العدالة والمروّة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1593


    العدالة والمروّة

   المعروف ـ على ما نسب إليهم ـ أن ارتكاب خلاف المروّة مما يقدح في العدالة فيعتبر فيها أن لا يرتكب المكلّف شيئاً ينافي مروّته بأن لا يرتكب ما يخالف العادة المتعارفة وما يعدّ عيباً لدى الناس ، وإن لم يكن محرّماً شرعياً في نفسه كما إذا خرج أحد الأعلام حافياً إلى الأسواق أو جلس في الطرقات أو ارتكب غير ذلك مما ينافي عادة الناس . ويختلف هذا باختلاف الأماكن والبلدان ، فقد يكون الخروج إلى السوق مثلاً من دون عمامة عيباً في بلد ولا يكون عيباً في بلد آخر ، فمع ارتكاب ما يعدّ عيباً في ذلك المحل لا بدّ من الحكم بزوال العدالة . نعم ، لا يتصف الرجل بذلك بالفسق لأنه لم يرتكب شيئاً من المحرّمات ولم ينحرف عن جادة الشرع ، فلا يترتب عليه الآثار المترتبة على الفسق كما لا يترتب عليه الآثار المترتبة على العدالة .

   والصحيح أن ارتكاب خلاف المروّة غير مضرّ بالعدالة ، لأن ما استدل به على اعتبارها في العدالة أمران كلاهما ضعيف ، ولا سيما أن القائلين باعتبارها ممن ذهبوا إلى أن الصغائر غير قادحة في العدالة ، ولعمري أنه من العجائب حيث إن ذهاب العدالة بارتكاب أمر مباح قد رخّص الشارع في الاتيان به ، وعدم ذهابها بارتكاب ما منع عن ارتكابه عجيب .

   وكيف كان فقد استدل على اعتبار المروّة بأمرين :

ــ[234]ــ

   أحدهما : ما ورد في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (1) من قوله (عليه السّلام) : «والدليل على ذلك أن يكون ساتراً لجميع عيوبه ...» وذلك بتقريب أن العيوب فيها مطلقة فتعم العيوب العرفية والشرعية ، فإذا ارتكب المكلف ما هو عيب لدى العرف فلا يصدق أنه ساتر لجميع عيوبه ، فلا يمكن الحكم بعدالته .

   ويدفعه : أنها وإن كانت مطلقة في نفسها إلاّ أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع وكون الإمام (عليه السّلام) هو الملقي للكلام قرينة متصلة ظاهرة في صرفها إلى العيوب والنقائص الشرعية ، لأن كونه صادراً من الإمام (عليه السّلام) يقتضي أن يراد بها ما هو العيب لدى الشارع لا ما هو كذلك لدى الغير . إذن لا يكون ارتكاب ما  هو خلاف المروّة منافياً للعدالة بوجه .

   وثانيهما : أن من لم يخجل من الناس ولم يستحي عن غير الله سبحانه بأن لم يبال بالنقائص العرفية لم يخجل ولم يستحي من الله وذلك لأن عدم مبالاته بتلك الاُمور يكشف عن أنه ممن لا حياء له .

   وفيه : أن عدم مبالات الانسان بالاُمور الدارجة لدى الناس وعدم استحيائه وخجله عن غير الله سبحانه لا كاشفية له عن عدم استحيائه من الله ، وذلك لأنه قد يكون ذلك مستنداً إلى كونه متفانياً في الله وفي الاُمور الاُخروية ومتمحّضاً فيما يرجع إلى النشأة الباقية ، ولأجله لا يعتني بغير الله جلت عظمته ولا يهمه الاُمور الدنيوية ولا يبالي بما هو ممدوح أو مذموم لدى الناس ، ومعه كيف يكون عدم مبالاته بالاُمور المتعارفة والدنيوية كاشفاً عن عدم خجله واستحيائه من الله سبحانه. إذن لا تلازم بين الأمرين . والانصاف أن هذا الوجه أضعف من سابقه ، وعلى الجملة أن ارتكاب ما ينافي المروّة غير قادح للعدالة .

   نعم ، ارتكاب ما يعدّ خلاف المروّة قد يكون أمراً غير مناسب للمرتكب بل هتكاً في حقه ، كما إذا خرج أحد المراجع العظام إلى الأسواق بلا عباء أو جلس في الطرقات ، أو دخل المقاهي وبالأخص إذا اقترنه بعض الاُمور غير المناسبة ، فإنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 220  .

ــ[235]ــ

وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظناً (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا  شبهة في أنه هتك في حقه وموجب لسقوطه عن الأنظار ، ومثله ينافي العدالة لا  محالة إلاّ أنه لا لأنه خلاف المروّة والتعارف بل من جهة أنه محرّم شرعاً ، إذ كما يحرم على المكلف أن يهتك غيره كذلك يحرم عليه أن يهتك نفسه ، لأنه أيضاً مؤمن محترم . وأما إذا كانت العيوب العرفية غير مستلزمة للهتك فلا دليل على أن عدم ارتكابها معتبر في العدالة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net