وجوب تطهير المصحف كفائي 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1554


ــ[298]ــ

   [ 269 ] مسألة 28 : وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختصّ بمن نجّسه (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موضوع وجوب الانفاق وحفظ النفس المحترمة على الملكفين ، ولا يحكم عليه بضمان ما ينفقه الناس على أولاده . وأما النقص الحاصل في قيمة الكتاب بتطهيره فضمانه أيضاً غير متوجه إلى من نجّسه لما عرف من أن للضمان سببين ولم يتحقق شيء منهما على الفرض . نعم ، لو كان المنجّس هو الذي باشر تطهيره لأمكن الحكم بضمانه لاستناد النقص إلى عمله لأنه إنما حصل بفعل المزيل لا بتنجيس الكتاب .

   وعلى الجملة المنجّس إذا لم يباشر الازالة بنفسه لا يحكم بضمانه للنقص الحاصل بتطهيره ، وعليه فينحصر ضمان المنجّس للنقص الطارئ على الكتاب بما إذا استند نقصان القيمة إلى مجرّد التنجيس مع قطع النظر عن تطهيره ، فان مقتضى قاعدة الضمان بالاتلاف ضمان المنجّس حينئذ حيث إنه أتلف وصفاً من أوصاف الكتاب بتنجيسه أعني طهارته الدخيلة في ماليته ، وقد مرّ أن الضمان بالاتلاف أو اليد لا يفرق فيه بين وصف الصحة وغيره من الأوصاف الكمالية التي لها دخل في مالية المال . والنسبة بين النقص الحاصل في هذه الصورة والنقص في الصورتين المتقدمتين عموم من وجه ، لأن النقص الحاصل بتنجيس الكتاب قد يكون أكثر من النقص الحاصل بتطهيره أو الاُجرة المبذولة لغسله ، واُخرى يكون أقل منهما ، وثالثة يتساويان .

   هذا كلّه فيما إذا كان المصحف للغير . وأما إذا كان المصحف ملكاً لمن نجّسه إلاّ أنه للعجز أو العصيان لم يباشر الازالة ووجب تطهيره على غيره وتوقّف ذلك على صرف المال في سبيله ، فيأتي عليه الكلام في الحاشية الآتية ونبيّن هناك أن المالك المنجّس لا يضمن ما يصرفه المزيل في سبيل تطهير الكتاب .

   (1) نظير وجوب الازالة عن المسجد ، لعدم اختصاص أدلته بشخص دون شخص فلا فرق في ذلك بين مالك المصحف وغيره . وقد يقال باختصاص وجوب الازالة بمن نجّسه ـ  كما قدّمناه عن بعضهم في الازالة عن المسجد  ـ ويدفعه : ما أجبنا به هناك من أنّ القائل بالاختصاص إن أراد اختصاص وجوب الازالة بالمنجّس بحيث لو عصى أو نسي سقط وجوبها عن بقية المكلفين ، ففيه أن ذلك لا يرجع إلى محصّل ولا يمكن

ــ[299]ــ

ولو استلزم صرف المال وجب ((1)) ، ولا يضمنه من نجّسه (1) إذا لم يكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الالتزام بجواز بقاء المصحف على نجاسته ، وإنّ أراد من ذلك أن الأمر بازالة النجاسة إنما يتوجه على من نجّسه أوّلاً ثم لو عصى ولم يزل وجبت إزالته على غيره فهو وإن كان أمراً ممكناً ومعقولاً بحسب مقام الثبوت ، إلاّ أنه عادم الدليل بحسب مقام الاثبات . فالصحيح عدم اختصاص الحكم بمنجّس الكتاب بل هو واجب كفائي يعمه وغيره .

   (1) إذا كان مزيل النجاسة عن المصحف غير من نجّسه واستلزمت إزالتها صرف المال في سبيلها ، فهل يضمنه من نجّسه لأنه السبب في بذل المزيل أو أن ضمانه على المزيل ؟ الصحيح عدم ضمان المنجس للمال ، وذلك لأن التسبيب على قسمين :

   فان المباشر قد يصدر منه العمل لا بالارادة والاختيار أو لو كانت له إرادة فهي مغلوبة في جنب إرادة السبب ، وهذا كما إذا أرسل دابته وأطلق عنانها حتى دخلت مزرعة شخص آخر فأتلفتها أو أتلفت شيئاً آخر ، أو أعطى سكيناً بيد صبي فأمره بذبح نائم فذبحه الصبي ، فان الفعل في أمثال ذلك وإن كان يصدر من فاعله بارادته إلاّ أنها مغلوبة في جنب إرادة السبب ، فان المباشر حينئذ يعدّ آلة للسبب ، فالسبب في هذه الصورة أقوى من المباشر ومن هنا يقتص من السبب دون مباشره ، فان الفعل يسند إليه على وجه الحقيقة لا إلى واسطته ، فحقيقة يقال : إنه قتل أو أتلف ، غاية الأمر أن الفعل صدر منه لا من دون واسطة بل معها ، فكما أنه ليس له أن يعتذر ـ  عند قتله بالمباشرة  ـ بأنه لم يقتله وإنما قتله السكين مثلاً ، فكذلك في هذه الصورة فان الدابة أو الصبي كالآلة لفعله . والضمان في الاتلاف بهذه الكيفية مما لا إشكال فيه .

   وقد يصدر الفعل من المباشر بالارادة التامة وبالاختيار وإنما السبب يأمره بذلك العمل أو يشير إليه ، كصديق يشير إلى صديقه بقتل عدوّ له فيرتكبه الصديق المباشر بإرادته واختيـاره . ولا يسند الفعل في هذه الصورة إلى الآمر والسبب إلاّ بنسـبة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا لم يكن ضررياً .

ــ[300]ــ

لغيره ((1)) (1) وإن صار هو السبب للتكليف بصرف المال ، وكذا لو ألقاه في البالوعة ، فانّ مؤونة الاخراج الواجب على كلّ أحد ليس عليه ، لأنّ الضّرر إنما جاء من قبل التكليف الشرعي ، ويحتمل ضمان المسبّب ـ  كما قيل  ـ بل قيل باختصاص الوجوب به ، ويجبره الحاكم عليه لو امتنع ، أو يستأجر آخر ، ولكن يأخذ الاُجرة منه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجوزية لا حقيقية ، ومن هنا لا يقتص من آمره بل من مباشره . وأوضح من ذلك ما إذا لم يأمره السبب ولا أشار إليه وإنما أوجد الداعي لفعل المباشر بارادته ، كما إذا كان للسبب أنصار وعشيرة بحيث لو خاصم أحداً ونازعه لقتلته عشيرته من دون حاجة إلى أمره وإشارته ، فمثله إذا نازع أحداً مع الالتفات إلى أن عشيرته لبالمرصاد فقتلته عشيرته ، لا يمكن إسناد القتل إلى ذلك المنازع إلاّ على وجه المجاز فان القاتل في الحقيقة هو العشيرة والأعوان . نعم ، إن منازعة مثله مع الالتفات إلى الحال محرّم من جهة أنها من إيجاد الداعي إلى الحرام وهو حرام .

   وعلى ذلك لا وجه للضمان في مفروض الكلام ، حيث إنّ الضمان له سببان فيما نحن فيه أحدهما : الاستيلاء على مال الغير المعبّر عنه باليد . وثانيهما : الاتلاف ، وكلاهما مفقود في المقام . أما اليد فانتفاؤها من الوضوح بمكان ، وأما الاتلاف فلما مرّ من أن المزيل إنما بذل المال في سبيل تطهير المصحف بالارادة والاختيار ولا يسند الاتلاف معه إلاّ إلى المباشر لا إلى السبب الذي هو المنجّس . نعم ، السبب أوجد الداعي للمزيل المسلم إلى الاتلاف حيث نجّس المصحف وقد عرفت أن إيجاد الداعي للمباشر ليس من التسبيب الموجب للضمان .

   (1) ظاهر العبارة وإن كان يعطي في بدو النظر اختصاص عدم ضمان المال المصروف بما إذا كان المصحف ملكاً للمنجّس ، وهذا لا يستقيم فانه بناء على أن السبب لا ضمان له كما هو الصحيح على ما عرفت لا يفرق بين ما إذا كان المصحف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل ولو كان لغيره ، نعم يضمن النقص الحاصل من جهة تنجيسه كما تقدّم .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net