التفصيل بين ما إذا كان غليان العصير مستنداً إلى النار وبين ما إذا استند إلى نفسه 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2128


   هذا وقد يفصّل في المسألة بين ما إذا كان غليان العصير مستنداً إلى النار فيحكم بحرمته ويكون ذهاب ثلثيه محللاً حينئذ ، وبين ما إذا استند إلى نفسه أو إلى حرارة الهواء أو الشمس فيحكم بنجاسته إلاّ أن ذهاب الثلثين حينئذ لا يرفع نجاسته ، لأنّ حاله حال الخمر فلا يطهّره إلاّ تخليله . وهذا التفصيل نسب من القدماء إلى ابن حمزة في الوسيلة (1) واختاره شـيخنا شيخ الشريعة الاصفهاني (قدس سره) في رسـالته إفاضة القدير التي صنفها في حكم العصير ، وقد  نسبه إلى جماعة منهم ابن ادريس(2) والشيخ الطوسي في بعض كلماته(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسيلة : 365 .

(2) السرائر 3 : 130 .

(3) النهاية : 591 .

ــ[102]ــ

   واستدلّ عليه تارة بما يرجع حاصله إلى المنع الصغروي ، حيث ذكر أنّ العصير العنبي إذا نش وغلى بنفسه ـ ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء ونحوهما ـ كما إذا مضت عليه مدّة لا محالة يصير مسكراً ، لأنه ببقائه مدة من الزمان يلقى الزبد وتحدث فيه حموضة وهي التي يعبّر عنها في الفارسية بـ «ترشيدن» فبه ينقلب مسكراً حقيقياً ، وهو إذن من أحد أفراد الخمر والمسكر ولا اشكال في نجاسة الخمر كما مر . والتكلم في الصغريات وإن كان خارجاً عن الأبحاث العلمية إلاّ أن ما أفاده (قدس سره) لو تمّ وثبت اقتضى التفصيل في المسألة من دون حاجة إلى اقامة الدليل والبرهان عليه ، لأن ما قدمناه من الأدلة على نجاسة الخمر يكفينا في الحكم بنجاسة العصير إذا غلى من قبل نفسه لأنه فرد من أفراد الخمر حينئذ ، إلاّ أنه لم يثبت عندنا أن العصير إذا غلى بنفسه ينقلب خمراً مسكراً كما لم يدع ذلك أهل خبرته وهم المخلِّلون وصنّاع الخل والدبس ، بل المتحقق الثابت خلافه ، فانّ صنع الخمر وإيجادها لو كان بتلك السهولة لم يتحمّل العقلاء المشقّة في تحصيلها من تهيئة المقدّمات والمؤونات وبذل الأموال الطائلة في مقابلها ، بل يأخذ كل أحد مقداراً من العصير ثم يجعله في مكان فاذا مضت عليه مدّة ينقلب خمراً مسكراً . نعم ، ربما ينقلب العصير الذي وضع لأجل تخليله خمراً ، إلاّ أنه أمر قد يتّفق من قبل نفسه وقد لا يتّفق .

   واُخرى منع عن كبرى نجاسة مطلق العصير بالغليان ، وعمدة ما اعتمد عليه في ذلك أمران :

   أحدهما : دعوى أن كل رواية مشتملة على لفظة الغليان من الأخبار الواردة في حرمة العصير إنما دلت على أنه لا خير في العصير إذا غلى أو لا تشربه إذا غلى أو غيرهما من المضامين الواردة في الروايات ، إلاّ أن الحرمة أو النجاسة ـ  على تقدير القول بها  ـ غير مغياة في تلك الأخبار بذهاب الثلثين أبداً ، وعليه فلا دلالة في شيء منها على أن الحكم الثابت على العصير بعد غليانه يرتفع بذهاب ثلثيه بل ليس من ذلك في الروايات عين ولا أثر ، كما أن كل رواية اشتملت على التحديد بذهاب الثلثين فهي مختصّة بالعصير المطبوخ أو ما يساوقه كالبختج والطلا ، والجامع ما يغلى بالنار .

ــ[103]ــ

   فهذه الأخبار قد دلّتنا على أنّ العصير المطبوخ الذي يستند غليانه إلى النار ـ  دون مطلق العصير المغلي  ـ إذا ذهب عنه ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس به ، ولا دلالة في شيء منها على عدم البأس في مطلق العصير المغلي إذا ذهب عنه ثلثاه ، فمن ذلك يظهر أن ذهاب الثلثين محلل للعصير الذي استند غليانه إلى الطبخ بالنار ولا نجاسة فيه أبداً وأمّا ما استند غليانه إلى نفسه ـ ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء ـ فذهاب الثلثين فيه لا يكون موجباً لحليته ولا مزيلاً لنجاسته ، فبذلك نبني على أن العصير إذا غلى بنفسه فهو نجس محرّم شربه ولا يرتفع شيء من نجاسته وحرمته إلاّ بانقلابه خلا كما هو الحال في الخمر ، وسرّه أنّ الغليان في الطائفة الاُولى من الروايات ـ وهي الأخبار المشتملة على حرمة العصير أو نجاسته بغليانه ـ لم يذكر له سبب ، وكلّ وصف لشيء لم يذكر استناده إلى سبب فالظاهر أنه مما يقتضيه نفس ذلك الشيء بمادّته .

   وعليه فالروايات ظاهرة في أنّ الغليان المنتسب إلى نفس مادة العصير ـ ولو بمعونة أمر خارجي ـ هو الذي يقتضي نجاسته دون الغليان المنتسب إلى النار ، وبهذا صحّ التفصيل المتقدم ذكره ، ومعه لا وجه لما عن المحقق الهمداني وغيره من عدم استناد ذلك إلى دليل ، حيث ذكر المحقِّق المذكور ـ بعد نقله التفصيل المتقدِّم ذكره عن ابن حمزة في الوسيلة ـ أنه لم يعلم مستنده (1) .

   ودعوى: أنّ هذه النكتة في الروايات ـ ذكر السبب وعدمه ـ قضيّة اتفاقية لا يناط بها الحكم الشرعي ـ كما عن بعض معاصريه ـ مندفعة بأنّ النكات والدقائق التي أعملها الأئمة (عليهم السلام) في كلماتهم مما لا مناص من أخذها كما يجب الأخذ بأصلها (2) . هذه خلاصة ما أفاده (قدس سره) في الأمر الأول من استدلاله بعد ضم بعض كلماته ببعض وزيادة منّا لتوضيح المراد .

   ولكن لا يمكننا المساعدة على هذه الدعوى بوجه، لأنها مما لا أصل له حيث إنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الطهارة) : 552 السطر 31 .

(2) إفاضة القدير : 16 ـ 35 .

ــ[104]ــ

الأخبار المشتملة على لفظة الغليان مما دلّ على حرمة العصير أو نجاسته وإن لم يغي فيها الحكم بذهاب الثلثين ، إلاّ أن عدم ذكر السبب للغليان لا يقتضي استناده إلى نفس العصير ، لأنه دعوى لا شاهد لها من العرف ولا من كلمات أهل اللّغة ، كيف فان عدم ذكر السبب يقتضي الاطلاق من حيث أسبابه فلا يفرق بين استناده إلى نفسه أو إلى النار أو غيرهما ، فالمراد بالغليان في حسنة حماد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «لا  يحرم العصير حتى يغلي» (1) وفي خبره الآخر : «تشرب ما لم يغل فاذا غلى فلا  تشربه»(2)  أعم من الغليان بالنار والغليان بنفسه ، فلا يكون عدم ذكر السبب موجباً لتقييد الغليان بخصوص ما يستند إلى نفسه ، فإذا ورد أن الرجل إذا مات ينتقل ماله إلى وارثه ، فلا يحمله أحد على إرادة خصوص موته المستند إلى نفسه ، بل يعمّه وما إذا كان مستنداً إلى غيره من قتل أو غرق أو غيرهما من الأسباب الخارجية .

   هذا كله على أن الغليان لا يعقل أن يستند إلى نفس العصير ، فانّه لو صُبّ في ظرف ـ  كالإناء  ـ وجُعل في ثلاجة أو غيرها مما لا تؤثر فيه حرارة خارجية فلا محالة يبقى مدّة من الزمان ولا يحدث فيه الغليان أبداً ، وعليه فالغليان غير مسبب عن نفس العصير بل دائماً مستند إلى أمر خارجي من نار أو حرارة الهواء أو الشمس ، ومعه لا  وجه لحمل الغليان في الطائفة الاُولى على الغليان بنفسه حتى ينتج أن الحاصل بسببه لا يرتفع حكمه بذهاب ثلثي العصير .

   نعم يبقى له سؤال وهو أنه هب أن الغليان في الروايات المذكورة مطلق ولا يختص بالغليان بنفسه إلاّ أنه لم يدلنا دليل على أن ذهاب الثلثين في مطلق العصير يقتضي طهارته ويرفع حرمته ، لما قدمناه من أن الطائفة الثانية المشتملة على ذهاب الثلثين مختصة بالعصير المطبوخ بالنار أو ما يساوقه ، فذهابهما إنما يكون غاية لارتفاع الحرمة أو النجاسـة في خصوص ما غلى بالنار ، وأما في غيره فلا دليل على ارتفاع حكمـه بذهابهما فلا بدّ من التمسك حينئذ بعدم القول بالفصل والملازمة بين ما غلى بالنار وما غلى بغيرها وهي بعد لم تثبت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرمة ب 3 ح 1 ، 3 .

ــ[105]ــ

   وهذا السؤال وإن كان له وجه إلاّ أنه يندفع بأن الطائفة الثانية وإن اختصت بالمطبوخ كما ادعاه إلاّ أن بينها صحيحة عبدالله بن سنان أو حسنته ، قال : «ذكر أبو عبدالله (عليه السلام) أنّ العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال» (1) والعصير فيها مطلق وتدلّنا هذه الصحيحة على أنّ ذهاب الثلثين رافع لحرمة مطلق العصير سواء غلى بنفسه ونشّ أوّلاً ثم أغلي بالنار وذهب ثلثاه أم لم يغل قبل غليانه بالنار ، هذا بل قيل إن الغالب في العصير الموجود في دكاكين المخللين وصنّاع الخل والدبس هو الأول ، لأن العصير عندهم كثير ولا يتمكنون من جعله دبساً دفعة ومن هنا يبقى العصير في دكاكينهم مدة ويحصل له النشيش من قبل نفسه ثم يغلى بالنار ويذهب ثلثاه . فالمتحصل أن ذهاب الثلثين مطلقاً يرفع الحرمة الثابتة على العصير غلى بنفسه أم غلى بالنار .

   ثانيهما : صحيحة ابن سنان أو حسنته عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه» (2) حيث إنه رتّب الحرمة المغياة بذهاب الثلثين على العصير الذي أصابته النار ، فيستفاد منها أن ما لم تصبه النار من العصير ـ كما إذا غلى بسبب أمر آخر ـ لا ترتفع حرمته بذهاب ثلثيه وإلاّ فما فائدة تقييده العصير بما أصابته النار ؟

   ودعوى أنّ القيد توضيحي ، خلاف ظاهر التقييد لأنّ القيود محمولة على الاحتراز ـ  فيما إذا لم يؤت بها لفائدة اُخرى  ـ كما في قوله عزّ من قائل : (وربائبكم اللاّتي في حجوركم )(3) حيث إن الاتيـان بالقيد من جهة الاشـارة إلى حكمة الحكم بحـرمة الربائب لا أنّ حرمتها مختصّة بما إذا كانت في الحجور ، وعليه لا مناص من التفصيل في حلية العصير بذهاب ثلثيه بين صورة غليانه بنفسه وصورة غليانه بسبب أمر آخر ، لأنّ الغاية لحرمة العصير المغلي بنفسه تنحصر بتخليله هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 277 / أبواب الأشربة المباحة ب 32 ح 2 ، 288 أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح  1 .

(2) الوسائل 25 : 282 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 1 .

(3) النساء 4 : 23 .

ــ[106]ــ

   ويتوجّه عليه أن الأصل في القيود وإن كان هو الاحتراز وقد بيّنا في مبحث المفاهيم أن الوصف كالشرط ذات مفهوم إلاّ أن مفهومه أن الطبيعة على إطلاقها غير مقتضية للحكم والاثر وإنما المقتضي لهما حصة خاصة من الطبيعي ، ولا دلالة له على أن الحكم الثابت لتلك الحصة غير ثابت لحصة اُخرى من الطبيعة (1) ، مثلاً إذا ورد أكرم الرجل العالم يدلنا تقييد الرجل بأن يكون عالماً على أن طبيعي الرجولية غير مقتض لوجوب إكرامها ، بل الذي ثبت له وجوب الاكرام حصة خاصة وهي الرجل المتصف بالعلم ، لأنه لو كان ثابتاً لطبيعي الرجل على إطلاقه كان تقييده بالعالم من اللغو الظاهر ، إلاّ أنه لا يدل على أن الرجل العادل أو غيره من الحصص غير متصف بهذا الحكم ، حيث لا دلالة في الوصف على كونه علة منحصرة للوجوب في المثال ومعه يمكن أن تكون العدالة أو الشيخوخة أو غيرهما من القيود كالعلم علّة لوجوب الاكرام مثلاً .

   وعليه يدلّنا تقييد العصير في الرواية «بما أصابته النار» أن ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين غير مترتِّب على طبيعي العصير ـ وإلاّ كان تقييده لغواً ظاهراً ـ وإنما يترتّب على حصّة خاصّة منه وهو الذي تصيبه النار ، إلاّ أنه لا يدلّنا بوجه على عدم ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين في غيره من الحصص المتصورة للعصير كالمغلي بنفسه أو بحرارة الشمس أو الهواء ، لما عرفت من أن الوصف لا ظهور له في العلية المنحصرة ، ومعه يمكن أن يكون الغليان بنفسه كالغليان بالنار علة للحرمة المغياة بذهاب الثلثين هذا .

   على أ نّا لو سلمنا ظهور الرواية في إرادة خصوص الغليان بالنار وفرضنا أنها كالصريح في أن الغليان بالنار هو الذي يقتضي الحرمة المغياة بذهاب الثلثين دون الغليان بغيرها من الأسباب ، فغاية ذلك أن نفصّل في حرمة العصير بين ما إذا غلى بنفسه فلا ترتفع حرمته إلاّ بتخليله وما إذا غلى بالنار فترتفع حرمته بذهاب ثلثيه ، وأين هذا من التفصيل في نجاسة العصير ؟ حيث لم يدلنا أي دليل على أن العصير إذا غلى بنفسه ينجس حتى يحكم بعدم ارتفاعها بذهاب ثلثيـه . فالصحيح هو الذي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 133 .

ــ[107]ــ

قدّمناه عن المحقق الهمداني (قدس سره) من أن التفصيل في نجاسة العصير بين غليانه بالنار وغليانه بغيرها مما لم يعلم مستنده (1) ، فان ما أفاده شيخ الشريعة (قدس سره) لو تمّ فانما يقتضي التفصيل في حرمة العصير دون نجاسته هذا .

   وقد يستدلّ على هذا التفصيل برواية الفقه الرضوي «فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلاًّ من ذاته» (2) فانّه كالصريح في أنّ الغليان من قبل نفس العصير مولد لحرمته وكذا لنجاسته وأنهما لا يرتفعان إلاّ بتخليله ، إلاّ أ نّا ذكرنا غير مرّة أن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون حجّة .

   وقد يستدلّ برواية عمّار بن موسى الساباطي ، قال : «وصف لي أبو عبدالله (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالاً فقال : تأخذ ربعاً من زبيب وتنقيه ثم تصب عليه اثني عشر رطلاً من ماء ، ثم تنقعه ليلة فاذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور سخن قليلاً حتى لا ينش ثم تنزع الماء منه كلّه إذا أصبحت ، ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه حتى تذهب حلاوته إلى أن قال: فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث» الحـديث(3) بتقريب أن قوله : «وخشيت أن ينش ظاهره» أن العصير مع النشيش من قبل نفسه لا يقبل الطهارة والحلية باذهاب ثلثيه ، فالخشية إنما هي من صيرورته خارجاً عن قابلية الانتفاع به بذهاب الثلثين لأجل غليانه من قبل نفسه ، فالنش في قبال غليانه بالنار الذي يحلله ذهاب الثلثين .

   والكلام في هذا الاستدلال تارة يقع في فقه الحديث ، واُخرى في الاسـتدلال به على المدعى .

   أما فقه الحديث فقد وقع الكلام في المراد من أمره (عليه السلام) بجعل العصير في تنور سخن قليلاً خوفاً من نشيشه من قبل نفسه ، مع أن جعله في مـكان حارّ معد لنشيشه لا أنه مانع عنه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم في ص 103 .

(2) فقه الرضا : 280 .

(3) الوسائل 25 : 289 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 2 .

ــ[108]ــ

   ذكر شيخنا شيخ الشريعة (قدس سره) أن المراد بذلك جعل العصير في التنور السخن لأجل أن يغلي بالنار حتى لا ينش من قبل نفسه . ويبعّده أوّلاً : أن جعله في التنور السخن قليلاً لا يوجب غليانه لقلة مكثه فيه . وثانياً : أن مراده (عليه السلام) لو كان غليانه بالنار لعبّر عنه بعبارة أخصر كقوله فاغله ، ولم يكن يحتاج إلى قوله : «جعلته في تنور سخن قليلاً» على طوله . وثالثاً : أن ظاهر الرواية أنه (عليه السلام) يريد أن يتحفّظ على العصير من نشيشه من دون أن يغلي ، فما وجّه به الرواية مما لا يمكن المساعدة عليه .

   والصحيح في وجه ذلك أن يقال : إن العصير أو غيره من الأشربة أو الأطعمة القابلة لأن يطرأ عليها الضياع والحموضة إذا أصابته الحرارة بكم خاص منع عن فسادها ، ولما طرأت عليها الحموضة بوجه فلا يسقط عن قابلية الانتفاع بها بأكلها أو بشربها ، فلو جعلت طعاماً على النار مثلاً في درجة معينة من الحرارة ترى أنه يبقى أياماً بحيث لو كان بقي على حاله من غير حرارة لفسد من ساعته أو بعد ساعات قلائل كما في الصيف . وقد ذكر المستكشفون العصريون في وجه ذلك أن الفساد إنما يطرأ على الطعام أو الشراب من جهة الميكروبات الداخلة عليهما التي تتكون في الجو والهواء ، بحيث لو اُبقي ذلك الطعام أو الشراب على الحرارة في درجة معينة أعني درجة السـتين وماتت المكروبات الطارئة عليهما بتلك الحرارة لم يطرأ عليهما الحـموضة والفساد من غير أن يصل إلى درجة الغليان ، لأنّ الحرارة إنما تولد الغليان في درجة المائة . هذا على أن ما ادعيناه وعرفته مما أثبتته التجربة وهي أقوى شاهد عليه سواء قلنا بمقالة العصريين أم أنكرنا وجود المكروب من رأس ، وعليه فغرضه (عليه السلام) من الأمر بجعل العصير في تنور سخن إنما هو التحفظ من أن تعرضه الحموضة والفساد لمكان حرارة التنور من غير أن يبلغ درجة الغليان ، هذا كلّه في فقه الحديث .

   وأمّا الاستدلال به على التفصيل المدعى ففيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بحسب السند ، لأنّ الراوي عن علي بن الحسن في السند لم يعلم أنه محمّد بن يحيى أو أنه رجل ومحمّد بن يحيى يروي عن ذلك الرجل ، وحيث إن الرجل مجهـول فتصبح الرواية




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net