وجوب التعلّم 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1784

ــ[241]ــ

وتثبت بشهادة العدلين ((1))  (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرد منه أن يكون ظاهره مطابقاً للواقع .

   وأما الوثوق بالأمانة كما في رواية الشيخ فلأنه لم يؤخذ في موضوع جواز الاقتداء بما أنه صفة نفسانية خاصة ، للقطع بجواز الصلاة خلف من ثبتت عدالته بالبينة أو بالاستصحاب مع عدم اطمئنان النفس بعدالة الإمام . إذن المراد بالوثوق بالأمانة هو الطريق الكاشف عن أمانته وإن كان غير الوثوق ومعه تكون الأخبار المتقدمة الدالة على أن حسن الظاهر طريق تعبدي في استكشاف العدالة ، حاكمة على هذه الرواية لدلالتها على أن الأمانة والعدالة لا ينحصر استكشافهما بالوثوق .

   فالمتحصل : أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة في نفسه . وإن لم يكن فيه أي كشف عن الملكة علماً أو ظناً .

    طرق ثبوت العدالة

   (1) لما تقدّم (2) من أن البينة بمعنى شهادة العدلين وإن لم يرد ما يدل على اعتبارها بالخصوص ، إلاّ أنها حجة عقلائية أمضاها الشارع بعمله ، لما بيّناه في البحث عمّا يثبت به الاجتهاد والنجاسة من أن البينة بمعنى ما يتبيّن به الشيء ، وقد استعملت بهذا المعنى في غير واحد من الآيات المباركة ، وورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه إنما يقضي بالأيمان والبينات ، أي بمطلق ما يتبيّن به الشيء لأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد طبّق البينة عليها في المرافعات وعمله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذا يكشف عن حجية البينة بالمعنى المصطلح عليه ، إلاّ في موارد دلّ الدليل فيها على عدم اعتبارها ، كما في الزنا والدعوى على الميت إذ البينة إنما تعتبر فيهما بضميمة شيء آخر ولا يكفي فيهما من دون ضميمة .

   فالمتحصل : أن البينة المصطلح عليها حجة ببناء العقلاء الّذي أمضاه الشارع كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم أنه لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل واحد ، بل بمطلق الثقة وإن لم يكن عدلاً .

(2) راجع ص 173  .

ــ[242]ــ

مرّ ، من دون فرق في ذلك بين الشهادة القولية والفعلية ، لاستقرار سيرتهم على العمل بالشهادة الفعلية كالقولية ، فإذا رأينا عدلين قد ائتما رجلاً في الصلاة مع العلم بكون ذلك منهما صادراً بالاختيار وبداعي انعقاد الجماعة كشف ذلك عن عدالته .

   بل ذكرنا في محلّه (1) أن الموضوعات الخارجية كما تكفي فيها البينة الاصطلاحية تكفي فيها شهادة العدل الواحد ، إلاّ فيما خرج بالدليل كما في موارد الترافع ونحوه بل لا تعتبر العدالة أيضاً لكفاية الوثوق في الاعتبار ، فإن عمدة الدليل على حجية خبر الثقة في الأحكام الشرعية هو السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها في الشريعة المقدسة ، وهي بعينها قائمة على اعتباره في الموضوعات من غير أن يردع عنها الشارع كما بيّناه في البحث عمّا تثبت به النجاسة ، وما يثبت به الاجتهاد والأعلمية .

   نعم ، في كفاية شهادة العدلين في العدالة والاجتهاد ونظائرهما إشكال آخر وحاصله : أن الشهادة إنما تعتبر في الاُمور المحسوسة بإحدى الحواس ، والعدالة والاجتهاد ونظائرهما اُمور مختفية عن الحواس ، ولا اعتبار بالشهادة في الحدسيات لأن المشهود به يعتبر أن يكون أمراً قابلاً للاحساس .

   ويندفع بما أشرنا إليه من أن الشهادة إنما لا تعتبر في الاُمور المتمحّضة في الحدسية وأما الاُمور الحدسية القريبة من الاحساس فلا مانع من اعتبار الشهادة فيها بوجه لامكان استكشافها بآثارها ، كما هو الحال في الملكات والصفات النفسانية بأجمعها كالجبن والشجاعة والسخاوة ، فكما إذا شاهدنا أحداً يقدم على المخاوف والاُمور الخطيرة مراراً متعددة، استكشفنا شجاعته كاستكشاف جبنه من عكسه، كذلك الحال في العدالة والاجتهاد وما شابههما ، فإذا رأينا أحداً يتمكن من الجمع بين الروايتين وله التصرف والتحقيق في غير مورد من المسائل ، أو أنه ساتر لعيوبه ومتعاهد للصلوات في أوقاتها وظاهره حَسَن في جملة من الموارد ، استكشفنا أنه واجد للاجتهاد والعدالة أو لملكتهما على القول بالملكة .

   ثمّ إن العدالة تمتاز عن الاجتهاد وغيره في أن لها طريقاً آخر لاستكشافها دون الاجتهاد ونظائره وهو حُسن الظاهر كما مرّ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسألة [ 214 ] .

ــ[243]ــ

وبالشياع المفيد للعلم (1) .

   [ 24 ] مسألة 24 : إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول إلى غيره (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لأن العدالة كالاجتهاد والأعلمية وغيرهما مما لا ينبغي التوقف في ثبوته بالعلم الوجداني لأنه حجة ذاتية من غير جعل ، كما لا إشكال في ثبوتها بالاطمئنان البالغ مرتبة العلم العادي الّذي لا يعتني العقلاء باحتمال الخلاف فيه لكونه موهوماً غايته، لجريان السيرة العقلائية على الاعتماد عليه في اُمورهم من غير أن يردع عنها في الشريعة المقدسة ، ولا تشمله الأدلة الناهية عن العمل بالظن لخروجه عن موضوعها في نظرهم لأنه علم عندهم ، ومن هنا يعاملون معه معاملة العلم الوجداني .

   ثمّ إنه لا فرق في حجية العلم الوجداني أو الاطمئناني العادي بين أسبابه ، فلا فرق بين حصوله من الشياع أو من غيره لأنه متى ما حصل للمكلف علم عادي أو وجداني بالعدالة أو غيرها ، جاز له أن يرتّب عليه آثار العدالة أو غيرها مما تعلق به علمه .

   (2) نسب إلى بعضهم القول بكفاية استجماع المجتهد للشرائط حدوثاً في جواز البقاء على تقليده ، وإن عرضه ما يوجب فقده للشرائط ـ عدى الحياة ـ فلا يعتبر كونه واجداً لها بقاءً في جواز تقليده بحسب البقاء .

   والصحيح كما هو المعروف بين أصحابنا أن جواز تقليد المجتهد متوقف على استجماعه للشرائط حدوثاً وبقاءً ، ومتى زالت عنه بأجمعها أو ببعضها سقط عن قابلية الرجوع إليه في الفتوى ووجب العدول عنه إلى غيره ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون فقد الشرط مستلزماً لزوال الرأي كزوال العقل والاجتهاد الموجب لزوال عنوان الفقيه ، وبين أن يكون مستلزماً لزوال الوصف مع بقاء الرأي كزوال الأعلمية والعدالة ونحوهما . وقد بيّنا الوجه في ذلك في التنبيه الأول من تنبيهات الشرائط المعتبرة في المجتهد (1) ولا نعيد ، ويأتي أيضاً في المسألة الثانية والأربعين إن شاء الله فلاحظ .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 200  .

ــ[244]ــ

   [ 25 ] مسألة 25 : إذا قلّد من لم يكن جامعاً ، ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلّد أصلاً (1) فحاله حال الجاهل القاصر (2) أو المقصّر (3) .

   [ 26 ] مسألة 26 : إذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميت فمات وقلّد من يجوّز البـقاء ، له أن يبقى على تقليد الأول في جميع المسـائل إلاّ مسألة حرمة البقاء (4) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لبطلان تقليده على الفرض .

   (2) هذا إذا كان معذوراً في تقليده ، كما إذا قلّده بشهادة البينة مثلاً على عدالته أو أعلميته ثمّ علم خطأها .

   (3) كما إذا لم يكن له معذّر في تقليده ، وحيث إنّا بيّنا (1) سابقاً أن الجاهل القاصر والمقصّر في صحة عملهما عند مطابقته للواقع على حدّ سواء ، كما مرّ أن الأحكام الظاهرية غير مجزئة عن الواقع عند انكشاف الخلاف ، فلا مناص من أن نلتزم على كلا التقديرين بصحة عمل المقلّد في مفروض المسألة إذا كان مطابقاً للواقع ، وبطلانه فيما إذا خالفه إلاّ في موارد يجري فيها حديث لا تعاد . وقد مرّ أن طريق استكشاف المطابقة للواقع إنما هو مطابقة العمل لفتوى من يجب الرجوع إليه بالفعل .

   (4) قد أسلفنا عند الكلام على مسألة جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ، أن المجتهد الحي إذا أفتى بجواز البقاء على تقليد الميت وأفتى الميت بحرمته ، جاز للمقلّد البقاء على تقليد الميت بفتوى المجتهد الحي بالجواز في جميع المسائل غير مسألة البقاء ، وذلك لسقوط فتوى الميت عن الحجية بموته ، وإنما يتصف بالاعتبار من جهة فتوى الحي بجواز البقاء بالمعنى الأعم الشامل للوجوب .

   ولا يمكن أن تشمل فتوى الحي بالجواز مسألة البقاء الّتي أفتى فيها الميت بالحرمة والوجه فيه : أن معنى فتوى الحي بجواز البقاء أن العامّي يجوز أن يبقى على تقليد الميت في المسائل الفرعية ، ويلزمه عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقـاء ، إذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 163  .

ــ[245]ــ

   [ 27 ] مسألة 27 : يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها ، ولو لم يعلمها لكن علم اجمالاً أن عمله واجد لجميع الأجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح وإن لم يعلمها تفصيلاً (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يعقل أن يشمل فتوى الحي بجواز البقاء لكلتا المسألتين أعني مسألة البقاء وسائر المسائل الفرعية، لأنها إن شملت مسألة حرمة البقاء فمعناه عدم جواز البقاء في بقية المسائل لأن الميت أفتى بحرمة البقاء ، كما أنها إن شملت سائر المسائل فمعناه عدم جواز البقاء في مسألة حرمة البقاء ، وإلاّ لحرم البقاء على تقليد الميت في سائر المسائل .

   إذن فتوى المجتهد الحي بجواز البقاء إما أن تكون شاملة لمسألة حرمة البقاء فحسب ، وإما أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية لعدم إمكان الجمع بينهما في الشمول .

   إلاّ أن فتوى الحي بالجواز يستحيل أن تشمل مسألة حرمة البقاء ، وذلك لأ نّا لا نحتمل حجية فتوى الميت بحرمة البقاء ومطابقتها للواقع بوجه. مع أن الحجية يعتبر فيها احتمال المطابقة للواقع إذ لا تجتمع الحجية مع القطع بكونها مخالفة للواقع، والوجه في ذلك أن البقاء على تقليد الميت لا يخلو إما أن يكون محرّماً في الواقع ، وإما أن يكون جائزاً ولا ثالث ، فإن كان محرّماً بحسب البقاء ، فكيف يمكن البقاء على تقليد الميت في مسألة حرمة البقاء لأنه محرّم على الفرض ، وإن كان البقاء جائزاً في الواقع ففتوى الميت بحرمة البقاء ليست مطابقة للواقع فلا يعقل أن تكون حجة حينئذ . إذن فلنا علم تفصيلي بأن فتوى الحي بالجواز غير شاملة لمسألة حرمة البقاء ، وأن فتوى الميت بحرمته ليست بحجة على كل حال ومع عدم شمول فتوى الحي بالجواز لمسألة حرمة البقاء يتعيّن أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية من دون مزاحم .

    وجوب التعلم وموارده

   (1) سبق أن ذكرنا في التكلم على جواز الاحتياط أن المكلف يجوز أن يمتثل الأحكام المتوجهة إليه امتثالاً إجمالياً بالاحتياط ، ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بما هو الواجب أو المستحب ولا سيّما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار

ــ[246]ــ

العمل . وذلك إذ لا يعتبر في العبادة سوى الاتيان بالعمل مضافاً به إلى الله سبحانه وهذا متحقق في موارد العمل بالاحتياط ، فإذا فرضنا أن المكلف لو لم يحصّل العلم بأجزاء العبادة وشرائطها ، يتمكن من الاحتياط والاتيان بالعمل واجداً لجميع أجزائه وشرائطه وفاقداً لموانعه على نحو يقطع بحصول الامتثال ، لم يجب عليه تعلم الأجزاء والشرائط بوجه . وإليه أشار الماتن بقوله : ولو لم يعلمها لكن علم إجمالاً ...

   وأما إذا لم يتمكن من الاتيان بالمأمور به على نحو يقطع بحصول الفراغ لعدم علمه بما هو الجزء أو الشرط أو المانع ، واحتمل أن يكون العمل المأتي به واجداً لمانعه أو فاقداً لشيء من أجزائه وشرائطه ، وجب أن يتعلم أجزاء العبادة وشرائطها وموانعها لا محالة ، وذلك لما قدّمناه في أوائل الكتاب من أن الأحكام الواقعية متنجّزة على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ، ومعه يجب تحصيل العلم بالفراغ إقتضاءً لقاعدة الاشتغال ، ولا يتحقق هذا إلاّ بتحصيل العلم بأجزاء العبادة وغيرها من الاُمور المعتبرة فيها ، فإنه لولاه لم يحصل له الأمن من احتمال العقاب ، والعقل يلزمه بذلك لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، هذا .

   إلاّ أن وجوب التعلم بقاعدة الاشتغال لا يستتبعه سوى الاتيان بالواجب مع العلم بما اعتبر فيه من جزء أو شرط أو مانع ، وأما لزوم التعلم قبل تحقق الشرط في الواجبات المشروطة ، أو قبل دخول الوقت في الواجبات الموقتة فلا لكفاية التعلم بعدهما ، ومن هنا لا يتعلم الحجاج واجباتهم في الحج قبل استطاعتهم بل قبل اشتغالهم بالمناسك وإنما يتعلمونها حال الذبح أو الوقوف أو غيرهما من واجباتهم ، إذ بذلك يحصل العلم بالامتثال ويأمنون به عن احتمال العقاب ، ومعه لا حاجة إلى التعلم قبلهما ، هذا إذا كان متمكناً من التعلم بعد دخول الوقت في الموقتات أو بعد تحقق الشرط في الواجبات المشروطة .

   وأما إذا لم يتمكن من التعلم بعدهما بحيث لو ترك التعلم قبل دخول الوقت أو قبل تحقق الشرط لم يتمكن من التعلم بعدهما فهو على قسمين :

   لأن التعلم حينئذ قد يكون مقدمة إحرازية للامتثال ، ولا يترتب على تركه إلاّ عدم إحرازه فحسب مع تمكنه من الاتيان بنفس الواجب في وقته ، بحيث لو علم به

ــ[247]ــ

لامتثله امتثالاً جزمياً وحيث لا يعلم به فيمتثله امتثالاً احتمالياً .

   وقد يكون مقدمة وجودية للواجب ـ لا إحرازية كما في الصورة المتقدمة ـ بمعنى أنه لو لم يتعلّم الواجب قبل دخول وقته أو قبل تحقق شرطه لم تكن له أي قدرة على الاتيان بالمكلف به بعد فعلية أمره بدخول وقته أو بتحقق شرطه ، وهذا كما إذا فرضنا جاهلاً لا يتمكن من الصلاة بعد دخول وقتها إلاّ أن يتعلمها قبل دخوله لاشتمالها على القراءة وغيرها مما لا مناص من أن يتعلمه الجاهل باللغة قبل حصول شرط الواجب أو دخول وقته .

   أما القسم الأول : فلا ينبغي التأمل في أن من علم أو احتمل ابتلاءه بالواجب بعد دخول وقته أو حصول شرطه في الأزمنة المستقبلة وجب أن يتعلمه قبلهما لوجوب امتثاله عليه في ظرفه ، ولا يمكنه إحراز ذلك إلاّ بالتعلم قبلهما . إذن فالعقل يستقل بلزوم التعلم قبل مجيء وقت الواجب أو فعلية شرطه لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا يحصل الأمن إلاّ بالتعلم قبلهما فوجوب التعلم قبل وقت الواجب أو حصول شرطه مما لا إشكال فيه في هذا القسم .

   وإنما الاشكال في وجوب التعلم قبلهما في القسم الأخير وذلك لأن المكلف بعد دخول وقت الواجب أو حصول شرطه غير مكلّف بالعمل لعجزه ، ولا شبهة في أن القدرة من شرائط الخطاب والتكليف ، كما أنه غير مكلّف به قبل مجيء وقت الواجب أو حصول شرطه ، ومع عدم وجوب ذي المقدمة لا معنى للحكم بوجوب التعلم من باب المقدمة .

   وتوضيحه : أن القدرة المعتبرة في التكاليف قد تكون دخيلة في الملاك كما أنها دخيلة في الخطاب ، بحيث لا يبقى أي ملاك عند عدمها . وقد تكون دخيلة في الخطاب من غير أن تكون دخيلة في الملاك ، بحيث يبقى العمل مشتملاً على الملاك والغرض الملزم في كلتا حالتي العجز والتمكن وإن كان الخطاب ساقطاً مع العجز .

   ولا ينبغي التأمل في وجوب التعلم قبل مجيء وقت الواجب أو حصول شرطه في الصورة الثانية ، وذلك لأن تركه حينئذ مفوّت للملاك الملزم في ظرفه وتفويت الملاك كتفويت الواجب والخطاب قبيح لدى العقل وموجب لاستحقاق العقاب عليه ، فإن

ــ[248]ــ

الملاك روح التكليف وما به قوامه وهو الداعي إلى جعله وإنشائه ، ولا مسوّغ معه لترك التعلم قبل الوقت أو قبل تحقق الشرط .

   وأما الصورة الاُولى : فهي الّتي وقع الكلام عنها في المقام نظراً إلى أن الملاك والتكليف إذا كان كلاهما مشروطاً بالقدرة بحيث لا يبقى أي ملاك ولا خطاب عند فقدها ، وفرضنا أن المكلف لو لم يتعلم الواجب قبل مجيء وقته أو فعلية شرطه لم يتمكن منه بعدهما فلماذا يجب تعلمه قبلهما ؟ لوضوح أنه لا تكليف بالعمل قبلهما حتى تجب مقدمته وهو التعلم على الفرض كما أنه لا مقتضي لوجوبه بعدهما ، إذ لا قدرة للمكلف بعد مجيء الوقت أو فعلية الشرط ، ومع العجز لا خطاب ولا ملاك ، ومن الظاهر أن مع عدم وجوب ذي المقدمة لا معنى لوجوب مقدمته . نعم ، المكلف لو تعلم الواجب قبلهما كان متمكناً من العمل في ظرفه إلاّ أنه مما لا ملزم له ، فإن الواجب على المكلف إنما هو امتثال التكاليف الثابتة في ذمته ولا تكليف عليه بايجاد موضوعاتها بجعل نفسه متمكناً من المأمور به حتى يتوجه عليه الخطاب ، ولأجل هذه المناقشة إلتجأ المحقق الأردبيلي ومن تبعه إلى الالتزام بالوجوب النفسي في المقام وذهبوا إلى أن التعلم واجب نفسي والعقاب إنما هو على ترك التعلم نفسه لا أنه على ترك الواجب الواقعي .

   وفيه : أن الأدلة المستدل بها على وجوب التفقه والتعلم ظاهرة في أن التعلم واجب طريقي ، وأنه مقدمة لامتثال الأحكام الواقعية ولا يكاد يستفاد منها أنه واجب نفسي أبداً (1) . وعليه فلا دليل في شيء من المقدمات المفوّتة على وجوب تحصيلها قبل مجيء وقت الواجب أو حصول شرطه حتى يتمكن من الواجب بعدهما ، وذلك لما مرّ من أنه قبل الوقت لا تكليف بذي المقدمة حتى تجب مقدماته وبعده أيضاً الأمر كذلك لعدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الرواية الواردة في تفسير قوله عزّ من قائل : (قل فللّه الحجّة البالغة ) . حيث ورد فيها : «إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً ؟ فإن قال : نعم ، قال الله : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل ؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة . المروية في البحار ج 2 ص 29 وص 180 من الطبع الحديث . وفي تفسير البرهان في ج 1 ص 560 بأدنى اختلاف في اللّفظ فإنها ظاهرة في أن التعلم إنما يجب من باب الطريق إلى العمل .

ــ[249]ــ

القدرة على الواجب وانتفاء كل من الملاك والخطاب ، ووجوب حفظ القدرة قبل مجيء الوقت أو حصول الشرط للفعل الواجب بعدهما ، لم يقم عليه دليل فللمكلف أن يهريق ما بيده من الماء قبل الوقت ، ولو مع العلم بعدم تمكنه منه للغسل أو الوضوء بعد فعلية الواجب بمجيء وقته أو تحقق شرطه .

   والصحيح أن التعلم خاصة ليس كسائر المقدمات المفوّتة ، وأنه أمر واجب قبل الوقت في الموقتات وقبل حصول الشرط في الواجبات المشروطة ، وذلك لاطلاق الأدلة القائمة على وجوبه ، ولدلالتها على أن ترك الواجب إذا استند إلى ترك التعلم استحق المكلف العقاب عليه ، سواء أكان تركه قبل دخول الوقت أو حصول الشرط أم بعدهما فدلنا ذلك على أن التعلم مأمور به مطلقاً ، وإن لم يدخل وقت الواجب ولا تحقق شرطه ، وحيث إن مفروضنا أن فوات الواجب في ظرفه مستند إلى ترك التعلم قبلهما فمقتضى إطلاق الأدلة وجوبه وأن المكلف معاقب بتركه الواجب فلا مسوّغ لترك التعلم ، وإن لم يكن هناك أي تكليف متوجه إلى ذي المقدمة . ومعنى ذلك أن وجوب التعلم طريقي وأنه إنما وجب للاتيان بالواجبات لا لأنه مطلوب نفسي كسائر الواجبات ، فإذا تركه المكلف عوقب بمخالفته للمكلف به الواقعي ولا يعاقب بتركه التعلم أبداً .

   وتظهر الثمرة فيما إذا استند ترك الواجب إلى أمر آخر ولم يستند إلى ترك التعلم فإن المكلف حينئذ لا يعاقب بشيء ، وإنما يعاقب بتركه إذا استند إلى ترك التعلم كما مرّ ، هذا كلّه فيما إذا علم المكلف بأنه سيبتلي بالواجب بعد مجيء وقته أو علم أن شرطه سيتصف بالفعلية في المستقبل .

   وأما إذا لم يعلم بذلك وإنما احتمل الابتلاء به في ظرفه فالأمر أيضاً كذلك لما قررناه في بحث البراءة ، من أن التكليف المحتمل إذا كان في معرض الوقوف عليه لم تجر البراءة العقلية عنه ، وذلك لأن وظيفة المولى ليست سوى التصدي لبيان أحكامه وجعلها في مورد لو فحص عنها المكلف لظفر بها ، فإذا جعل تكاليفه في مورد العثور عليها تمت الوظيفة من قبله وانتهت النوبة إلى وظيفة العبد ، أعني لزوم الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه من سيده ، ومعه لا مؤمّن له من العقاب على مخالفة التكليف




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net