ثبوت النّجاسة بالعلم الوجداني - ثبوت النّجاسة بالبيِّنة العادلة - ثبوت النّجاسة بخبر الواحد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1678


ــ[154]ــ

 فصل

[ في طرق ثبوت النجاسة ]

   طريق ثبوت النجاسة أو التنجّس ، العلم الوجداني (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشكال حينئذ في وجوب الفحص والنظر وأنه ليس للمجتهد أن يفتي بطهارة شيء أو بنجاسته إلاّ بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل ، وذلك لأن أدلة اعتبار قاعدة الطهارة وغيرها من الاُصول وإن كانت مطلقة إلاّ أن مقتضى الأدلة العقلية والنقلية المذكورتين في محلهما عدم جريانها قبل الفحص عن الدليل ، فبهما نقيِّد إطلاقاتها بما بعد الفحص عن الدليل ، إلاّ أنّ هذه الصورة غير مرادة للماتن قطعاً .

   وقد تكون الشبهة موضوعية كما إذا علمنا بالحكم وشككنا في الموضوع الخارجي  ولم ندر مثلاً أنّ الدم المشاهد من القسم الطاهر أو النجس أو أن المائع المعيّن ماء أو بول أو أنه متنجس أو غير متنجس ، ففي جميع ذلك تجري أصالة الطهارة وغيرها من الاُصول من غير اعتبار الفحص في جريانها وإن أمكن تحصيل العلم بسهولة ـ  كما إذا توقّف على مجرّد النظر وفتح العين  ـ وذلك لاطلاق أدلة اعتبارها وعدم ما  يدل على تقييدها بما بعد الفحص من عقل ولا نقل ، مضافاً إلى ما ورد في بعض الروايات من قوله (عليه السلام) : «ما اُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم»(1) لدلالته على عدم توقّف جريان أصالة الطهارة على الفحص في الشبهات الموضوعية .

 فصل

    (1) لما حقّقناه في بحث الاُصول من أنّ العلم حجّة بذاته ، والرّدع عن العمل على طبقه أمر غير معقول كما أشرنا إليه في مباحث المياه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 5 .

ــ[155]ــ

أو البيِّنة العادلة(1) وفي كفاية العدل الواحد إشكال((1)) فلا يترك مراعاة الاحتياط(2).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاطلاق دليل حجيتها إلاّ فيما دلّ الدليل على عدم اعتبار البيِّنة فيه كما في الزّنا لأنه لا يثبت بالبيِّنة بمعنى شهادة عدلين بل يعتبر في ثبوته شهادة أربعة عدول ، وكذلك ثبوت الهلال على قول . وتوضيح الكلام في المقـام :  أنّ البيِّنة لا يراد منها في موارد استعمالاتها في الكتاب والسنّة إلاّ مطلق ما به البيان وما يثبت به الشيء كما هو معناها لغة ، لأنّ البيِّنة بمعنى شهادة عدلين اصطلاح جديد حدث بين الفقهاء ، فالبيِّنة في مثل قوله عزّ من قائل : (إنِّي على بيِّنة من ربِّي )(2) (فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون * بالبيِّنات والزبر )(3) وغيرهما ليست بمعناها المصطلح عليه قطـعاً ، وإنما استعملت بمعناها اللغوي أعني ما به البيان والدليل ، كما أن المراد بها في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنما أقضي بينكم بالبيِّنات والأيمان»(4) مطلق الدليل ، وكأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أراد أن ينبِّه على أنّ حكمه في موارد الدعاوي والمرافعات وكذا حكم أوصيائه ليس هو الحكم النفس الأمري الواقعي ، لأنّ ذلك كان مختصّاً ببعض الأنبياء ، وإنما حكمه حكم ظاهري على طبق اليمين والدليل .

   ثم إن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في موارد القضاء لمّا طبق البيِّنة ـ  بهذا المعنى اللغوي  ـ على شهادة عدلين فاستكشفنا بذلك اعتبار شهادتهما وأنها مصداق الدليل والبيِّنة ، وهذا باطلاقه يقتضي اعتبار البيِّنة بمعنى شهادة العدلين في جميع مواردها إلاّ فيما قام الدليل على عدم اعتبارها فيه كما مر ، وعلى ذلك لا شبهة في ثبوت النجاسة بشهادة عدلين حيث لم يرد دليل يمنع عن اعتبارها في النجاسة كما منعه في الزّنا .

   (2) لا اعتبار بخبر العدل الواحد في الدعاوي والترافع حيث لم يطبق (صلّى الله عليه وآله وسلّم) البيِّنة فيهما إلاّ على شهادة عدلين ، كما لا اعتبار به في مثل الزنا لأنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأظهر ثبوت النجاسة بقول العدل الواحد بل مطلق الثقة .

(2) الأنعام 6 : 57 .

(3) النحل 16 : 43 ـ 44 .

(4) الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 2 ح 1 .

ــ[156]ــ

إنما يثبت بشهادة أربعة عدول . وإنما الكلام في اعتباره في غير هذين الموردين ، فهل خبر العدل الواحد تثبت به الموضوعات الخارجية على وجه الاطلاق حتى يمنع من اعتباره دليل أو لا اعتبار بخبره في ثبوتها وإن كان معتبراً في بعض الموارد الخاصة ؟

   التحقيق أن خبر العدل الواحد كالبينة يعتبر في الموضوعات الخارجية كما يعتبر في الأحكام ، والوجه فيه أن عمدة الدليل على حجية خبر العدل في الأحكام إنما هي السيرة العقلائية القائمة على الأخذ بأقوال الموثقين فيما يرجع إلى معاشهم ومعادهم ، وقد أمضاها الشارع بعدم الرّدع عنها ، ومن الظاهر عدم اختصاص سيرتهم هذه بباب دون باب ، لأنّ حال الموضوعات الخارجية والأحكام عندهم على حد سواء ، وقد جرت سيرتهم على الركون والاعتماد على أخبار الثقات في جميع ما يرجع إلى معاشهم ومعادهم ، وبها يثبت اعتبار خبره في الموضوعات التي منها بولية مائع أو تنجسه ونحوهما .

   ويؤيده ما ورد من النهي عن إعلام المصلي بنجاسة ثوبه بقوله (عليه السلام) : «لا يؤذنه حتى ينصرف» (1) نظراً إلى أنّ إخـبار العدل الواحد لو لم يكن معتـبراً في مثلها لم يكن لمنـعه عن إخبار المصلِّي بنجاسة ثوبه وجه صحيح ، ونظيرها ما ورد في توبيخ من أخبر المغتسل بعدم احاطة الماء جميع بدنه حيث قال (عليه السلام): «ما كان عليك لو سكت»(2) ولا وجه له إلاّ ثبوت المخبر به باخبار العدل الواحد .

   وقد يقال ـ كما قيل ـ إنّ رواية مسعدة بن صدقة رادعة عن السيرة العقلائية في الموضوعات الخارجية ، وذلك لأنه (عليه السلام) بعد ما حكم في الرواية بحلِّية الأشياء المشكوك فيها قال : «والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البيِّنة»(3) حيث حصر المثبت في الموضوعات الخارجية بالعلم والبيِّنة ، ومنه يظهر أنّ خبر العدل الواحد لا اعتبار به في الموضوع الخارجي .

   ويندفع ذلك ـ مع الغض عن ضعف سندها بمسعدة ـ أنّ البيِّنة في الرواية لم يرد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 3 : 487 / أبواب النجاسات ب 47 ح 1 ، 2 .

(3) الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net