عدم جواز الشهادة إلاّ بالمشاهدة أو السماع - هل تجوز الشهادة بمضمون ورقة لا يذكره ؟ 

الكتاب : مبـاني تكملة منهاج الصالحين - الجزء الأول : القضاء   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1894


   (مسألة 96) : لاتجوز الشهادة إلاّ بالمشاهدة أو السماع أو ما شاكل ذلك(2)، وتتحقّق المشاهدة في مورد الغصب والسرقة والقتل والرضاع وما شاكل ذلك ،

 ــــــــــــــــــــــــــــــ
   (2) بيان ذلك : أنّ الشاهد يخبر عن ثبوت المشهود به خارجاً ، ولا يجوز الإخبار عن شيء بغير علم، لقوله سبحانه: (وَلاَتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...) (2)، وقوله سبحانه : (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (3) ، وغير ذلك ممّا دلّ على

ــــــــــــــــ
(2) الإسراء 17 : 36 .

(3) الزخرف 43 : 86 .

ــ[137]ــ

وتُقبل في تلك الموارد شهادة الأصمّ، ويتحقّق السماع في موارد النسب والإقرار والشهادة على الشهادة والمعاملات من العقود والإيقاعات وما شاكل ذلك . وعلى هذا الضابط لاتُقبل الشهادة بالملك المطلق مستندة إلى اليد . نعم، تجوز الشهادة على أ نّه في يده أو على أ نّه

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حرمة القول بغير علم ، والعالم بثبوت شيء وإن كان يجوز له الإخبار عنه إلاّ أ نّه لا يكفي في الشهادة وترتيب أثرها عليه ، وذلك لأنّ الشهود بمعنى الحضور ومنه المشاهدة ، وليس كلّ عالم شاهداً . وقد استعملت الشهادة بمعنى الحضور في عدّة من الآيات :

   منها قوله تعالى : (عَالِمِ ا لْغَيْبِ وَا لْشَّهَادَةِ) (1) .

   ومنها قوله تعالى : (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) (2) .

   ومنها قوله تعالى : (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (3) .

   ومنها قوله تعالى : (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طَائِفَةٌ مِنَ ا لْمُؤْمِنِينَ) (4) .

   ومنها قوله تعالى : (وَأَشْهِدُوْا ذَوَيْ عَدْل مِنكُمْ) (5) .

   ومنها قوله تعالى : (يَشْهَدُهُ ا لْمُقَرَّبُونَ) (6) . إلى غير ذلك من الآيات .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 94 .

(2) النساء 4 : 79 .

(3) النمل 27 : 32 .

(4) النور 24 : 2 .

(5) الطلاق 65 : 2 .

(6) المطففين 83 : 21 .

ــ[138]ــ

   نعم، قد يستعمل لفظ الشهادة في إظهار الاعتقاد بشيء كقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا)(1).

   ومنها قوله تعالى : (شَهِدَ اللهُ أَ نَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَا لْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوْا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) (2) .

   ومنها قوله تعالى: ( فَيُقسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ ا لْظَّالِمِينَ)(3).

   ومنها قوله تعالى : (وَا لَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادات بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤُا عَنْهَا ا لْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادات بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ ا لْكَاذِبِينَ) (4) . إلى غير ذلك من الآيات .

   وبما أنّ حجّيّة إخبار المخبر لا تثبت إلاّ بدليل فما لم يكن إخباره عن حسّ وعن مشاهدة لا يكون حجّة ، لعدم الدليل .

   وتؤيّد ذلك رواية علي بن غياث ـ على رواية محمّد بن يعقوب ـ وعلي بن غراب ـ على رواية الصدوق ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : لا تشهدنّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك» (5) .

   ومرسلة المحقّق عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد سُئِل عن الشهادة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوسف 12 : 81 .

(2) آل عمران 3 : 18 .

(3) المائدة 5 : 107 .

(4) النور 24 : 6 ـ 8 .

(5) الوسائل 27 : 341 /  كتاب الشهادات ب 20 ح 1 ، الكافي 7 : 383 / 3 ، الفقيه 3 : 42 / 146 .

ــ[139]ــ

ملكه ظاهراً (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«قال : هل ترى الشمس ؟ على مثلها فاشهد أو دع» (1) .

   (1) بيان ذلك: أنّ اليد أمارة شرعيّة للملكيّة ، فكما أنّ الشهادة بكون المال في يد أحد شهادة حسّيّة، كذلك الشهادة على أ نّه ملك له شرعاً . والظاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه . كما أنّ الظاهر أ نّه لا إشكال في ذلك أيضاً إذا لم يكن له منازع فيه ولم تكن الشهادة شهادة في مورد الترافع ، فإنّ الإخبار عن الواقع لا بأس به إذا كان مستنداً إلى أمارة معتبرة شرعيّة .

   وإنّما الإشكال والخلاف في الشهادة على الملكيّة الواقعيّة مستندة إلى اليد في مقام الترافع وفصل الخصومة ، والمشهور عدم جوازها .

   وقد يقال بالجواز ، لمعتبرة حفص بن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : قال له رجل : إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أ نّه له ؟ «قال : نعم» قال الرجل : أشهد أ نّه في يده ولا أشهد أ نّه له فلعلّه لغيره ؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «أفيحلّ الشراء منه ؟ » قال : نعم ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «فلعلّه لغيره ، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ؟! ثمّ تقول بعد الملك: هو لي ، وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟! » ثمّ قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (2) .

   ولكنّ الظاهر أنّ المراد بالشهادة هو جواز الإخبار عن كون شيء لصاحب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 342 /  كتاب الشهادات ب 20 ح 3 ، الشرائع 4 : 135 .

(2) الوسائل 27 : 292 /  أبواب كيفية الحكم ب 25 ح 2 ، الكافي 7 : 387 / 1 ، الفقيه 3 : 31 / 92 ، التهذيب 6 : 295 / 824 .

ــ[140]ــ

اليد استناداً إلى يده لا الشهادة في مقام الترافع ، فإنّه لو جازت الشهادة بمجرّد كون المال في يد أحد لم يفرض مورد لا تكون لصاحب اليد بيّنة ، فلا يكون أثر لإقامة المدّعي البيّنة على أنّ المال له . وهذا ينافي ما تقدّم من أنّ المدّعي إذا أقام بيّنة ولم تكن لصاحب اليد بيّنة حكم له .

   ويؤكّد ما ذكرناه ـ من حمل الرواية على الإخبار لا على الشهادة في مقام الترافع ـ ذيل المعتبرة، وهو قوله (عليه السلام) : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» ، فإنّه ظاهر الدلالة على أنّ المراد أن يعامل ذو اليد معاملة المالك عملاً وقولاً .

   ثمّ إنّه قد يناقش في الرواية بأنّ في سندها القاسم بن يحيى كما في طريق الكليني والشيخ ، أو القاسم بن محمّد الاصبهاني كما في طريق الصدوق ، ولم يرد فيهما توثيق ، ولكنّ الصحيح أنّ القاسم بن يحيى ثقة ، لوقوعه في اسناد كامل الزيارات ، فإذن لا وجه للمناقشة في سندها .

   ثمّ إنّه قد يتوهّم جواز الشهادة اعتماداً على الاستصحاب .

   ويستدلّ على ذلك بمعتبرة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يكون له العبد والأمة قد عرف ذلك ، فيقول : أبق غلامي أو أمتي ، فيكلفونه القضاة شاهدين بأنّ هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب ، أنشهد على هذا إذا كلّفناه ؟ «قال : نعم» (1) .

   فإنّ هذه الرواية وإن كانت ظاهرة في أ نّها كانت في مورد الترافع ورفع الأمر إلى القاضي ، إلاّ أ نّها معارضة بذيل معتبرته الاُخرى ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يكون في داره ـ إلى أن قال : ـ قلت : الرجل يكون له العبد والأمة ، فيقول : أبق غلامي أو أبقت أمتي ، فيؤخذ بالبلد ، فيكلّفه القاضي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 337 /  كتاب الشهادات ب 17 ح 3 .

 
 

ــ[141]ــ

البيّنة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه ، أفنشهد على هذا إذا كلّفناه ونحن لم نعلم أ نّه أحدث شيئاً ؟ «فقال : كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به» (1) .

   ولا يضرّ باعتبارها وقوع إسماعيل بن مرار في سندها، فإنّه ثقة على الأظهر .

   ويمكن الجمع بحمل الاُولى على الشهادة بمقدار العلم بالمشهود به ، وحمل الثانية على الشهادة على الزائد بالمقدار المعلوم بقرينة صحيحته الثالثة ، قال : قلت له : إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها ميراثاً وأ نّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له «فقال : اشهد بما هو علمك» قلت : إنّ ابن أبي ليلى يحلّفنا الغموس «فقال : احلف ، إنّما هو على علمك» (2) .

   فإنّها واضحة الدلالة على أنّ الشهادة لا بدّ وأن تكون بمقدار العلم .

   ويؤكّد ما ذكرناه ما تقدّم من عدم جواز الشهادة استناداً إلى اليد ، فإنّه إذا لم تجز الشهادة بمقتضى اليد لم تجز بمقتضى الاستصحاب بطريق أولى .

   بقي هنا شيء :  وهو أ نّه لا مانع من الشهادة بمقتضى الاستصحاب إذا لم يكن منازع في البين كما هو الحال في اليد .

   ويدلّ على ذلك التعليل الوارد في ذيل معتبرة حفص المتقدّمة ، الدالّ على جواز الشهادة فيما يجوز فيه الشراء .

   وصدر معتبرة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يكون في داره ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه ، ونحن لا ندري ما أحدث في داره ، ولا ندري ما أحدث له من الولد ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 336 /  كتاب الشهادات ب 17 ح 2 .

(2) الوسائل 27 : 336 /  كتاب الشهادات ب 17 ح 1 .

ــ[142]ــ

   (مسألة 97) : لا تجوز الشهادة بمضمون ورقة لا يذكره بمجرد رؤية خطّه فيها إذا احتمل التزوير في الخطّ (1) أو احتمل التزوير في الورقة ، أو أنّ خطّه لم يكن لأجل الشهادة ، بل كان بداع آخر (2) ، وأمّا إذا علم أنّ خطّه كان بداعي الشهادة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلاّ أ نّا لا نعلم أ نّه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد ولا تقسّم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدار دار فلان ابن فلان مات وتركها ميراثاً بين فلان وفلان ، أو نشهد على هذا ؟ «قال : نعم» الحديث (1) .

   فإنّها واضحة الدلالة على أنّ المراد من الشهادة فيها هو الإخبار عن الواقع استناداً إلى الاستصحاب، وليس المراد منها الشهادة في مقام الترافع ، لعدم فرضه فيها .

   (1) تدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى أ نّه مقتضى الأصل ـ معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لا تشهد بشهادة لا تذكرها ، فإنّه من شاء كتب كتاباً ونقش خاتماً» (2) .

   (2) تدلّ عليه ـ مضافاً إلى أ نّه مقتضى الأصل ـ صحيحة حسن بن سعيد ، قال : كتب إليه جعفر بن عيسى : جعلت فداك ، جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أ نّهم أشهدوني على ما فيه ، وفي الكتاب اسمي بخطّي قد عرفته ، ولست أذكر الشهادة ، وقد دعوني إليها ، فأشهد لهم على معرفتي أنّ اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة، أو لاتجب الشهادة عليَّ حتى أذكرها ، كان اسمي [ بخطّي ]

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 336 /  كتاب الشهادات ب 17 ح 2 .

(2) الوسائل 27 : 323 /  كتاب الشهادات ب 8 ح 4 .

ــ[143]ــ

ولم يحتمل التزوير جازت له الشهادة وإن كان لايذكر مضمون الورقة فعلاً (1).
ــــــــــــــــــــ

في الكتاب أو لم يكن ؟ فكتب : «لا تشهد» (1) .

   وأمّا صحيحة عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يشهدني على شهادة فأعرف خطّي وخاتمي ، ولا اذكر من البـاقي قليلاً ولا كثيراً ، قال : فقال لي : «إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له» (2) .

   فلا بدّ من حملها على أنّ شهادة الثقـتين مذكّرة له ، كما ورد نظير ذلك في الآية الكريمة : (... فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُما فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُما الأُخرَى...) (3)، وإلاّ فهي مطروحة، إذ لا عبرة بشهادة المدّعي ، بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب قديماً وحديثاً .

   (1) فإنّه وإن لم يكن ذاكراً لمضمون الورقة فعلاً إلاّ أ نّه عالم بصحّته وموافقته للواقع مستنداً إلى حسّه السابق ، فلا مانع من الشهادة عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 322 /  كتاب الشهادات ب 8 ح 2 .

(2) الوسائل 27 : 321 /  كتاب الشهادات ب 8 ح 1 .

(3) البقرة 2 : 282 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net