الصّلاة في النّجس ناسيا 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4326


ــ[340]ــ

وأمّا إذا كان ناسياً فالأقوى وجوب الاعادة أو القضاء (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصلاة حينئذ ، وكيف كان المتبع هو الدليل .

   والظاهر صحة الصلاة في هذه الصورة كما هو ظاهر الأصحاب ، وذلك لأنّ حسنة محمد بن مسلم وموثقة داود بن سرحان وغيرهما من الأخبار المتقدِّمة (1) تقتضي صحة الصلاة في النجس في جميع الصور الثلاث حيث دلت على أن من علم بنجاسة ثوبه في أثناء صلاته يتم ، ولم تفصّل بين ما إذا كانت النجاسة واقعة في أثنائها أو حادثة بعد شروعه في الصلاة وقبل الالتفات وبين ما إذا كانت سابقة عليها ، وإنما خرجنا عن إطلاقها في الصورة الثالثة ـ  وهي ما إذا علم بوقوع الصلاة في النجاسة السابقة عليها  ـ بالأخبار المصرحة ببطلانها ، وأما الصورة الاُولى والثانية أعني ما إذا كانت النجاسة حادثة في أثناء الصلاة وما إذا كانت طارئة بعد شروعه في الصلاة وقبل الانكشاف فهما باقيتان تحت إطلاقاتها .

   هذا على أن التعـليل الوارد في صحيحة زرارة المتقـدِّمة(2) «ولعلّه شيء أوقـع عليك ...» يشمل الصورة الثانية أيضاً ، لأنّ معناه أن النجاسة المرئية لعلّها شيء أوقع عليك وأنت تصلي ، لا وأنت في زمان الانكشاف أعني الآنات المتخللة التي التفت فيها إلى النجس ولم تقيد الوقوع بما إذا كان في ذلك الزمان ، فان العبرة بعدم سبق النجاسة على الصلاة وقعت بعد الشروع فيها أم في زمان الالتفات .

   (1) إذا علم بنجاسة ثوبه أو بدنه قبل الصلاة وتساهل إلى أن نسيها وصلّى والتفت إليها بعد الصلاة تجب عليه الاعادة في الوقت وخارجه على الأشهر بل المشهور . وعن الشيخ في استبصاره(3) والفاضل في بعض كتبه(4) وجوب الاعادة في الوقت دون خارجه ، بل نسب إلى المشهور بين المتأخرين . وعن بعضهم القول بعدم وجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 334 .

(2) في ص 332 .

(3) الاستبصار 1 : 184 ذيل الحديث 642 .

(4) تحرير الأحكام 1 : 25 السطر 27 .

 
 

ــ[341]ــ

الاعادة في الوقت ولا في خارجه إلحاقاً له بجاهل النجاسة ، ذهب الشيخ (قدس سره) إلى ذلك في بعض أقواله (1) واستحسنه المحقق في المعتبر (2) وجزم به صاحب المدارك (3) (قدس سره) كما حكي .

   وقد يتوهّم أنّ هذا هو مقتضى القاعدة ، إما لأجل أن الناسي غير مكلف بما نسيه لاستحالة تكليف الغافل بشيء ، وحيث إنه لا يتمكن إلاّ من الصلاة في النجس فتركه الطهارة مستند إلى اضطراره ، والاتيان بالمأمور به الاضطراري مجز عن التكليف الواقعي على ما حقق في محله (4) . وإما من جهة أن النسيان من التسعة المرفوعة عن أمة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعنى رفعه أن الناسي غير مكلف بالصلاة المقيدة بالجزء أو الشرط المنسيين ، فمانعية النجاسة أو شرطية الطهارة مرتفعة عنه فلا بد من الحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الاعادة عليه مطلقاً .

   ولا يخفى فساده ، وذلك لأنّ الاضطرار على ما أسلفناه في محلِّه إنما يرفع الأمر بالواجب المركّب من الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه وسائر الأجزاء والشروط فالصلاة مع الطهارة غير مأمور بها في حقه ، وأما أن الأمر تعلق بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه ـ  وهو الصلاة الفاقدة للطهارة في المقام  ـ فهو يحتاج إلى دليل وحديث الرفع لا يتكفل ذلك لأنه إنما ينفي التكليف وليس من شأنه الاثبات (5) .

   هذا فيما إذا فرض أن النسيان قد استوعب الوقت ، وأما إذا فرض الالتفات في الوقت بأن كان المنسي الطهارة في خصوص ما أتى به فأيضاً لا مجال للتمسك بعموم الحديث ، وذلك مضافاً إلى ما قدمناه من أن حديث الرفع لا يثبت الأمر بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه ، أن حديث رفع الخطأ والنسيان غير جار في أمثال المقام ، فانّ النسيان إنما تعلّق بفرد من أفراد الواجب الكلي أو بجزئه وشرطه والأمر إنما يتعلّق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقله العلاّمة في التذكرة 2 : 490 .

(2) المعتبر 1 : 441 .

(3) المدارك 2 : 348 .

(4) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 232 .

(5) مصباح الاُصول 2 : 462 .

ــ[342]ــ

بالطبيعي الجامع بين أفراده ومصاديقه ، فلم يتعلق النسيان بما تعلق به الأمر بل المنسي أمر والمأمور به أمر آخر ، فما تعلّق به النسيان لم يتعلّق به الأمر وما تعلّق به الأمر وهو الجامع لم يتعلّق به النسيان ، فكيف يرتفع الأمر عن الطبيعي الجامع بنسيان فرده أو نسيان جزء ذلك الفرد أو شرطه ، ففي المقام النسيان إنما تعلّق بنجاسة الثوب أو البدن في فرد من أفراد الصلاة والأمر متعلِّق بجـامع الأفراد الواقعة بين المبدأ والمنتهى فلا  يمكن التمسّك بالحديث في رفع الأمر عن الصلاة المشروطة بالطهارة .

   نعم ، لا مانع من التمسك بحديث لا تعاد في الحكم بعدم وجوب الاعادة والقضاء في المقام ، لما عرفت من أن الطهور في الحديث يختص بالطهارة من الحدث فالطهارة من الخبث مما لا تعاد منه الصلاة ، إلاّ أنّ النوبة لا تصل إلى التمسك بلا تعاد لوجود النصوص المتضافرة الواردة في أنّ ناسي النجاسة يعيد صلاته عقوبة لنسيانه وتساهله في غسلها ، وإليك بعضها :

   منها : حسنة محمد بن مسلم المتقدِّمة (1) ، حيث ورد فيها «وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صلّيت فيه» . ومنها : مصححة الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة ، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسل حتى صلّى فليعد صلاته ، وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة» (2) . ومنها : موثقة سماعة قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلِّي ؟ قال : يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه ، قلت : فكيف يصنع من لم يعلم ؟ أيعيد حين يرفعه ؟ قال : لا ولكن يستأنف»(3) .

   ومنها : صحيحة زرارة المتقدمة قال فيها «قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 336 .

(2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 2 .

(3) الوسائل 3 : 480 أبواب النجاسات ب 42 ح 5 ، 2 .

ــ[343]ــ

غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره إلى أن اُصيب له الماء ، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت ، ثم إني ذكرت بعد ذلك ، قال : تعيد الصلاة وتغسله» (1) . ومنها : صحيحة عبدالله بن أبي يعفور في حديث قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ، ثم يذكر بعد ما صلّى أيعيد صلاته ؟ قال : يغسله ولا يعيد صلاته إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة»(2) إلى غير ذلك من الأخبار . وبأزائها صحيحة العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجسه فينسى أن يغسله فيصلِّي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله ، أيعيد الصلاة ؟ قال : لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت له»(3) حيث تدلّ على صحّة صلاة الناسي وعدم وجوب إعادتها فهما متعارضتان .

   وقد يتوهّم أنّ الجمع بينها وبين النصوص المثبتة للإعادة يقتضي حمل تلك النصوص على استحباب الاعادة بدعوى أنها ظاهرة في وجوب الاعادة والصحيحة صريحة في نفيها فبصراحتها يرفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة وتحمل على استحباب الاعادة لناسي النجاسة .

   وفيه : أن رفع اليد عن ظهور أحد الدليلين المتعارضين بصراحة الآخر إنما هو في الدليلين المتكفلين للتكليف المولوي ، كما إذا دلّ أحدهما على وجوب الدعاء حين كذا ودلّ الآخر على النهي عن الدعاء في ذلك الوقت فبصراحة كل منهما يرفع اليد عن ظاهر الآخر ، وأما في الدليلين الارشاديين فلا وجه لهذا الجمع بوجه ، حيث إنهما متعارضان ، لارشاد أحدهما إلى فساد الصلاة عند نسيان النجاسة وإرشاد الآخر إلى صحتها، فحالهما حال الجملتين الخبريتين إذا أخبرت إحداهما عن فساد شيء والاُخرى عن صحّته . فالانصاف أنهما متعارضتان هذا ، على أن قوله (عليه السلام):

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 5 ، 2 .

(2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 1 .

(3) الوسائل 3 : 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 3 .

ــ[344]ــ

«يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه» غير قابل الحمل على استحباب الاعادة فان العقوبة لا تناسب الاستحباب ، بل التفصيل في بعض الأخبار المتقدِّمة بين الجاهل والناسي أظهر قرينة على وجوب الاعادة عليه ، إذ لو استحبت الاعادة في حقه لما كان هناك فرق بينه وبين الجاهل ، لأن الجاهل أيضاً تستحب الاعادة في حقه كما تقدم في صحيحة وهب بن عبد ربه وموثقة أبي بصير حيث حملناهما على استحباب الاعادة عليه .

   فالصحيح في علاج المعارضة أن يقال : إن النصوص الآمرة بالاعادة من الروايات المشهورة المعروفة ، وصحيحة العلاء النافية لوجوب الاعادة رواية شاذة نادرة كما شهد بذلك الشيخ في
تهذيبه(1)، فبذلك تسقط الصحيحة عن الاعتبار لأنّ الرواية النادرة لا تعارض المشهورة بوجه ، وهذا لا لأنّ الشهرة من المرجحات حتى يقال إنه لا دليل على الترجيح بها فان المرفوعة ضعيفة غايته ، وكذلك المقبولة لأن عمر بن حنظلة لم تثبت وثاقته وما دلّ على أنه لا يكذب علينا ضعيف ، بل من جهة أن الشهرة إذا بلغت تلك المرتبة في المقام كان معارض المشهور مما خالف السنة وقد اُمرنا بطرح ما خالف السنة أو الكتاب .

 وعلى تقدير التنزّل عن ذلك أيضاً لا يمكننا الاعتماد على الصحيحة ، لأنّ العلاّمة في التذكرة نسب القول بعدم وجوب الاعادة في المسألة إلى أحمد(2) ونسبه الشيخ (قدس سره) إلى جملة معظمة من علمائهم كالأوزاعي والشافعي في القديم وأبي حنيفة وقال : روي ذلك عن ابن عمر(3) فالصحيحة إذن موافقة للعامّة(4) ومخالفة العامّة من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أوردها الشيخ في تهذيبه 1 : 424 / 1345 تارة ، واُخرى في 2 : 360 / 1492 وعقّبها هناك بقوله : فانه خبر شاذ لا يعارض به الأخبار التي ذكرناها ها هنا وفيما مضى من كتاب الطهارة .

(2) التذكرة 2 : 490 .

(3) الخلاف 1 : 479 ذيل مسألة 221 .

(4) قال ابن قدامة الحنبلي في المغني 1 : 751 الصحيح أن مسألة الجهل بالنجاسة ونسيانها  واحدة فكما في الجهل يعذر ففي النسـيان أولى لورود النص بالعفـو . وفي شرح الزرقاني (فقه مالك) ج  1 ص  165 : الطهارة من الخبث شرط في الصحة في حال الذكر والقدرة على المشهور ابتداءً ودواماً . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 16 بعد نقله عن المالكية قولين في إزالة النجاسة قال : فان صلّى بالنجاسة ناسياً أو عاجزاً عن إزالتها فصلاته صحيحة على القولين .

ــ[345]ــ

المرجّحات ، وبذلك تحمل الصحيحة على التقية ويتعين العمل على طبق النصوص الآمرة باعادة الصلاة عند نسيان نجاسة الثوب أو البدن .

   وبما ذكرناه في الجواب عن صحيحة العلاء يظهر الحال في الأخبار المستفيضة النافية لوجوب الاعادة عمن نسي الاستنجاء وذلك كموثقة عمّار ، قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لو أن رجلاً نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة» (1) وغيرها من الأخبار الواردة بمضمونها . وذلك لأ نّا لا نحتمل أن يكون للنجاسة الناشئة عن الاستنجاء خصوصية في الحكم بعدم وجوب الاعادة . فحال هذه حال صحيحة العلاء فلا يمكن أن يعارض بها الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب الاعادة عند نسيان النجاسة لاشتهارها ومخالفتها للعامة كما مر هذا .

   على أنها معارضة في خصوص موردها ـ  وهو ناسي الاستنجاء  ـ بغير واحد من الأخبار : منها : صحيحة عمرو بن أبي نصر قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أبول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت ؟ قال : إغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوءك»(2) . ومنها غير ذلك من الأخبار الآمرة باعادة الصلاة عند نسيان الاستنجاء .

 فالمتحصل أن وجوب الاعادة في المسألة مما لا إشكال فيه بل لعله المتسالم عليه عند الأقدمين ، وإنما الخلاف بينهم في وجوب القضاء وعدمه . نعم ، نسب إلى الشيخ (قدس سره) القول بعدم وجوب الاعادة (3) إلاّ أن النسبة غير ثابتة وقد أنكرها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 318 / أبواب النجاسات ب 10 ح 3 .

(2) الوسائل 1 : 294 / أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 3 .

(3) نسب إليه العلاّمة في التذكرة 2 : 490 .

ــ[346]ــ

بعضهم حيث قال : فما عن الشيخ في بعض أقواله من القول بعدم الاعادة مطلقاً ضعيف جداً ، مع أنه غير ثابت عنه بل الثابت خلافه(1) . هذا ومما يبعّد تلك النسبة ما قدمنا نقله من تصريح الشيخ بشذوذ صحيحة العلاء ومعه كيف يعتمد عليها في الحكم بعدم وجوب الاعادة في المسألة . وأما الأخبار النافية للاعادة عمّن نسي الاستنجاء فقد عرفت أنها معارضة في نفس موردها ، مضافاً إلى معارضتها مع الأخبار الآمرة بالاعادة على ناسي النجاسة فلا دليل يعتمد الشيخ عليه في الحكم بعدم وجوب الاعادة في المسألة .

   وأمّا القضاء فقد تقدم أن المشهور عدم الفرق في وجوب الاعادة بين الوقت وخارجه . وعن جماعة عدم وجوبها في خارجه ، ولعل الوجه فيه أن المتيقن مما دلّ على عدم وجوب الاعادة على ناسي النجاسة إنما هو عدم وجوبها خارج الوقت ، كما أن المتيقن مما دلّ على وجوبها إنما هو وجوبها في الوقت فنرفع اليد عن ظاهر كل من الطائفتين بنص الطائفة الاُخرى ، لأنه مقتضى الجمع العرفي بين المتعارضين ، والنتيجة وجوب الاعادة في الوقت وعدم وجوبها في خارجه كما جمع بعضهم بذلك بين الأخبار الواردة في بطلان بيع العذرة وأن ثمنها سحت ، وبين الأخبار الواردة في صحته وأنه لا بأس بثمن العذرة (2) بدعوى أن المتيقن من العذرة في الأخبار المانعة عذرة ما لايؤكل لحمه والمتيقن منها في الأخبار المجوّزة عذرة ما يؤكل لحمه ، والجمع العرفي بينهما يقتضي حمل الظاهر من كل منهما على نصّ الآخر ونتيـجته جواز بيع العذرة مما يؤكل لحمه وعدم جوازه مما لا يؤكل لحمه .

   ويدفعه : أنّ الجمع بذلك جمع تبرعي صرف وليس من الجمع العرفي في شيء ، لأنه إنما يصح فيما إذا كان هناك لفظان كان أحدهما ظاهراً في شيء والآخر في شيء آخر فيكون النص من كل منهما قرينة على إرادة خلاف الظاهر من الآخر ، وأما مع الاتحاد في اللّفظ والدلالة في كلتا الطائفتين فلا مساغ لذلك، حيث إن المتبع هو الظهور

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 6 : 217 .

(2) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 2 ، 3 .

ــ[347]ــ

والمفروض أنهما ظاهرتان في شيء واحد لوحدة اللفظ والدلالة وإنما تختلفان في الحكم ، فهما من المتعارضين ولا يأتي فيهما الجمع العرفي بحمل إحداهما على شيء والاُخرى على شيء آخر ، وعليه فالصحيح ما سلكه المشهور من أن الاعادة لا فرق في وجوبها بين الوقت وخارجه لاطلاقات الأخبار المتقدمة هذا .

   على أنّ حسنة محمد بن مسلم المتقدِّمة(1) صريحة الدلالة على وجوب القضاء في المسألة حيث ورد في ذيلها «وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه» فان ظاهر «صلاة كثيرة» هي الفرائض الكثيرة دون النوافل المتعددة وقد دلت على وجوب إعادتها عند تذكر النجاسة بعد مضي وقتها . ونظيرها رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع ؟ قال : إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شيء وإن كان رآه وقد صلّى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله» (2) هذا .

وربما يستدل على التفصيل بين الوقت وخارجه بما عن علي بن مهزيار قال : «كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره ، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلّى ؟ فأجابه بجواب قرأته بخطِّه : أما ما توهّمت مما أصاب يدك فليس بشيء إلاّ ما تحقّق ، فان حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها ، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قِبَل أن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، وإذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته ، لأن الثوب خلاف الجسد ، فاعمل على ذلك إن  شاء الله»(3) فانها كما ترى صريحة في التفصيل بين الوقت وخارجه لقوله (عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 336 .

(2) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 40 ح 10 .

(3) الوسائل 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 1 .

ــ[348]ــ

السلام) : «إن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت» ومعناه أنه لا يعيد الصلاة في غير وقتها .

   وقد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية باضطراب متنها وإجمال عبائرها ، وقد شهد باجمالها المحدث الكاشاني (قدس سره) حيث حكي عنه : أن الرواية يشبه أن يكون قد وقع فيه غلط من النسّاخ ، ومع إجمال الرواية لا يمكن أن تنهض حجّة لاثبات حكم شرعي (1) .

   ولا يخفى ما في هذه المناقشة أما أولاً : فلأجل أن إجمال جملة من جملات الرواية واضطراب بعضها من حيث الدلالة لا يكاد يسري إلى جملاتها الصريحة بوجه ، فالقاعدة أن يؤخذ بصريحها وتطرح مجملاتها ومتشابهاتها ، وقوله : «لم يعد الصلاة إلاّ ما  كان في وقت» لا نرى فيه أي إجمال أو اضطراب فلا إجمال في دلالته . وأما ثانياً : فلما قدّمناه في بحث تنجيس المتنجس من أن الرواية غير مجملة ولا أنها مضطربة المتن في شيء (2) . نعم ، هي من جملة الأدلة القائمة على عدم تنجيس المتنجس وبذلك يرتفع الاضطراب المتوهم عن الحديث ، فان الوجه في قوله : «أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه» إنما هو نجاسة بدنه أعني كفه ، لا بطلان وضوئه فانه بناء على عدم تنجيس المتنجس محكوم بصحته ، حيث إن كفه المتنجسة التي يبست بالتمسح بالخرقة لا تنجس ما يلاقيها من الماء أو غيره ومع طهارة الماء يحكم بصحة الوضوء وإن كان بعض أعضائه ـ  وهو كفه  ـ متنجساً ، حيث لا دليل على اعتبار طهارة الأعضاء في الوضوء إلاّ من جهة عدم سراية النجاسة إلى الماء ، ومع البناء على عدم تنجيس المتنجس يبقى ماء الوضوء وسائر أعضائه على طهارته ، فنجاسة الكف لا تكون مانعة عن صحّة الوضوء ، فبطلان الصلوات حينئذ مستند إلى نجاسة بدنه وكفّه ، والمكلف حينما توضأ وإن كان غسلها لا محالة إلاّ أن النجاسة المفروضة في الرواية لما كانت هي نجاسة البول وهي تحتاج إلى غسلها مرتين بالماء القليل لم يكف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوافي 6 : 153 .

(2) تقدّم في ص 228 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net