الرجوع إلى المجتهد في موارد الاُصول العمليّة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1591


   أما الرجوع إليه في موارد الاُصول العملية فقد يتوهّم أن ذلك من رجوع الجاهل إلى مثله ، لأن المجتهد في تلك الموارد كالعامّي لا علم له بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية .

   وهو توهم فاسد فإن الاُصول العملية قسمان : قسم منها تعبدي شرعي كما في الاستصحاب وأصالتي البراءة والاباحة ، وقسم منها عقلي .

   أما الاُصول العملية التعبدية فلا ينبغي التأمل في أن الرجوع فيها إلى المجتهد من رجوع الجاهل إلى الفقيه والوجه فيه : أن الفقاهة ليست إلاّ معرفة الأحكام المترتبة على الموضوعات الخارجية ، والشك موضوع خارجي ويصدق الفقاهة على معرفة حكمه ، لوضوح عدم الفرق في صدقها بين العلم بالأحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الأولية ، وبين العلم بالأحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الثانوية .

   وبعبارة اُخرى أن الدين عبارة عن مجموع الأحكام الصادرة من الشارع وهي قد

ــ[207]ــ

تترتب على الشيء بعنوانه الاُولى ويعبّر عنها بالأحكام الواقعية . وقد تترتب على الشيء بعنوانه الثانوي ، ويعبّر عنها بالأحكام الظاهرية . إذن قوله عزّ من قائل : (وليتفقّهوا في الدّين ... ) يشمل تحصيل العلم بحكم الشك كما يشمل العلم بأحكام سائر الموضوعات الخارجية .

   وقد يقال : إن ما ذكرتموه إنما يتم في مثل أصالتي الاباحة والبراءة وغيرهما مما يكون فيه الموضوع هو الشك ، لأن العامّي حيث إنه جاهل وشاك في حرمة شيء وإباحته ، فله أن يرجع في حكم شكّه هذا إلى المجتهد لأنه عالم بحكم ذلك الموضوع الّذي هو الشك ، من حرمة أو جواز ولا يتم في الاستصحاب لأن موضوعه ليس هو الشك الساذج بل اليقين السابق والشك اللاّحق ، وليس للعامّي يقين سابق وشك لاحق وإنما ذلك للمجتهد فحسب ، ومع أن العامّي ليس بمورد للاستصحاب لعدم تحقق موضوعه في حقه ما معنى رجوعه إلى المجتهد في حكمه ، مثلاً إذا شكّ العامّي في حرمة وطء زوجته ـ بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال ـ لم يكن له يقين سابق بحكم كما ليس له شك لاحق بوجه ، وإنما هما للمجتهد كما عرفت .

   وهذه المناقشة قد تعرضنا لها في محلّها (1) وأجبنا عنها بما حاصله : أن الاستصحاب هو الجري على طبق الحالة السابقة ، والجري أعم من الافتاء والعمل لعدم اختصاصه بالجري العملي ، فإذا كان للمجتهد يقين سابق بحرمة الوطء في المثال وشك في زوالها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال ، فله الجري على طبق الحالة السابقة بحسب الحكم والفتوى بأن يفتي بحرمة الوطء في المقام ـ بناء على جريانه في الشبهات الحكمية وإلاّ فلا استصحاب كي يناقش في جريانه ـ وان فرضنا أن العامّي لغفلته وعدم التفاته لم يكن له يقين سابق ولا شك لاحق ، فإن الفتوى إذا صدرت من أهلها فللعامّي أن يرجع إليها في أعماله ، لأنه من رجوع الجاهل إلى الفقيه ، فالاستصحاب محقق للافتاء الّذي هو المورد لرجوع العامّي إلى الفقيه ، لا أن العامّي يرجع إلى المجتهد في حكم الاستصحاب ليرد أن موضوعه غير متحقق في حق العامّي كما مرّ .

   وأما القسم العقلي من الاُصول فهو أمران : فإن العقل إما أن يستقل بقبح العقاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 : 7 .

ــ[208]ــ

وعدم تنجز الواقع وهذا له موردان :

   أحدهما : الشبهات البدوية .

   وثانيهما : موارد العلم الاجمالي إذا لم يمكن فيها الاحتياط ، كما في دوران الأمر بين المحذورين .

   وإما أن يستقل بصحة العقاب وتنجز الواقع وهو المعبّر عنه بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، وهذا كما في موارد العلم الاجمالي مع التمكن من الاحتياط .

   ثمّ إن العامّي إن استقل عقله بشيء منهما كما إذا استقل بقبح العقاب من دون البيان أو بصحة العقاب كما في موارد احتمال الضرر بمعنى العقاب ، فلا مسوّغ لتقليده لأنه إنما يجوز فيما لم يستقل عقل العامّي بشيء ، إذ مع معرفته وعلمه بالحكم في مورد لا مناص من أن يتبع علمه ونظره ولا يجوز أن يرجع إلى الغير . وبما أن موارد القاعدتين مما لا يتمكن العامّي من تشخيصها لعدم قدرته من تشخيص موارد عدم البيان من موارد البيان وتشخيص موارد احتمال العقاب عن موارد عدم احتماله ، فلا مناص من أن يرجع في تشخيصها إلى المجتهد العالم بمواردهما فإذا بيّن له أن الرواية المعتبرة دلت على وجوب القصر ورواية اُخرى كذلك دلت على وجوب التمام وهو متمكن من الاحتياط ، استقل عقله بتنجز الحكم الواقعي في حقه وصحة العقاب على مخالفته ، كما أنه إذا بيّن له أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن لم يرد فيه البيان استقل عقل العامّي بعدم تنجّزهما في حقه وقبح العقاب على مخالفتهما . وعلى الجملة أن المقلّد بعدما أحرز صغرى القاعدتين بالتقليد يطبّق عليها كبراهما في نفسه من غير أن يحتاج فيه إلى التقليد ، هذا إن استقل عقله بشيء .

   وأما إذا لم يستقل عقله بشيء من القاعدتين فلا مناص من أن يرجع إلى المجتهد في كبراهما كما كان يرجع إليه في صغراهما ، إلاّ أن رجوعه إليه في كبرى القاعدتين أو صغراهما ليس من باب رجوع الجاهل إلى الفقيه ، لأن تشخيص صغريات القاعدتين أو كبراهما ليس من الأحكام الشرعية ليكون العلم بها تفقّهاً في الدين ، وإنما هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الاطلاع فإنه الّذي جرت عليه السيرة العقلائية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net