الخامس عشر : المحاربة 

الكتاب : مبـاني تكملة منهاج الصالحين - الجزء الأول : القضاء   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1772


ــ[385]ــ

الخامس عشر :  المحاربة

   (مسألة 260): من شهر السلاح لإخافة الناس نفي من البلد، ومن شهر فعقر اقتصّ منه ثمّ نفي من البلد ، ومن شهر وأخذ المال قطعت يده ورجله ، ومن شهر وأخذ المال وضرب وعقر ولم يقتل فأمره إلى الإمام إن شاء قتله وصلبه وإن شاء قطع يده ورجله ، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان على الإمام أن يقتله ، ومن حارب وقتل وأخذ المال فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة ثمّ يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثمّ يقتلونه ، وإن عفا عنه أولياء المقتول كان على الإمام أن يقتله ، وليس لأولياء المقتلول أن يأخذوا الدية منه فيتركوه (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوّلها : فسارق تقطع يده» الحديث(1) .

   ورواية عبدالله بن طلحة ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يبيع الرجل وهما حرّان يبيع هذا هذا وهذا هذا ويفرّان من بلد إلى بلد فيبيعان أنفسهما ويفرّان بأموال الناس «قال : تقطع أيديهما ، لأ نّهما سارقا أنفسهما وأموال الناس (المسلمين) »(2) .

   (1) يستفاد ما ذكرناه من الجمع بين صحيحة محمّد بن مسلم وصحيحة علي ابن حسان ، فروى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : من شهر السلاح في مصر من الأمصار فعقر اقتصّ منه ونفي من تلك البلد ، ومن شهر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 283 /  أبواب حد السرقة ب 20 ح 1 ، الكافي 7 : 229 / 1 ، الفقيه 4 : 48 / 170 ، التهذيب 10 : 113 / 447.

(2) الوسائل 28 : 283 /  أبواب حد السرقة ب 20 ح 3 .

ــ[386]ــ

السلاح في مصر من الأمصار وضرب وعقر وأخذ المال ولم يقتل فهو محارب ، فجزاؤه جزاء المحارب ، وأمره إلى الإمام إن شاء قتله وصلبه وإن شاء قطع يده ورجله . قال : وإن ضرب وقتل وأخذ المال فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة ، ثمّ يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثمّ يقتلونه» قال : فقال له أبو عبيدة : أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إن عفوا عنه كان على الإمام أن يقتله ، لأ نّه قد حارب وقتل وسرق» قال: فقال أبو عبيدة: أرأيت إن أراد أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية ويدعونه ، ألهم ذلك ؟ «قال : لا ، عليه القتل»(1) .

   وروى علي بن حسان عن أبي جعفر (الجواد) (عليه السلام) «قال : من حارب [ الله ] وأخذ المال وقتل كان عليه أن يقتل أو يصلب ، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان عليه أن يقتل ولا يصلب ، ومن حارب وأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن تقطع يده ورجله من خلاف ، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن ينفى» الحديث(2) .

   وعلى هاتين الصحيحتين يحمل إطلاق بقيّة روايات الباب .

   بقي هنا أمران :

   الأوّل : أ نّه قد يتوهّم أنّ رواية علي بن حسان لا يعتمد عليها ، لأ نّه مشترك بين الضعيف ـ وهو الهاشمي ـ والثقة ـ وهو الواسطي ـ ولم تقم قرينة على أنّ راوي هذه الرواية هو الواسطي ، فلا تكون حجّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 307 /  أبواب حد المحارب ب 1 ح 1 .

(2) الوسائل 28 : 313 /  أبواب حد المحارب ب 1 ح 11 .

ــ[387]ــ

   ولكنّه يندفع بأنّ راويها علي بن إبراهيم في تفسيره، وقد التزم بأن لا يروي إلاّ عن الثقة ، فبمقتضى شهادته والتزامه يحكم بأنّ علي بن حسان في هذه الرواية هو الثقة دون غيره .

   الثاني :  أنّ جميل بن درّاج سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ  وجلّ : (إِنَّمَا جَزَاؤُا ا لَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ا لاَْرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ) الآية ، أيّ شيء عليه من هذه الحدود التي سمّى الله عزّ وجلّ ؟ «قال : ذلك إلى الإمام إن شاء قطع ، وإن شاء نفى ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قتل» الحديث(1) .

   والرواية صحيحة .

   فقد يقال : إنّ هذه الصحيحة تنافي الصحيحتين المتقدّمتين من جهة ظهورها في تخيير الإمام بين القطع والنفي والصلب والقتل ، فهي تنافي ما دلّت عليه الصحيحتان من التفصيل .

   ولكنّه يندفع بأنّ الصحيحة وإن كانت ظاهرة في التخيير لكنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورها بصريح صحيحة بريد بن معاوية ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ : (إِنَّمَا جَزَاؤُا ا لَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ)«قال : ذلك إلى الإمام يفعل ما شاء» قلت : فمفوّض ذلك إليه ؟ «قال : لا ، ولكن نحو الجناية»(2) .

   وعليه ، يرتفع التنافي بين صحيحة جميل والصحيحتين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 28 : 308 /  أبواب حد المحارب ب 1 ح 3 ، 2 ،  والآية في سورة المائدة 5 : 33 .

ــ[388]ــ

   (مسألة 261) : لا فرق في المال الذي يأخذه المحارب بين بلوغه حدّ النصاب وعدمه (1) .

   (مسألة 262) : لو قتل المحارب أحداً طلباً للمال فلولي المقتول أن يقتله قصاصاً إذا كان المقتول كفواً ، وإن عفا الولي عنه قتله الإمام حدّاً، وإن لم يكن كفواً فلا قصاص عليه، ولكنّه يقتل حدّاً(2).

   (مسألة 263) : يجوز للولي أخذ الدية بدلاً عن القصاص الذي هو حقّه ، ولا يجوز له ذلك بدلاً عن قتله حدّاً(3) .

   (مسألة 264) : لو جرح المحارب أحداً ، سواء أكان جرحه طلباً للمال أم كان لغيره، اقتصّ الولي منه ونفي من البلد(4)، وإن عفا الولي عن القصاص فعلى الإمام أن ينفيه منه (5) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لإطلاق الأدلّة ، وعدم وجود مقيّد في البين .

   (2) لما سيجيء إن شاء الله تعالى من أ نّه يعتبر في القصاص كون المقتول كفواً للقاتل ، وإلاّ فلا يقتصّ منه (1) .

   (3) لما سيأتي من أنّ لولي المقتول أخذ الدية من القاتل .

   وأمّا ما في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة فلا ينافي ذلك ، لأ نّه راجع إلى المنع عن أخذ الدية في مقابل تركه على حاله وعدم قتله أصلاً .

   (4) تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة .

   (5) لأنّ سقوط القصاص بالعفو لايقتضي سقوط النفي الذي هو حدّ المحارب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مباني تكملة المنهاج 2 : 39  وما بعدها .

ــ[389]ــ

   (مسألة 265) : إذا تاب المحارب قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحدّ (1) ، ولا يسقط عنه ما يتعلّق به من الحقوق كالقصاص والمال(2)، ولو تاب بعد الظفر به لم يسقط عنه الحدّ، كما لا يسقط غيره من الحقوق(3).

   (مسألة 266) : لا يترك المصلوب على خشبته أكثر من ثلاثة أيّام ، ثمّ بعد ذلك ينزل ويصلّى عليه ويدفن .

   (مسألة 267) : ينفى المحارب من مصر إلى مصر ومن بلد إلى آخر ، ولا يسمح له بالاستقرار على وجه الأرض(4)،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) تدلّ على ذلك الآية الكريمة : (إِلاَّ ا لَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1) ، وقد فسّرت الآية في رواية علي بن حسان المتقدّمة : أن يتوبوا قبل أن يأخذهم الإمام .

   (2) يظهر وجه ذلك مما تقدّم من أ نّه لا دليل على السقوط .

   (3) وذلك لاختصاص السقوط بالتوبة قبل الظفر ، وأمّا بعده فلا دليل عليه أصلاً .

   (4) لأ نّه مقتضى النفي من وجه الأرض ، فإنّه لا يتحقّق إلاّ بأن لا يكون له مقرّ يستقرّ فيه .

   وأمّا معتبرة أبي بصير، قال: سألته عن الإنفاء من الأرض كيف هو ؟ «قال : ينفى من بلاد الإسلام  كلّها ، فإن قدر عليه في شيء من أرض الإسلام قتل ولا أمان له حتى يلحق بأرض الشرك»(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 34 .

(2) الوسائل 28 : 318 /  أبواب حد المحارب ب 4 ح 7 .

ــ[390]ــ

   ومعتبرة بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا نفى أحداً من أهل الإسلام نفاه إلى أقرب بلد من أهل الشرك إلى الإسلام ، فنظر في ذلك ، فكانت الديلم أقرب أهل الشرك إلى الإسلام» (1) .

   فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله ، فإنّه لا شكّ في أنّ الزاني لا ينفى إلى بلاد الشرك، وإنّما ينفى من البلد الذي جلد فيه إلى بلد آخر كما تقدّم(2). وأمّا المحارب فلا يسمح له بالاستقرار في مكان بلا خلاف ، كما تدلّ عليه الآية الكريمة ، ومن الظاهر أ نّه إذا نفي إلى بلاد الشرك كان له مستقرّ فيها .

   وتؤيّد ما ذكرناه عدّة روايات :

   منها : رواية عبيدالله المدائني عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ـ في حديث المحارب ـ قال : قلت : كيف ينفى وما حدّ نفيه ؟ «قال : ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره ، ويكتب إلى أهل ذلك المصر : أ نّه منفي ، فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تواكلوه ولا تشاربوه ، فيفعل ذلك به سنة ، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتمّ السنة» قلت : فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها ؟ «قال : إن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها» (3) .

   ونحوها رواية إسحاق المدائني عن أبي الحسن (عليه السلام) إلاّ أ نّه قال : فقال له الرجل : فإن أتى أرض الشرك فدخلها ؟ «قال : يضرب عنقه إن أراد الدخول في أرض الشرك» (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 317 /  أبواب حد المحارب ب 4 ح 6 .

(2) في ص 243 ـ 244 .

(3) ، (4) الوسائل 28 : 316 /  أبواب حد المحارب ب 4 ح 2 ، 3 .

ــ[391]ــ

ولا أمان له ولا يبايع ولا يؤوى ولا يطعم ولا يتصدّق عليه حتى يموت (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ونحوها أيضاً رواية عبيدالله بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) ، إلاّ أ نّه قال في آخره : «يفعل ذلك به سنة ، فإنّه سيتوب وهو صاغر» قلت: فإن أمّ أرض الشرك يدخلها؟ «قال: يقتل»(1).

   فالنتيجة :  أ نّه لا بدّ من طرح الروايتين .

   ويمكن أن يقال: إنّ المعتبرتين غير واجدتين لشرائط الحجّيّة في نفسهما، لأ نّهما مخالفتان للكتاب، فإنّ النفي من الأرض يقتضي أن لا يسمح للمحارب بالاستقرار في مكان ، ونفيه إلى أرض الشرك سماحٌ له بالاستقرار .

   هذا ، مضافاً إلى أنّ بلاد المسلمين ـ حين نزول الآية المباركة ـ كانت قليلة جدّاً ، فلا يمكن تقييد الأرض في الآية الكريمة بها بمقتضى هاتين المعتبرتين ، فإنّه مستلزم لتخصيص الأكثر .

   (1) على المشهور شهرة عظيمة ، فإنّهم لم يقيّدوا النفي بزمان خاصّ ، وقد صرّح الشهيد الثاني (قدس سره) باستمرار النفي إلى الموت في الروضة والمسالك(2)، ونسبه في الثاني إلى الأكثر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 316 /  أبواب حد المحارب ب 4 ح 4 .

(2) الروضة 9 : 302 ، المسالك 15 : 18 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net