إذا شهدا بالنّجاسة واختلف مستندهما 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1579

 

   [ 220 ] مسألة 6 : إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (2) قد فصّل الماتن (قدس سره) في المسألة بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا أخبر من غير أن ينفي الآخر ، فحكم بالنجاسة في الصورة الثانية واستشكل فيها في الصورة الاُولى . والتحقيق : أن المشهود به بالبينة لا مناص من أن يكون واقعة واحدة شخصية كانت أم كلية ، حيث لا يعتبر في البينة أن يكون المشهود به واقعة شخصية ، لأن البينة إذا شهدت على أن المالك قد باع داره من زيد بخصوصه فالمشهود به واقعة شـخصية فيثبت بشهادتهما أن المالك باع داره من فلان ، كما إذا شهدت على أنه باع داره من أحد شخصين : عمرو وبكر من غير تعيين يثبت أيضاً بشهادتها أن المالك باع داره من أحدهما ، مع أن المشهود به واقعة كلية أعني البيع من أحدهما المحتمل انطباقه على هذا وذاك ، نظير المتعلق في موارد العلم الاجمالي كما إذا علمنا ببيعه من أحدهما ، فكما أنّ متعلق العلم حينئذ هو البيع الكلي المتخصِّص بإحدى الخصوصيتين القابل انطباقه على البيع من عمرو أو من بكر فكذلك الحال عند قيام البيِّنة على بيع المالك من أحدهما .

   وكيف كان ، فالمعتبر في البينة إنما هو وحدة الواقعة المشهود بها كلية كانت أم شخصية . وأما إذا أخبر أحد الشاهدين عن أن المالك باع داره من زيد مثلاً وأخبر الآخر عن بيعها من شخص آخر ، فلا تكون الواقعة المشهود بها واحدة بل واقعتان

ــ[169]ــ

وإن لم تثبت الخصوصية ، كما إذا قال أحدهما : إن هذا الشيء لاقى البول وقال الآخر : إنه لاقي الدم . فيحكم بنجاسته ((1)) ، لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية ، بل القدر المشترك بينهما . لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر بأن اتفقا على أصل النجاسة . وأما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما : إنه لاقى البول وقال الآخر : لا بل لاقى الدم ففي الحكم بالنجاسة إشكال ((2)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد أخبر كل منهما عن واقعة ، فهي خارجة عن كونها مشهوداً بها بالبيِّنة فتدخل في شهادة العدل الواحد ولا يثبت بشهادته بيع المالك في موارد المرافعة . وأما الجامع المنتزع من كلتا الشهادتين ـ أعني بيعه من أحدهما ـ فهو مدلول التزامي للشهادتين والدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ، فإذا فرضنا سقوط الشهادتين عن الحجية في مدلولهما المطابقي ـ  لأنه من شهادة العدل الواحد  ـ فلا مجال لاعتبارهما في مدلولهما الالتزامي . وإذا تحقّقت ذلك فنقول :

   إنّ الشاهدين في المقام قد يخبر كل منهما عن ملاقاة الإناء للبول مثلاً وهي قضية شخصية وبما أن المشهود به واقعة واحدة فتثبت بشهادتهما نجاسة الملاقي لا محـالة واُخرى يخبران عن ملاقاة الاناء لأحد نجسين من غير تعيينه كالبول أو المني ، وهي قضية كلية وحيث إنّ المشهود بها واقعة واحدة كسابقه أيضاً يحكم بنجاسـة ملاقي النجس وهو الاناء ، وثالثة يخبر أحدهما عن أن الاناء لاقى البول مثلاً ، ويخبر الآخر عن ملاقاته الدم ولا يمكننا حينئذ الحكم بنجاسة الملاقي لتعدد الواقعة المشهود بها فان كل واحد من الشاهدين قد شهد بما لم يشهد به الآخر فهي خارجة عن الشهادة بالبينة . نعم ، هي من شهادة العدل الواحد ولا تثبت بها النجاسة ـ  بناء على عدم اعتبار خبر العـدل الواحد في الموضوعات  ـ وأما الجامع الانتزاعي أعني عنوان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال بناء على ما تقدم منه (قدس سره) من الإشكال في ثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد ، نعم بناء على ما اخترناه من ثبوتها به يثبت به الخصوصية أيضاً .

(2) الأظهر عدم ثبوتها .

ــ[170]ــ

ملاقاته لأحدهما فلم تشهد عليه البيِّنة على الفرض . نعم ، هو مدلول التزامي للشهادتين وقد عرفت أنّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ومع سقوط الشهادتين عن الحجية في مدلولهما المطابقي لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي .

   ولا فرق في ذلك بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا شهد بملاقاة الاناء للبول من غير أن ينفي ما شهد به الآخر وهو ملاقاته للدم في المثال ، وذلك لأ نّا إن بنينا على حجية الدلالة الالتزامية وإن سقطت الدلالة المطابقية عن الاعتبار فلا  محيص من أن نلتزم بثبوت النجاسة في كلتا الصورتين لدلالة الشهادتين على ملاقاة الاناء لأحدهما بالالتزام نفى كل منهما الآخر أم لم ينفه ، ومن هنا التزم صاحب الكفاية (قدس سره) في مبحث التعادل والترجيح أن الدليلين المتعارضين ينفيان الثالث بالدلالة الالتزامية مع سقوطهما عن الاعتبار في مدلولهما المطابقي بالمعارضة لنفي كل منهما الآخر فالتنافي بينهما غير مانع عن حجية المدلول الالتزامي حينئذ (1) . وأما إذا بنينا على أن الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ـ  كما هو الصحيح  ـ فلا يمكننا الحكم بنجاسة الملاقي في شيء من الصورتين لسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية وبه تسقط الدلالة الالتزامية أيضاً عن الاعتبار ، فنفي أحدهما الآخر وعدمه سيان فلا تثبت بهما نجاسة الملاقي ، هذا كله مجمل القول في المسألة .

   وأما تفصيله : فهو أن المشهود به قد يكون موجوداً واحداً شخصياً في كلتا الشهادتين إلاّ أنهما يختلفان في عوارضه وطوارئه أو يختلفان في صنفه أو في نوعه مع التحفظ على وحدة الموجود المشهود به ، واُخرى يكون المشهود به وجودين مختلفين قد شهد كل من الشاهدين بكل منهما مع اختلافهما في عوارضهما أو في صنفهما أو في نوعهما وهذه صور اختلاف الشاهدين .

   أما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً شخصياً واختلف الشاهدان في عوارضـه كما إذا شهد كل منهما على أن قطرة بول وقعت في الاناء وادّعى أحدهما أنها وقعت فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 439 .

ــ[171]ــ

ليلاً وقال الآخر وقعت فيه نهاراً ، وهما متفقان على أنّ ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر بعينه ، أو أخبرا عن مجيء زيد واختلفا في زمانه ، ونحوهما مما كان المشهود به للشاهدين موجوداً واحداً ، فلا إشكال في ثبوت النجاسة بشهادتهما ، ولا يضرّها اختلافهما في عوارض المشهود به لأن العوارض والطوارئ مما لا مدخلية له في شيء من الأحكام الشرعية وموضوعاتها ، فان النجاسة مثلاً حكم ثبت على ما  لاقته عين نجسة كانت ملاقاتهما في الليل أم في النهار .

   وكذلك الحال فيما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً إلاّ أن الشاهدين اختلفا في صنفه ، كما إذا شهدا على وقوع ميتة مشخصة في ماء قليل واتفقا على أن ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر ولكنهما اختلفا في أنها ميتة هرة أو شاة أو ادعى أحدهما أن الميتة رجل الشاة وقال الآخر بل كانت يد الشاة ، أو شهدا على وقوع قطرة من دم الرعاف في الإناء واختلفا في أنه من هذا أو من ذاك لأنّ المشهود به موجود واحد فلا مناص من الحكم بنجاسة الماء بشهادتهما ، واختلافهما في صنفه كاختلافهما في عوارضه غير مانع عن اعتبار الشهادتين ، لأنّ الخصوصيات الصنفية غير دخيلة في نجاسة الميتة أو الدم ونحوهما ، حيث إن الميتة مما له نفس سائلة تقتضي نجاسة ملاقيها كانت ميتة هرة أم شاة وهكذا .

   وأما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً إلاّ أنهما اختلفا في نوعه ، كما إذا اتفقا على أن قطرة نجس قد وقعت في الاناء إلاّ أنهما اختلفا فقال أحدهما إنها كانت قطرة بول وشهد الآخر بأنها كانت قطرة دم ، فالصحيح أن النجاسة لا تثبت بشهادتهما حينئذ وذلك لتعدد المشهود به ، حيث شهد أحدهما بوقوع قطرة دم في الاناء وشهد الآخر بوقوع قطرة بول فيه وهما أمران متعددان ، وإن كان الواقع في الاناء موجوداً واحداً فهاتان الشهادتان تدخلان في شهادة العدل الواحد وهي خارجة عن البينة . وأما العنوان الانتزاعي أعني وقوع أحدهما في الاناء فقد عرفت أنه ليس بمشهود به للبينة بالمطابقة وإنما هو مدلول التزامي للشهادتين ، وقد مرّ أن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ، ومع عدم اعتبار الشهادتين في مدلولهما المطابقي لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي بلا فرق في ذلك بين نفي أحدهما الآخر

ــ[172]ــ

وعدمه ، هذا بل الشهادتان ـ مع فرض وحدة المشهود به ـ متنافيتان دائماً لاستحالة كون الموجود الواحد بولاً ودماً فأحدهما ينفي الآخر لا محالة ، وعليه فلا يمكن الحكم بثبوت النجاسة في مفروض المسألة حتى إذا قلنا بكفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات الخارجية ، وذلك لأنهما شهادتان متعارضتان وقد مرّ أن التعارض مانع عن شمول دليل الاعتبار للمتعارضين ، هذا كله مع وحدة المشهود به .

   وأما إذا كان المشهود به موجودين مختلفين ، كما إذا شهد أحدهما على أن الهرّة بالت في الإناء بعد صلاة المغرب وشهد الآخر بأنها بالت فيه بعد طلوع الشمس ، وهذا لا بمعنى أن ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر وإنما يختلفان في زمانه حتى يرجع إلى الصورة الاُولى من صور وحدة المشهود به ، بل إن هناك أمرين متعددين والمشهود به لأحدهما غير المشهود به للآخر ، فقد ظهر مما ذكرناه في الصور المتقدمة أن البينة لا تثبت نجاسة الملاقي حينئذ لتعدد المشهود به فتدخل الشهادتان بذلك تحت شهادة العدل الواحد ، وأما الجامع الإنتزاعي فقد عرفت حكمه فلا نعيد .

   وكذلك الحال فيما إذا كان المشهود به أمرين متعدِّدين مع اختلاف الشاهدين في صنفهما أو في نوعهما ، والأوّل كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة دم من رعافه في الاناء وشهد الآخر بوقوع قطرة دم من المذبوح فيه . والثاني كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة بول فيه ، وشهد الآخر ، بوقوع قطرة دم فيه لا مع اتفاقهما على أن ما وقع فيه قطرة واحدة وأن ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر كما في الصورة الأخيرة من صور وحدة المشهود به ، بل هما متفقان على تعدد القطرة وأن المشهود به لأحدهما غير المشهود به للآخر ، فالمدار في استكشاف وحدة المشهود به وتعدّده في هذه الصورة إنما هو على العنوان الذي تقع الشهادة بذلك العنوان ، ففي الصورة المتقدّمة وقعت الشهادة على وقوع قطرة نجس في الاناء إلاّ أن أحدهما يدعي أنها قطرة دم والآخر يدّعي أنها قطرة بول ، وأما في هذه الصورة فاحدى الشهادتين إنما وقعت على وقوع قطرة بول فيه والشهادة الاُخرى وقعت على وقوع قطرة دم فيه فالمشهود به في إحدى الشهادتين غير المشهود به في الثانية . وكيف كان ، فلا يترتّب على شهادة البيِّنة أثر مع تعدّد المشهود به .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net