أدلّة منجسيّة المتنجِّس ونقل الخلاف فيه 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2564


   [ 239 ] مسألة 11 : الأقوى أنّ المتنجِّس منجس ((1)) كالنجس (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحكام كما هو المعروف بينهم . وثانيهما : منع جريان الأصل في الأعدام الأزلية . وأما على مسلكنا من جريان الاستصحاب في العدم الأزلي فلا وجه لوجوب الغسل ثانياً أو التعفير وغيره كما هو الحال في المسألة المتقدِّمة ، وذلك لأ نّا قد استفدنا من الأدلّة الواردة في تطهير المتنجسات أن طبيعي النجس يكفي في إزالته الغسل مرة ، فلا حاجة إلى الغسل المتعدِّد ولا إلى التعفير إلاّ فيما خرج بالدليل كما في البول والولوغ ونحوهما .

   وعليه فنقول : الذي علمنا بحدوثه إنما هو طبيعي النجاسة الذي يكفي في إزالته الغسل مرة واحدة ، ولا ندري هل تحققت معه الخصوصية البولية أو الولوغية أم لم تتحقّق ، والأصل عدم تحقّق الخصوصية البولية ولا غيرها ، فاذا ضممنا ذلك إلى علمنا بحدوثه بالوجدان فينتج لا محالة أن الثوب متنجس بنجاسة ليست ببول ولا مستندة إلى الولوغ ، وقد عرفت أن كل نجاسة لم تكن بولاً أو ولوغية مثلاً يكتفى فيها بالغسل مرّة .

   (1) قد وقع الكلام في أن المتنجس كالنجس منجّس لما لاقاه مطلقاً ولو بألف واسطة أو أن تنجيسه يختص بما إذا كان بلا واسطة ، فالمتنجس مع الواسطة غير منجس ؟ أو أن المنجسية من الأحكام الثابتة على النجاسات العينية ولا يأتي في النجس بالعرض مطلقاً ؟

   لا ينبغي الاشكال في أن النجاسات العينية منجّسة لملاقياتها وموجبة للسراية بحيث لا تزول النجاسة الحاصلة بملاقاتها إلاّ بغسلها بالماء ، وإن ذهب المحدث الكاشاني (قدس سره) إلى عدم الحاجة في تطهير المتنجس إلى غسله بالماء ، وكفاية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا في المتنجس الأوّل ، وأما المتنجس الثاني فان لاقى الماء أو مائعاً آخر فلا إشكال في نجاسته به ونجاسته ما يلاقيه ، وهكذا كل ما لاقى ملاقيه من المائعات ، وأما غير المائع مما يلاقي المتنجس الثاني فضلاً عن ملاقي ملاقيه ففي نجاسته إشكال وإن كان الاجتناب أحوط .

ــ[205]ــ

مجرّد زوال العين في طهارته ولو بغير الماء إلاّ فيما دلّ الدلـيل على اعتبار غسله به (1) إلاّ أ نّا أبطلنا ما ذهب إليه في محلِّه(2) وقلنا إنّ ملاقاة الأعيان النجسة بالرطوبة موجبة للسراية ، واستشهدنا عليه بما ورد في موثقة عمّار من قوله (عليه السلام) : «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» (3) أي الماء المتنجس بموت الفأرة فيه ، لأنه كاشف قطعي عن سراية النجاسة إلى ملاقي النجس وملاقي ملاقيه ، ومن هنا أمر بغسل كل ما أصابه ، فان الغسل كما مرّ عبارة عن إزالة الأثر المتحقق في المغسول ، فلولا سراية النجاسة إليه بملاقاة النجس لم يكن معنى للأمر بازالة الأثر حيث لا أثر بعد زوال العين حتى يغسل ويزال ولعله ظاهر .

   وإنما الكلام في المتنجسات والمشهور بين المتأخرين أنها كالأعيان النجسة منجّسة مطلقاً ، واستدل لهم على ذلك باُمور :

   الأوّل : أن منجسية المتنجس أمر ظاهر يعرفه المتشرعة وجميع المسلمين من عوامهم وعلمائهم من غير اختصاصه بطائفة دون طائفة ، وعليه فمنجسية المتنجس أمر ضروري لا خلاف فيه بين المسلمين . ويدفعه : أنه إن اُريد بذلك أن تنجيس المتنجس نظير وجوب الصلاة وحرمة الخمر وغيرهما من الأحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة المستتبع إنكارها إنكار النبوة والموجبة للحكم بكفر منكرها ففساده مما لا يحتاج إلى البيان ، لأن تنجيس المتنجس أمر نظري ولا تلازم بين إنكاره وإنكار النبوة بوجه فكيف يمكن قياسه بسائر الأحكام الضرورية من الدين .

   وإن اُريد أنه أمر واضح معروف لدى المتشرعة وإن لم يصل مرتبة الضرورة الموجبة لكفر منكرها ، ففيه : أنه وإن كان معروفاً عندهم إلاّ أن ذلك لا يكشف عن ثبوته في الشريعة المقدسة ، لعدم إحراز اتصال الحكم بزمانهم (عليهم السلام) ، لأنّ أيّ حكم إذا أفتى به المقلَّدون في عصر واتبعهم مقلِّدوهم برهة من الزمان فلا محالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفاتيح الشرائع 1 : 75 .

(2) شرح العروة 2 : 25 .

(3) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1 .

ــ[206]ــ

يكون معروفاً عندهم ومغروساً في أذهانهم بحيث يزعمون أنه ضروري في الشريعة المقدّسة ، مع أنه أمر قد حدث في عصر متأخر عن عصرهم (عليهم السلام). وبالجملة أن الحكم إذا لم يحرز اتصاله بزمان الأئمة (عليهم السلام) لا يستكشف باشتهاره أنه ثابت في الشريعة أبدا .

   الثاني : أن تنجيس المتنجس إجماعي حيث أفتوا بذلك خلفاً عن سلف وعصراً بعد عصر ولم ينكر ذلك أحد . والجواب عنه أولاً : أن دعوى الاجماع في المسألة إنما تتم لو قلنا بحجيته بقاعدة اللطف ـ كما اعتمد عليها الشيخ (قدس سره) ـ فان الحكم بتنجيس المتنجس قد وقع الاتفاق عليه في عصر مثلاً ولم يظهر خلافه الإمام (عليه السلام) في ذلك العصر فمنه يستكشف أنه مرضي عنده ، ولكنّا قد أبطلنا هذه القاعدة في محله وذكرنا أنها على تقدير تماميتها في نفسها لا يمكن أن تكون مدركاً لحجية الاجماع بوجه (1) . على أن إظهاره الخلاف مما لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة ، لأنه إن ظهر وعرّف نفسه وأظهر الخلاف فهو وإن كان موجباً لاتباع قوله (عليه السلام) إلاّ أنه خلاف ما قدّره الله سبحانه حيث عيّن وقتاً لظهوره لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عنه وأما إذا أظهر الخلاف من غير أن يظهر ويعرّف نفسه فأيّ أثر يترتّب على خلافه حينئذ ، لأنه لم يعرف بالعلم حالئذ فضلاً عن إمامته .

   وأما على طريقة المتأخِّرين في حجية الاجماع أعني الحدس بقوله (عليه السلام) من إجماع المجمعين فلا يتم دعوى الاجماع في المسألة ، فانه كيف يستكشف مقالة الإمام (عليه السلام) من فتوى الأصحاب في المسألة مع ذهاب الحلي ونظرائه إلى عدم تنجيس المتنجسات ، بل ظاهر كلامه أن عدم تنجيس المتنجس كان من الاُمور المسلّمة في ذلك الزمان حيث يظهر من محكي كلامه أن المنجّسية من آثار عين النجس ، والمتنجسات الخالية منها نجاسات حكميات (2) . وكيف كان ، إنّ الاتفاق على حكم في زمان لا يوجب العلم بمقالة الإمام (عليه السلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 138 .

(2) راجع السرائر 1 : 179 .

ــ[207]ــ

   وثانياً : أنّ دعوى الاجماع في المسألة لو تمت فانما تتم في حق المتأخِّرين ، وأما علماؤنا المتقدمون فلا تعرض في شيء من كلماتهم إلى تلك المسألة ، ولم يفت أحد منهم بتنجيس المتنجس مع كثرة الابتلاء به في اليوم والليلة وفي القرى والبلدان ، ومعه كيف تتم دعوى الاجماع على تنجيس المتنجسات ، ومن هنا ذكر المرحوم الآغا رضا الاصـفهاني (قدس سره) في رسالة وجهها إلى العـلاّمة البـلاغي (قدس سره) ما مضمونه : أ نّا لم نجد أحداً من المتقدمين يفتي بتنجيس المتنجس فضلاً عن أن يكون مورداً لاجماعهم ، فلئن ظفرتم على فتوى بذلك من المتقدمين فلتخبروا بها وإلاّ لبدلنا ما في منظومة الطباطبائي (قدس سره) :

والحكم بالتنجيس إجماع السلف وشذ من خالفهم من الخلف

   وقلنا :

والحكم بالتنجيس إحداث الخلف ولم نجد قائله من السلف (1)

   وعليه فلا يمكننا الاعتماد على الاجماعات المنقولة في المسألة ـ ولو على تقدير القول باعتبار الاجماع المنقول في نفسه ـ وذلك للقطع بعدم تحقّق الاجماع من المتقدمين . أضف إلى ذلك كلّه أنّ الاجماع على تقدير تحققه ليس من الاجماع التعبّدي في شيء ، لأ نّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى الأخبار أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام .

   الثالث : الأخبار فمنها : الأخبار الواردة في وجوب غسل الاناء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير (2) بتقريب أن العادة تقتضي أن يكون شربهما في الاناء من غير ملاقاتهما له ، ولا سيما في الكلب حيث إنه إنما يلغ بطرف لسانه مما في الاناء ولا يصيب فمه الاناء عادة ، فلولا أن الماء المتنجس منجّس لما لاقاه وهو الاناء لم يكن وجه للأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدرّة النجفية : 51  جاء هكذا  :

وشذّ من خالف ممن قد خلف والقول بالتنجيس إجماع السلف

(2) الوسائل 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2 ، 3 ، 4 وكذا في 3 : 415 / أبواب النجاسات ب 12 ح 2 ، 3 .

ــ[208]ــ

بغسله أو تعفيره . ومنها : ما عن العيص بن القاسم ، قال «سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء ، فقال : إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه» (1) لما مرّ من أنه لو لم يكن الماء المتنجس بالبول أو القذر منجّساً لما أصابه لم يكن لأمره (عليه السلام) بغسله وجه صحيح .

   ومنها: رواية معلى بن خنيس ، قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء ، أمر عليه حافياً ؟ فقال : أليس وراءه شيء جاف ؟ قلت : بلى ، قال : فلا بأس إنّ الأرض يطـهّر بعضـها بعضاً»(2) فانّ الماء المتنجس بملاقاة الخنزير لو لم يكن منجساً للأرض لم تكن حاجة إلى سؤاله (عليه السلام) عن وجـود شيء جاف وراءه ، فان رجله طاهرة حينئذ ولم تتنجّس بشيء كان هناك شيء جاف أم لم يكن . ومنـها : موثقة عمّار «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة ، فقال : إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسـل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ...»(3) حيث أمر بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس بميتة الفأرة ولولا أن المتنجس منجس لم يكن وجه لأمره هذا . ومنها غير ذلك من الأخبار .

   ولا يخفى أن هذه الأخبار أجنبية عما هو محل البحث والكلام ، لأن مدعي عدم تنجيس المتنجس إنما يدعي ذلك فيما إذا جف المتنجس وزالت عنه عين النجس ثم لاقى بعد ذلك شيئاً رطباً ، وأما المائع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب قبل أن يجف فلم يقل أحد بعدم منجسيته من المتقدمين والمتأخرين ، ولعلّها مما يلتزم به الكل كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 14 .

(2) الوسائل 3 : 458 / أبواب النجاسات ب 32 ح 3 .

(3) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1 .

ــ[209]ــ

ربما يلوح من محكي كلام الحلِّي (1) (قدس سره) ، وهذه الأخبار المستدل بها إنما وردت في المائع المتنجس فهي خارجة عما نحن بصدده . نعم ، إذا كان مدعى القائل بعدم منجسية المتنجس عدم تنجيسه ولو في تلك الصورة لكانت الأخبار المتقدمة حجة عليه في المتنجس المائع أو الرطب ، هذا .

   وقد يستدل للمشهور بموثقة عمّار الساباطي ، قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر ، هل تجوز الصلاة عليها ؟ فقال : إذا جفّت فلا  بأس بالصلاة عليها»(2) حيث دلت على عدم جواز الصلاة على البارية فيما إذا كانت رطبة ، ولا وجه له سوى أنها منجسة لما أصابها من بدن المصلي أو ثيابه . إلاّ أن الاستدلال بها في غير محله ، لأن الجفاف فيها إن حمل على الجفاف باصابة الشمس فحسب ـ كما حمله على ذلك جماعة واستدلوا بها على مطهِّرية الشمس للحصر والبواري ، وحملوا الصلاة عليها على إرادة السجود على البارية لكونها من النبات ومما يصح السجود عليه ـ فهي أجنبية عن تنجيس المتنجس وعدمه ، لأنّ معناها حينئذ أن القصب المبلل بماء قذر إذا جف بالشمس طهر فلا مانع معه من أن يسجد عليه ، وأما إذا كان رطباً أو جف بغير الشمس فهو باق على نجاسته فلا يجوز السجود عليه لاعتبار الطهارة فيما يسجد عليه .

   وأما إذا حمل على مطلق الجفاف كما هو الصحيح ، حيث إن الموثقة لم تقيد الجفاف باصابة الشمس ، ومن هنا استشكلنا في الاستدلال بها على مطهرية الشمس للحصر والبواري وحملنا الصلاة فيها على إرادة الصلاة فوق البارية لا على السجود عليها وإن كان قد يسجد عليها إذا صلّى فوقها ، إلاّ أن الرواية ناظرة إلى حكم ما إذا صلّى فوقها سجد عليها أم لم يسجد ، فمعنى الرواية أن القصب المبلل بالماء القذر لا مانع من أن يصلى فوقه إذا يبس لعدم سراية النجاسة منه إلى بدن المصلي أو ثيابه ، ولا يجوز الصلاة فوقه إذا لم يجف لسراية النجاسة لما أصابها ، وعليه أيضاً تخرج الموثقة عما نحن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم في ص 206 .

(2) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 5 .

ــ[210]ــ

بصدده فيكون حالها حال الأخبار المتقدمة ، لما عرف من أن منجسية المائع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب مما لا خلاف فيه ، ولا دلالة للموثقة على أن المتنجس إذا جف ثم لاقى شيئاً رطباً ينجسه أو لا ينجسه .

   فاذن العمدة في تنجيس المتنجس بعد جفافه وقبله عدّة روايات وردت في الأمر بغسل الأواني الملاقية للخمر أو الخنزير أو الكلب أو موت الجرذ فيها أو غير ذلك من النجاسات ، المتضمنة لوجوب غسلها من إصابة الخنزير أو موت الجرذ سبع مرّات (1) ومن إصابة الخمر وسائر النجاسات ثلاثاً  (2) ولوجوب تعفيرها من جهة ولوغ الكلب (3) ، وذلك لأن الأواني غير قابلة للأكل ولا للبس في الصلاة ولا لأن يسجد عليها حتى يتوهّم أن الأمر بغسلها مستند إلى شيء من ذلك ، وعليه فلو قلنا إنّ المتنجس بعد جفافه غير منجّس لأصبح الأمر بغسل الأواني على كثرته وما فيه من الاهتمام والتشديد في تطهيرها لغواً ظاهراً ، حيث لا مانع من ابقائها بحالها واستعمالها من غير غسل لأنها غير مؤثرة في تنجيس ما أصابها ، فهذا كاشف قطعي عن أن الأمر بغسل الأواني إرشاد إلى أنها منجّسة لما يلاقيها برطوبة .

   ومن الغريب في المقام ما صدر عن المحقق الهمداني (قدس سره) حيث أجاب عن تلك الروايات بأنّ غاية ما يستفاد من الأمر بغسل الأواني ونحوها إنما هو حرمة استعمالها ومبغوضيته حال كونها قذرة ، ولا دلالة لها على أنها منجّسة ومؤثرة في نجاسة ما فيها بوجه ، فالأمر بغسل الأواني مقدّمة لارتفاع المتنجس وحرمته لا أنه إرشاد إلى منجسيتها (4) . والوجه في غرابته : أن من الواضح أن استعمال الإناء المتنجس والأكل فيه إذا لم يؤثر في نجاسة ما فيه من الطعام والشراب مما لا  مبغوضية فيه ولا أنه حرام بضرورة الفقه ، فيتعيّن أن يكون الأمر بغسله إرشاداً إلى تنجيسه لما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 417 / أبواب النجاسات ب 13 ح 1 ، وفي ص 497 ب 53 ح 1 .

(2) الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 ، ب 53 ح 1 .

(3) الوسائل 3 : 516 / أبواب النجاسات ب 70 ح 1 وكذا في 1 : 225 / أبواب الأسآر ب  1 ح 2 .

(4) مصباح الفقيه (الطهارة) : 578 السطر 11 .

ــ[211]ــ

يلاقيه ، وليس الأكل في الأواني المتنجسة كالأكل في أواني الذهب والفضة ، حيث إن الأكل والشرب فيهما مبغوضان في نفسهما للنصوص المانعة عن استعمالهما ، وهذا بخلاف الأكل في الأواني المتنجسة لأنه لم يدل دليل على مبغوضيته ما لم تكن نجاستها مؤثرة في نجاسة ما فيها من الطعام والشراب .

   ودعوى أنّ الأمر بغسلها إنما هو لاهتمام الشارع بالتحفظ والاجتناب عن النجاسات العينية المتخلفة آثارها في الأواني المتقذرة ، وليس إرشاداً إلى كونها منجسة لملاقياتها ، مدفوعة بأن هذا إنما يتم احتماله في المتنجس ببعض النجاسـات كالميتة والخمر ولا يتطرّق في جميع الأواني المتنجسة كالمتنجس بالماء القذر ، حيث إنه إذا جف لم يبق منه عين ولا أثر .

   ونظير الأخبار المتقدمة ما ورد من عدم البأس بجعل الخل في الدن المتنجس بالخمر إذا غسل (1) لأن البأس المتصور في جعل الخل في الدن المتنجس على تقدير عدم غسله ليس إلاّ سراية النجاسة منه إلى ملاقيه ، حيث إنّ الأكل في الدن غير معهود فلا يتوهم أن البأس من جهة حرمة الأكل فيه ، بدعوى أنّ الأكل في الاناء المتنجس مبغوض في نفسه وإن لم يكن مؤثراً في نجاسة ما فيه من الطعام والشراب فالغسل مقـدّمة لحلِّية الأكل فيه ، لوضـوح أن ما في الدن إنما يؤكل بعد إخراجه عنه ووضعـه في إناء آخر ، فالبأس فيه قبل غسله ليس إلاّ من جهة كونه منجسـاً لما أصابه .

   وتؤكِّد الأخبار المتقدمة الأخبار الآمرة بغسل الفراش ونحوه المشتملة على بيان كيفيته (2) ، وذلك لأنّ الفراش ونظائره لا يستعمل في شيء مما يعتبر فيه الطهارة من الأكل أو اللبس في الصلاة ، فلا وجه للأمر بغسلهما إلاّ الارشاد إلى أنهما منجسان لما أصابهما .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في موثقة عمّار المروية في الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 وكذا في 25 : 368 / أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 1 ، 6 .

(2) الوسائل 3 : 400 / أبواب النجاسات ب 5 ح 1 ـ 3 .

ــ[212]ــ

   وأوضح من الجميع الأخبار الناهية عن التوضؤ والشرب من الماء القليل الذي لاقته يد قذرة ، وفي بعضها الأمر باراقته ، ولا وجه لذلك إلاّ انفعال الماء القليل بملاقاة اليد المتنجسة وسقوطه بذلك عن قابلية الانتفاع به فيما يشترط فيه الطهارة ، فان ادّخاره لأن يسقى به البستان ونحوه أمر غير مألوف ، وهي عدة روايات فيها الصحيح والموثق فمنها : صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة ، قال : يكفئ الاناء»(1) أي يقلبه . والقذر بمعنى النجس يستعمل في قبال النظيف . ومنها : موثقة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الاناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء من المني» (2) فان مفهومها أن يده إذا أصابها شيء من المني ففي إدخالها الإناء بأس ، وبهذا المفهوم صرّح في موثقته الاُخرى قال : «سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الاناء قبل أن يفرغ على كفيه ؟ قال : يهريق من الماء ثلاث جفنات وإن لم يفعل فلا بأس ، وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء من المني ، وإن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كلّه» (3) .

   ومنها : ما في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ للصلاة ؟ إلى أن قال (عليه السلام) : إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفاً من الماء بيد واحدة» الحديث (4) . ومنها غير ذلك من الأخبار ، حيث إنّ إطلاقها يقتضي نجاسة الماء القليل الذي لاقته اليد المتنجسة كانت فيها عين النجس أم لم تكن لأنها قذرة ومتنجسة على كل حال . والانصاف أن دلالة هذه الأخبار على تنجيس المتنجس في غاية الظهور والوضوح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) ، (3) الوسائل 1 : 153 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 7 ، 9 ، 10 .

(4) الوسائل 1 : 216 / أبواب الماء المضاف ب 10 ح 1 .

ــ[213]ــ

   والعجب من صاحب الكفاية وغيره ممن تأخر عنه ومنهم المرحوم الآغا رضا الاصفهاني (قدس سرهم) حيث ذكروا أن تنجيس المتنجس مما لم يرد في شيء من الروايات . وكيف كان ، فهذه الأخبار باطلاقها يكفي في الحكم بتنجيس المتنجس كما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net