حكم شهادة المتبرّع بها إذا كانت واجدة للشرائط - عدم قبول شهادة ولد الزنا 

الكتاب : مبـاني تكملة منهاج الصالحين - الجزء الأول : القضاء   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3410


ــ[131]ــ

   (مسألة 94) : لا يبعد قبول شهادة المتبرّع بها إذا  كانت واجدة للشرائط ، بلا فرق في ذلك بين حقوق الله تعالى وحقوق الناس (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا دليل عليه .

   ومن الغريب أ نّه نسب إلى بعضهم الجمع بين الروايات بعكس ذلك ، ولكن لم يعلم قائله . على أ نّه قد مرّ ما دلّ على قبول شهادة العبد على غير مولاه كما في صحيحة عبدالرحمن .

   فالنتيجة :  أنّ الأظهر هو قبول شهادة العبد على مولاه أيضاً .

   (1) أمّا بالنسبة إلى حقوق الله تعالى ـ ومنها ما يرجع إلى المصالح العامّة ـ ففي الجواهر : أنّ المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة القبول ، بل لم يعرف الخلاف في ذلك إلاّ ما يحكى عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار ، مع أنّ المحكي عنه في المبسوط موافقة المشهور (1) ، انتهى .

   نعم ، تردّد في ذلك المحقق في الشرائع (2) ، وعن الفاضل الاستشكال فيه في بعض كتبه (3) .

   وما ذكره المشهور هو الصحيح ، لإطلاقات الأدلّة وعموماتها ، وعدم دليل صالح للتقييد .

   وأمّا بالنسبة إلى حقوق الناس فالمشهور بين الفقهاء عدم قبول شهادة المتبرّع ، بل قيل : إنّه لم يوجد الخلاف فيه ، واستدلّ على ذلك بعدّة روايات نبويّة :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 41 : 106 .

(2) الشرائع 4 : 134 .

(3) إرشاد الأذهان 2 : 158 .

ــ[132]ــ

   منها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ثمّ يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها» (1) .

   ومنها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ثمّ يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يُستشهَد»(2).

   ومنها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يُستشهَدوا»(3).

   بضميمة ما ورد من أ نّها تقوم على شرار الخلق (4) .

   واستدلّ على ذلك أيضاً بأنّ شهادة المتبرّع معرض للتهمة ، ولا عبرة بشهادة المتّهم .

   أقول : إن تمّ الإجماع على عدم قبول شهادة المتبرع فهو ، ولكنّه لا يتمّ . وعن ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) القبول(5)، ونسب الميل إلى ذلك إلى السبزواري (قدس سره) في الكفاية(6)، واختاره صاحب المستند صريحاً ونسبه إلى صريح ابن إدريس في السرائر (7) . وكيف كان فالإجماع غير محقّق ، والمنقول ليس بحجّة .

   وأمّا النبويّات فهي ليست بحجّة ، على أ نّها معارضة بالنبوي الآخر ، فقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 4 : 426 .

(2) سنن ابن ماجة 2 : 791 / 2363 .

(3) دعائم الإسلام 2 : 508 / 1815 .

(4) نوادر الراوندي (ضمن الفصول العشرة) : 16 ، شرح نهج البلاغة 15 : 264 .

(5) مجمع الفائدة والبرهان 12 : 399 .

(6) الكفاية : 282  (حجري) .

(7) المستند 18 : 264 ، السرائر 2 : 133 .

ــ[133]ــ

روي أ نّه قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ألا اُخبركم بخير الشهود ؟ » قالوا : بلى ، يا رسول الله «قال : أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (1) .

   وأمّا دعوى انجبار النبويّات الدالّة على عدم قبول شهادة المتبرّع بعمل المشهور فممنوعة ، إذ لا ظنّ باعتماد المشهور عليها ، فإنّ المذكور في كلمات غير واحد منهم هو تعليل ذلك بالإجماع أو بالتهمة ، على أنّ لنا كلاماً في كبرى حجّيّة الرواية الضعيفة باستناد المشهور إليها ، ذكرناه في مباحث الاُصول مفصّلاً  (2) .

   وأمّا الاستدلال بالتهمة فيندفع أوّلاً : بما تقدّم من أنّ المراد بالمتّهم من لم تثبت عدالته . وعلى ذلك رتّبنا قبول شهادة الصديق للصديق والقريب للقريب وغير ذلك . على أنّ الشاهد المتبرّع قد لا يكون متّهماً ، كما إذا كان المشهود به على خلاف ميل الشاهد ، أو أ نّه كان يتخيّل أ نّه يجب عليه أداء الشهادة قبل السؤال أو لغير ذلك ممّا يوجب عدم تطرّق احتمال التهمة فيه .

   فالأقرب حينئذ هو قبول شهادة المتـبرّع إذا كان عادلاً جامعاً لشرائط الشهادة .

   بقي هنا شيء :  وهو أ نّه بناءً على عدم قبول شهادة المتبرّع لا تكون شهادته جرحاً له حتى لا تقبل شهادته في غير ذلك أيضاً ، وعليه ، فلو أعاد شهادته بعد مطالبة الحاكم فالظاهر قبولها ، ولا إجماع في مثل ذلك جزماً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد الحديث باختلاف في الألفاظ كما في صحيح مسلم 3 : 1344 / 1719 ، سنن البيهقي 10 : 159 .

(2) مبصاح الاُصول 2 : 201 ـ 203 .

ــ[134]ــ

   (مسألة 95) : لا تقبل شهادة ولد الزنا مطلقاً (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد .

   خلافاً للشيخ في المبسوط على ما نسب إليه ذلك الشهيد الثاني في المسالك ومال هو إليه .

   واستدلّ على قول المشهور بعدّة روايات :

   منها: معتبرة أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ «فقال: لا» فقلت : إنّ الحكم بن عتيبة يزعم أ نّها تجوز «فقال : اللّهمّ لا تغفر ذنبه ، ما قال الله للحكم : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) » (1) .

   ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «لاتجوز شهادة ولد الزنا»(2).

   ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن شهادة ولد الزنا «فقال : لا ولا عبد» (3) .

   ومنها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته ؟ «قال : لايجوز شهادته ولا يؤمّ» (4) .

   ولا يعارضها ما رواه عبدالله بن جعفر ، عن عبدالله بن الحسن ، عن علي بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 374 /  كتاب الشهادات ب 31 ح 1 ، والآية في الزخرف 43 : 44 .

(2) الوسائل 27 : 375 /  كتاب الشهادات ب 31 ح 3 .

(3) الوسائل 27 : 376 /  كتاب الشهادات ب 31 ح 6 .

(4) الوسائل 27 : 377 /  كتاب الشهادات ب 31 ح 8 ، مسائل علي بن جعفر : 191 / 391 .

ــ[135]ــ

إلّا في الشيء اليسير على إشكال (1) ، وتقبل شهادة من لم يثبت

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جعفر ، عن أخيه ، قال : سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته ؟ «قال : نعم ، تجوز شهادته ولا يؤمّ» (1) .

   فإنّها ضعيفة سنداً ، لأنّ عبدالله بن الحسن لم يرد فيه توثيق ولا مدح ، وعلى تقدير تسليم المعارضة فلا بدّ من حملها على التقيّة .

   (1) وجه الإشكال : أنّ المشهور ذهبوا إلى عدم الفرق في عدم قبول شهادة ولد الزنا بين الشيء اليسير وغيره ، ولكن عن الشيخ في النهاية وابن حمزة قبول شهادته في الشيء اليسير (2) .

   ومستند ذلك ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان ، عن عيسى بن عبدالله ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا «فقال : لا تجوز إلاّ في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً» (3) .

   وناقش في ذلك الشهيد الثاني (قدس سره) وغيره باشتراك عيسى بن عبدالله بين الثقة وغير
الثقة(4).

   ولكن الظاهر أنّ المناقشة في غير محلّها ، فإنّ الثقة إنّما هو عيسى بن عبدالله القمّي الذي ورد فيه بسند صحيح مدحٌ بليغ عن الصادق (عليه السلام)  (5) ، والراوي عنه هو أبان على ما ذكره الشيخ في رجاله (6) ، وروى عنه أبان في غير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 376 /  كتاب الشهادات ب 32 ح 7 ، قرب الاسناد : 298 / 1171 .

(2) النهاية : 326 ، الوسيلة : 230 .

(3) التهذيب 6 : 244 / 611 .

(4) المسالك 14 : 225 .

(5) رجال الكشي : 332 / 607 و 610 .

(6) رجال الطوسي : 258 / 567 .

ــ[136]ــ

كونه ولد زنا وإن ناله بعض الألسن (1) .
ـــــــــــــــــــ

مورد ، فيتعيّن بذلك أنّ عيسى بن عبدالله الوارد في سند هذه الرواية هو القمّي الأشعري ، فتكون الرواية معتبرة .

   إنّما الإشكال من جهة أنّ الشيء اليسير والكثير ليس لهما واقع محفوظ كما تقدّم (1) ، بل هما أمران إضافيّان ، فالشيء الواحد يسير بالإضافة إلى شيء وكثير بالإضافة إلى آخر ، أو أ نّه يسير بالإضافة إلى شخص وكثير بالإضافة إلى آخر ، أو أ نّه يسير في مكان أو زمان وكثير في مكان أو زمان آخر . وعلى ذلك فلا تبقى ـ للتفصيل في قبول شهادته في الشيء اليسير وعدم قبولها في الشيء الكثير ـ فائدة .

   (1) فإنّه إذا كان واجداً لشرائط قبول الشهادة من العدالة وغيرها فإن ثبت بطريق شرعي كالفراش ـ مثلاً ـ أ نّه ولد حلال فهو ، وإن لم يثبت فيكفي في قبول شهادته العمومات والإطلاقات ، فإنّ المخصّص عنوان وجودي فيثبت عدمه عند الشكّ فيه بالأصل .
ــــــــــــ

(1) في ص 95 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net