2 ـ الاستنباط من الطّرق غير المتعارفة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1685


    التنبيه الثاني : أن المجتهد قد يستنبط الأحكام الشرعية عن المدارك المتعارفة المتداولة بين المجتهدين ، أعني الكتاب والسنّة ويدخل فيها الاجماع لرجوعه إليها إذ لا يعتمد عليه إلاّ إذا استكشفنا به رأي المعصوم (عليه السّلام) وكذلك العقل أيضاً في بعض الموارد، ولا إشكال حينئذ في جواز تقليده إذا استجمع بقية الشروط . وقد يتصدّى لتحصيلها بالطرق غير المتعارفة كالعلوم الغريبة من الجفر والرمل أو الاستخارة والقرعة وغيرها مما لم يقم دليل على حجيته في الشريعة المقدسة ، ولا ينبغي التأمل في عدم جواز تقليده ، وذلك أما بحسب الأدلة اللفظية فلأنه لا يصدق عليه الفقيه ، ولا يقال إنه فقيه في الدين ، أو ناظر في حلالهم وحرامهم وعارف بأحكامهم .

   كما أن العقلاء ليست لهم سيرة في الرجوع إلى مثله ، وهذا لعلّه مما لا إشكال فيه . وإنما الكلام فيما إذا استنبطها بطريق ثالث غير الطرق المتعارفة والغريبة ، كما إذا بنى

ــ[201]ــ

على انسداد باب العلم والعلمي ووجوب العمل بالظن على الكشف ـ أي أن العقل يستكشف حينئذ أن الشارع قد اعتبر الظن حجة وطريقاً إلى أحكامه ـ أو على الحكومة بكلا معنييها أعني استقلال العقل بوجوب العمل بالظن حال الانسداد كاستقلاله بوجوب العمل بالقطع حال الانفتاح ، أو تنزله من لزوم الامتثال الجزمي إلى كفاية الامتثال الاحتمالي، فهل يسوغ تقليده في تلك الصورة أو لا ؟

   قد يقال كما عن صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بعدم الجواز ، وذلك أما على الحكومة فلأجل أن المجتهد على هذا المسلك جاهل بالأحكام وهو معترف بجهله وهل يرجع الجاهل إلى جاهل مثله ؟ ومقدمات الانسداد إنما تتم عند المجتهد لا العامّي ، لأن من إحدى مقدماته إنحصار الطريق بالظن ، ولا ينحصر طريق الامتثال للعامّي به ، إذ له أن يرجع إلى فتوى المجتهد الباني على الانفتاح .

   وكذلك الحال على تقدير انحصار المجتهد بمن يرى الانسداد لتمكن العامّي من الاحتياط وإن بلغ العسر والحرج ، فإن العامّي لا قدرة له على إبطال الاحتياط المستلزم لهما فلا ينحصر الطريق في حقه بالظن ، أللّهم إلاّ أن يتمكن العامّي من إبطال الاحتياط إذا كان مستلزماً للحرج وهذا دونه خرط القتاد ، أو يكون الاحتياط موجباً لاختلال النظام فإن العقل يستقل معه بعدم الجواز ، وهذا بخلاف المجتهد إذ لا يجوز له أن يرجع إلى الغير الّذي يرى خطأه وجهله بالأحكام ، وهو متمكن من ابطال وجوب العمل بالاحتياط أو جوازه، هذا كلّه على الحكومة .

   وكذلك الأمر على الكشف فإن المجتهد وإن كان يرى نفسه عالماً بالأحكام الشرعية إلاّ أن حجية الظن المستكشفة بمقدمات الانسداد إنما تختص بمن تمت عنده المقدمات ولا تتم إلاّ عند المجتهد دون العامّي ، لما عرفت من أن الطريق في حقه غير منحصر بالظن لتمكنه من تقليد المجتهد الباني على الانفتاح كتمكنه من العمل بالاحتياط (1) .

   والصحيح عدم الفرق في جواز التقليد بين المجتهد القائل بالانسداد والقائل بالانفتاح ، وذلك لأن القائل بالانسداد قد يكون أعلم من المجتهد الباني على الانفتاح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 464 .

ــ[202]ــ

وقد يكون القائل بالانفتاح أعلم من الباني على الانسداد .

   أما الصورة الثانية : فلا ينبغي التردد في عدم جواز تقليد المجتهد الباني على الانسداد ، وهذا لا لأن القائل بالانسداد لا مسوّغ لتقليده ، بل لما مرّ من أن مقتضى السيرة العقلائية لزوم الأخذ بقول الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم فإن المقام من هذا القبيل ، حيث إن الأعلم يدعي الانفتاح وحجية خبر الثقة وظواهر الكتاب والسنّة حتى بالإضافة إلى من لم يقصد إفهامه ، ويدعي غير الأعلم الانسداد ومع العلم بالمخالفة يتعيّن الرجوع إلى قول الأعلم وهو يرى الانفتاح فلا يجوز تقليد غير الأعلم حينئذ حتّى لو بني على الانفتاح .

   وأما الصورة الاُولى : أعني ما إذا كان الأعلم هو المجتهد القائل بالانسداد نظير المحقق القمي (قدّس سرّه) بالإضافة إلى بعض معاصريه فلا ينبغي التأمل في وجوب تقليده وذلك لأنه الأعلم على الفرض ، وعند العلم بالمخالفة يتعيّن الرجوع إلى الأعلم .

   ودعوى أن مقدمات الانسداد إنما تتم عند المجتهد دون العامّي .

   مندفعة بأنها كما تتم عند المجتهد تتم عند العامّي المقلّد أيضاً لأجل انحصار طريقه بالعمل بالظن إذ ليس له أن يقلّد المجتهد الباني على الانفتاح ، لأن المجتهد الأعلم يرى خطأه وجهله ومع ذهاب المجتهد الواجب تقليده ومتابعته إلى خطأ القائل بالانفتاح وحكمه بجهله كيف يسوغ للمقلّد الرجوع إليه . فإن المجتهد الأعلم وإن كان يعترف بجهله إلاّ أنه يدعي جهل القائل بالإنفتاح ، فإنه أشد جهالة من الباني على الانسداد لأنه بسيط لالتفاته إلى جهله بخلاف القائل بالانفتاح لأنه غير ملتفت إلى جهله فهو جاهل مركب ، كما أنه غير متمكن من الاحتياط ، وذلك لأن العامّي وإن لم يتمكن من إبطاله إلاّ أنه يرجع في جوازه وعدمه إلى الأعلم وهو يدعي عدم جوازه أو عدم وجوبه ، أو أنّا نفرض العامّي متمكناً من إبطال وجوب الاحتياط عند استلزامه العسر والحرج ، إذن ينحصر طريقه بالعمل بالظن .

   ونتيجة ذلك أنه لا فرق بين المجتهد القائل بالانفتاح والمجتهد الباني على الانسداد بناءً على الحكومة فضلاً عن القول بالكشف .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net