إذا صلّى ثمّ تبيّن كون المسجد نجسا - العِلْم بنجاسة المسجد أثناء الصّلاة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1618


ــ[264]ــ

   [ 246 ] مسألة 5 : إذا صلّى ثم تبين له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة وكذا إذا كان عالماً بالنجاسة ثم غفل وصلّى (1) وأما إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) إذا بنينا على أن عصيان الأمر بالازالة مع العلم به ـ  ولو مع التمكن منها وعدم اشتغال الغير بها  ـ غير مستلزم لبطلان الصلاة وإن كان المكلف يستحق بذلك العقاب لتركه المأمور به المنجز في حقه فلا وقع للكلام على الصحة مع الغفلة أو الجهل ، وأما إذا بنينا على بطلانها حينئذ فللنزاع في الصحة مع الغفلة أو الجهل مجال فنقول : أما الغافل فلا ينبغي الاشكال في صحة صلاته لأن الغافل كالناسي لا تكليف في حقه ، إذ التكاليف بأسرها مشروطة بالقدرة على امتثالها والغافل لعدم التفاته غير متمكن من الامتثال ، ولا يمكن قياسه بالجاهل لأنه متمكن من امتثال ما جهله بالاحتياط ولا يتمكن الغافل من ذلك لعدم التفاته ، فحيث إن المكلف غير مأمور بالازالة فلا إشكال في صحة صلاته .

   وأما الجاهل كمن رأى رطوبة في المسجد ولم يدر أنها بول أو مائع طاهر ، فبنى على عدم نجاسة المسجد بأصالة الطهارة أو أصالة عدم كون الرطوبة بولاً فصلّى ، ثم انكشف أنها رطوبة بول مثلاً ، فالحكم ببطلان صلاته وصحتها يبتني على لحاظ أن الحكم ببطلانها عند العلم بوجود النجاسة ، هل هو من جهة مزاحمة الأمر بالصلاة مع الأمر بالإزالة أو أنه من جهة تنافي الحكمين واستلزام ذلك التقييد في دليل الواجب ؟ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، والنهي في العبادة يقتضي الفساد سواء أ كان النهي نفسياً أم كان غيرياً .

   فان استندنا في الحكم ببطلان الصلاة إلى التزاحم وعدم قدرة المكلف على امتثال كلا الحكمين ، وأن الأمر بالازالة لمكان أنها أهم يسلب القدرة عن الصلاة ، ومع عدم القدرة لا تكليف بها ، والعبادة من غير أمر تقع فاسدة كما نسب إلى البهائي(1) (قدس سره) حيث إن الأمر بالشيء وإن لم يقتض النهي عن ضده إلاّ أنه يقتضي عدم الأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نسبه إليه في كفاية الاُصول : 133 ، وانظر زبدة الاُصول : 82 .

ــ[265]ــ

به ، فاذا كان الضد عبادة فلا محالة تقع فاسدة ، فلا مناص من الحكم بصحة صلاة الجاهل بوجود النجاسة ، لعدم فعلية الأمر بالازالة لجهله ، ومع عدم فعلية وجوبها لا سالب لقدرة المكلف عن الصلاة فهي مقدورة له بحسب التكوين والتشريع فيشملها الاطلاقات وبه يحكم بصحتها .

   وعلى الجملة لا تكاذب بين المتزاحمين بحسب مقام الجعل وإنما قيل ببطلان غير الأهم ـ  إذا كان عبادة  ـ من جهة أن الأمر بالأهم يسلب القدرة عنه ، وهذا مختص بما إذا تنجز الأمر بالأهم بالاضافة إلى المكلف ، وأما مع عدم تنجزه للجهل به فلا مانع من شمول الاطلاقات للمهم ، وبذلك صح الحكم بصحة الصلاة وتعيّن التفصيل في الحكم ببطلانها بين صورتي العلم بالنجاسة وجهلها .

   وأما إذا استندنا في الحكم ببطلانها إلى تنافي الحكمين فلا بد من الحكم ببطلانها في كلتا صورتي العلم بالنجاسة وجهلها ، وذلك لأ نّا إذا بنينا على أن الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن ضدها فلا محالة يقع التعارض بين الحرمة والوجوب في الصلاة ، لأنهما أمران لا يجتمعان ولا يعقل جعلهما في مورد واحد ، فلا مناص من الأخذ بأحدهما ورفع اليد عن الآخر ، فاذا رجّحنا الحرمة لأهمية الازالة فيستلزم ذلك تقييداً في دليل الواجب وهو تخصيص واقعي ، ولا مناص معه من الحكم ببطلان الصلاة في كلتا صورتي العلم بالنجاسة والجهل بها ، لأن الحكم بوجوب الصلاة مع فرض وجوب الازالة ـ  وإن لم يتنجز لجهل المكلّف  ـ أمر مستحيل سواء أ كان عالماً بالنجاسة أم لم يكن . ومن هنا قلنا في بحث اجتماع الأمر والنهي : إنّا إذا بنينا على الامتناع وقدّمنا جانب الحرمة فمقتضاه الالتزام بالتخصيص في دليل الواجب ، ومعه يحكم ببطلانه في كلتا صورتي العلم بالحرمة وجهلها ، ولأجله حكمنا ببطلان الوضوء بالماء المغصوب مطلقاً سواء علم المتوضي بغصبيته أم جهلها ، وقلنا : إنّ ما اشتهر من أن العبادة تقع صحيحة في باب الاجتماع عند الجهل بحرمتها كلام شعري لا أساس له على القول بالامتناع (1) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 4 : 233 .

ــ[266]ــ

علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة (1) فهل يجب إتمامها ثم الازالة ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فذلكة الكلام : أنه على ما سلكناه آنفاً من أنه لا تزاحم ولا تعارض بين الواجبات المضيقة والموسعة فلا كلام في صحة الصلاة في كل من صورتي العلم بالنجاسة وجهلها . وأما إذا بنينا على أنهما متزاحمان ، فان قلنا بالترتب أو بامكان تصحيح العبادة بالملاك فلا بد من الالتزام بصحة الصلاة في كلتا الصورتين ، غاية الأمر أن الأمر بالصلاة على القول بالترتب مشروط في فرض العلم بعصيان الأمر بالازالة . وأما إذا لم نقل بالترتب ولا بامكان تصحيح العبادة بالملاك فلا كلام في بطلان الصلاة عند العلم بوجود النجاسة ووجوب إزالتها . وأما عند الجهل بها فلا بد من التفصيل بين ما إذا كان مستند الحكم ببطلان الصلاة عند العلم بالنجاسة هو التزاحم فنحكم بصحتها عند الجهل بالنجاسة ، وبين ما إذا كان المستند هو المعارضة وتنافي الحكمين فنلتزم ببطلانها في كلتا الصورتين .

   (1) للمسألة صور ثلاث :

   الاُولى : ما إذا علم بوجود النجاسة قبل الصلاة ثم غفل عنها فدخل في الصلاة والتفت إليها في أثنائها .

   الثانية : ما إذا دخل في الصلاة من دون علمه بوجود النجاسة إلاّ أنه التفت إليها في أثناء الصلاة .

   الثالثة : ما إذا طرأت النجاسة وهو في أثناء الصلاة . وفي جميع هذه الصور إن تمكن من إزالة النجاسة في أثناء صلاته من غير أن توجب الانحراف عن القبلة أو تعدّ من الفعل الكثير وجبت ، فيقطع صلاته ويزيل النجاسة ثم يتمها من حيث قطعها ، وأما إذا استلزمت الانحراف أو عدّت من الفعل الكثير ، ففي وجوب إتمام الصلاة ثم الازالة ، أو إبطالها والمبادرة إلى الازالة ، أو التفصيل بين الصورة الاُولى فيجب قطع الصلاة لاستصحاب وجوب الإزالة الثابت قبل الصلاة ، وبين الأخيرتين فيجب إتمام الصلاة ثم الازالة لاستصحاب وجوب إتمامها ـ  المتحقق قبل وجوب الازالة  ـ وجوه .

   ذهب الماتن (قدس سره) إلى وجوب إتمامها مطلقاً ، ولعل وجهه أن دليل فورية

ــ[267]ــ

الازالة لا يقتضي لزوم الزائد على الفورية العرفية ، وليس على نحو يشمل المقام كما لا يشمل ما إذا طرأت النجاسة على المسجد وهو في أثناء الطعام أو غيره مما يحتاج إليه .

   وتفصيل الكلام في المقام : أن فورية الإزالة ووجوب المبادرة نحوها إن كان مدركهما دليلاً لفظيّاً ـ  كما إذا قلنا بدلالة الآية المباركة والأخبار المتقدمة على وجوبها الفوري  ـ وكان مدرك وجوب إتمام الفريضة وحرمة قطعها أيضاً دليلاً لفظياً ، كما إذا اسـتدللنا عليهما بما ورد من أن الصلاة تحريمها التكبـيرة وتحليلها التسليم(1) بحمـل التحريم والتحليل على الحرمة والحلية التكليفيتين ، حيث يدل حينئذ على أن الاُمور القاطعة للصلاة من الاستدبار والقهقهة ونحوهما محرمة لأن محلل الصلاة هو التسليم ، فيكون الاطلاقان متزاحمين فان كلاً منهما يشمل صورة وجود الآخر وعدمه ، فيدل أحدهما على وجوب المبادرة إلى الازالة وفوريتها سواء كان المكلف في أثناء الفريضة أم لم يكن ، ويدل الآخر على حرمة قطع الفريضة مع نجاسة المسجد وعدمها ، وحيث إن المكلف لا يتمكن من امتثال كليهما ـ  كما هو مفروض المسألة  ـ فالاطلاقان متزاحمان ولا بد من الرجوع إلى قواعد باب التزاحم ، وهي تقتضي وجوب تقديم الأهم أو ما يحتمل أهميته على غيره .

   هذا إذا كان أحدهما كذلك ، وإلاّ فيتخير بينهما لتساويهما من جميع الجهات . ولما لم تثبت الأهمية في المقام ولا أنها محتملة في أحدهما دون الآخر ، تخيّر المكلف بين إتمام الصلاة ثم الازالة وبين قطعها والمبادرة إلى الازالة ، والحكم بوجوب الاتمام حينئذ مبني على احتمال كونه أهم . ولا يفرق في ذلك بين القول بالترتب وعدمه لأن القول بالترتب بين المتساويين أيضاً ينتج التخيير . نعم ، القول بالترتب يلزمه القول بتعدد العقـاب إذا تركهما معاً لأن كلاً من الازالة وإتمام الصلاة واجب مشروط بترك الآخر فهناك واجبان مشروطان تحقق شرط كل منهما بتركهما فيترتب عليه عقابان ، وهذا بخلاف ما إذا  أنكرنا  الترتب حيث لا تكليف حينئذ إلاّ بأحدهما مخيراً  فأذا تركهما فقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قدّمنا مصدرها في ص 239 .

ــ[268]ــ

عصى تكليفاً واحداً كما هو الحال في سائر الواجبات التخييرية .

   وأما إذا كان مدركهما دليلاً لبياً أعني به الاجماع ، نظراً إلى أن ما دلّ على وجوب الازالة لا يدل على وجوبها الفوري الدقي ، غاية الأمر أن يدل على وجوب الفور العرفي ، حيث لا مجال لتوهم دلالته على جواز تأخير الازالة إلى مرور خمسين سنة مثلاً ، فلا بد في امتثال الأمر بالازالة من المبادرة إليها عرفاً ، والفورية العرفية لا ينافيها إتمام ما بيده من الصلاة أو إنهاء ما اشتغل به من أكل أو شرب ونحوهما مما بقي منه شيء طفيف ، وعليه فلو وجبت الازالة فوراً عقلياً فهو مستند إلى الاجـماع لا محالة كما أن وجوب إتمام الصلاة إنما يثبت بالإجماع المنعقد على وجوبه وحرمة قطعها ، لأن المراد بالتحليل والتحريم في الأخبار المتقدِّمة إنما هو الحرمة والحلية الوضعيتان أعني مانعية مثل القهقهة والاستدبار ونحوهما بعد تكبيرة الاحرام وعدم مانعيتها بعد التسليمة ، فانه لا موضوع حينئذ كي تمنع عنه تلك الاُمور فلا دلالة للروايات على حرمتها التكليفية ومن هنا ورد في بعضها : «أن الصلاة مفتاحها التكبير ، أو أنها يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم» (1) ومعناه أن الاتيان بشيء من القواطع بعد الافتتاح يوجب انقطاع الصلاة وبطلانها . والذي يدلنا على أن المراد بالتحليل والتحريم هو الحرمة والحلية الوضعيتان ، أن المراد بهما لو كان هو الحرمة والحلية التكليفيتان لم يفرق في ذلك بين النافلة والفريضة ، لأن إطلاق الروايات كما تشمل الثانية أيضاً تشمل الاُولى فالتكبيرة محرّمة في النوافل والفرائض والتسليمة محلّلة . مع أنّ النوافل غير محرّم قطعها بلا إشكال .

   فعلى ما ذكرنا لو قلنا بوجوب إتمام الصلاة وحرمة قطعها فلا بد من الاستناد فيهما إلى الاجماع المدعى . إذن فالنتيجة أيضاً التخيير لأن الاجماع دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن ، والمتيقن من وجوب إتمام الصلاة ووجوب المبادرة إلى الازالة إنما هو غير صورة المزاحمة ، فالمبادرة إلى الازالة إنما نعلم بوجوبها فيما إذا يكن المكلف في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 10 / أبواب تكبيرة الإحرام والإفتتاح  ب 1 ح 7 وفيه أوّل الحديث وفي ص  415 / أبواب التسليم ب 1 ح 2 .

ــ[269]ــ

أو إبطالها والمبادرة إلى الازالة ؟ وجهان أو وجوه ، والأقوى وجوب الاتمام ((1)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أثناء الصلاة ، كما أن إتمام الفريضة إنما يجب إذا لم تكن الازالة واجبة في حقه ، ومع فرض التزاحم لا دليل على وجوب شيء من الإتمام والمبادرة إلى الإزالة ، فله أن يقطع صلاته ويشرع في الازالة كما أن له أن يتمها ثم يزيل النجاسة . وإذا فرضنا أن فوريّة الازالة استندت إلى دليل لفظي وكان وجوب الاتمام مستنداً إلى الاجماع ، فلا  محالة تتعين عليه الازالة وتتقدّم على وجوب إتمام الصلاة ، لأنّ إطلاق دليلها يشمل ما إذا كان المكلف في أثناء الصلاة ، ولا يزاحمه وجوب الاتمام لأن القدر المتيقن من وجوبه غير صورة الابتلاء بالمزاحم. وإذا عكسنا الفرض وكان وجوب الاتمام مستنداً إلى دليل لفظي والفورية في الإزالة ثبتت بدليل غير لفظي ، فينعكس الحكم ويجب عليه الاتمام ثم الازالة ، لأن دليله باطلاقه يشمل ما إذا تنجس المسجد في أثناء الصلاة ، ولا يزاحمه دليل فورية الازالة لاختصاصه بما إذا لم يبتل المكلف بتكليف آخر هذا .

   والتحقيق هو التخيير بين إتمام الصلاة ثم الازالة وبين قطعها والمبادرة إلى الازالة قبل إتمامها كما أشرنا إليه في تعليقتنا على المتن ، وذلك لعدم الدليل على وجوب إتمام الصلاة ، فان الأخبار المتقدمة لا دلالة لها عليه ، والاجماع المدعى على وجوبه غير ثابت فلم يبق سوى الاجماع المنقول ولا اعتبار به عندنا ، وكذلك الحال في الفورية العقلية في الازالة حيث لم يقم دليل على وجوبها ، فان غاية ما يمكن استفادته من الأخبار الواردة في جواز جعل الكنيف مسجداً بعد طمّه ومن صحيحة علي بن جعفر المتقدمة ـ  إن تمت دلالتها  ـ هو الفورية العرفية غير المنافية مع إتمام ما بيده من الصلاة أو غيرها فالمكلف يتخير بين الأمرين المتقدِّمين .

   ثم إن ما ذكـرناه من التخيير بين الأمرين السابقين أو تقديم أحدهما على الآخر يأتي في جميع الصور الثلاث ولا اختصاص له ببعض دون بعض، وذلك لأجل الابتلاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأقوى هو التخيير بين الأمرين .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net