المفهوم الحقيقي للروايات - الشبهة الرابعة 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 3950

المفهوم الحقيقي للروايات:
والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: ان الظاهر من الرواية الأخيرة تفسير التحريف باختلاف القراء، وإعمال اجتهاداتهم في القراءات. ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة مع التحفظ على جوهر القرآن وأصله وقد أوضحنا للقارئ في صدر المبحث أن التحريف بهذا المعنى مما لا ريب في وقوعه، بناء على ما هو الحق من عدم تواتر القراءات السبع، بل ولا ريب في وقوع هذه التحريف، بناء على تواتر القراءات السبع أيضا، فإن القراءات كثيرة، وهي مبتنية على اجتهادات ظنية توجب تغيير كيفية القراءة. فهذه الرواية لا مساس لها بمراد المستدل.
وأما بقية الروايات، فهي ظاهرة في الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات

ــ[229]ــ

على غير معانيها، الذي يلازم إنكار فضل أهل البيت (عليهم السلام) ونصب العداوة لهم وقتالهم. ويشهد لذلك - صريحا - نسبة التحريف إلى مقاتلي أبي عبدالله (عليه السلام) الخطبة المتقدمة.
ورواية الكافي التي تقدمت في صدر البحث، فان الإمام الباقر (عليه السلام) يقول فيها:
"وكان من نبذهم الكتاب أنهم أقاموا حروفه، وحرفوا حدوده"(1).
وقد ذكرنا أن التحريف بهذا المعنى واقع قطعا، وهو خارج عن محل النزاع، ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم.
الطائفة الثانية: هي الروايات التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة (عليهم السلام) وهي كثيرة:
منها: ما ورد من ذكر أسماء الأئمة (عليهم السلام) في القرآن، كرواية الكافي بإسناده عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:
"ولاية علي بن أبي طالب مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولا إلا بنبوة محمد و"ولاية" وصيه، صلى الله عليهما وآلهما" (2).
ومنها: رواية العياشي بإسناده عن الصادق (عليه السلام).
"لو قرئ القرآن ـ كما أنزل ـ لألفينا مسمّين".
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 8 / 52، رقم الحديث: 16.
(2) الكافي: 1 / 437، رقم الحديث: 6، وفي المصدر "و وصية علي (عليه السلام)".

ــ[230]ــ

ومنها: رواية الكافي، وتفسير العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) وكنز الفوائد بأسانيد عديدة عن ابن عباس، وتفسير فرات بن إبراهيم الكوفي بأسانيد متعددة أيضا، عن الأصبغ بن نباته. قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
"القرآن نزل على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن "(1).
ومنها: رواية الكافي أيضا بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:
نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد (صلى عليه وآله وسلم) هكذا: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا - في علي - فأتوا بسورة من مثله}(2).
والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة:
إنا قد أوضحنا فيما تقدم أن بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقران وليس من القرآن نفسه، فلا بد من حمل هذه الروايات على أن ذكر أسماء الأئمة (عليهم السلام) في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب، والسنة، والأدلة المتقدمة على نفي التحريف. وقد دلت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه، وضربه على الجدار.
ومما يدل على أن اسم أميرالمؤمنين (عليه السلام) لم يذكر صريحا في القرآن حديث الغدير، فانه صريح في أن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما نصب عليا بأمر الله، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس، ولو كان اسم "علي" مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين، ولما خشي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 2 / 628 رقم الحديث: 4.
(2) الكافي: 1 / 417، رقم الحديث: 26.

ــ[231]ــ

رسول الله (صلى الله عليه وآله) من إظهار ذلك، ليحتاجإلى التأكيد في أمر التبليغ.
وعلى الجملة: فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول: إن أسماء الأئمة مذكورة في القرآن ولا سيما أن حديث الغدير كان في حجة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ونزول عامة القرآن، وشيوعه بين المسلمين، على أن الرواية الأخيرة المروية في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه، فإن ذكر اسم علي (عليه السلام) في مقام إثبات النبوة والتحدي على الإتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال.
ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(4 : 59).
"قال: فقال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقلت له: إن الناس يقولون فما له لم يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله. قال (عليه السلام): فقولوا لهم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا، ولا أربعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر لهم ذلك..." (1).
فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات، وموضحة للمراد منها، وأن ذكر اسم أميرالمؤمنين (عليه السلام) في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير، أو بعنوان التنزيل، مع عدم الأمر بالتبليغ. ويضاف إلى ذلك أن المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا بذكر اسم علي في القرآن، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 1 / 286، باب ما نص الله ورسوله عليهم، الحديث: 1.

ــ[232]ــ

الحجة، ولا سيما أن جمع القرآن - بزعم المستدل - كان بعد تمامية أمر الخلافة بزمان غير يسير، فهذا من الأدلة الواضحة على عدم ذكره في الآيات.
الطائفة الثانية: هي الروايات التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان، وان الأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى.
فمنها: ما رواه علي بن ابراهيم القمي، باسناده عن حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام):
"صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين".
ومنها: ما عن العياشي، عن هشام بن سالم. قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران}(3: 33).
"قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين، فوضعوا اسما مكان اسم"(1). أي انهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
والجواب:
عن الاستدلال بهذه الطائفة ـ بعد الاغضاء عما في سندها من الضعف – أنها مخالفة للكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفا واحدا حتى من القائلين بالتحريف. وقد ادعى الإجماع جماعة كثيرون على عدم الزيادة في القرآن، وأن مجموع ما بين الدفتين كله من القران. وممن ادعى الإجماع الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ البهائي، وغيرهم من الأعاظم قدس الله أسرارهم. وقد تقدمت رواية الاحتجاج الدالة على عدم الزيادة في القرآن.
الطائفة الرابعة: هي الروايات التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير العياشي: 1 / 168، رقم الحديث: 30.

ــ[233]ــ

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة:
إنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أميرالمؤمنين (عليه السلام) وإن لم يمكن ذلك الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها لأنها مخالفة للكتاب والسنة، وقد ذكرنا لها في مجلس بحثنا توجيها آخر أعرضنا عن ذكره هنا حذرا من الإطالة، ولعله أقرب المحامل، ونشير إليه في محل آخر إن شاء الله تعالى.
على أن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند. وبعضها لا يحتمل صدقه في نفسه. وقد صرح جماعة من الأعلام بلزوم تأويل هذه الروايات أو لزوم طرحها.
وممن صرح بذلك المحقق الكلباسي حيث قال على ما حكي عنه: "إن الروايات الدالة على التحريف مخالفة لإجماع الأمة إلا من لا اعتداد به… (وقال) إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر، نظرا إلى العادة في الحوادث العظيمة. وهذا منها بل أعظمها".
وعن المحقق البغدادي شارح الوافية التصريح بذلك، ونقله عن المحقق الكركي الذي صنف في ذلك رسالة مستقلة، وذكر فيها: "إن ما دل من الروايات على النقيصة لا بد من تأويلها أو طرحها، فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب، والسنة المتواترة والإجماع، ولم يمكن تأويله، ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه ".
أقول: أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما أشرنا إليه - سابقا - من أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا خالفت القرآن لابد من طرحها. فمن تلك الروايات:
ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق (عليه السلام):

ــ[234]ــ

"الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.." (1).
وما رواه الشيخ الجليل سعيد بن هبة الله "القطب الراوندي" بسنده الصحيح إلى الصادق (عليه السلام):
"إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه..."(2).
وأما الشبهة الرابعة:
فيتلخص في كيفية جمع القرآن، واستلزامها وقوع التحريف فيه. وقد انعقد البحت الآتي "فكرة عن جمع القرآن" لتصفية هذه الشبهة وتفنيدها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: 27 / 119، باب 9، رقم الحديث: 33368.
(2) الوسائل: 27 / 118، باب 9، رقم الحديث: 33362.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net