الثالث عشر : السرقة 

الكتاب : مبـاني تكملة منهاج الصالحين - الجزء الأول : القضاء   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2139


ــ[339]ــ

الثالث عشر :  السرقة

   يعتبر في السارق أُمور: الأوّل: البلوغ، فلو سرق الصبي لايحدّ، بل يعفى في المرّة الاُولى بل الثانية أيضاً (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) تدلّ على ذلك عدّة روايات :

   منها : صحيحة عبدالله بن سنان ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصبي يسرق «قال : يعفى عنه مرّة ومرّتين ، ويعزّر في الثالثة ، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه ، فإن عاد قطع أسفل من ذلك» (1) .

   ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن الصبي يسرق «فقال: إذا سرق مرّة وهو صغير عفي عنه ، فإن عاد عفي عنه ، فإن عاد قطع بنانه ، فإن عاد قطع أسفل من ذلك» (2) .

   ومنها: معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: قلت: الصبي يسرق «قال : يعفى عنه مرّتين ، فإن عاد الثالثة قطعت أنامله ، فإن عاد قطع المفصل الثاني ، فإن عاد قطع المفصل الثالث وتركت راحته وإبهامه» (3) .

   وبهذه الصحاح يقيّد إطلاق صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «قال : إذا سرق الصبي عفي عنه، فإن عاد عزّر، فإن عاد قطع أطراف الأصابع ، فإن عاد قطع أسفل من ذلك»(4)، فيحمل العود فيها على العود في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 293 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 1 .

(2) الوسائل 28 : 294 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 4 .

(3) الوسائل 28 : 298 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 15 .

(4) الوسائل 28 : 294 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 2 .

ــ[340]ــ

المرّة الثالثة .

   ومثلها صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في الصبي يسرق «قال : يعفى عنه مرّة ، فإن عاد قطعت أنامله أو حكّت حتى تدمى ، فإن عاد قطعت أصابعه ، فإن عاد قطع أسفل من ذلك»(1) .

   فإنّ هذه الصحيحة وإن كانت ظاهرة في ثبوت القطع في المرّة الثانية ، إلاّ أ نّه لا بدّ من رفع اليد عنها وحملها على العود بالمرّة الثالثة ، لصراحة الصحاح المتقدّمة في العفو في المرّة الثانية .

   وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصبي يسرق ما عليه ؟ «قال : إذا سرق وهو صغير عفي عنه ، وإن عاد قطعت أنامله ، وإن عاد قطع أسفل من ذلك أو ما شاء الله»(2) .

   فهذه أيضاً لا بدّ من حملها على العود بالمرّة الثالثة .

   وما دلّ من الروايات على قطع أطراف الأصابع في سرقة الصبي أو ضربه أسواطاً أو قطع لحم أطراف أصابعه كلّ ذلك لا بدّ من حملها على السرقة في غير المرّة الاُولى والثانية :

   ففي معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «اُتي علي (عليه السلام) بجارية لم تحض قد سرقت ، فضربها أسواطاً ولم يقطعها»(3) .

   وفي معتبرة عبدالرحمن ابن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا سرق الصبي ولم يحتلم قطعت أطراف أصابعه» قال : «وقال : ولم يصنعه إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 295 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 7 .

(2) الوسائل 28 : 298 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 16 .

(3) الوسائل 28 : 296 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 6 .

 
 

ــ[341]ــ

ويعزّر في الثالثة ، أو تقطع أنامله ، أو يقطع من لحم أطراف أصابعه ، أو تحكّ حتى تدمى إن كان له سبع سنين (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنا» (1) .

   ومعتبرة سماعة «قال : إذا سرق الصبي ولم يبلغ الحلم قطعت أنامله» وقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «اُتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بغلام قد سرق ولم يبلغ الحلم فقطع من لحم أطراف أصابعه ، ثمّ قال : إن عدت قطعت يدك» (2) .

   وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق «فقال : إن كان له سبع سنين أو أقلّ رفع عنه ، فإن عاد بعد سبع سنين قطعت بنانه أو حكّت حتى تدمى ، فإن عاد قطع منه أسفل من بنانه ، فإن عاد بعد ذلك وقد بلغ تسع سنين قطع يده ، ولا يضيّع حدّ من حدود الله عزّ وجلّ» (3) .

   فهي وإن دلّت بإطلاقها على أنّ العود بعد سبع سنين وإن كان في المرّة الثانية يوجب قطع البنان أو الحكّ حتى تدمى ، إلاّ أ نّها معارضة بإطلاق الصحاح المتقدّمة الدالّة على العفو في المرّة الثانية أيضاً وإن كان بعد سبع سنين ، والنسبة بينهما عموم من وجه ، والمرجع في مورد الاجتماع والتعارض هو العموم ، وهو ما دلّ على نفي مؤاخذة الصبي .

   (1) بيان ذلك : أنّ الوارد في بعض الروايات هو التعزير في الثالثة ، كصحيحة عبدالله بن سنان المتقدّمة ، وفي بعضها الآخر قطع بنانه ، كصحيحة محمّد بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 296 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 9 .

(2) الوسائل 28 : 297 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 14 .

(3) الوسائل 28 : 297 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 12 .

ــ[342]ــ

فإن عاد قطع من المفصل الثاني ، فإن عاد مرّة خامسة قطعت أصابعه إن كان له تسع سنين (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسلم المتقدّمة ، وفي الثالث قطع بنانه أو حكّها حتى تدمى بعد حمله على المرّة الثالثة على ما عـرفت، وفي الرابع قطع لحم أطراف أصابعه في المرّة الثالثة بعد الحمل عليها كما تقدّم. ومقتضى الجمع بين هذه الروايات هو الحمل على التخيير .

   بقي هنا شيء :  وهو أنّ المستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة أنّ العود يوجب قطع البنان أو الحكّ حتى تدمى إذا كان بعد سبع سنين ، وأمّا إذا كان قبل ذلك فلا يوجبه ، وعندئذ تقع المعارضة بين إطلاق هذه الصحيحة وإطلاق ما دلّ على أنّ العود في المرّة الثالثة يوجب ذلك وإن كان قبل سبع سنين، والمعارضة بالعموم من وجه . فإذن يسقط الإطلاقان بالمعارضة ، فيرجع إلى عموم ما دلّ على عدم مؤاخذة الصبي بما يصدر منه .

   فالنتيجة : هي أنّ السرقة قبل سبع سنين وإن تكرّرت لا توجب عليه شيئاً .

   (1) تدلّ على ذلك عدّة من الروايات المتقدّمة، كموثّقة إسحاق بن عمّار وصحيحتي محمّد بن مسلم، وصحيحتي ابن سنان والحلبي، وصحيحة علي بن جعفر، وبها يقيّد إطلاق ما دلّ على قطع اليد إذا عاد بعد قطع لحم أطراف أصابعه، كمعتبرة سماعة المتقدّمة ، وصحيحة زرارة قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «اُتي علي (عليه السلام) بغلام قد سرق فطرَّف أصابعه، ثمّ قال: أما لئن عدت لأقطعنّها، ثمّ قال: أمّا إنّه ما عمله إلاّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنا»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 295 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 8 .

ــ[343]ــ

ولا فرق في ذلك بين علم الصبي وجهله بالعقوبة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمّ إنّ مقتضى إطلاق أكثر الروايات المتقدّمة قطع الأصابع في المرّة الخامسة ، سواء أبلغ تسع سنين أم لم يبلغ .

   ولكن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة المؤيّدة بروايته الثانية ـ قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق «قال : إن كان له تسع سنين قطعت يده ولا يضيّع حدّ من حدود الله»(1) ـ أنّ القطع إنّما يكون إذا كان الصبي قد بلغ تسع سنين ، وأمّا إذا كان قبل ذلك فلا قطع ، وبها يقيّد إطلاق الروايات المتقدّمة . ويؤيّد ذلك ما دلّ من الروايات على أنّ الحدود التامة لا تجري على الصبي حتى يبلغ ، وقد خرج من اطلاق هذه الروايات الصبي البالغ من العمر تسع سنين ، حيث أنّ الحد يجري عليه على الشكل الذي مضى في الروايات السابقة ، فيبقى غيره تحت العموم .

   (1) وذلك لإطلاق الروايات .

   وأمّا رواية محمّد بن خالد بن عبدالله القسري، قال: كنت على المدينة، فاُتيت بغلام قد سرق ، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عنه «فقال : سله حيث سرق، هل كان يعلم أنّ عليه في السرقة عقوبة ؟، فإن قال : نعم ، قيل له : أيّ شيء تلك العقوبة ؟ فإن لم يعلم أنّ عليه في السرقة قطعاً فخلّ عنه» فأخذت الغلام وسألته فقلت له : أكنت تعلم أنّ في السرقة عقوبة ؟ قال : نعم ، قلت : أيّ شيء هو ؟ قال : الضرب ، فخلّيت عنه(2) .

   فهي ضعيفة سنداً ، فلا يمكن الاعتماد عليها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسال 28 : 296 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 10 .

(2) الوسائل 28 : 296 /  أبواب حد السرقة ب 28 ح 11 .

ــ[344]ــ

   الثاني :  العقل ، فلو سرق المجنون لم تقطع يداه (1) .

   الثالث :  ارتفاع الشبهة ، فلو توهّم أنّ المال الفلاني ملكه فأخذه ثمّ بان أ نّه غير مالك له لم يحدّ (2) .

   الرابع :  أن لا يكون المال مشتركاً بينه وبين غيره ، فلو سرق من المال المشترك بقدر حصّته أو أقلّ لم تقطع يده، ولكنّه يعزّر. نعم ، لو سرق أكثر من مقدار حصّته وكان الزائد بقدر ربع دينار من الذهب قطعت يده . وفي حكم السرقة من المال المشترك السرقة من المغنم أو من بيت مال المسلمين(3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) من دون خلاف بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع ، وذلك لرفع القلم عن المجنون .

   (2) هذا الشرط ليس شرطاً خارجيّاً حتى يحتاج في إثباته إلى دليل ، بل هو مقوّم لمفهوم السرقة ، فلا تصدق بدون قصدها .

   (3) تدلّ على ذلك عدّة روايات بعد حمل مطلقها على مقيّدها :

   منها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّ عليّاً (عليه السلام) قال في رجل أخذ بيضة من المقسم (المغنم) فقالوا: قد سرق اقطعه، فقال: إنّي لم أقطع أحداً له فيما أخذ شرك»(1).

   ومنها: صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال: قلت: رجل سرق من المغنم ايش الذي يجب عليه ؟ أيقطع ؟ (الشيء الذي يجب عليه القطع) «قال : ينظركم نصيبه ؟ فإن كان الذي أخذ أقلّ من نصيبه عزّر ودفع إليه تمام ماله ، وإن كان أخذ مثل الذي له فلا شيء عليه ، وإن كان أخذ فضلاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 288 /  أبواب حد السرقة ب 24 ح 1 .

ــ[345]ــ

   الخامس :  أن يكون المال في مكان محرز ولم يكن مأذوناً في دخوله ، ففي مثل ذلك لو سرق المال من ذلك المكان وهتك الحرز قطع ، وأمّا لو سرقه من مكان غير محرز أو مأذون في دخوله أو كان المال تحت يده لم يقطع (1) . ومن هذا القبيل : المستأمن إذا خان وسرق الأمانة ، وكذلك الزوج إذا سرق من مال زوجته وبالعكس فيما لم يكن المال محرزاً . ومثله السرقة من منزل الأب ومنزل الأخ والاُخت ونحو ذلك ممّا يجوز الدخول فيه . ومن هذا القبيل أيضاً : السرقة من المجامع العامّة كالخانات والحمّامات والأرحية والمساجد وما شاكل ذلك .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقدر ثمن مجن ـ وهو ربع دينار ـ قطع» (1) ، وقريب منها روايته الاُخرى(2) .

   وأمّا صحيحة صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام) ، وعن مفضل بن صالح عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه ، إنّما أخذ حقّه ، فإذا كان من إمام عادل عليه القتل» (3) .

   فهي غير قابلة لتقييد الروايات المتقدّمة ، لأنّ متنها مقطوع البطلان ، فإنّ السرقة لا يترتّب عليها القتل وإن كان من إمام عادل .

   (1) بلا خلاف بين الأصحاب ، بل ادّعي الإجماع عليه ، وتدلّ على ذلك عدّة روايات :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 289 /  أبواب حد السرقة ب 24 ح 4 .

(2) الوسائل 28 : 289 /  أبواب حد السرقة ب 24 ح 6 .

(3) الوسائل 28 : 289 /  أبواب حد السرقة ب 24 ح 5 .

ــ[346]ــ

   منها : صحيحة أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوم اصطحبوا في سفر رفقاء فسرق بعضهم متاع بعض «فقال : هذا خائن لا يقطع ، ولكن يتبع بسرقته وخيانته» قيل له : فإن سرق من أبيه ؟ «فقال : لا يقطع ، لأنّ ابن الرجل لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه ، هذا خائن ، وكذلك إن اُخذ من منزل أخيه أو اُخته إن كان يدخل عليهم لايحجبانه عن الدخول»(1) .

   ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : كلّ مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه، يعني: الحمّامات والخانات والأرحية»(2).

   ومنها : معتبرته الثانية عنه (عليه السلام) «قال : لا يقطع إلاّ من نقب بيتاً ، أو كسر قفلاً» (3) .

   بقي هنا شيء : وهو أ نّه روى الحلبي في الصحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : سألته عن الرجل يأخذ اللصّ ، يرفعه أو يتركه ؟ «فقال : إنّ صفوان بن اُميّة كان مضطجعاً في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه ، فقال : من ذهب بردائي ؟ ذهب يطلبه ، فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : اقطعوا يده ، فقال الرجل : تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله ؟! قال : نعم» الحديث (4) .

   وهذه الصحيحة تدلّ على أنّ الحدّ يثبت على السارق من المسجد الحرام ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 276 /  أبواب حد السرقة ب 18 ح 1 .

(2) الوسائل 28 : 276 /  أبواب حد السرقة ب 18 ح 2 .

(3) الوسائل 28 : 277 /  أبواب حد السرقة ب 18 ح 3 .

(4) الوسائل 28 : 39 /  أبواب مقدمات الحدود ب 17 ح 2 .

ــ[347]ــ

ولا قطع في الطرّار والمختلس (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحملها على السرقة من محرز فيه بعيدٌ غايته ، فإن تمّ إجماع على اشتراك المسجد الحرام مع غيره من المساجد فهو ، وإلاّ لم يبعد ثبوت الحدّ على السارق من المسجد الحرام بخصوصه الذي جعله الله مثابةً للناس وأمناً .

   ومما يؤكّد ذلك ـ أي كون مثل هذا الحكم من الأحكام الخاصّة بالمسجد الحرام ـ عدّة روايات :

   منها: صحيحة عبدالسلام بن صالح الهروي عن الرضا (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال : قلت له : بأيّ شيء يبدأ القائم منكم إذا قام ؟ «قال : يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم ، لأ نّهم سرّاق بيت الله تعالى» (1) .

   باعتبار أنّ قطع القائم (عليه السلام) أيدي بني شيبة ليس مبنيّاً على قيام حدّ السرقة عليهم ، نظراً إلى أنّ شرائط القطع فيهم غير موجودة ، بل هم من الخائنين لبيت الله ، فيكون هذا من أحكام بيت الله الحرام دون غيره .

   (1) وذلك لأ نّهما لا يأخذان المال من حرز ، مضافاً إلى عدّة روايات تدلّ على ذلك :

   منها : معتبرة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : ليس على الذي يستلب قطع ، وليس على الذي يطرّ الدراهم من ثوب قطع» (2) .

   ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: اُتي أمير المؤمنين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 253 /  أبواب مقدمات الطواف ب 22 ح 13 .

(2) الوسائل 28 : 270 /  أبواب حد السرقة ب 13 ح 1 .

ــ[348]ــ

   (مسألة 227) : من سرق طعاماً في عام المجاعة لم يقطع (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عليه السلام) بطرّار قد طرّ دراهم من كمّ رجل ، قال : إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم أقطعه ، وإن كان طرّ من قميصه السافل (الداخل) قطعته» (1) .

   ومنها : صحيحة عيسى بن صبيح ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الطرّار والنبّاش والمختلس «قال : لا يقطع» (2) .

   وأمّا صحيحة منصور بن حازم، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : «يقطع النبّاش والطرّار ولا يقطع المختلس» (3) .

   فهي مطلقة ، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها وتقييده بطرّار طرّ من غير قميصه الأعلى ، بقرينة معتبرة السكوني المتقدّمة .

   (1) بلا خلاف ظاهر .

   وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «قال : لا يقطع السارق في عام سنة ، يعني : عام مجاعة» (4) .

   ومعتبرته الاُخرى عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليه السلام) «قال : لا يقطع السارق في عام سنة مجدبة ، يعني : في المأكول دون غيره» (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 270 /  أبواب حد السرقة ب 13 ح 2 .

(2) الوسائل 28 : 271 /  أبواب حد السرقة ب 13 ح 4 .

(3) الوسائل 28 : 271 /  أبواب حد السرقة ب 13 ح 3 .

(4) الوسائل 28 : 291 /  أبواب حد السرقة ب 25 ح 2 .

(5) الوسائل 28 : 291 /  أبواب حد السرقة ب 25 ح 4 .

ــ[349]ــ

   (مسألة 228) : لايعتبر في المحرز أن يكون ملكاً لصاحب المال، فلو استعار بيتاً أو استأجره فنقبه المعير أو المؤجّر فسرق مالاً للمستعير أو المستأجر قطع (1) .

   (مسألة 229) : إذا سرق باب الحرز أو شيئاً من أبنيته المثبتة فيه قطع(2)، وأمّا إذا كان باب الدار مفتوحاً ونام صاحبها ودخل سارق وسرق المال فهل يقطع ؟ فيه إشكال وخلاف ، والظاهر هو القطع (3) .

(مسألة 230) : إذا سرق الأجير من مال المستأجر ، فإن كان المال في حرزه قطع ، وإلاّ لم يقطع ، ويلحق به الضيف فلا قطع في سرقته من غير حرز (4) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) من دون خلاف ولا إشكال بين الأصحاب ، وذلك للإطلاقات .

   (2) خلافاً لجماعة ، فقالوا بعدم القطع ، معلّلاً بعدم كونه محرزاً .

   ويردّه: منع ذلك، بل هو من المحرز من جهة إثباته بالعمارة ، وعلى تقدير الشكّ فالشبهة مفهوميّة، والتقييد منفصل ، فالمرجع هو الإطلاق بعد صدق السارق عليه حقيقةً .

   (3) وذلك لعين ما عرفت في سابقه .

   (4) تدلّ على ذلك عموم الروايات المتقدّمة، مضافاً إلى عدّة نصوص خاصّة :

   كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أ نّه قال في رجل استأجر أجيراً وأقعده على متاعه فسرقه «قال : هو مؤتمن» (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 271 /  أبواب حد السرقة ب 14 ح 1 .

ــ[350]ــ

   (مسألة 231) : إذا كان المال في محرز، فهتكه أحد شخصين ، وأخذ ثانيهما المال المحرز ، فلا قطع عليهما (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنها : صحيحة سليمان بن خالد ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يستأجر أجيراً ، فيسرق من بيته ، هل تقطع يده ؟ «فقال : هذا مؤتمن ، ليس بسارق ، هذا خائن»(1) .

   ومنها : معتبرة سماعة ، قال : سألته عن رجل استأجر أجيراً ، فأخذ الأجير متاعه فسرقه «فقال: هو مؤتمن . ثمّ قال: الأجير والضيف اُمناء ليس يقع عليهم حدّ السرقة»(2) .

   ومنها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : الضيف إذا سرق لم يقطع ، وإذا أضاف الضيف ضيفاً فسرق قطع ضيف الضيف»(3) .

   وهذه الروايات خاصّة بما إذا كانت السرقة من غير حرز ، لأ نّه نفي عنهما الحدّ من جهة أ نّهما مؤتمنان ، فلا يشمل الحكم ما إذا سرق من محرز .

   (1) أمّا عدم القطع على الهاتك : فلعدم صدق السارق عليه .

   وأمّا عدم القطع على المخرج : فلأ نّه لم يأخذ المال من محرز بعد هتك الأوّل . ومن هنا لا خلاف فيه بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 272 /  أبواب حد السرقة ب 14 ح 3 .

(2) الوسائل 28 : 272 /  أبواب حد السرقة ب 14 ح 4 .

(3) الوسائل 28 : 275 /  أبواب حد السرقة ب 17 ح 1 .

ــ[351]ــ

   (مسألة 232) : لا فرق في ثبوت الحدّ على السارق المخرج للمتاع من حرز بين أن يكون مستقلاًّ أو مشاركاً لغيره ، فلو أخرج شخصان متاعاً واحداً ثبت الحدّ عليهما جميعاً ، ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن يكون الإخراج بالمباشرة وأن يكون بالتسبيب فيما إذا استند الإخراج إليه(1) .

   السادس: أن لايكون السارق والداً لصاحب المتاع ، فلو سرق المتاع من ولده لم تقطع يده(2)، وأمّا لو سرق ولد من والده مع وجود سائر الشرائط قطعت يده ، وكذلك الحال في بقيّة الأقارب(3).

   السابع :  أن يأخذ المال سرّاً ، فلو هتك الحرز قهراً وعلناً وأخذ المال لم يقطع (4) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وذلك لإطلاق الأدلّة ، فلو هتك حرزاً وأخرج المتاع بحمله على حيوان أو صبي غير مميّز أو ما شاكل ذلك ثبت الحدّ عليه وإن لم يكن مباشراً للإخراج ، لأنّ العبرة إنّما هي باستناده إليه ، وهو متحقّق في المقام .

   (2) بلا خلاف بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع .

   وتدل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزنا «قال : لو قتله ما قُتِلَ به ، وإن قذفه لم يُجلَدْ له» الحديث(1) ، حيث يستفاد منها عموم الحكم للسرقة أيضاً .

   (3) وذلك لإطلاق الأدلّة ، وعدم وجود دليل مقيّد في البين .

   (4) تدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى عدم صدق السارق عليه ـ عدّة روايات :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 196 /  أبواب حد القذف ب 14 ح 1 .

ــ[352]ــ

   الثامن :  أن يكون المال ملك غيره . وأمّا لو كان متعلّقاً لحقّ غيره ، ولكن كان المال ملك نفسه كما في الرهن ، أو كانت منفعته ملكاً لغيره كما في الإجارة ، لم يقطع (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   منها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اختلس ثوباً من السوق، فقالوا: قد سرق هذا الرجل، فقال : إنّي لا أقطع في الدغارة المعلنة ، ولكن أقطع من يأخذ ثمّ يخفي» (1) .

   ومنها : معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال : ليس على الطرار والمختلس قطع ، لأ نّها دغارة معلنة ، ولكن يقطع من يأخذ ويخفي» (2) .

   (1) من دون خلاف بين الأصحاب ، وذلك لاختصاص أدلّة القطع بسرقة العين المملوكة ، وهي عدّة روايات :

   منها: صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : في كم يقطع السارق ؟ «قال : في ربع دينار ـ إلى أن قال : ـ فقال :كلّ من سرق من مسلم شيئاً قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله سارق، ولكن لايقطع إلاّ في ربع دينار أو أكثر» الحديث(3).

   ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 268 /  أبواب حد السرقة ب 12 ح 2 .

(2) الوسائل 28 : 269 /  أبواب حد السرقة ب 12 ح 7 .

(3) الوسائل 28 : 243 /  أبواب حد السرقة ب 2 ح 1 .

ــ[353]ــ

   التاسع :  أن لا يكون السارق عبداً للإنسان ، فلو سرق عبده من ماله لم يقطع (1) ، وكذلك الحال في عبد الغنيمة إذا سرق منها (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يقطع يد السارق إلاّ في شيء تبلغ قيمته مجناً وهو ربع دينار» (1) .

   (1) تدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى أنّ قطع يده زيادة ضرر على المولى ـ عدّة روايات :

   منها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد سرق واختان من مال مولاه ، قال : ليس عليه قطع» (2) .

   ومنها : معتبرة السكوني الآتية .

   (2) تدلّ على ذلك عدّة روايات :

   منها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : عبدي إذا سرقني لم أقطعه ، وعبدي إذا سرق غيري قطعته ، وعبد الإمارة إذا سرق لم أقطعه لأ نّه فيء» (3) .

   ومنها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجلين قد سرقا من مال الله أحدهما عبد مال الله ، والآخر من عرض الناس ، فقال : أمّا هذا فمن مال الله ليس عليه شيء ، مال الله أكل بعضه بعضا» الحديث (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 243 /  أبواب حد السرقة ب 2 ح 2 . والمجن : الترس الذي يتّقي به المحارب ضرب عدوّه ـ الصحاح 5 : 2094 (جنن) .

(2) الوسائل 28 : 298 /  أبواب حد السرقة ب 29 ح 1 .

(3) الوسائل 28 : 298 /  أبواب حد السرقة ب 29 ح 2 .

(4) الوسائل 28 : 299 /  أبواب حد السرقة ب 29 ح 4 .

ــ[354]ــ

   (مسألة 233) : لا قطع في الطير وحجارة الرخام وأشباه ذلك على الأظهر(1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنها : صحيحته الثانية عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا اُخذ رقيق الإمام لم يقطع، وإذا سرق واحد من رقيقي من مال الإمارة قطعت يده» الحديث(1).

   بقي هنا شيء :  وهو أ نّه قد قيّد في كلمات الفقهاء عدم القطع بما إذا سرق عبد الغنيمة منها ، ولكن مقتضى عموم التعليل في معتبرة السكوني ـ وهو قوله (عليه السلام) : «لأ نّه فيء» ، نظراً إلى أنّ الظاهر هو رجوع الضمير إلى العبد ـ عدم القطع مطلقاً ولو كانت السرقة من غير الغنيمة ، وكذا مقتضى إطلاق صحيحة محمّد بن قيس الثانية ، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن مقتضى إطلاقهما بالتعليل في صحيحة محمّد بن قيس الاُولى ، وهو قوله (عليه السلام) : «مال الله أكل بعضه بعضا» ، حيث إنّ مقتضى هذا التعليل هو اختصاص عدم القطع بما إذا سرق من الغنيمة .

   فالنتيجة :  أنّ ما هو الموجود في كلمات الفقهاء من التقييد هو الصحيح .

   (1) تدلّ على ذلك عدّة روايات :

   منها : معتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «أنّ عليّاً (عليه السلام) اُتي بالكوفة برجل سرق حماماً فلم يقطعه ، وقال : لا أقطع في الطير»(2) .

   ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا قطع في ريش ، يعني : الطير كلّه»(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 299 /  أبواب حد السرقة ب 29 ح 5 .

(2) الوسائل 28 : 285 /  أبواب حد السرقة ب 22 ح 1 .

(3) الوسائل 28 : 285 /  أبواب حد السرقة ب 22 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net