أدلّة القول بعدم منجِّسيّة المتنجِّس مطلقا 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1606


   بقي الكلام في أدلّة القول بعدم منجسية المتنجس على إطلاقه . وقد استدل عليه باُمور : منها : أن الحكم بمنجسية المتنجسات والأمر بالاجتناب عن ملاقياتها لغو لا يصدر عن الحكيم ، فانه حكم غير قابل للامتثال . وتقريب ذلك كما في كلام المحقق الهمداني (قدس سره) بزيادة منّا : أن القول بتنجيس المتنجس مطلقاً يستلزم العلم القطعي بنجاسة جميع الدور والبقاع بل وجميع أهل البلد والبلاد ونجاسة ما في أيدي المسلمين وأسواقهم ، وذلك فان النجاسة مسرية ولا يمكن قياسها بالطهارة ، لأنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 2 .

ــ[218]ــ

الطاهر إذا لاقى جسماً آخر لا تسري طهارته إليه ولو مع الرطوبة المسرية ، وهذا بخلاف النجاسة فانها موجبة لسراية النجس من أحد المتلاقيين إلى الآخر(1) ، وعليه فإذا فرضنا أن إناء أو أواني متعدِّدة قد وضعت في مكان يساورها أشخاص مختلفة فيباشرها الصغير والكبير والرجال والنساء والمبالين لاُمور دينهم وغير المبالين ـ  كما في الحباب الموضوعة في الصحن الشريف سابقاً  ـ فنقطع بالضرورة بنجاسة تلك الآنية أو الأواني للقطع بملاقاتها مع المتنجس من يد أو شفة ونحوهما ، كما هو الشاهد المحسوس في أوقات الكثرة والازدحام ـ كأيام الزيارات ونحوها ـ فان من لاحظ كيفية حركات النساء والصبيان وسكناتهم وعدم اجتنابهم عن النجاسات فضلاً عن المتنجسات لم يحتج في الاذعان بذلك إلى أزيد مما سردناه ، فاذا جزمنا في أوقات الازدحام بنجاسة الاناء أو الأواني المتعددة لعلمنا بنجاسة جميع من باشره ، إذ يتنجس بذلك بدنه وثيابه فاذا مضى على ذلك زمن غير طويل لأوجب تنجس داره ، وبما أنه يخالط الناس ويساورهم فتسري النجاسة إلى جميع البلاد بمرور الدهور والأيام كما لا يخفى وجهه على من ابتلى بنجاسة في واقعة وغفل عن تطهيرها إلاّ بعد أن خالط الناس .

   وكذلك الحال في أدوات البنائين وآلاتهم حيث لا يزالون يستعملونها في جميع البقاع والأمكنة مع القطع بنجاسة بعضها بالبول أو باصابة متنجس ـ  كالكنيف  ـ لوضوح أن الدور والبقاع لا يطرأ عليها مطهر ، كما أن عادتهم لم تجر على غسل أدواتهم وتطهيرها بعد استعمالها في الكنيف فبذلك تتنجس جميع أبنية البلاد . وكذلك الحال في المقاهي والمطاعم حيث يدخلهما كل وارد وخارج وهو يوجب القطع بنجاسة الأواني المسـتعملة فيهما للقطع بأن بعض الواردين عليهما نجس أو في حكمه كما في اليهود والنصارى وفسقة المسلمين وغير المبالين منهم بالنجاسة ، حيث يدخلونهما ويشربون فيها الماء والشاي مع نجاسة أيديهم أو شفاههم وهذا يوجب القطع بسراية النجاسة إلى جميع البلاد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الطهارة) : 579 السطر 9 .

ــ[219]ــ

   والانصاف أن ما أفاده من استلزام القول بمنجسية المتنجس على وجه الاطلاق القطع بنجاسة أكثر الأشياء والأشخاص بل الجميع متين غايته ، ولا سيما في أمثال بغداد وطهران ونحوهما من بلاد الاسلام المحتوية على المسلم والكافر باقسامهما ، إذ الأماكن الاجتماعية في أمثالهما كالمقاهي لا تنفك عن القطع باصابة نجس أو متنجس لها ، فلو كان المتنجس منجّساً لاستلزم ذلك القطع بنجاسة جميع ما في العالم ، والأمر بالاجتناب عن الجميع أمر غير قابل للامتثال ، فبه يصبح الحكم بمنجسية المتنجس والأمر بالاجتناب عنه لغواً ظاهراً . ودعوى عدم حصول القطع بملاقاة النجس أو المتنجس في أمثال الأواني الموضوعة في الأماكن العامة عهدتها على مدعيها .

   بل ذكر المحقق الهمداني (قدس سره) في طي كلامه : «أن من زعم أن هذه الأسباب غير مؤثرة في حصول القطع لكل أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجس ما في بيته من الأثاث مع إذعانه بأن اجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم (عليه السلام) لكونه سبباً عادياً لذلك ، فلا أراه إلاّ مقلداً محضاً لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال(1) . فانكار حصول العلم بالنجاسة خلاف الوجدان .

   والجواب عن ذلك : أنّ هذه المناقشة إنما ترد فيما إذا قلنا بتنجيس المتنجس على وجه الاطلاق ، وأما إذا اكتفينا بمنجسية المتنجس بلا واسطة ـ  في كل من الجوامد والمائعات  ـ دون المتنجس مع واسطة أو واسطتين أو أكثر ، أو قلنا بتنجيس المتنجس من غير واسطة والمتنجس معها في خصوص المائعات دون غيرها من الجوامد ، فأين يلزم العلم بنجاسة جميع ما في العالم من الأشخاص والأبنية والأثاث ، لانقطاع الحكم بالمنجسية في المتنجس مع الواسطة ، وقد أشرنا أ نّا لا نلتزم بمنجسية المتنجس في غير الواسطة الاُولى في الجوامد بوجه ، إلاّ أ نّا لا نحكم بعدم منجسيته مخافة الاجماع المدعى على تنجيس المتنجس مطلقاً والوقوع في خلاف الشهرة المتحققة في المسألة .

   ومما ذكرناه في الجواب عن ذلك ظهر الجواب عن الأمر الثاني من استدلالهم ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الطهارة) : 579 السطر 18 .

ــ[220]ــ

دعوى استقرار سيرة المتشرعة على عدم الاجتناب عن مثل الأواني الموضوعة في أماكن الاجتماع أو عن الدور والأبنية والبقاع أو عن الأواني المستعملة في المقاهي وأمثالها ، حيث يعاملون معها معاملة الأشياء الطاهرة بحيث لو تعدى أحد عن الطريقة المتعارفة عندهم بأن اجتنب عن مثل هذه الاُمور معللاً بأن من عمّر الأبنية مثلاً استعمل في عمّارتها الآلات التي لا زال يستعملها في عمّارة الأماكن المتنجسة من غير أن يطهّرها ، أو اجتنب عن مساورة شخص معتذراً بأنه يساور أشخاصاً لا يزالون يدخلون المقاهي والمطاعم ويساورون الكفار ، يطعنه جميع المتشرعة بالوسواس .

   ودعوى أن عدم اجتنابهم عن الأشياء المتقدم ذكرها إنما هو مسبب عن العسر والحرج في الاجتناب عنها وغير ناش عن طهارتها ، مندفعة بأن المراد بالعسر والحرج إن كان هو الشخصي منهما ففيه : أنه قد لا يكون الاجتناب عن تلك الاُمور عسراً في حق بعضهم لعدم كونها مورداً لابتلائه ـ  كما إذا كان مثرياً متمكناً من تحصيل لوازم الاعاشة من الخبز والجبن واللبن في بيته  ـ فلا يكون الاجتناب عنها حرجياً في حقه ، ولازمه الحكم بنجاستها بالاضافة إليه ، مع أن سيرتهم لم تجر على الحكم بنجاستها ولو بالاضافة إلى شخص دون شخص .

   وإن اُريد منهما العسر والحرج النوعيـان بدعوى أنّ الاجتناب عن الأشـياء المذكورة وأمثالها لما كان موجباً للعسر والحرج على أغلب الناس وأكثرهم ، فقد أوجب ذلك الحكم بارتفاع النجاسة ووجوب الاجتناب عن الجميع وإن لم يكن حرجياً في حق بعض ، ففيه : أن ذلك كرّ على ما فر منه لأنه عين الالتزام بعدم تنجيس المتنجسات ، إذ الماء مثلاً إذا جاز شربه وصحّ استعماله في الغسل والوضوء وغيرهما مما يشترط فيه الطهارة وكذا غير الماء من المتنجسات فما ثمرة الحكم بنجاسته ؟

   وقد ظهر الجواب عن ذلك بما سردناه في الجواب عن الوجه السابق ، وذلك لأن سيرة المتشرعة إنما يتم الاستدلال بها إذا كان المدعى منجسية المتنجس مع الواسطة

 
 

ــ[221]ــ

وبدونها ، وأما إذا اقتصرنا على خصوص المتنجس بلا واسطة على التفصيل المتقدم تقريبه فلا موقع للاستدلال بها بوجه ، لأن قيام السيرة على عدم الاجتناب في ملاقي المتنجس بلا واسطة مقطوع العدم ، وإنما المتيقن قيامها على عدم الاجتناب عن ملاقي المتنجس مع الواسطة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net