دوران الأمر بين الصّلاة عارياً أو في النّجس 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1581


ــ[358]ــ

وإن تمكّن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عارياً أو التخيير وجوه (1) الأقوى الأوّل ، والأحوط تكرار الصلاة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غير مفيدين للاجزاء على تقدير ارتفاع الاضطرار قبل خروج وقت الصلاة ، ولأجل هذا كانت الاعادة فيه على طبق القاعدة .

   وهناك مسألة اُخرى نلتزم فيها باستحباب الاعادة وعدم وجوبها ولعله المعروف بينهم ، وهي ما إذا تيمم لصلاة سابقة وصلّى ولم ينتقض تيممه حتى دخل وقت فريضة اُخرى وأتى بها بتيمّمه السابق ، وبعد ذلك وجد الماء في أثناء وقت الفريضة الاُخرى ، إلاّ أنها غير المسألة المبحوث عنها في المقام ، إذ  المفروض في تلك المسألة أن المكلف على الطهارة حقيقة لفقدانه الماء في تمام وقت الفريضة المتقدمة ، وطهارته وإن كانت ترابية إلاّ أنها باقية بحالها حين إتيان الفريضة الأخيرة ، لوضوح أن دخول وقت الفريضـة لا يكون ناقضاً للطهارة بوجه ، ومع إتيانه الفريضـة متطهِّراً حقيقة لا  وجه لوجوب الاعادة عليه . نعم ، لا مانع من استحبابها كما يأتي في محلِّه(1) وأين هذا من مفروض الرواية ، فان المصلي في موردها لم يكن فاقداً للماء في مجموع وقت الصلاة فلم تنعقد له طهارة من الابتداء ، ومعه لا وجه لحمل الأمر بالاعادة في الرواية على الاستحباب .

   (1) بل أقوال أشهرها وجوب الصلاة عارياً ، ودونه القول بالتخيير بينها وبين الصلاة في الثوب المتنجس، ودونهما القول بوجوب الصلاة في الثوب المتنجس خاصّة . ومنشأ اختلاف الأقوال هو اختلاف الأخبار الواردة في المسألة فقد ورد في جملة من الأخبار الصحاح الأمر بالصلاة في الثوب المتنجس ، وهي وإن لم تبلغ من الكثرة مرتبة التواتر إلاّ أن دعوى القطع بصدور بعضها عنهم (عليهم السلام) غير بعيدة :

منها : صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره (آخر) قال : يصلي فيه فاذا وجد الماء غسله» (2) ومنها :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ المسألة [ 1142 ] .

(2) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 1 .

ــ[359]ــ

صحيحته الاُخرى «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله ؟ قال : يصلي فيه» (1) .

   ومنها : صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في ثوبه ليس معه غيره ولا يقدر على غسله ، قال : يصلِّي فيه» (2) . ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله دم ، يصلِّي فيه أو يصلِّي عرياناً ؟ قال : إن وجد ماء غسله ، وإن لم يجد ماء صلّى فيه ولم يصل عرياناً» (3) . ومنها : غير ذلك من الأخبار .

   وبأزائها جملة من الأخبار دلت على وجوب الصلاة عارياً منها : مضمرة سماعة قال : «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه إلاّ ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال : يتيمم ويصلي عرياناً قاعداً يؤمي إيماء» (4) . ومنها : مضمرته الاُخرى قال : «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب وليس عليه إلاّ ثوب فأجنب فيه وليس يجد الماء ؟ قال : يتيمم ويصلي عرياناً قائماً يؤمي إيماء» (5) . ومنها : رواية محمد بن علي الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلاّ ثوب واحد وأصاب ثوبه مني ؟ قال : يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعاً فيصلي ويؤمي إيماء» (6) . ومنها غير ذلك من الأخبار .

   هذه هي الأخبار الواردة في المسألة ، فمن الأصحاب من رجح الطائفة السابقة على الثانية ، لاشتمالها على المرجح الداخلي أعني صحـتها وكونها أكثر عدداً من الثانية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 3 .

(2) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 4 .

(3) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 5 .

(4) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 1 .

(5) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 3 .

(6) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 4 .

ــ[360]ــ

ومنهم من عكس الأمر لاشتمال الطائفة الثانية على المرجح الخارجي أعني عمل المشهور على طبقها ، ومنهم جمع ثالث قد أخذوا بكل واحدة من الطائفتين لما فيهما من المرجحات ، ومن هنا ذهبوا إلى التخيير بين الصلاة عارياً وبين الاتيان بها في الثوب المتنجس .

   وذهب صاحب المدارك إلى عدم المعارضة بين الطائفتين ، لأن الطائفة الاُولى صحاح بخلاف الثانية ولا اعتبار بغير الصحيحة ولو كان موثقة (1) . وما ذكره (قدس سره) متين على ما سلكه من عدم حجية غير ما يرويه الإمامي العدل أو الثقة ، وأما بناء على ما هو الصحيح المعمول به من كون الموثقة كالصحيحة في الاعتبار فلا وجه لما أفاده ، لأن الطائفتين حينئذ على حد سواء ولا يكون وصف الصحة مرجـحاً أبداً ومعه لا مزيّة في البين والطائفتان متعارضتان .

   والذي يوهن الطائفة الثانية أن روايتي سماعة مضمرتان ، وليس سماعة في الجلالة والاعتبار كمحمد بن مسلم وزرارة وأضرابهما حتى لا يحتمل سؤاله عن غير الإمام ، ولعلّه سأل غيره ولو ممن رآه أهلاً للسؤال ، ومن المحتمل أن يكون قد سأل شخصين آخرين غير الإمام (عليه السلام) . ويؤكده اختلاف الروايتين في الجواب حيث ورد في إحداهما : «إنه يصلِّي قاعداً» ودلت الاُخرى على أنه يصلي قائماً ، ومعه كيف يمكن الجزم بأن المسـؤول في الروايتين هو الإمـام (عليه السلام) . فالروايتان ساقطتان عن الاعتبار .

   وأما رواية الحلبي ففي سندها محمد بن عبدالحميد ، وأبوه ـ  عبدالحميد  ـ وإن كان موثقاً وقد ورد في صحيحة إسماعيل بن بزيع : «إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبدالحميد فلا بأس» (2) إلاّ أن ابنه الواقع في سلسلة الحديث وهو محمد لم تثبت وثاقته ، فان كل من وثقه من علماء الرجال قد تبع النجاشي في توثيقه ، ولكن العبارة المحكية عنه غير وافية في توثيق الرجل ، حيث قال في محكي كلامه : «محمد بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المدارك 2 : 360 ـ 361 .

(2) الوسائل 17 : 363 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 16 ح 2 .

 
 

ــ[361]ــ

عبدالحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبدالحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين» (1) . وهذه العبارة وإن صدرت منه عند ترجمة محمد بن عبدالحميد إلاّ أن ظاهر الضمير في قوله «كان ثقة» أنه راجع إلى أبيه وهو عبدالحميد لا إلى ابنه ، ولو لم يكن الضمير ظاهراً في ذلك فلا أقل من إجماله فلا  يثبت بذلك وثاقة الرجل ، وبهذا تسقط الرواية عن الاعتبار وتبقى الصحاح المتقدمة الدالة على وجوب الصلاة في الثوب المتنجس من غير معارض ، هذا .

   ثم لو سلّمنا المعارضة بين الطائفتين فقد يتوهم أن هناك شاهد جمع بين الطائفتين وهو رواية محمد الحلبي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره ؟ قال : يصلي فيه إذا اضطرّ إليه»(2) بدعوى أنها تقتضي حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار إلى لبس الثوب المتنجس ، وحمل الطائفة المانعة على صورة التمكن من نزعه .

   وهذا الجمع وإن كان لا بأس به صورة إلاّ أنه بحسب الواقع لا يرجع إلى محصل صحيح أمّا أوّلاً : فلأن الرواية ضعيفة من جهة القاسم بن محمد . وأمّا ثانياً : فلأنه لم يثبت أنّ الاضطرار في الرواية اُريد به الاضطرار إلى لبس المتنجس ، لاحتمال أن يراد به الاضطرار إلى الصلاة في الثوب لما قد ارتكز في أذهان المتشرعة من عدم جواز إيقاع الصلاة من دون ثوب ، فهو مضطر إلى الصلاة فيه لوجـوبها كذلك بالارتكاز فاضطراره مستند إلى وجوب الصلاة لا أنه مضطر إلى لبسه ، وبما أنه لم يفرض في الرواية عدم تمكن المكلّف من الغسل ، فلا محالة يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر بغسله ولا يكون مضطراً إلى إيقاع الصلاة في الثوب المتنجس .

   وأمّا ثالثاً : فلأن الاضطرار لو سلمنا أنه بمعنى الاضطرار إلى لبس المتنجس لا يمكننا حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار ، لأن فيها روايتين صريحتين في عدم إرادتها ، إحداهما : صحيحة علي بن جعفر قال : «سألته عن رجل عريان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 339 / 906 .

(2) الوسائل 3 : 485 / أبواب النجاسات ب 45 ح 7 .

ــ[362]ــ

وحضرت الصلاة ... إلى أن قال يصلِّي عرياناً» لأنها صريحة في عدم اضطرار الرجل إلى لبس الثوب المتنجس ، وثانيتهما : صحيحة الحلبي سأل أبا عبدالله عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله لأنها فرضت أن الرجل غير قادر على غسله فلا بد من قدرته على نزعه وإلاّ لكان الأولى والأنسب أن يقول : ولا يقدر على نزعه ، فهي أيضاً صريحة في عدم الاضطرار إلى لبس المتنجس وإن كانت في الصراحة دون الصحيحة المتقدمة . ونظيرها صحيحة عبدالرحمن فليراجع .

   وأمّا ما عن الشيخ (قدس سره) من الجمع بين الطائفتين بحمل الصلاة في الصحاح المتقدِّمة على صلاة الجنائز(1) ، وحمل الدم في صحيحة علي بن جعفر على الدم المعفو عنه (2) فيدفعه : أنه على خلاف ظواهر الصحاح فلا موجب للمصير إليه وعليه فالطائفتان متعارضتان ، بل من أظهر موارد المعارضة فلا مناص من علاجها . وقد مر أن للطائفة الاُولى مرجحاً داخلياً وهو صحتها وكونها أكثر عدداً ، وللثانية مرجحاً خارجياً وهو عمل الأصحاب على طبقها إلاّ أنهما غير صالحين للمرجحية . أما عمل الأصحاب على طبق الرواية فلوضوح أن عملهم ليس من مرجحات المتعارضين على ما قرّرناه في محلِّه(3) ولا سيما في المقام حيث إنهم كما عملوا بالطائفة الثانية كذلك عملوا بالطائفة المتقدمة ، غاية الأمر أن العامل بالثانية أكثر من العامل بالسابقة . وأما صحة الرواية وأكثريتها عدداً فلأن الطائفة الثانية بعد البناء على اعتبارها حجة معتبرة فهي والطائفة السابقة متساويتان فلا اعتبار بوصف الصحة ولا بكثرة أحدهما عدداً .

   فالصحيح في وجه المعالجة أن يقال : إن لكل من الطائفتين نصاً وظهوراً ، ومقتضى الجمع العرفي بينهما أن نرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الاُخرى على ما هو الضابط الكلي في علاج المعارضة بين الدليلين ، حيث يقـدم ما هو أقوى دلالة على الآخر فالأظهر يتقدّم على الظاهر والنص يتقدّم على الأظهر وهذا جمع عرفي لا تصل معه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 2 : 224 ذيل الحديث 885 .

(2) التهذيب 2 : 224 ذيل الحديث 886 .

(3) مصباح الاُصول 3 : 412 .

ــ[363]ــ

النوبة إلى الترجيح ، وحيث إنّ الطائفة الثانية صريحة في جواز الصلاة عارياً وظاهرة في تعينها ، فانّ الاطلاق في صيغ الأمر والجملات الخبرية وسكوت المتكلم عن ذكر العدل في مقام البيان يقتضي التعيين ، والطائفة المتقدمة صريحة في جواز الصلاة في الثوب المتنجس وظاهرة في تعينها ، فنرفع اليد عن ظهور كل منهما بنص الاُخرى لا  محالة والنتيجة هي التخيير ، وأنّ المكلّف لا بدّ من أن يأتي بأحدهما فاما أن يصلي في الثوب المتنجس وإما أن يصلي عارياً كما ذهب إليه جمع من المحققين .

   وربما يورد على الجمع بينهما بذلك بما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في مبحث الترتب والواجب التخييري ، من أن الضدين اللذين لا ثالث لهما يستحيل أن يجعل التخيير بينهما (1) لأنه بمعنى طلب أحدهما الراجع إلى طلب الجامع بينهما ، وهذا في موارد المتناقضين والضدين لا ثالث لهما حاصل بطبعه ، إذ المكلف يأتي بأحدهما في نفسه فلا حاجة إلى طلبه لأنه من تحصيل الحاصل المحال ، ولأجل ذلك منع عن الترتب في مثلها ، فان المكلف عند تركه لأحدهما يأتي بالآخر بطبعه فلا مجال للأمر به حينئذ لأنه من تحصيل الحاصل كما عرفت . ويطبّق ذلك على ما نحن فيه بأنّ الصلاة عارياً والصلاة في الثوب المتنجس ضدّان لا ثالث لهما ، حيث إنّ الأخبار في المسألة ـ  بعد الفراغ عن وجوب أصل الصلاة وأنه لا بدّ أن يصلِّي لا محالة  ـ اختلفت في قيدها ، فدلّت طائفة على أنها مقيّدة بالاتيان بها عارياً ودلّت الاُخرى على أنها مقيّدة بالاتيان بها متستِّراً بالثوب المتنجس ، ومن الظاهر أنّ المصلِّي في مفروض المسألة إما أن يصلِّي عارياً وإما أن يصلي متستراً بالنجس ولا ثالث لهما فالتخيير بينهما أمر غير معقول .

   ولكن الصحيح أن التخيير بينهما معقول لا محذور فيه ، وذلك لأن التخيير المدعى ليس هو التخيير بين إتيان الصلاة عارياً أو متستراً ، بل المراد تخيير المكلّف بين أن يصلِّي عارياً مع الايماء في ركوعه وسجوده قائماً أو قاعداً ، وبين أن يصلِّي في الثوب المتنجس مع الركوع والسجود التامّين الصحيحين ، حيث إنه إذا صلّى عارياً يتعيّن أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ فوائد الاُصول 2 : 372 ، 3 : 444 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net