إرادة الأخبار التي سينقلها والتي ورد في بعضها « إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » . وفيه : أنّه لا ظهور لهذه الأخبار في اعتبار اللفظ في اللزوم ، ولا وجه حينئذ للترقّي بقوله « بل يظهر منها أنّ إيجاب البيع باللفظ كان متعارفاً بين أهل السوق والتجار » ، فإنّ تعارف البيع اللفظي بين التجّار لا يسوى بشيء بعد ظهور الأخبار في اعتبار اللفظ في اللزوم ليترقّى منه إليه ، ولا وجه أيضاً لتمسّكه لذلك ـ أي اعتبار اللفظ في اللزوم ـ بالشهرة والإجماع مع ما فيهما من المناقشة بعد ظهور الأخبار في ذلك . إذن من المحتمل قريباً أن يكون المشار إليه كون اللفظ قرينة على قصد التمليك بالتقابض الذي ذكره قبل هذه العبارة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر السابق .

(2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 74 .

(3) عن سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، قال (عليه السلام) : لا تشتر كتاب الله عزّوجلّ ، ولكن اشتر الحديد والورق والدفّتين وقل : اشتريت منك هذا بكذا وكذا » الوسائل 17 : 158 / أبواب ما يكتسب به ب31 .

(4) عن العجلي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة ، والأنبار فيه ثلاثون ألف طن ، فقال البائع  : قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن ، فقال المشتري قد قبلت واشتريت ورضيت  ...  » الوسائل 17 : 365 / أبواب عقد البيع وشروطه ب19 ح1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net