قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة فقهية - أمارية قاعدة الفراغ 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4118

 

ــ[313]ــ
 

قاعدة

الفراغ والتجاوز
 

ــ[314]ــ

ــ[315]ــ

 

[ الكلام في قاعدة الفراغ والتجاوز ]

 إعلم أنّ التباني على صحة العمل الصادر من الغير هو المسمّى بأصالة الصحة، والتباني على صحة العمل الصادر من نفس المكلف هو المسمّى بقاعدة الفراغ أو التجاوز، فاذا وقع التعارض بين الاستصحاب وقاعدة الفراغ والتجاوز، لا إشكال في تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز عليه، وإنّما الكلام في وجه التقدم فنقول:

 الظاهر من الأدلة كون القاعدة من الأمارات، فانّ الشك في صحة العمل بعد الفراغ أو بعد التجاوز ناشئ من احتمال الغفلة والسهو، إذ ترك الجزء أو الشرط عمداً لا يجتمع مع كون المكلف في مقام الامتثال، وأصالة عدم الغفلة من الاُصول العقلائية الناظرة إلى الواقع، فانّ سيرة العقلاء جارية على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة، والأخبار الواردة في قاعدة الفراغ والتجاوز أيضاً دالة على كونها من الأمارات لا من الاُصول المقررة للشاك في مقام العمل، فان قوله (عليه السلام): «بلى قد ركعت» في خبر(1) الفضيل بن يسار الوارد في الشك في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن فضالة عن أبان عن الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أستتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال (عليه السلام): بلى قد ركعت فامض في صلاتك» وأيضاً في الوسائل عنه عن صفوان =

ــ[316]ــ

الركوع، إخبار عن الواقع، وكذا قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك...»(1) وكذا قوله (عليه السلام): «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك... »(2).

 وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في كون القاعدة من الأمارات، وحينئذ إن قلنا بكون الاستصحاب من الاُصول، فقد ظهر وجه تقدمها عليه مما ذكرناه في تقدم سائر الأمارات على الاُصول من أنّ الاُصول وظائف مقررة للشاك في مقام العمل، فلا مجال للأخذ بها بعد إثبات الواقع ـ ولو بالتعبد الشرعي ـ لقيام

ــــــــــــــــــــــــــــ

= عن حماد بن عثمان قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال (عليه السلام): قد ركعت امضه» وأيضاً في الوسائل عنه عن أبي جعفر عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال (عليه السلام): قد ركع» [ الوسـائل 6: 317 ـ 318 / أبواب الركوع ب 13 ح 3 و 2 و 6 ].

(1) نقل في الوسائل عن المفيد باسـناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان بن عثمان عن بكير بن أعين قال: «قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال (عليه السلام): هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» [ الوسائل 1: 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7، الحديث ينقله الشيخ الطوسي (قدس سره) باسناده عن الحسين بن سعيد ].

(2) نقل في الوسائل عن محمّد بن علي بن الحسين باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أ نّه قال: «إذا شك الرجل بعدما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أ نّه كان قد أتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» [ الوسائل 8: 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3 ].

ــ[317]ــ

الأمارة، وإن قلنا بكون الاستصحاب أيضاً من الأمارات ـ كما التزم به المحقق النائيني(1) (قدس سره) وتبعناه(2) ـ فقد ذكر المحقق المزبور أنّ القاعدة حاكمة على الاستصحاب، لأن أدلة القاعدة واردة في موارد جريان الاستصحاب(3)، كما في الشك في الركوع بعد الدخول في السجود، فأدلة القاعدة ناظرة إلى أدلة الاستصحاب وشارحة لها.

 وفيه: أنّ الحكومة بالمعنى المصطلح هو كون الحاكم بمدلوله اللفظي ناظراً إلى المحكوم وشارحاً له، بحيث لو لم يكن الدليل المحكوم موجوداً لكان الدليل الحاكم لغواً، كقوله (عليه السلام): «لا شك لكثير الشك...»(4) فانّه حاكم على قوله(عليه السلام): «إذا شككت فابن على الأكثر...»(5) لكونه شارحاً له بمدلوله اللفـظي، إذ لو لم يكن للشك حكم من الأحكام، لكان قوله (عليه السلام): «لا شك لكثير الشك» لغواً.

 والمقام ليس كذلك، إذ قوله (عليه السلام): «بلى قد ركع» ليس شارحاً لقوله (عليه السلام): «إن كنت على يقين من طهارتك فلا تنقض اليقين بالشك» بحيث لو لم يكن قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» لزم كون قوله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكر (قدس سره) في أوّل بحث الاستصحاب أنّ الصحيح كونه من الاُصول العملية فلاحظ أجود التقريرات 4: 6.

(2) راجع ص 185.

(3) لاحظ أجود التقريرات 4: 209، فوائد الاُصول 4: 619.

(4) لم نعثر عليه بلفظه وإنّما ورد ما يدل على الحكم في الوسائل 8: 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16.

(5) الوسائل 8: 212 و 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 و 3 (باختلاف يسير).

ــ[318]ــ

(عليه السلام): «بلى قد ركع» لغواً، فانّه لا مانع من جعل قاعدة كلية، وهي البناء على صحة العمل مع الشك في صحته بعد الفراغ عنه، ولو لم يكن الاستصحاب مجعولاً أصلاً. وما ذكره (قدس سره) ـ من أنّ أدلة القاعدة واردة في موارد جريان الاستصحاب ـ صحيح، إلاّ أ نّه لا يقتضي الحكومة بالمعنى المصطلح، كما هو ظاهر.

 والتحقيق أن تقديم القاعدة على الاستصحاب إنّما هو من باب التخصيص، وذلك لأن أغلب موارد العمل بالقاعدة يكون مورداً لجريان الاستصحاب، كما في الشك في الركوع بعد الدخول في السجود، فانّه مع الغض عن قاعدة التجاوز كان مقتضى الاستصحاب الحكم بعدم الاتيان بالركوع، فلا بدّ من تخصيص أدلة الاستصحاب بأدلة القاعدة، وإلاّ يلزم حمل القاعدة على النادر، ولا يمكن الالتزام به. ولا يمنع من التخصيص كونهما عامين من وجه، إذ وجه التخصيص في العموم المطلق أ نّه لو لم يخصص لزمت لغوية الخاص رأساً، وفي المقام لو لم يخصص أحد العامين من وجه ـ وهو أدلة الاستصحاب ـ يلزم حمل العام الآخر ـ وهو أدلة القاعدة ـ على الفرد النادر، وهو بحكم اللغو، فليس الملاك في التخصيص كون النسبة هي العموم المطلق، بل الملاك لزوم لغوية أحد الدليلين على تقدير عدم الالتزام بتخصيص الدليل الآخر على ما ذكرناه.

 ولم يوجد مورد من موارد العمل بالقاعدة لم يكن الاستصحاب فيه مخالفاً لها، إلاّ موردين:

 أحدهما: ما إذا كان لشيء حالتان متضادتان، وشك في المتقدم والمتأخر منهما بعد الفراغ من العمل، كمن كان محدثاً ومتوضئاً قبل الصلاة، وبعد الفراغ منها شك في تقدم الحدث على الوضوء وتأخره عنه، ففي مثله يحكم بصحة الصلاة لقاعدة الفراغ، ولا مجال لجريان الاستصحاب، للتعارض على مسلكنا،

ــ[319]ــ

ولعدم المقتضي لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) على ما تقدّم(1).

 ثانيهما: ما إذا كان الاستصحاب مطابقاً للقاعدة، كما إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في طروء مانع من موانع الصلاة حين الاشتغال بها، فانّ استصحاب عدم طروء المانع موافق لقاعدة الفراغ كما هو ظاهر.

 هذا تمام الكلام في تعارض الاستصحاب مع قاعدة الفراغ، وحيث إنّ قاعدة الفراغ من القواعد المهمة، وتكون نظرية من جهات شتى، ينبغي صرف عنان الكلام إليها والتعرض لها من تلك الجهات استطراداً، وإن كان خارجاً عن محل الكلام، فيقع الكلام فيها في جهات:

 الجهة الاُولى: هل هي من المسائل الاُصولية أو من القواعد الفقهية؟ وقد ذكرنا في محلّه(2) أنّ الميزان في كون المسألة اُصوليةً أمران كل واحد منهما يرجع إلى الآخر:

 الأوّل: أن تكون كبرى المسألة بعد ضم الصغرى إليها منتجةً للحكم الفرعي الكلي، كالبحث عن حجية الخبر مثلاً، فانّه بعد ضم الصغرى ـ وهي قيام الخبر على وجوب شيء مثلاً ـ إلى الكبرى وهي حجية الخبر، تكون النتيجة وجوب هذا الشيء، فيقال: هذا ما دلّ الخبر على وجوبه، وكل ما دلّ الخبر على وجوبه واجب لكون الخبر حجة، فينتج أنّ هذا واجب، وهذا بخلاف المسائل الفقهية، فانّ ضم الصغرى إليها لا ينتج إلاّ الحكم الجزئي كالحكم بطهارة الماء مثلاً، فيقال: هذا ماء، وكل ماء طاهر، فينتج أنّ هذا طاهر،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في التنبيه العاشر، راجع ص 245.

(2) محاضرات في اُصول الفقه 1: 4.

ــ[320]ــ

وليس هو إلاّ حكم جزئي.

 الثاني: أنّ تطبيق القواعد الاُصولية على المصاديق إنّما هو بيد المجتهد وليس للمقلد حظ فيه، فان تطبيق حلية ما لا نص فيه على شرب التتن مثلاً بيد المجتهد، فانّه بعد الفحص وعدم وجدان نص فيه، يحكم بأ نّه مما لا نص فيه، فهو حلال. وهذا بخلاف المسائل الفقهية، فان تطبيقها بيد المقلد، كحرمة الخمر مثلاً فانّ المجتهد يفتي بها، وأمّا تطبيق الخمر على مائع في الخارج فهو بيد المقلد، وربما يقع الاختلاف بين المجتهد والمقلد في التطبيق، فيرى أحدهما أ نّه خمر والآخر أ نّه خلٌ مثلاً، ولكل منهما العمل بعلمه، وليس للمقلد الرجوع إلى المجتهد في التطبيق إلاّ من باب الرجوع إلى العادل، بناءً على حجية خبر العادل في أمثال هذه الموضوعات.

 إذا عرفت ما ذكرناه من الضابطة للمسائل الاُصولية، تعرف أنّ قاعدة الفراغ ليست من المسائل الاُصولية، بل من المسائل الفقهية، فان ضم الصغرى إليها لا ينتج إلاّ الحكم الجزئي، فيقال: هذا الشك شك بعد الفراغ، والشك بعد الفراغ مما لا أثر له ولا يعتنى به. وأيضاً تطبيق قاعدة الفراغ على الجزئيات إنّما هو بيد المقلد، فانّه يرى أنّ هذا الشك المتعلق بعدد الركعات مثلاً إنّما حدث بعد الفراغ من الصلاة.

 فتحصّل: أنّ قاعدة الفراغ من القواعد الفقهية، وإن كانت هي بنفسها من نتائج المسائل الاُصولية، لكونها مستفادة من الأخبار بمقتضى حجية الظواهر وحجية الأخبار من حيث السند، والبحث عن حجية الظواهر وحجية السند من المسائل الاُصولية.

 الجهة الثانية: في أنّ قاعدة الفراغ من الاُصول العملية المقررة للشاك في مقام العمل، أو من الأمارات الناظرة إلى الواقع الكاشفة عنه كشفاً ناقصاً

 
 

ــ[321]ــ

وتممه الشارع؟ وقد ظهر ـ مما ذكرناه(1) في وجه تقديمها على الاستصحاب ـ كونها من الأمارات.

 ولكنّه لا تترتب ثمرة على هذا النزاع، إذ لا إشكال في تقدمها على الاستصحاب وإن قلنا بكونها من الاُصول، ولا في تأخرها عن الأمارات وإن قلنا بكونها منها، فاذا شككنا ـ بعد الفراغ من صلاة المغرب مثلاً ـ بين الثلاث والأربع، وقامت بينة على كونها أربع، فلا إشكال في تقديم البينة على قاعدة الفراغ والحكم بفسادها. فاذن لا ثمرة بين القول بكونها من الاُصول، والقول بكونها من الأمارات.

 وتوهّم ظهور الثمرة بينهما بالنسبة إلى اللوازم، لحجية مثبتات الأمارات دون الاُصول، فاذا شككنا بعد الفراغ من الصلاة في إتيان الوضوء قبلها، يحكم بصحة الصلاة المأتي بها لقاعدة الفراغ، وبوجوب الوضوء للصلاة الباقية على القول بكونها من الاُصول، بخلاف القول بكونها من الأمارات، فانّه لا يجب الوضوء حينئذ للصلاة الآتية أيضاً، إذ لازم صحة الصلاة المأتي بها كونه متطهراً.

 مدفوع بما ذكرناه في بحث الأصل المثبت(2) من أ نّه لا فرق بين الأمارات والاُصول من هذه الجهة أصلاً، ولا حجية لمثبتات الأمارات أيضاً إلاّ في باب الألفاظ، لاستقرار سيرة العقلاء على الأخذ باللوازم في الاقرار ونحوه من الألفاظ، لا لما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّ الإخبار عن الملزوم إخبار عن اللازم، لما ذكرناه سابقاً من أنّ الإخبار من العـناوين القصدية،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 315 ـ 316.

(2) في ص 182 وما بعدها.

ــ[322]ــ

فلا يكون الإخبار عن الملزوم إخباراً عن اللازم إلاّ مع العلم بالملازمـة والالتفات إليها.

 فالمتحصل مما ذكرناه في المقام: أ نّه لا ثمرة بين القول بكون القاعدة من الاُصول، والقول بكونها من الأمارات.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الرسائل العملية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net