حكم ولد الكافر 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2262


ــ[59]ــ

وولد الكافر يتبعه في النجاسة ((1)) (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكم بالنجاسة والارتداد فكيف يكون ارتكاب المعصية موجباً لهما ؟

   فالموضـوع للآثار المتقدِّمة من الطهارة واحترام المال والدم وغيرهما إنما هو الاعتراف بالوحدانية والرسالة والمعاد وليس هناك شيء آخر دخيلاً في تحقّق الاسلام وترتب آثاره المذكورة . نعم ، يمكن أن يكون له دخالة في تحقّق الايمان ، وهذا القسم الأخير هو المراد بالكفر في الرواية وهو بمعنى المعصية في قبال الطاعة وليس في مقابل الاسلام فلا يكون مثله موجباً للكفر والنجاسة وغيرهما من الآثار .

   (1) لا يتوقّف البحث عن نجاسة ولد الكافر وطهارته على القول بنجاسة أهل الكتاب ، بل البحث يجري حتى على القول بطهارتهم لأن الكلام حينئذ يقع في من يتولد من المشرك ، فانّ موضوع بحثنا هذا من تولد من شخصين محكومين بالنجاسة سواء أ كانا من أهل الكـتاب أم من غيرهم . نعم ، على تقدير القول بنجاستهم فأولادهم أيضاً يكون داخلاً في محل الكلام كأولاد سائر المحكومين بالنجاسة .

   ثم إن البحث عن نجاسة ولد الكافر لا ينافي تسالمهم على أن حكم ولد الكافر حكمه من حيث جواز الأسر والاسترقاق ، وذلك لأن هناك أمرين : أحدهما : تبعية ولد الكافر لوالديه من حيث النجاسة وعدمها وهذا هو محل الكلام في المقام . وثانيهما : تبعية ولد الكافر له من حيث جواز الأسر والاسترقاق ، وهذا هو الذي تسالم عليه الأصحاب وقد ثبتت بالسيرة القطعية في حروب المسلمين ، حيث إنّهم كما كانوا يأسرون البالغـين ويسـترقّونهم من الكفّار كذلك كانوا يأسرون أولادهم وأطفالهم فالتسالم على أحدهما لا ينافي النزاع في الآخر .

   ثم إنّ ولد الكافر ينبغي أن يخرج عن محل الكلام فيما إذا كان عاقلاً رشيداً معتقداً بغير مذهب الاسلام كالتهّود والتنصر ونحوهما وإن كان غير بالغ شرعاً ، لأنّ نجاسته مسلمة ومما لا إشكال فيه وذلك لأ نّه حينئذ يهودي أو نصراني حقيقة ، وعدم تكليفه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا فيما إذا كان مميّزاً ومظهراً للكفر ، وإلاّ فالحكم بنجاسته مبني على الاحتياط .

ــ[60]ــ

وكونه غير معاقب بشيء من أفعاله لا ينافي تهوده أو تنصره ، كيف وقد يكون غير البالغ مشيِّداً لأركان الكفر والضلال ومروجاً لهما بتبليغه ـ كما ربّما يشاهد في بعض الأطفال غير البالغين ـ فضلاً عن أن يكون هو بنفسه كافراً ، وعليه فيتمحض محل الكلام فيما إذا كان ولد الكافر رضيعاً أو بعد الفطام وقبل كونه مميزاً بحيث كان تكلمه تبعاً لوالديه متلقياً كل ما اُلقي إليه على نهج تكلم الطيور المعلمة هذا .

   وقد استدلّ على نجاسته بوجوه : الأوّل : أ نّه كأبويه كافر حقيقة بدعوى أنّ الكفر أمر عدمي وهو عدم الاسلام في محل قابل له ، والمفروض أنّ الولد ليس بمسلم كما أ نّه محل قابل للاسلام وقد مرّ أن مجرد عدم الاسلام في المحل القابل له عبارة عن الكفر . وفيه : أن الكفر وإن كان أمراً عدمياً إلاّ أن ظاهر الأخبار أنه ليس مطلق عدم الاسلام كفراً بل الكفر عدم خاص وهو العدم المبرز في الخارج بشيء ، فما دام لم يظهر العدم من أحد لم يحكم بكفـره ، فالاظهار معتبر في تحقّق الكفـر كما أنه يعتبر في تحقّق الاسلام ، وحيث إن الولد لم يظهر منه شيء منهما فلا يمكن الحكم بكفره ولا باسلامه .

   الثاني : الاستصحاب بتقريب أن الولد حينما كان في بطن اُمه علقة كان محكوماً بنجاسته لكونه دماً فنستصحب نجاسته السابقة عند الشك في طهارته . ويرده أولاً : أن النجاسة حال كونه علقة موضوعها هو الدم وقد انقلب انساناً فالموضوع غير باق وثانياً : أن الاستصحاب لا يثبت به الحكم الشرعي الكلي على ما بيناه في محله .

   الثالث : الروايات كصحيحة عبدالله بن سنان (1) ورواية وهب بن وهب (2) وما ورد(3) في تفسير قوله عزّ من قائل : (والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريّتهم )(4) حيث دلّت بأجمعها على أن أولاد الكفار كالكفار وأنهم يدخلون مداخل آبائهم في النار ، كما أن أولاد المسلمين يدخلون مداخل آبائهم في الجنة ، لأن الله أعلم بما كانوا عاملين به على تقدير حياتهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 3 : 317 ح 1544 .

(2) الفقيه 3 : 317 ح 1543 .

(3) الكافي 3 : 248 / 2 .

(4) الطور 52 : 21 .

 
 

ــ[61]ــ

إلاّ إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلاً مميزاً ، وكان إسلامه عن بصيرة ((1)) على الأقوى (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا ، ولا يخفى أن هذه الأخبار مخالفة للقواعد المسلمة عند العدلية ، حيث إنّ مجرّد علمه تعالى بايمان أحد أو كفره لو كان يكفي في صحة عقابه أو في ترتب الثواب عليه لم تكن حاجة إلى خلقه بوجه ، بل كان يدخله في النار أو في الجنان من غير أن يخلقه أوّلاً ثم يميته لعلمه تعالى بما كان يعمله على تقدير حياته إلاّ أنه سبحانه خلق الخلق ليتم عليهم الحجة ويتميز المطيع من العاصي ولئلاّ يكون للناس على الله حجة ، ومعه كيف يمكن تعذيب ولد الكافر ما دام لم يعص الله خارجاً . فهذه الأخبار غير قابلة للاستدلال بها في المقام ولا مناص من تأويلها .

   هذا على أنها على تقدير تمامية دلالتها وصحتها بحسب السند كما في صحيحة عبدالله بن سنان إنما تدل على أن الله سبحانه يعامل معهم معاملة الكفر في النشأة الآخرة ، وأين هذا مما نحن فيه من الحكم بنجاستهم وكفرهم في هذه النشأة ، ولم تثبت أية ملازمة بينهما ، وعليه فلا دليل على نجاسة ولد الكافر سوى الاجماع والتسالم القطعيين المنقولين عن أصحابنا ، فكما أن أصل نجاسة أهل الكتاب إنما ثبت باجماعهم فكذلك نجاسة أولادهم ، إلاّ أن هذا الاجماع إن تم وحصل لنا منه القطع أو الاطمئنان على أنهم كانوا في زمان الأئمة يعاملون مع ولد الكافر معاملة الكفر والنجاسة فهو وإلاّ فللتوقف والمناقشة في نجاسة ولد الكافر مجال واسع . هذا كله فيما إذا كان ولد الكافر ولداً شرعياً لأبويه ولو في مذهبهما .

   (1) إذا أقر ولد الكافر بالاسلام وأجرى الشهادتين على لسانه فلا محالة يحكم بطهارته وإسلامه لاطلاق ما دلّ على تحقق الاسلام بالاقرار بالشهادتين ، كما يحكم بتهوّده أو تنصّره إذا اعترف بهما على نفسه من غير فرق في ذلك بين البالغ وغير البالغ ، وعدم كونه مكلّفاً شرعاً لا يقتضي عدم إسلامه بعد اعترافه به واعتقاده

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل مطلقاً .

ــ[62]ــ

بصحّته كما ذكرناه عند اعترافه بالتهوّد والتنصّر ونحوهما ، ومعه لا مسوغ للحكم بنجاسته لأنه إمّا من جهة صدق التنصر أو التهود عليه وهو مقطوع العدم في مفروض الكلام لوضوح عدم صدقهما مع اعتقاده بخلافهما واعترافه بالاسلام ، وإما من جهة الاجماع المدعى على نجاسة ولد الكافر وهو أيضاً لا يشمل المقام لاختصاصه بالولد المتولد من شخصين كافرين من غير أن يعتقد بالاسلام .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net