الاستدلال على ارتداد منكِر الضّروريّ مطلقا 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3416


   هذا وعن شيخنا الأنصاري (قدس سره) التفصيل في الحكم بارتداد منكر الضروري بين المقصّر وغيره بالحكم بالارتداد في الأول لاطلاق الفتاوى والنصوص دون غيره ، إذ لا دليل على سببية انكاره للارتداد وعدم مبغوضية العمل وحرمته في حقّه ، وما لم يكن بمبغوض في الشريعة المقدّسة يبعد أن يكون موجباً لارتداد فاعله وكفره (1) .

   وإذا عرفت ذلك فنقول : استدل القائل بارتداد منكر الضروري مطلقاً بعدة من الأخبار وهي على طوائف ثلاث : الاُولى : صحيحة بريد العجلي(2) وغيرها مما اُخذ في موضوع الحكم بالكفر أدنى ما يكون به العبد مشركاً  كما إذا قال للنواة إنّها حصاة أو للحـصاة إنها نواة ثم دان به . الثانية : صـحيحة الكناني(3) وغيرها مما اُخذ في موضـوع الحكم بالكفر الجحد بالفريضة . والثالثة : صـحيحة عبدالله بن سـنان(4) وغيرها مما دلّ على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر وزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الاسلام . وهذه الطائفة باطلاقها تدل على أن من زعم الحرام حلالاً خرج بذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الطهارة : 354 ، باب النجاسات (حكم منكر الضرورة من الدين) السطر 27 .

(2) المروية في الكافي 2 : 397 / 1 . وروى عنه في الوافي 4 : 199 / 1815 . ثم إنّ هذه الرواية والرواية الثالثة وإن عبّر عنهما بالصحيحة في كلام المحقق الهمداني [ مصباح الفقيه (الطهارة) : 566 السطر 10 ، 21 ] وغيره إلاّ أن في سنديهما محمد بن عيسى عن يونس ، وفي نفس محمد بن عيسى كلام كما أن في خصوص روايته عن يونس كلام آخر إلاّ أن الصحيح وثاقة الرجل واعتبار رواياته مطلقاً ـ ولو كانت عن يونس ـ ويأتي تفصيل الاستدلال على وثاقته عند الكلام على الحيض .

(3) ، (4) المرويتان في الوسائل 1 : 34 / أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 13 ، 10 ثم إن عدّ رواية الكناني صحيحة كما في كلام المحقق الهمداني وغيره مبني على أن محمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار الثقة ، وفيه كلام فليراجع مظانّه .

ــ[56]ــ

عن الاسلام ، سواء أ كان عالماً بحرمته أم لم يكن بل وسواء كانت الحرمة ضرورية أم غير ضرورية .

   أمّا الطائفة الاُولى فقد أسلفنا الجواب عنها سابقاً وقلنا إن للشرك مراتب متعدّدة وهو غير مستلزم للكفر بجميع مراتبه وإلاّ لزم الحكم بكفر المرائي في عبادته بطريق أولى ، لأن الرياء شرك كما نطقت به الأخبار(1) بل هو أعظم من أن يقال للحصاة إنها نواة أو بالعكس ، مع أ نّا لا نقول بكفره لأنّ الشرك الموجب للكفر إنما هو خصوص الشرك في الألوهية . وعليه فلا يمكن في المقام الاستدلال بشيء من الأخبار المتضمنة للشرك .

   وأمّا الطائفة الثانية فالظاهر أنها أيضاً كسابقتها لأن ظاهر الجحد هو الانكار مع العلم بالحال كما في قوله عزّ من قائل : (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم )(2) وقد عرفت أن إنكار أيّ حكم من الأحكام الثابتة في الشريعة المقدسة مع العلم به يستلزمه تكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنكار رسالته سواء كان الحكم ضرورياً أم لم يكن ، ولا ريب أنه يوجب الكفر والارتداد فهو خارج عن محل الكلام ، إذ الكلام إنما هو في أن انكار الضروري بما أنه كذلك هل يستلزم الكفر والارتداد أو أنه لا يوجب الكفر إلاّ مع العلم بثبوته في الشريعة المقدسة المستلزم لانكار رسالة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .

   وأمّا الطائفة الثالثة وهي العمدة في المقام فعلى تقدير تماميتها لا مناص من الحكم بكفر منكر الضروري مطلقاً وإن لم يكن عن علم بالحكم . وقد يورد على دلالتها ـ  كما في كلام شيخنا
الهمداني (3) وغيره  ـ بأن الصحيحة باطلاقها تشمل الأحكام الضرورية وغيرها ، ومقتضى ذلك هو الحكم بكفر كل من ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال ، وهو مما لا يمكن الالتزام به ، كيف ولازمه أن يكفّر كل مجتهد المجتهد الآخر فيما إذا اعتقد حلية ما يرى الأوّل حرمته وارتكبه ، كما إذا بنى أحدهما على حرمة التصوير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 67 / أبواب مقدمة العبادات ب 11 ح 11 ، 13 ، 16 وب 12 ح 2 ، 4 ، 6 .

(2) النمل 27 : 14 .

(3) مصباح الفقيه (الطهارة) : 566 السطر 24 .

ــ[57]ــ

مثلاً ورأى الثاني إباحته وارتكبه حيث يصح أن يقال حينئذ إن المجتهد الثاني ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال ، وكذا الحال فيما إذا بنى على صحّة النِّكاح بالفارسية وعقد بها ورأى الآخر بطلانه فانه حينئذ ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال حيث حلّل ما قد حرّمه الشارع واقعاً ، فالأخذ باطلاق الصحيحة غير ممكن فلا  مناص من تقييدها بأحد أمرين :

   فامّا أن نقيدها بالضروري بأن يكون ارتكاب الكبيرة موجباً للارتداد في خصوص ما إذا كان الحكم ضرورياً ، وإمّا أن نقيدها بالعلم بأن يقال : إن ارتكاب الكبيرة والبناء على حليتها مع العلم بأنها محرمة يوجب الكفر دون ما إذا لم تكن حرمتها معلومة ، وحيث إن الرواية غير مقيدة بشيء وترجيح أحد التقييدين على الآخر من غير مرجح ، فلا محالة تصبح الرواية في حكم المجمل وتسقط عن الاعتبار بل يمكن أن يقال : التقييد بالعلم أرجح من تقييدها بالضروري لأ نّه المناسب للفظة الجحود الواردة في الطائفة الثانية كما مرّ .

   كذا نوقش في دلالة الصحيحة إلاّ أن المناقشة غير واردة لعدم دوران الأمر بين التقييدين المتقدمين ، بل المتعين أن يتمسك باطلاقها ويحكم بكفر مرتكب الكبيرة إذا زعم أنها محللة بلا فرق في ذلك بين الأحكام الضرورية وغيرها ولا بين موارد العلم بالحكم وعدمه .

   ثم إن الالتزام بالكفر والارتداد إذا لم يصح في بعض هذه الأقسام أخرجناه عن اطلاقها ويبقى غيره مشمولاً للرواية لا محالة ، ولا نرى مانعاً من الالتزام بالارتداد في شيء من الأقسام المتقدمة بمقتضى إطلاق الصحيحة إلاّ في صورة واحدة وهي ما إذا كان ارتكاب الكبيرة وزعم أنها حلال مستنداً إلى الجهل عن قصور كما في المجتهدين والمقلدين ، حيث إن اجتهاد المجتهد إذا أدى إلى إباحة حرام واقعي فلا محالة يستند ارتكابه لذلك الحرام إلى قصوره لأنه الذي أدى إليه اجتهاده وكذا الكلام في مقلديه فلا يمكن الالتزام بالكفر في مثلهما وإن ارتكبا الكبيرة بزعم أنها حلال ، كيف وقد يكون المجتهد المخطئ من الأوتاد الأتقياء فالالتزام بالارتداد حينئذ غير ممكن ، وأما في غيره من الصور فلا مانع من التمسك باطلاق الصحيحة والحكم بكفر مرتكب

ــ[58]ــ

الكبيرة مطلقاً فلا دوران بين الأمرين المتقدِّمين .

   فالصحيح في الجواب عنها أن يقال : إنّ الكفر المترتب على ارتكاب الكبيرة بزعم حليتها ليس هو الكفر المقابل للاسلام الذي هو المقصود بالبحث في المقام ، وذلك لأنّ للكفر مراتب عديدة .

   منها : ما يقابل الاسلام ويحكم عليه بنجاسته وهدر دمه وماله وعرضه وعدم جواز مناكحته وتوريثه من المسلم ، وقد دلت الروايات الكثيرة على أن العبرة في معاملة الاسلام بالشهادتين اللتين عليهما أكثر الناس كما تأتي في محلِّها .

   ومنها : ما يقابل الايمان ويحكم بطهارته واحترام دمه وماله وعرضه كما يجوز مناكحته وتوريثه إلاّ أن الله سبحانه يعامل معه معاملة الكفر في الآخرة ، وقد كنّا سمّينا هذه الطائفة في بعض أبحاثنا بمسلم الدنيا وكافر الآخرة .

 ومنها : ما يقابل المطيع لأنه كثيراً ما يطلق الكفر على العصيان ويقال : إن العاصي كافـر ، وقد ورد في تفسير قوله عزّ من قائل : (إنّا هديناه السّبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا )(1) ما مضمـونه أنّ الشاكر هو المطيع والكفور العاصي(2) وورد في بعض الروايات أن المؤمن لا يزني ولا يكذب ، فقيل إنّه كيف هذا مع أ نّا نرى أنّ المؤمن يزني ويكذب فأجابوا (عليهم السلام) بأنّ الايمان يخرج عن قلوبهم حال عصيانهم ويعود إليهم بعده فلا يصدر منهم الكذب مثلاً حال كونهم مؤمنين(3) وعلى الجملة أن ارتكاب المعصية ليس بأقوى من انكار الولاية لأ نّها من أهم ما بني عليه الاسلام كما
في الخبر (4) وقد عقد لبطلان العبادة بدونها باباً في الوسائل ، فاذا لم يوجب إنكارها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الانسان 76 : 3 .

(2) روى زرارة عن حمران بن أعين قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ (إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا ) ؟ قال : إمّا آخذ فهو شاكر وإمّا تارك فهو كافر» ونظيرها غيرها من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 31 / أبواب مقدّمة العبادات ب 2 ح 5 .

(3) كما ورد في عدّة من الأخبار المروية في الكافي 2 : 280 / 11 ، 282 / 16 ، 285 / 21، 22 .

(4) ورد في جملة من الروايات المروية في الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net