الحدّ وكيفيّته 

الكتاب : مبـاني تكملة منهاج الصالحين - الجزء الأول : القضاء   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1975


   الحدّ وكيفيّته

   وهو ثمانون جلدة . ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والحرّ والعبد والمسلم والكافر (4) .

 ـــــــــــــــــــــــــــ
   (4) يدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى إطلاق عدّة من النصوص ـ صريح طائفة اُخرى :

   منها : معتبرة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «قال : كان علي (عليه السلام) يضرب في الخمر والنبيذ ثمانين، الحرّ والعبد واليهودي والنصراني، قلت :


ــ[331]ــ

وما شأن اليهودي والنصراني ؟ «قال : ليس لهم أن يظهروا شربه ، يكون ذلك في بيوتهم» (1) ، ونحوها معتبرته الثانية (2) .

   ومنها: صحيحة أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان علي (عليه السلام) يجلد الحرّ والعبد واليهودي والنصراني في الخمر ثمانين» (3) .

   ومنها: صحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي بصير، قال: «قال: حدّ اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء» الحديث (4) .

   وأمّا ما دلّ على أنّ حدّ المملوك نصف حدّ الحرّ ، كرواية يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «قال : كان أبي يقول : حدّ المملوك نصف حدّ الحر» (5) .

   فهي مع الإغماض عن سندها تقيّد بالروايات المتقدّمة .

   وأمّا معتبرة حمّاد بن عثمان ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : التعزير كم هو ؟ «قال : دون الحدّ» قلت : دون ثمانين ؟ «قال : لا ، ولكن دون الأربعين ، فإنّها حدّ المملوك» الحديث (6) .

   فليس فيها دلالة على أنّ الأربعين حدّ المملوك في شرب الخمر ، فهي مردّدة بين أن يراد بها حدّ المملوك في شرب الخمر وحدّه في القذف ، وعلى كلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 227 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 1 .

(2) الوسائل 28 : 227 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 2 .

(3) الوسائل 28 : 228 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 4 .

(4) الوسائل 28 : 228 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 5 .

(5) الوسائل 28 : 229 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 9 .

(6) الوسائل 28 : 228 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 6 .

ــ[332]ــ

التقديرين فهي معارضة بما دلّ على مساواة حدّ المملوك لغـيره ، فتحمل على التقيّة كما ذكره
الشيخ(1).

   ومن ذلك يظهر الجواب عن صحيحة أبي بكر الحضرمي ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن عبد مملوك قذف حرّاً «قال : يجلد ثمانين ، هذا من حقوق المسلمين ، فأمّا ما كان من حقوق الله فإنّه يضرب نصف الحدّ» قلت : الذي من حقوق الله ما هو ؟ «قال : إذا زنى أو شرب الخمر ، فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحدّ» (2) .

   وأمّا ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك من تقديم رواية أبي بكر الحضرمي على الروايات المتقدّمة بعد المناقشة في سند كلتا الطائفتين ، قال : لأنّ رواية أبي بكر الحضرمي أوضح طريقاً ومشتملة على التعليل دون تلك الطائفة (3) .

   فلا يمكن المساعدة عليه ، إذ لم يظهر لنا وجه كون رواية أبي بكر أوضح طريقاً ، والتعليل لا يكون مرجّحاً ، ولا سيّما إذا كانت الرواية غير نقيّة السند على ما زعمه (قدس سره) .

   وأمّا ما دلّ على التساوي بين العبد والحرّ فأسنادها قويّة وليس فيها ما يمكن المناقشة فيه ، إلاّ توهّم أنّ أبا بصير مشترك بين الثقة وغيره ، وقد ذكرنا في محلّه بطلان ذلك ، فالصحيح ما ذكرنا من أنّ الروايات متعارضة ، والتقديم مع الروايات الدالّة على التساوي ، فإنّها مشهورة روايةً وفتوىً ، ورواية أبي بكر شاذّة وموافقة للعامّة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 10 : 92 / 356 .

(2) الوسائل 28 : 229 /  أبواب حد المسكر ب 6 ح 7 .

(3) المسالك 14 : 465 .

(4) التهذيب 10 : 92 / 357 .

ــ[333]ــ

   (مسألة 221) : يضرب الرجل الشارب للمسكر ـ من خمر أو غيرها ـ مجرّداً عن الثياب بين الكتفين (1) ، وأمّا المرأة فتجلد من فوق ثيابها (2) .

   (مسألة 222) : إذا شرب الخمر مرّتين وحدّ بعد كلّ منهما قتل في الثالثة (3) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير ـ في حديث ـ قال : سألته عن السكران والزاني ؟ «قال : يجلدان بالسياط مجرّدين بين الكتفين» الحديث(1) .

   (2) وذلك لاختصاص النصّ بالرجل من ناحية ، وكون بدن المرأة عورة من ناحية اُخرى .

   (3) على المشهور شهرة عظيمة .

   وتدلّ على ذلك صحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) «قال : أصحاب الكبائر كلّها إذا اُقيم عليهم الحدود مرّتين قتلوا في الثالثة»(2) .

   ولعدّة نصوص خاصّة :

   منها: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الثالثة فاقتلوه»(3)، ونحوها صحيحة محمّد عن أبي جعفر (عليه السلام)(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 231 /  أبواب حد المسكر ب 8 ح 1 .

(2) الوسائل 28 : 234 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 2 .

(3) الوسائل 28 : 233 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 1 .

(4) الوسائل 28 : 234 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 1 .

ــ[334]ــ

وكذلك الحال في شرب بقيّة المسكرات (1) .

   (مسألة 223) : لو شهد رجل واحد على شرب الخمر وشهد آخر بقيئها لزم الحدّ (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنها : صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه»(1) .

   (1) وذلك لإطلاق صحيحة يونس المتقدّمة ، وصحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كلّ مسكر من الأشربة يجب فيه كما يجب في الخمر من الحدّ»(2) .

   وتؤيّد ذلك رواية أبي الصباح الكناني ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ إلى أن قال : ـ قلت : النبيذ ؟ «قال : إذا اُخذ شاربه قد انتشى ضُرِبَ ثمانين» قلت : أرأيت إن أخذته ثانية ؟ «قال : اضربه» قلت : فإن أخذته ثالثة ؟ «قال : يقتل كما يقتل شارب الخمر»(3) .

   ومرسلة سليمان بن خالد ، قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجلد في النبيذ المسكر ثمانين كما يضرب في الخمر ، ويقتل في الثالثة كما يقتل صاحب الخمر(4) .

   (2) وذلك لأنّ الشهادة بالقيء بما أ نّها شهادة بشربه فيتّحد المشهود به في شهادتهما فيثبت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 234 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 3 .

(2) الوسائل 28 : 230 /  أبواب حد المسكر ب 7 ح 1 .

(3) الوسائل 28 : 236 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 11 .

(4) الوسائل 28 : 236 /  أبواب حد المسكر ب 11 ح 13 .

ــ[335]ــ

نعم ، إذا احتمل في حقّه الإكراه أو الاشتباه لم يثبت الحدّ (1) ، وكذلك الحال إذا شهد كلاهما بالقيء (2) .

   (مسألة 224) : من شرب الخمر مستحلاًّ ، فإن احتمل في حقّه الاشتباه كما إذا كان جديد العهد بالإسلام أو كان بلده بعيداً عن بلاد المسلمين لم يقتل (3) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وتؤيّد ذلك رواية الحسين بن زيد عن أبي عبدالله عن أبيه (عليه السلام) «قال : اُتي عمر بن الخطّاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر ، فشهد عليه رجلان ـ إلى أن قال : ـ فشهد أحدهما أ نّه رآه يشرب ، وشهد الآخر أ نّه رآه يقيء الخمر ، فأرسل عمر إلى ناس من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال لأمير المؤمنين (عليه السلام) : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فإنّك الذي قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أنت أعلم هذه الاُمّة وأقضاها بالحقّ ، فإنّ هذين قد اختلفا في شهادتهما ؟ قال : ما اختلفا في شهادتهما ، وما قاءها حتى شربها»(1) .

   (1) وذلك لأنّ الشهادة على القيء ليست شهادة على الشرب الاختياري ، فإذا احتمل الإكراه أو الاشتباه لم يثبت الحدّ .

   (2) يظهر الحال فيه مما تقدّم .

   (3) وذلك لعدم ثبوت ارتداده مع هذا الحال .

   وتدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى هذا ـ معتبرة ابن بكير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر ، فرفع إلى أبي بكر ، فقال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 239 /  أبواب حد المسكر ب 14 ح 1 .

ــ[336]ــ

وإن لم يحتمل في حقّه ذلك ارتدّ ، وتجري عليه أحكام المرتدّ من القتل ونحوه (1) . وقيل : يستتاب أوّلاً ، فإن تاب اُقيم عليه حدّ شرب الخمر ، وإلاّ قتل (2) ، وفيه منع (3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

له : أشربت خمراً ؟ قال : نعم ، قال : ولِمَ وهي محرّمة ؟ قال : فقال له الرجل : إنّي أسلمت وحسن إسلامي ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلّون ، ولو علمت أ نّها حرام اجتنبتها ، فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال : ما تقول في أمر هذا الرجل ؟ فقال عمر : معضلة وليس لها إلاّ أبو الحسن ـ إلى أن قال : ـ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ابعثوا معه مَن يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار من كان تلا عليه آية التحريم ، فليشهد عليه ، ففعلوا ذلك به ، فلم يشهد عليه أحد بأ نّه قرأ عليه آية التحريم ، فخلّى سبيله ، فقال له : إن شربت بعدها أقمنا عليك الحدّ»(1) .

   وتقدّمت جملة من الروايات في اعتبار العلم بالحرمة في لزوم الحدّ .

   (1) فإنّ استحلال ما تكون حرمته ضروريّة مع العلم بذلك مستلزم لإنكار الرسالة وهو موجب للارتداد .

   (2) كما عن الشيخين وأتباعهما ومال إليه الفاضل في المختلف(2) .

   (3) إذ لم يثبت ما يكون مخصّصاً لما دلّ على أنّ المرتدّ الفطري يقتل ولا تقبل منه التوبة .

   وأمّا مرسلة الشيخ المفيد من العامّة والخاصّة : أنّ قدامة بن مظعون شرب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 232 /  أبواب حد المسكر ب 10 ح 1 .

(2) المقنعة : 799 ، النهاية : 711 ـ 712 ، المختلف 9 : 191 .

ــ[337]ــ

الخمر فأراد عمر أن يحدّه ، فقال : لا يجب عليَّ الحدّ ، إنّ الله يقول : (لَيْسَ عَلَى ا لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا) فدرأ عنه عمر الحدّ ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فمشى إلى عمر فقال : «ليس قدامة من أهل هذه الآية ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم الله ، إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلّون حراماً ، فاردد قدامة فاستتبه مما قال ، فإن تاب فأقم عليه الحدّ ، وإن لم يتب فاقتله ، فقد خرج من الملّة» فاستيقظ عمر لذلك وعرف قدامة الخبر ، فأظهر التوبة والإقلاع ، فدرأ عنه القتل ولم يدر كيف يحـدّه ، فقال لعلي (عليه السلام) : أشِر عليَّ «فقال : حدّه ثمانين جلدة» الحديث (1) .

   فلا حجّيّة فيها .

   وأمّا صحيحة عبدالله بن سنان ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «الحدّ في الخمر أن يشرب منها قليلاً أو كثيراً . ثمّ قال: اُتي عمر بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر وقامت عليه البيّنة، فسأل عليّاً (عليه السلام)، فأمره أن يجلده ثمانين، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين، ليس عليَّ حدّ، أنا من أهل هذه الآية : (لَيْسَ عَلَى ا لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) فقال علي (عليه السلام): لست من أهلها، إنّ طعام أهلها لهم حلال ليس يأكلون ولا يشربون إلاّ ما أحلّ الله لهم. ثمّ قال (عليه السلام): إنّ الشارب إذا شرب لم يدر ما يأكل ولا ما يشرب فاجلدوه ثمانين جلدة»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 220 /  أبواب حد المسكر ب 2 ح 1 ، الإرشاد 1 : 202 ، والآية في سورة المائدة 5 : 93 .

(2) الوسائل 28 : 222 /  أبواب حد المسكر ب 3 ح 5 ، والآية في سورة المائدة 5 : 93 .

ــ[338]ــ

وكذلك الحال في شرب سائر المسكرات (1) .

   (مسألة 225) : إذا تاب شارب الخمر قبل قيام البيّنة فالمشهور سقوط الحدّ عنه ، ولكنّه مشكل ، والأظهر عدم السقوط (2) ، وإن تاب بعد قيامها لم يسقط بلا إشكال ولا خلاف .

   (مسألة 226) : إن أقرّ شارب الخمر بذلك ولم تكن بيّنة فالإمام مخيّر بين العفو عنه وإقامة الحدّ عليه (3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فليس فيها دلالة، مع أنّ قدامة قد استحلّ شرب الخمر ولم يذكر فيها الاستتابة. والظاهر أنّ قدامة الذي هو من السابقين من الصحابةلم يكن له أن ينكر حرمة شرب الخمر، وإنّما أنكر وجوب الحدّ على مثله ، فهي أجنبيّة عن المقام .

   (1) لعين ما مرّ .

   نعم ، يفترق سائر المسكرات عن الخمر، فإنّ احتمال الاشتباه والجهل بالحرمة فيها أقرب منه في الخمر ، حيث إنّ حرمتها ليست في الوضوح كحرمة الخمر .

   (2) تقدّم الكلام في ذلك وفيما بعده في باب الزنا (1) .

   (3) سبق الكلام في ذلك مفصّلاً (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 225 ـ 227 .

(2) في ص 215 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net