المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ولو بنجاسة اُخرى 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1559


ــ[200]ــ

   [ 237 ] مسألة 9 : المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ولو بنجاسة اُخرى ، لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما ، فلو كان لملاقي البول حكم ولملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معاً ، ولذا لو لاقى الثوب دمٌ ثم لاقاه البول يجب غسله مرّتين ، وإن لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم وقلنا بكفاية المرة في الدم . وكذا إذا كان في إناء ماء نجس ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره وإن لم يتنجّس بالولوغ . ويحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدّة والضعف ، وعليه فيكون كل منهما مؤثراً ولا إشكال (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الظرف ، فحكم المائعات اليابسة حكم الجـوامد اليابسة ، ونظيره الفلزات المذابة كالذهب والفضّة والنحاس ونحوها لأنها إذا  صُبّت في ظرف نجس ـ  كالبوتقة النجسة  ـ لا يحكم بتنجسها لأنها مائع جاف لا يؤثر في الأشياء اليابسة ولا يتأثر منها ، ومع عدم السراية والرطوبة لا يحكم بنجاستها . نعم ، إذا فرضنا أن الزئبق أو الفلز المذاب لاقى نجساً  أو متنجِّساً وهو رطب ، كالدهن المتنجس المصبوب في البوتقة كما يستعمل في الصياغة فانه يحكم بتنجّس الزئبق أو الفلز لتأثرهما من النجس أو المتنجِّس الرطبين .

   ثم إنّها إذا تنجست فقد نقطع أن النجاسة إنما أ ثّرت في سطحها الظاهر فقط فحينئذ إذا غسلنا سطحها طهرت كغيرها من المتنجسات ، وقد نعلم أن النجاسة أ ثّرت في جميع أجزاء الفلز الداخلية منها والخارجية لتصاعدها وتنازلها حال إذابتها فانه قد تسري النجاسة بذلك إلى الجميع فيشكل تطهيرها حينئذ ، لعدم إمكان إيصال المطّهر إلى كل واحد من الأجزاء الظاهرية والداخلية فلا مناص من أن تبقى على نجاستها إلى الأبد . وعلى الجملة أن الفلز حال ذوبانه إذا أمكن أن يتنجس بمثل الدهن أو البول ونحوهما يخرج بذلك عن قابلية الطهارة إلى الأبد ، وأظهر من ذلك ما لو تنجّس الفلز أوّلاً ثم اُذيب ، لأنّ الذوبان في مثله يوجب سراية النجاسة إلى باطنه وبه يسقط عن قابلية الطهارة كما عرفت .

   (1) الكلام في هذه المسألة في أن الاشكال الذي كان يرد على كلامه إذا أنكرنا

 
 

ــ[201]ــ

تعدّد المراتب للنجاسة بحسب الشدة والضعف ، ولا يرد عليه إذا قلنا به أي شيء ؟ وليعلم قبل ذلك أن البحث عن أصالة عدم التداخل أجنبي عن مسألتنا هذه بتاتاً وذلك لأن البحث عن عدم التداخل يختص بما إذا كانت الأوامر مولوية ولكل واحد منها شرط أو موضوع ، كما إذا ورد : إن ظاهرت فكفّر وإن أفطرت فكفر ، فيقال حينئذ إن ظاهر كل شرط أنه سبب مستقل في استتباعه الحكم المترتب عليه ، وحيث إنّ الشيء الواحد لا معنى للبعث نحوه ببعثين فلا مناص من تقييد متعلق كل من الأمرين بفرد دون فرد آخر ويقال إن ظاهرت يجب عليك فرد من الكفارة وإن أفطرت يجب عليك فرد آخر منها ، وأما إذا كانت الأوامر إرشادية فلا شرط ولا حكم فيها حتى يقال إنّ ظاهر كل من الشرطين أنه سبب مستقل يستدعي حكماً باستقلاله ، ولاستحالة البعث إلى شيء واحد مرّتين لا بدّ من تقييد متعلقهما بفرد غير الفرد الآخر ، وهذا لوضوح أنه لا بعث في الارشاد ، والقول بعدم التداخل نتيجة استحالة البعث نحو الشيء مرتين ، إذ الارشاد في الحقيقة كالاخبار ولا مانع من حكاية شيء واحد مرتين ، وهذا كما في قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه»(1) لأنه إرشاد إلى أمرين : أحدهما : نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه ونجاسة ملاقيها . وثانيهما : عدم ارتفاع نجاستها بغير الغسل ، فلو فرضنا أن مثله ورد في نجس آخر كما إذا ورد إغسل ثوبك من الدم مثلاً فانه أيضاً يكون إرشاداً إلى الأمرين المتقدِّمين ، ففي موارد اجتماعهما ـ كما إذا أصاب كل منهما الثوب ـ أمران إرشاديان إلى نجاسة ملاقي كل من النجسين ولا محذور في اجتماعهما ، حيث لا بعث كي لا يجتمع اثنان منه في مورد واحد ، وإنما حالهما حال الحكاية كما عرفت ، وما أشبههما بالإخبار عن التقذر بالقذارة الخارجية ، كما إذا ورد نظِّف ثوبك من وساخة التراب وورد نظِّف ثوبك من وساخة الرماد ، فهل يتوهّم أحد أنّ الثوب المشتمل على كلتا الوساختين لا بدّ من تنظيفه مرّتين ولا يكفي تنظيفه مرّة واحدة ، فالمتحصل أنّ المسألة أجنبية عن أصالة عدم التداخل بالكلية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في حسنة عبدالله بن سنان المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 .

ــ[202]ــ

   [ 238 ] مسألة 10 : إذا تنجّس الثـوب مثلاً بالدم مما يكفي فيه غسله مرّة وشكّ في ملاقاته للبول أيضاً مما يحتاج إلى التعدّد ، يكتفى فيه بالمرّة ويبنى على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وإذا تحقّقت ذلك فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول : الاشكال المتوجِّه على كلام الماتن (قدس سره) هو أنه بنى في صدر المسألة على أنّ المتنجِّس لا يتنجس ثانياً وأن الشيء الواحد لا يقبل النجاسة مرّتين فكأن النجاسة الثانية لم تطرأ على الشيء من الابتداء ، فمع فرض أنه لم يلاق غير نجاسة واحدة كالدم مثلاً كيف يترتّب عليه أثر كلتا النجاستين إذا اختلف حكمهما ، لأنّ مفروضنا أنّ النجاسة الثانية كأنها لم تطرأ حقيقة فما الموجب للحكم بترتيب آثارها ؟ وهذه المناقشة كما ترى إنما ترد إذا بنينا على أنّ المتنجس لا يتنجّس ثانياً وأن النجاسة الثانية كالعدم حقيقة ، وأما إذا بنينا على أنّ لها مراتب بحسب الشدة والضعف وأنه لا مانع من الحكم بتنجّس المتنجِّس ثانياً بأن تكون إحدى النجاستين ضعيفة والاُخرى شديدة ، فلا يبقى للمناقشة مجال حيث لا بد حينئذ من ترتيب أثر كلتا النجاستين ، وهذا الاشكال هو الذي نفاه بقوله : «ولا إشكال» على تقدير القول بأن للنجاسة مراتب في الشدّة والضعف .

   ثم لا ينبغي التأمّل في أنّ النجاسة ـ سواء كانت مختلفة بحسب المرتبة أم لم تكن ، وسواء قلنا إنّ المتنجِّس ينجس أو لا ينجس ـ إذا طرأت على شيء واحد مرتين أو مرّات متعدِّدة ـ اتّحد نوعها أم تعدّد ـ لا يجب غسله إلاّ مرّة واحدة ، أللّهمّ إلاّ أن يكون لاحداهما أثر زائد كوجوب غسلها مرتين أو التعفير فانه لا بدّ من ترتيب ذلك الأثر حينئذ وذلك لاطلاق دليله ، لأن مقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب غسل البول مرّتين عدم الفرق في وجوبهما بين كونه مسبوقاً بنجاسة اُخرى أو لم يكن ، وكذلك الحال فيما دلّ على لزوم تعفير ما ولغ فيه الكلب لاطلاقه من حيث تحقق نجاسة اُخرى معه وعدمه ، وهذا هو السر في لزوم ترتيب الأثر الزائد حتى على القول بعدم تنجّس المتنجِّس ثانيا .

ــ[203]ــ

عدم ملاقاته للبول (1) . وكذا إذا علم نجاسة إناء وشك في أنه ولغ فيه الكلب أيضاً أم لا ، لا يجب فيه التعفير ويبني على عدم تحقق الولوغ . نعم ، لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم ، أو إما بالولوغ أو بغيره يجب إجراء حكم الأشد((1)) (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وذلك للاستصحاب ، لأنه بعد الغسل مرّة وإن كان يشك في ارتفاع النجاسة كما إذا كانت دموية وبقائها كما إذا كانت بولية ، فالفرد المعلوم المتحقق مردّد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ، إلاّ أنه لا مجال لاستصحاب الكلِّي الجامع بينهما حتى يحكم ببقاء النجاسة بعد الغسل مرة واحدة ، وإن قلنا بجريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي في محله ، وذلك لأنه إنما يجري فيما إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه وهو موجود في المقام ، وهذا للقطع بعدم عروض النجاسة البولية على الثوب في زمان فاذا شككنا في طروها وعدمه فمقتضى الأصل أن نجاسته باقية بحالها ولم تزد عليها نجاسة ثانية حتى يجب غسلها مرتين ، وبهذا الاستصحاب نبني على كفاية الغسل مرة واحدة في المسألة .

   وبعبارة اُخرى : الاستصحاب إنما يجري في القسم الثاني من الكلي فيما إذا كان الفرد الحادث من الابتداء مردداً بين الباقي والمرتفع ، وأما إذا علمنا بحدوث فرد معيّن ثم شككنا في تبدل ذلك الفرد الحادث بفرد آخر أو في طروّه مع بقاء الفرد الأوّل بحاله فلا تأمّل في أن الاستصحاب يقتضي الحكم بعدم تبدّل الفرد الحادث بغـيره وعـدم طرو شيء زائد عليه ، وهو نظير ما يأتي في محلِّه من أن المكلف إذا كان محدثاً بالأصغر ثم شك في أنه هل أجنب ، يحكم بعدم طروء الحدث الأكبر حينئذ ويبني على أن حدثه هو الأصغر فيرتفع بالوضوء ، ولا يجري استصحاب بقاء الحدث الجامع بين ما علمنا بارتفاعه وما نعلم ببقائه (2) .

   (2) لاسـتصحاب بقاء النجاسة حتى يقطع بارتفاعها وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلِّي إلاّ أنه يبتني على أمرين : أحدهما : القول بجريان الاستصحاب في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا تبعد كفاية إجراء حكم الأخف .

(2) راجع المسألة  [ 458 ]  .

ــ[204]ــ

 من التعدّد في البول والتعفير في الولوغ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net