العمل بلا تقليد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2155


   [ 40 ] مسألة 40 : إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ولم يعلم مقداره (3) فإن علم بكيفيتها وموافقتها للواقع ، أو لفتوى المجتهد الّذي يكون مكلفاً بالرجوع إليه فهو .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبهذا ظهر أن ما أفاده الماتن من التخيير عند عدم التمكن من الاحتياط إنما يتم إذا لم يظن أعلمية أحدهما ، وأما معه فلا مجال للتخيير بل المتعين هو الأخذ بفتوى من يظن أعلميته .

   (1) للاستصحاب .

   (2) ولا يجب عليه التبين لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية .

    العلم باتيان العبادات من غير تقليد والشك في مقدارها

   (3) أو أتى بأعماله من التقليد غير الصحيح وجرى عليه برهة من الزمان فهل تجب إعادة أعماله السابقة أو لا ؟ للمسألة صور :

   الاُولى : ما إذا انكشفت مخالفة ما أتى به للواقع .

   الثانية : ما إذا انكشفت مطابقة ما أتى به للواقع .

   الثالثة : ما لو لم ينكشف له الخلاف ولا الوفاق .

   أما الصورة الاُولى : فحاصل الكلام فيها أن المدار في الحكم بصحة العمل وفساده إنما هو مطابقته للواقع ومخالفته له ، والطريق إلى استكشاف ذلك إنما هو فتوى المجتهد الّذي يجب عليه تقليده عند الالتفات دون المجتهد الّذي كان يجب تقليده في زمان العمل ، لسقوط فتاواه عن الحجية بالموت أو بغيره من الأسباب فمع مطابقة عمله لما أفتى به المجتهد الفعلي عند الالتفات يحكم بصحته ، كما أنه يحكم ببطلانه إذا خالفه وهذا لعلّه مما لا كلام فيه .

   وإنما الكلام في أن الاعادة هل يختص وجوبها بما إذا كان عمل المكلف فاقداً

ــ[270]ــ

للأركان فحسب ، ولا تجب إذا كان فاقداً لغيرها من الأُمور المعتبرة في المأمور به ، كما كان هذا هو الحال فيما إذا أتى بأعماله عن التقليد الصحيح ثمّ انكشفت مخالفته للواقع كما في موارد العدول وتبدل الرأي ، أو أن الأعمال السابقة تجب إعادتها مطلقاً سواء استند قصورها إلى فقدها لأركانها أو إلى فقدها لغيرها من الأُمور المعتبرة في المأمور به ؟

   لا شبهة في أن عمل العامي في محل الكلام إذا كان مخالفاً للواقع لفقده شيئاً من الأركان المقوّمة للمأمور به ليس له أن يجتزئ به في مقام الامتثال لأنه محكوم بالفساد والبطلان وتجب عليه إعادته أو قضاؤه ، لأنه لم يأت بما هو الواجب في حقه وإن كان عمله مطابقاً لفتوى المجتهد الّذي كان يجب تقليده في زمان العمل ، لما أشرنا إليه من أن المدار في استكشاف مطابقة العمل أو مخالفته للواقع مطابقة العمل المأتى به لفتوى المجتهد الّذي يجب أن يقلّده بالفعل ، لسقوط فتوى المجتهد السابق عن الحجية على الفرض . فإذا أفتى بأن الواجب على من أحدث بالأكبر وتيمم لعدم تمكنه من الاغتسال ثمّ أحدث بالأصغر هو الوضوء دون التيمم، والمفروض أن المكلف تيمم لصلاته ، كشف ذلك عن أن عمله كان مخالفاً للواقع لفقده الطهور الّذي هو ركن الصلاة فوجوب الاعادة أو القضاء في هذه الصورة مما لا ينبغي التوقف فيه ، حتى على القول بعدم وجوب الاعادة في موارد تبدل الاجتهاد والعدول لما ادّعي من الاجماع والسيرة فيهما على عدم وجوبهما . وذلك لأنا لو سلمناهما والتزمنا في تلك الموارد بالاجزاء فهو أمر قلنا به على خلاف القاعدة ، لأنها تقتضي وجوب الاعادة وعدم الاجتزاء بما أتى به ، ومعه لابد من الاقتصار فيهما على موردهما ، وهو ما لو صدر العمل عن الاستناد إلى فتوى من يعتبر قوله في حقه ، أو على الأقل صدر عن العلم بفتواه بأن كانت وصلت الحجة إليه ، وأما من لم يستند في عمله إلى حجة شرعية ولا أن فتوى المجتهد السائغ تقليده وصلت بيده فلا تشمله السيرة ولا الاجماع بوجه .

   وأما إذا كان عمل العامي مخالفاً للواقع لفقده شيئاً من الأجزاء والشرائط غير الركنيتين ، كما إذا أتى بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة ، أو صلّى من دون سورة وقد أفتى المجتـهد الفعلي بوجوب التسـبيحات ثلاث مرات أو بوجوب السورة في الصلاة

ــ[271]ــ

فالصحيح عدم وجوب الاعادة والقضاء إذا لم يكن ملتفتاً حال عمله ومتردداً في صحته حين اشتغاله به ، وذلك لحديث لا تعاد لأنه يشمل الناسي والجاهل القاصر والمقصّر كليهما .

   والّذي يمكن أن يكون مانعاً عن شموله للجاهل المقصّر أمران قد قدّمنا الكلام فيهما عند التكلم على الإجزاء (1) وفي المسألة السادسة عشرة إلاّ أن الاعادة لمّا لم تكن خالية عن الفائدة تكلمنا عليهما أيضاً في المقام ، والأمران :

   أحدهما : الاجماع المدعى على أن الجاهل المقصّر كالعامد ، نظراً إلى أن ذلك غير مختص بالعقاب وكون الحكم متنجّزاً في حق المقصّر وعدم معذّرية جهله بل يعمّه والبطلان كليهما ، ومقتضاه الحكم ببطلان عمل الجاهل المقصّر كالمتعمد كما يحكم باستحقاقه العقاب ، ويشهد لذلك أن الجاهل المقصّر لو لم يكن كالمتعمد لم تكن حاجة إلى استثنائه في الموضعين ، وهما ما لو أجهر في موضع الاخفات أو أخفت في موضع الجهر وما لو أتم في موضع القصر ، حيث حكموا بصحة عمله في الموضعين مدعياً الاجماع على صحته . وذلك لأنه لو كان عمله محكوماً بالصحة في نفسه لم تكن حاجة إلى التشبث بالاجماع على صحته في الموردين .

   ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأن القدر المتيقن من الاجماع المدعى أن الجاهل المقصِّر كالمتعمد من حيث استحقاقه العقاب، وهو أمر موافق للقاعدة نلتزم به وإن لم يكن هناك إجماع بوجه ، وذلك لاستقلال العقل به فإن الحكم قد تنجّز عليه بالعلم الاجمالي على الفرض ، فإذا لم يخرج عن عهدته استحق العقاب على مخالفته . وأما الاجماع على بطلان عمله وأنه كالمتعمد في مخالفة الواقع فلم يثبت بوجه فإن الاجماع المدعى ليس باجماع تعبدي ليتمسك باطلاق معقده ، وإنما يستند إلى حكم العقل أو ما يستفاد من الأدلة الشرعية من أن الجاهل المقصّر يعاقب بمخالفته للواقع ، وهما إنما يقتضيان كونه كالمتعمد من حيث العقاب لا البطلان ، فإن المدار في الصحة والفساد كما تقدم موافقة العمل أو مخالفته للواقع ، فإذا فرضنا أن عمله مطابق للواقع إلاّ من ناحية بعض الأجزاء والشرائط غير الركنيتين ـ  والاخلال به لم يكن موجباً للاعادة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 166  .

ــ[272]ــ

والبطلان  ـ لم يكن وجه لوجوب الاعادة أو القضاء عليه .

   على أن فقهائنا (قدّس سرّهم) لم يلتزموا بذلك ولم يجروا أحكام المتعمد على الجاهل المقصّر في جملة من الموارد :

   منها : ما لو اعتقد زوجية امرأة فوطأها ، فإن المتولّد من ذلك الوطء يلحق بأبيه مع أنه على ذلك زنا في الواقع والمتولد منه ولد زنا . إلاّ أنهم لا يلتزمون باجراء أحكام الزنا عليه ، ولا يرتّبون على الولد أحكام المتولّد من الزنا .

   ومنها : ما لو عقد على امرأة ذات بعل أو معتدة معتقداً عدم كونها كذلك ، فإنهم لم يحكموا بحرمتها عليه مع أنه على ذلك من العقد على المعتدة أو ذات بعل متعمداً .

   ومنها : ما لو أفطر في نهار شهر رمضان عن جهل تقصيري ، فانّا لا نلتزم فيه بالكفارة ، مع أن الجاهل المقصّر لو كان كالمتعمد وجبت عليه الكفارة لا محالة .

   فمن هذا يستكشف عدم تحقق الاجماع على بطلان عمل الجاهل المقصّر بوجه .

   وثانيهما : أن الظاهر المستفاد من قوله (عليه السّلام) «لا تعاد الصّلاة ...» (1) أن المكلّف الّذي تترقب منه الاعادة وهو قابل في نفسه ومورد لا يجابها لا تجب عليه الاعادة تفضلاً من الشارع ، فيما إذا كان عمله فاقداً لغير الخمسة المذكورة في الحديث فإن المكلّف الّذي تترقب منه الاعادة بمعنى أن من شأنه أن تجب في حقه ، هو الّذي ينفى عنه وجوبها ولا يكلّف بالاتيان بنفس المأمور به ، وأما من لا تترقب منه الاعادة ولا أن من شأنه أن يكلّف بها ، لأنه مكلّف باتيان الواقع نفسه فلا معنى للأمر عليه بالاعادة أو ينفى عنه وجوبها بالحديث ، لأنه مأمور بالاتيان بنفس الواجب الواقعي وهذا بخلاف ما لو لم يكن مكلفاً بالواقع والاتيان بنفس المأمور به . ولا يتحقق هذا في غير الناسي بوجه ، لأنه لنسيانه وعدم قدرته على الاتيان بالواجب نفسه قابل للأمر بالاعادة ، ومعه يصح أن ينفى عنه وجوبها عند التفاته إلى عمله فيصح أن يقال : أيها الناسي للسورة في صلاتك أعدها أو لا تعدها تفضلاً .

   وأما الجاهل فهو مكلّف بالواجب نفسه فإن الأحكام الواقعية غير مختصة بالعالمين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 6 : 389 / أبواب السجود ب 28 ح 1 .

ــ[273]ــ

بها ، وغاية الأمر أن الجهل معذّر من حيث العقاب إذا كان مستنداً إلى القصور ، ومع أنه مكلّف بالواقع وهو أيضاً متمكن من الاتيان به لا معنى للأمر باعادته ، ومع عدم قابلية المورد للأمر بالاعادة لا يمكن أن ينفى عنه وجوبها بالحديث فإنه حينئذ من توضيح الواضح لأنه غير مكلّف بالاعادة في نفسه فما معنى نفي وجوبها عنه بالحديث . إذن الحديث غير شامل للجاهل بأقسامه . وهذا الوجه هو الّذي ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه) وأصرّ عليه (1) .

   إلاّ أنه كالوجه السابق مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك :

   أما أوّلاً : فلأنه لو تمّ فإنما يختص بالجاهل الملتفت الّذي يتردد في صحة عمله وبطلانه ، لأنه متمكن من الاتيان بالواجب الواقعي ولو بالاحتياط . وأما الجاهل المعتقد صحة عمله من جهة التقليد أو غيره فهو والناسي سواء ، لعدم قابليته للتكليف بالواجب نفسه لعدم قدرته على الاتيان به ولو بالاحتياط فإنه يعتقد صحته ، ومن الظاهر أن التمكن من الامتثال شرط لازم لكل تكليف وخطاب ، فإذا لم يكن المكلّف مأموراً بالواقع فلا مانع من الأمر بالاعادة في حقه كما مرّ فإذا صحّ تكليفه بالاعادة صحّ أن ينفى عنه وجوبها بالحديث .

   وأما ثانياً : فلأن الجاهل إذا صلّى من دون سورة حتى دخل في الركوع واحتمل أن تكون السورة واجبة في الصلاة ، فهل يكلّف باتيان الواقع نفسه مع عدم إمكان تداركه لتجاوزه عن محلّه ؟ لا ينبغي الشبهة في عدم كونه مكلفاً بنفس المأمور به لعدم إمكان تداركه ومعه يدور الأمر بين الحكم بوجوب المضي في صلاته والحكم بوجوب الاعادة عليه. إذن وجوب الاعادة لا ينحصر بالناسي والجاهل المعتقد صحّة عمله ، بل يجري في حق الجاهل الملتفت أيضاً إذا تجاوز عن محل الواجب المقرر له ولم يتمكن من تداركه ، ومع إمكان إيجاب الاعادة في حقّه لا مانع من أن ينفى عنه وجوب الاعادة بالحديث . نعم ، الجاهل الملتفت الّذي يشك في صحة عمله حال اشتغاله به من دون أن يتجاوز عن محلّه يكلّف بالاتيان بنفس الواجب لقدرته عليه ، ومعه لا  معنى لايجاب الاعادة في حقّه أو ينفى عنه وجوبها بالحديث . وهذا هو معنى قولنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الصلاة 3 : 5 .

ــ[274]ــ

فيما تقدم من أن الحديث إنما يشمل الموارد الّتي لو لا فيها انكشاف الخلاف لم تجب الاعادة على المكلّف ، وذلك كما في الموارد الّتي أتى فيها الجاهل بالعمل معتقداً صحته لا الموارد الّتي تجب فيها الاعادة وإن لم ينكشف الخلاف لاستناد وجوبها إلى أمر آخر كما في الموارد الّتي أتى فيها الجاهل بالعمل متردداً في صحته من الابتداء ، فإنه حينئذ مكلّف بالاتيان بالواجب على نحو يقطع بالامتثال ، فمع الشك في حصوله لا بدّ له من الاعادة وإن لم ينكشف له الخلاف فإن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية .

   والمتحصل إلى هنا : أنه لا مانع من الحكم بصحة عمل الجاهل من غير تقليد صحيح أو من غير تقليد بوجه إذا كان مخالفاً للواقع من جهة غير الأركان من الاُمور المعتبرة في المأمور به لحديث لا تعاد ، فإنه كما يشمل الناسي يشمل الجاهل القاصر والمقصّر كليهما ، أللّهم إلاّ أن يكون متردداً في صحة عمله مع التمكن من التدارك هذا كلّه فيما يقتضيه الحديث في نفسه .

   وأما بالنظر إلى القرينة الخارجية فلا مناص من أن نلتزم بعدم شمول الحديث للجاهل المقصّر ، بيان ذلك : أن الأجراء والشرائط على الغالب إنما يستفاد جزئيتها أو شرطيتها من الأوامر الواردة بالاعادة عند الاخلال بها ، كما دلّ على أنه إذا تقهقه أو تكلّم في صلاته أعادها ، وقد مرّ غير مرة أن الأمر بالاعادة في تلك الموارد حسب المتفاهم العرفي من مثله ، أمر إرشادي إلى بطلان العمل لفقده جزءاً أو شرطاً مما اعتبر في المأمور به ، وإن شئت قلت : إنه أمر إرشادي إلى جزئية شيء أو شرطيته أو مانعيته ، وليس أمراً مولوياً بوجه . فإذا كان الأمر كذلك وأخرجنا الناسي وكلاًّ من الجاهل القاصر والمقصر عن تلك الأدلة الآمرة بالاعادة الدالة على الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، لم يندرج تحتها غير العالم المتعمد في ترك الأجزاء والشرائط أو الاتيان بالموانع ، ومعنى ذلك أن لزوم الاعادة والجزئية والشرطية خاصان بالعالم والعمل الفاقد لشيء مما اعتبر فيه من الأجزاء والشرائط إنما يحكم بفساده فيما لو صدر من العالم المتعمد دون الناسي والجاهل بكلا قسميه المتقدمين فإن عملهم صحيح من غير حاجة إلى الاعادة . ومن البيّن أن تخصيص أدلة الشرطية والجزئية والمانعية أعني ما دلّ على الاعادة عند الاخلال بشيء مما اعتبر في المأمور به ، بالعالم

ــ[275]ــ

المتعمد حمل للمطلق على المورد النادر ، إذ الاخلال بالمأمور به على الأغلب يستند إلى الجهل القصوري أو التقصيري أو يستند إلى النسيان ، وأما الاخلال متعمداً فهو أمر نادر بل لعلّه مما لا تحقق له في الخارج ، وذلك فإن المسلم ليس له أي غرض في الاتيان بالعمل فاقداً لبعض أجزائه وشرائطه عن عمد والتفات . نعم ، يمكن أن يعصي ولا يأتي بواجباته أصلاً ، وأما أنه يأتي بواجبه متعمداً في إبطاله ونقصه فهو أمر لا تحقق له أو لو كان فهو من الندرة بمكان . ولا ينبغي الشك في أن حمل المطلق على المورد النادر كذلك إلغاء له كلية ، وحيث إن الحديث لا يحتمل شموله للجاهل المقصّر دون الناسي والجاهل القاصر ، فلا مناص من أن يلتزم باختصاصه بالناسي والجاهل القاصر وعدم شموله للجاهل المقصّر حتى لا يلزم حمل المطلق على المورد النادر .

   فبهذه القرينة لا بدّ من أن نلتزم في المقام بوجوب الاعادة والقضاء ، فإن الكلام إنما هو في الجاهل المقصر لتركه التقليد أو تقليده على غير الموازين المقررة شرعاً .

   ثمّ إن بما سردناه في المقام اتضح أن العامد أيضاً غير مشمول للحديث وهذا لا لأنه لو شمل التارك عن عمد والتفات لم يكن للجزئية أو الشرطية معنى صحيح ، لما فرضناه من عدم بطلان العمل بترك شيء من الاُمور المعتبرة فيه مع العمد والالتفات .

   فإن هذا يمكن الجواب عنه بأن المكلّف لما أتى بالعمل فاقداً للجزء أو الشرط غير الركنيين فقد استوفى جملة من المصلحة الداعية إلى الأمر به ، وإن كان فاتته للمصلحة الباقية في المأمور به من دون أن يتمكّن من تداركها ، وبهذا المقدار من المصلحة يحكم بصحة عمله وإن كان يستحق العقاب لتفويته الواجب المشتمل على المصلحة التامة من دون أن يتمكن من تداركها، بل لما مرّ من أن ظاهر الحديث أن وجوب الاعادة المستند إلى انكشاف الخلاف هو المرتفع عن المكلفين لا وجوب الاعادة المستند إلى أمر آخر ، ومعنى ذلك اختصاص الحديث بما إذا كان المكلّف بانياً على صحة ما أتى به ومعتقداً عدم فساده ، فلا يشمل ما إذا كان متردداً في صحته حين اشتغاله فضلاً عمّا إذا كان عالماً ببطلانه من الابتداء لتعمده في ترك جزئه أو شرطه ، فهو حين ما يأتي بالعمل مكلّف بالاتيان بنفس المأمور به لا باعادته كما تقدم . إذن لا مجال لتوهّم شمول الحديث للاخلال العمدي بوجه، هذا كلّه في هذه الصورة .

ــ[276]ــ

   وأما الصورة الثانية : وهي ما إذا انكشفت مطابقة عمله للواقع لتوافق فتوى المجتهد الّذي يجب أن يقلّده بالفعل لما أتى به من دون تقليد من أحد أو عن التقليد غير الصحيح فلا مناص من الحكم بصحته ، لأنه أتى بالواجب الواقعي من دون نقص وتمشى منه قصد القربة على الفرض ، وقد مرّ أن العبادة لا يعتبر في صحتها سوى الاتيان بالعمل مضافاً به إلى الله فالعمل في هذه الصورة لا تجب إعادته ولا قضاؤه .

   وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا لم ينكشف له الحال وتردد في أن أعماله هل كانت مطابقة للواقع حتى لا تجب إعادتها أو كانت مخالفة له حتى تجب إعادتها أو قضاؤها ؟ فهل تجري قاعدة الفراغ بالإضافة إلى أعماله المتقدمة ليحكم بصحتها أو  لا ؟ ذكرنا عند التكلّم على قاعدة الفراغ أن جملة من الروايات الواردة في القاعدة وإن كانت مطلقة كقوله (عليه السّلام) في موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) : «كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1) وقوله فيما رواه عن الصادق (عليه السّلام) : «كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك فيه» (2) لعدم تقييدهما بما إذا التفت المكلّف إلى الاُمور المعتبرة في عمله حال الاشتغال به وإن كان يشك في صحته بعد العمل فإنه أمر غالب الاتفاق ، إذ العامل يأتي بالعمل وهو ملتفت إلى الاُمور المعتبرة فيه من الأجزاء والشرائط إلاّ أنه إذا مضت عليه برهة من الزمان نسي كيفية عمله ولم يتذكر أنه كيف أتى به بل قد ينسى الانسان في اليوم ما أكله في اليوم السابق عليه ، مع الجزم بالتفاته إليه حين اشتغاله بأكله .

   إلاّ أن في روايتين من رواياتها اعتبرت الالتفات والأذكرية حال العمل في جريان القاعدة :

   إحداهما : حسنة بكير بن أعين قال «قلت له : الرجل يشك بعدما يتوضأ ؟ قال : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (3) .

   وثانيتهما : رواية محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السّلام) أنه قال : «إن شكّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 8 : 237 / أبواب الخلل في الصلاة ب 23 ح 3 .

(2) وسائل الشيعة 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 6 .

(3) وسائل الشيعة 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 .

ــ[277]ــ

الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً ، وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم ؟ لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1) ورواها الحلّي في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي ابن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم (2) . وهاتان الروايتان تدلان على أن قاعدة الفراغ يعتبر في جريانها الأذكرية والالتفات إلى الاُمور المعتبرة في العمل حين الاشتغال به ليكون احتمال المطابقة للواقع على القاعدة وموافقاً للطبع والعادة ، فلا تجري في موارد احتمال الصحة من باب المصادفة الاتفاقية واليانصيب أو الحظ والبخت . وعلى ذلك لا يمكن التمسك بالقاعدة في المقام وذلك لفرض غفلة المكلّف عن الاُمور المعتبرة في الواجب لأنه أتى به من دون تقليد من أحد أو عن التقليد غير الصحيح ، واحتمال صحة عمله إنما هو من باب الصدفة والاتفاق لا من جهة كون الصحة مطابقة للطبع والعادة .

   وأما ما عن شيخنا الاستاذ (قدّسر سرّه) من أن الأذكرية المستفادة من قوله (عليه السّلام) «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» إنما ذكرت حكمة للتشريع لا علّة للحكم بالمضي(3) فقد أجبنا عنه في محلّه بأنه خلاف ظاهر الروايتين . ولا يمكن استفادته منهما لدى العرف لظهورهما في التعليل ، ولأجل ذلك بيّنا هناك أن القاعدة ليست تعبدية محضة ، وإنما هي من جهة الأمارية وما تقتضيه العادة والطبع فإن المتذكّر والملتفت إلى ما يعتبر في عمله يأتي به صحيحاً مطابقاً لما يتذكره عادة .

   وعلى الجملة أن القاعدة تعتبر فيها الأذكرية وهي مفقودة في المقام ، فإذا لم تجر القاعدة في محل الكلام فلا مناص من أن يرجع إلى الاُصول العملية فنقول :

   أما بحسب الاعادة فمقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب لتنجّز التكليف في حقه بالعلم الاجمالي أو الاحتمال وهو يقتضي الخروج عن عهدة امتثاله لا محالة ، وحيث إنه لم يحرز فراغ ذمته فمقتضى علمه بالاشتغال وجوب الاعادة حتى يقطع بالفراغ .

   وأما بحسب القضاء فمقتضى ما ذكرناه في محلّه من أن القضاء بأمر جديد وأن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 8 : 246 / أبواب الخلل في الصلاة ب 27 ح 3 .

(2) السرائر 3 : 614 .

(3) أجود التقريرات 2 : 481 .

ــ[278]ــ

   وإلاّ فيقضي ((1)) المقدار الّذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط ، وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موضوعه الفوت الّذي هو من الاُمور الوجودية دون العدمية المحضة وإن كان ينتزع من عدم الاتيان بالمأمور به في وقته ويعبّر عنه بالذهاب عن الكيس ، عدم وجوبه في المقام لعدم إحراز موضوعه الّذي هو الفوت ، فإنه من المحتمل أن يكون أعماله مطابقة للواقع ولو من باب الصدقة والاتفاق .

   وأما بناء على أن القضاء بالأمر الأول وأن الاتيان بالعمل في وقته من باب تعدد المطلوب ، وأن إتيانه في الوقت مطلوب والاتيان بأصله مطلوب آخر ، أو بناء على أن الفوت أمر عدمي وهو نفس عدم الاتيان بالمأمور به في وقته فلا مناص من الالتزام بوجوب القضاء ، وذلك أما بناء على أن الفوت أمر عدمي فلوضوح أن استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به في وقته يقتضي وجوب القضاء ، إذ به يثبت أن المكلّف لم يأت بالمأمور به في وقته .

   وأما بناء على أن القضاء بالأمر الأول فلأن المأمور به حينئذ ليس من الموقتات وإنما هو موسّع طيلة الحياة ، وإن كان الاتيان به في الوقت مطلوباً أيضاً على الفرض ومع الشك في الاتيان بالمأمور به وعدمه مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الاعادة حتى يقطع بالفراغ ، فما ذكرناه من عدم وجوب القضاء يتوقف على أن يكون القضاء بالأمر الجديد ، ويكون موضوعه الّذي هو الفوت أمراً لازماً لعدم الاتيان بالمأمور به لا أمراً عدمياً كما مرّ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net