المقدمة 

الكتاب : محاضرات في المواريث   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 372

محاضرات في المواريث، ص: 7‌

كلمة المؤسّسة

(الإرث) في الشريعة الإسلامية، يعدّ واحدا من أهمّ المحاور الاقتصادية المرتبطة بعملية (التوزيع).

و إذا كان (الإنتاج) يهدف إلى تحقيق الإشباع لحاجات الناس، و هو (الاستهلاك)، فإنّ (التوزيع) يظلّ هو المادّة المقنّنة لعمليّة الاستهلاك أو الإشباع.

لذلك يكتسب أهميّته القصوى ما دام أساسا هو المخطّط أو المقنّن للعملية المذكورة.

و قوانين الإسلام- في نطاق الإرث- تشكّل أدوات مقنّنة لتوزيع الثروة الفردية عبر شبكة (الأقارب) أو (الأرحام) .. و من المعلوم أنّ القوانين الإسلامية ترتبط من جانب بشبكة متلاحمة من الظواهر لا ينفصل بعضها عن الآخر، أي لا ينفصل ما هو اجتماعي مثلا عمّا هو اقتصادي، أو هما عمّا هو سياسي، الخ. بيد أنّها من جانب آخر- أي الظواهر في التصوّر الإسلامي- ترتبط أيضا بعلاقات (فردية) أو مؤسّسات اجتماعية يطلق عليها في مصطلح علم الاجتماع مصطلح (الجماعة الأوّليّة)، و في مقدّمتها (الأسرة) و تجاوزها إلى ما يطلق عليه مصطلح (القرابة) أو (الأرحام) حيث أنّ الإسلام في مجال قوانين الإرث حدّد نطاق (الجماعات الأوّليّة)- أي القرابة- عبر طبقات الآباء و الأمّهات و الأجداد و الأولاد‌

محاضرات في المواريث، ص: 8‌

و الإخوة و الأعمام و الأخوال الخ .. بل تجاوز نطاق الأرحام (في حالة عدم وجودهم) إلى نطاقات اجتماعية أخرى (كالعبيد مثلا)، و من ثمّ: المؤسّسة المرجعية في حالة ما إذا لم يكن للميّت وارث.

و تتفاقم أهمّية التوارث (ليس في نطاق الإشباع المادّي أو الاقتصادي لحاجات الأقارب) بل في تحقيق التوازن الفردي و الاجتماعي من خلال توثيق العلاقات الودّية فيما بينهم. و من الواضح أنّ (الذات) الفردية- و هذا ما يؤكّده علماء النفس- تبدأ من نظرتها حول ذاتها لتنتسب إلى الأوسع من الذات لتشمل الأبوين و الأولاد و الأجداد و الأزواج؟ بحسب علاقات النسب و المواجهة المتفاوتة في القرب أو البعد. فعلاقات الأبوّة مثلا هي أقرب من (الأخوّة)، و الأخيره من (الخؤولة)؟ و هكذا. و يلاحظ: إنّ قوانين الإرث في الإسلام راعت هذه العلاقات المتدرّجة (الأقرب فالأقرب) و هو أمر يتّسق تماما مع طبيعة التركيبة البشرية.

و بهذا النمط من التوارث يتحقّق توازن فردي و اجتماعي من خلال الإشباع الاقتصادي من جانب و النفسي من جانب آخر.

و في ضوء هذه الأهميّة لعمليّة التوارث و انعكاساتها الاقتصادية و النفسية، فإنّ مؤسّستنا (مؤسّسة السبطين عليهما السّلام) أقدمت على طبع و نشر المبادئ أو الأحكام المرتبطة بالإرث، بخاصّة عند ما تقترن بممارسات فكرية تصدر عن أحد كبار فقهاء العصر الحديث (الخوئي)، حيث عالج الظاهرة المذكورة في محاضراته (بحث الخارج)، بصفة أنّ الفائدة المعرفية تتّسع حجومها لهذا الموضوع ما دام البحث أساسا يرتبط بظاهرة اقتصادية و نفسية مهمّة من جانب، و ما دام الباحث يجسّد شخصيّة مفكّرة تحدّد لنا التكييف الفقهي للظاهرة من جانب آخر.

محاضرات في المواريث، ص: 9‌

و ممّا يجدر ذكره هنا أنّ (الخوئي) يتميّز بعمق ممارساته الاستدلالية و ما تتطلّبه مبادئ الممارسة الجادّة من (صناعة) لا يجيدها إلّا من أوتي ذكاء واسعا و معرفة واسعة، حيث انّ طرح المادّة و تقسيمها و تصنيفها إلى أبواب و فصول و حقول و تفريعات متنوّعة، ثمّ: طرح الأقوال و مناقشتها، و اصطناع الإشكالات و حلّها،.

الخ،. كلّ ذلك من خلال التوكّؤ على أدوات الاستدلال الرئيسية (الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل) و الأدوات الثانويّة، (من شهرة أو أصل أو قاعدة الخ)، مضافا إلى ما تتّسم به شخصيّة (الخوئي) من تميّز في التوكّؤ على الأداتين (الأصوليّة و الرجالية) بخاصّة، حيث يتعاظم لديه استخدام تينك الأداتين بنحو ملحوظ، و هو أمر يلاحظه المتتبّع لدراساته المتنوّعة في ميادين الفقه و الأصول و التفسير الخ.

متمثّلة في مجلّدات (التنقيح) و (مصباح الفقاهة) و سواهما.

بيد أنّ الملاحظ بالنسبة إلى مادّة (الإرث) نجد ضمورا للأداتين المذكورتين (الأصولية و الرجالية)، و لعلّ ذلك يعود إلى توفّر النصوص الكتابية و الحديثيّة بالقياس إلى سواها من ظواهر الأحكام، ثمّ قلّة (التضارب) الظاهري أو الباطني بين النصوص (أي: التعارض) ثمّ ما يستتبع ذلك من قلّة التفاوت في وجهات النظر، و ما يترتّب على هذا من عدم الحاجة إلى عرض الأقوال و مناقشاتها الخ .. عدا مواقع تتناثر هنا و هناك؟ و منها مثلا: ما نجده من الأحكام المرتبطة بالتعصيب و العول، و منها (بخاصّة فيما يرتبط بالأداة (الرجالية) حيث عرف (الخوئي) مثلا بتشدّده الملحوظ في التعامل مع (السند)، حتّى أنّه ليغامر بالنصوص ليتّجه إلى أصل عملي أو قاعدة (فوقية) أو الالتفاف أساسا على نصّ غير مباشر (ما دام معتبرا) كما صنع مثلا بالنسبة إلى عدم وراثة المسلم للكافر، حيث صرّح بأنّ ثمّة روايات‌

محاضرات في المواريث، ص: 10‌

(مستفيضة) تتحدّث صراحة عن الجانب المذكور، و لكنّه ردّها (مع أنّها مستفيضة) لكونها (ضعافا) لا يعتمد عليها، و اضطرّ إلى أن يتوكّأ؟ على نصّ معتبر لا يتحدّث مباشرة عن الموضوع، بل يشير إلى أنّ الكافر إذا أسلم قبل القسمة فالميراث له، حيث قام (الخوئي) هنا بعملية التفاف مطوّل- لا مجال للاستشهاد به الآن لاستخلاص الدلالة التي نطقت النصوص الضعيفة بها و رفضها كما قلنا. المهمّ:

إنّ ما نعتزم الإشارة إليه هو أنّ ما يتوفّر عليه (الخوئي) من الممارسات الفقهيّة (و منها: المادّة المرتبطة بالإرث) تظلّ حافلة بأهميّة عظمى، بصفة أنّها تصدر عن أحد أبرز فقهاء العصر الحديث ممّن تزعّم الحوزة العلمية في النجف قرابة نصف القرن، كما ظفر بمرجعيّة شاملة لم تتح إلّا للقليل.

و لقد أحسن عملا: تلميذه (سماحة السيد محمّد علي الخرسان) حينما دوّن لنا تقريرات استاذه في الإرث، و رتّبها على هذا النحو الذي اضطلعت به مؤسّستنا، بالإضافة إلى أنّ (الخرسان) قد أحسن عملا أيضا حينما وشّح التقريرات المذكورة بتعليقات متنوّعة، فضلا عن أنّه عرض موضوع (التعصيب) حيث طرح أدلّة القائلين به و ناقشها، و هو أمر لم تتح الفرصة لأستاذه أن يعرض لها، حيث أنّ عمره الشريف كان قد أوشك على النهاية، و هو أمر مؤسف: لعدم استكمال استاذه جميع الأبحاث المرتبطة بالإرث، ..

ختاما: نسأله أن يوفّقنا إلى المزيد من تقديم ما وسع مؤسّستنا من الخدمة لإسلامنا العظيم.

محاضرات في المواريث، ص: 11‌

المقدّمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الّذي أنزل على عبده الكتاب، و لم يجعل له عوجا، قيّما لينذر بأسا شديدا من لدنه، و يبشّر المؤمنين الّذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا.

و الصلاة و السلام على أشرف رسله الّذي أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون، و على أهل بيته الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

أهمية التقيّد بأحكام اللّه:

لقد دأب علماء الإسلام منذ زمن الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى يومنا هذا على التعرف على أحكام اللّه تعالى بالسؤال منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و التعلّم منه، و البحث عمّا ورد في القرآن الكريم من الأحكام و تبليغها؛ و ذلك لأنّ النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد حثّ الناس كثيرا على تعلّم القرآن و تعليمه و تعلّم الأحكام و تعليمها، كما وردت الآيات الكثيرة الآمرة بالتقيّد بأحكام اللّه، و أنّ مخالفة هذه الأحكام خروج عن الدين الحنيف و كفر باللّه العزيز، و أنّ الحكم بغير حكم اللّه إنّما هو حكم الجاهليّة، فقد قال تعالى في سورة النحل وَ لٰا تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هٰذٰا حَلٰالٌ وَ هٰذٰا

محاضرات في المواريث، ص: 12‌

حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ لٰا يُفْلِحُونَ «1» و قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ «2»، و قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ «3»، و قال تعالى:

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ «4»، و قال تعالى أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ «5».

الجاهلية في نظر القرآن الكريم:

و بمقتضى المقابلة في الآية الأخيرة بين حكم اللّه و حكم الجاهليّة، و بمعونة الروايات المتضافرة الدالّة على المقابلة بين حكم اللّه و حكم الجاهليّة يتبيّن لنا أن للقرآن الكريم اصطلاحا خاصّا بالجاهليّة، و اصطلاح القرآن مأخوذ بلحاظ الحكم لا بلحاظ المراحل الزمنيّة، إذ أنّ الحكم حكمان: «حكم اللّه» و «حكم الجاهليّة»، فكلّ ما خالف حكم اللّه فهو حكم الجاهليّة. و هذا لا يختصّ بمرحلة معيّنة من التأريخ، بل في جميع الأزمنة و الأمكنة كلّ حكم مخالف لما أنزل اللّه فهو حكم جاهليّ، سواء كان قبل الإسلام أم بعده إلى يوم القيامة، فقد روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال: «القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا‌

______________________________
(1) النحل: 116.

(2) المائدة: 44.

(3) المائدة: 45.

(4) المائدة: 47.

(5) المائدة: 50.

محاضرات في المواريث، ص: 13‌

يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة، و قال عليه السّلام: الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهليّة». «1»

و روي أيضا عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه». «2»

شدّة اهتمام الشارع المقدّس بأحكام الفرائض:

و قد اهتمّ الشارع المقدّس اهتماما بالغا بأحكام الإرث فاعتنى بها عناية خاصّة و قد ذكرها تعالى في كتابه المجيد و أمر بالالتزام بها و هدّد من يخالفها فقال تبارك و تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا وَ لَهُ عَذٰابٌ مُهِينٌ «3» فالمتتبّع في النصوص يتّضح‌

______________________________
(1) الكافي 7: 407، ح 1.

(2) الكافي 7: 409، ح 2.

(3) فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي 2: 128، في تفسير قوله تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ* [النساء: 13 و 14] الآيتين: أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ* يعني طاعة اللّه، يعني المواريث التي سمّى، و قوله وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يعني من لم يرض بقسم اللّه و تعدّى ما قاله .. و أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ* يعني سنّة اللّه و أمره في قسمة الميراث، وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ* فيقسم الميراث كما أمره اللّه، و من يعص اللّه و رسوله قال: «يخالف أمره في قسمة المواريث يدخله نارا خالدا فيها، يعني من يكفر بقسمة المواريث و هم المنافقون كانوا لا يعدّون للنساء و الصبيان الصغار من الميراث نصيبا» .. و أخرج ابن أبي شيبة في المصنّف، و سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من قطع ميراثا فرضه اللّه قطع اللّه ميراثه من الجنّة» انتهى كلام السيوطي.

محاضرات في المواريث، ص: 14‌

له جليّا أنّ الإرث حقّ قد جعله اللّه تعالى للوارث، و قد قدّره بمقادير معيّنة، فجعل لكلّ وارث حقّه الخاصّ به بمقتضى حكمته تعالى و تدبيره، سواء كان الوارث ممّن يرث بالفرض- و هي السهام الستّة المذكورة في القرآن الكريم- أم كان الوارث ممّن يرث بالقرابة و لم يقدّر له سهم في كتاب اللّه، فالحقّ مقدّر ممّن لا تخفى عليه ذرّة في العالمين، و قد أعطى كلّ شي‌ء حقّه.

و لمّا كان تعالى هو المالك الحقيقي فليس لأيّ أحد التصرّف في هذه المقادير و تغييرها عمّا أمر اللّه به. و قد قال تعالى فيها فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ* «1»، و أيّ أحد له الحقّ في تعدّي حدود اللّه و تغيير فرائضه و أحكامه؟! فإنّ ذلك لا يسوغ حتّى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقد قال تبارك و تعالى وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ.

لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ «2».

فإذا كان الرسول الكريم لا يسوغ له تعدّي هذه الحدود و تجاوز أحكام اللّه فكيف بغيره من أمّته؟ فما يزيد أحد في حقّ أحد الورثة إلّا و هو ظالم لبقية الورثة حيث إنّ هذه الزيادة تقتطع من نصيب الباقين و تدفع إليه، فيكون ظلما و إجحافا في حقوقهم و تعدّيا و مخالفة للّه و للرسول، إذا لا بدّ من إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه كما حكم اللّه و أراد لينتشر العدل بين الناس و تنتظم حياتهم، و لذا فإنّه تعالى قد شدّد النكير على من يخالف أحكامه و فرائضه التي فرضها كما مرّ في قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ ..* و قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي

______________________________
(1) النساء: 11.

(2) الحاقّة: 44- 47.

محاضرات في المواريث، ص: 15‌

بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. «1»

فنرى أنّه تعالى يتوعّد من يخالف أحكام الفرائض و يتعدّى حدوده بالخلود في نار جهنّم و العذاب المهين، لأنّه تعالى هو العالم بخفايا الأمور و حقائقها، و لا يعزب عنه شي‌ء في الأرض و لا في السماء. قال تعالى عٰالِمِ الْغَيْبِ لٰا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقٰالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ لٰا فِي الْأَرْضِ وَ لٰا أَصْغَرُ مِنْ ذٰلِكَ وَ لٰا أَكْبَرُ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ «2».

و قال تعالى آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ لٰا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً «3» فالعلم عند اللّه، و هو الذي يرشدنا و يهدينا، و لا بدّ لنا من التعبّد بشريعته المقدّسة بدون زيادة أو نقيصة، و لا يكون ذلك إلّا بالتمسك بالقرآن الكريم و امتثال أوامر الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و لذا فإنّ النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد حثّ المسلمين حثّا شديدا على تعلّم القرآن الكريم و تعليمه، و تعلّم الأحكام و تعليمها، و تعلّم الفرائض و تعليمها، لأنّ الجهل بها يؤدي إلى الوقوع في الخطأ، و إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه الذي هو حكم الجاهليّة، و يرجع الأمّة إلى جاهليّتها بعد تلك الجهود التي بذلها رسول اللّه، و بعد ما أنقذهم من الجهالة و حيرة الضلالة، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الحفّاظ و صحّحوه عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تعلّموا القرآن و علّموه الناس، و تعلّموا الفرائض و علّموها الناس، و تعلّموا العلم و علّموه الناس، فإنّي امرئ مقبوض، و أنّ العلم سيقبض، و تظهر الفتن حتّى يختلف الاثنان في‌

______________________________
(1) النساء: 10.

(2) سبأ: 3.

(3) النساء: 11.

محاضرات في المواريث، ص: 16‌

الفريضة لا يجدان من يقضي بها». «1»

و قد وردت بهذا المضمون أحاديث اخر كثيرة تحثّ على تعلّم الفرائض و تعليمها لا يسع المقام لنقلها.

اختلاف المسلمين بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أحكام الإرث:

إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسب ما في الحديث المتقدّم و غيره يخبرنا عمّا يقع بعده من الفتن، و اختلاف الناس، و رجوعهم إلى جاهليّتهم حتّى أنّ الاثنين يختلفان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها، كما أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صرّح بأنّ العلم سيقبض من بعده.

و قد حدث ذلك بعد وفاة النبيّ مباشرة، فقد وقع الخلاف الشديد بين المسلمين في أحكام اللّه و على الأخص في الفرائض، فذهب كلّ منهم مذهبا، و تناسوا الكتاب العزيز، و حكموا بآرائهم دون مراجعته، و لا سيّما ما وقع من الخلاف بين الشيعة و غيرهم من المذاهب الإسلاميّة.

فتراهم اختلفوا في أهمّ المسائل التي تبتني عليها الفروع الكثيرة، كمسألة العول، و مسألة التعصيب و غيرهما.

فمثلا: اختلفوا فيما يزيد على الفروض هل أنّه يردّ على أصحاب الفروض أم أنّه يعطى إلى العصبات؟ فإذا خلّف الميّت بنتا واحدة فقط فإنّ لها النصف بمقتضى الآية المباركة، و أمّا النصف الباقي فلمن يعطى؟

فقد قال الشيعة أنّه يردّ عليها، فهي ترث تمام المال، نصفا بالفرض، و النصف الآخر بالقرابة.

______________________________
(1) راجع مستدرك الحاكم 4: 369، ح 9750. و قد صححه الحاكم و الذهبي، و السنن الكبرى للنسائي 4:

63. و سنن الدار قطني 4: 81- 82 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ بدون تغيير في المعنى.

محاضرات في المواريث، ص: 17‌

و ذهب بقية فقهاء المذاهب إلى أنّ النصف الآخر يعطى للعصبات، و هم كلّ من ينتسب إلى الميّت عن طريق الذكور بلا واسطة أو مع الواسطة- و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه- و هذه المسألة هي مسألة التعصيب، و قد استدل كل من الفريقين على رأيهم بأدلّة سيأتي التعرّض لها إن شاء اللّه.

فبالرغم من أنّ أحكام الفرائض مذكورة في القرآن الكريم بأحسن بيان و أحسن تفصيل، و أن النبيّ الكريم قد حثّ الأمّة على تعلّم هذه الأحكام و تعليمها نجد هذا الاختلاف العظيم بين المسلمين.

ما هو سرّ هذا الخلاف؟

فما هو سرّ هذا الاختلاف؟ و ما هو منشؤه؟ و أيّ الفريقين أحقّ أن يتّبع، و أيّهم أحقّ أن يطرح و لا يعتنى به؟ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ. «1»

السرّ هو جهل الخلفاء بالشريعة المقدّسة:

فإذا رجعنا إلى التأريخ و السّير نجد أنّ سرّ هذا الاختلاف الذي نشأ بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّما هو تولي من لا أهلية له منصب الخلافة و الإفتاء كما أخبرنا هو بذلك، ففي زمان الخلافة الراشدة- على حدّ تعبيرهم- وقع هذا الاختلاف، و تمزّقت كلمة الأمّة، و غصبت الحقوق، و حكم بغير ما أنزل اللّه، فإذا ألقينا نظرة إلى كتب الحديث و الفقه و كتب السير نجد أنّ جذور الخلاف و الظلم ممتدّة من ذلك الحين، فقد تقمّص منصب الخلافة بعد رحيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أجهل الناس بهذه الأحكام‌

______________________________
(1) الأنفال: 42.

محاضرات في المواريث، ص: 18‌

و بكتاب اللّه، فكانوا كلّما سئلوا عن حكم رجعوا إلى غيرهم ليسألوهم عمّا حفظوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في هذه المسألة أو تلك، مع أن المسألة مبيّنة في كتاب اللّه العزيز بأوضح وجه، و قد أجابهم هؤلاء و رووا عن رسول اللّه افتراء عليه ما يخالف نصّ القرآن الكريم. و هذا ما أخبرنا به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما علّمه اللّه تعالى بذلك، فهو الذي أخبر بأنّ العلم سيقبض من بعده و تحدث الفتن، و أنّه يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يقضي بها.

و إليك نموذجا من الأحاديث التي نقلها الحفّاظ و المحدّثون ممّا تدلّ على اختلاف الناس في الفرائض بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو إنّما يكشف عن جهل اولئك الغاصبين لمنصب الخلافة، و عدم معرفتهم بأحكام اللّه تعالى و فرائضه التي قد بيّنها في القرآن الكريم، فأدّى ذلك إلى ما وقع فيه المسلمون من اختلاف الكلمة و التمزّق و التشرذم.

فقد روي عن قبيصة بن ذؤيب، قال: «جاءت الجدّة إلى أبي بكر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت: إنّ لي حقّا: إن ابن ابن أو ابن ابنة لي مات؟ قال: ما علمت لك في كتاب اللّه حقّا، و لا سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه شيئا، و سأسأل الناس، فسألهم، فشهد المغيرة بن شعبة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطاها السدس، قال: من سمع ذلك معك؟ فشهد محمّد بن مسلمة، و أعطاها أبو بكر السدس». «1»

______________________________
(1) راجع الصواعق المحرقة: 35. و مستدرك الحاكم و بذيله التلخيص 4: 376، ح 7978، و قد صححه الحاكم و الذهبي على شرط الشيخين. و سنن ابن ماجه 2: 163. و أخرجه مالك في الموطّأ 2: 513، ح 4، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ و زاد فيه: «ثم جاءت الجدّة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال لها: مالك في كتاب اللّه شي‌ء و ما كان القضاء الذي قضى به إلّا لغيرك، و ما أنا بزائد في الفرائض شيئا، و لكنه ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، و أيتكما خلت به فهو لها».

محاضرات في المواريث، ص: 19‌

و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة «1» (و أخرج) الدار قطني عن القاسم بن محمّد: «إنّ جدّتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أمّ أمّ، و أمّ أب، فأعطى الميراث أمّ الأمّ، فقال له عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ البدريّ: أعطيت التي لو أنّها ماتت لم ترثها، فقسّمه بينهما» فنجد أنّ الخليفة هنا قد أخطأ مرّتين، فإنّ أمّ الأمّ تأخذ نصيب ابنتها، و هو الثلث، و أمّ الأب تأخذ الثلثين نصيب ابنها، فلا تعطى إحداهما دون الأخرى كما صنع أوّلا، و لا يقسّم بينهما بالسوية كما صنعه ثانيا.

و نظرة في هذين الحديثين تكشف لك أوّلا: أنّ الخليفة يجهل أحكام اللّه و فرائضه، فهو لا يعلم ما هو حقّ الجدّة إذا مات حفيدها أو حفيدتها، فيبقى يسأل هذا و ذاك ليرووا له ما حفظوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فيحكم على طبق روايتهم.

و قد تختلف الرواية عن رسول اللّه، أو أنّه لا يوجد من سمع الحكم من رسول اللّه، و هذه هي المصيبة العظمى حيث يبقى الخليفة حيران لا يدري ما يفعل، و بأيّ الأقوال يأخذ و أيّها يدع.

و ثانيا: يأتي الكلام في المغيرة الّذي اعتمد عليه الخليفة في نقل الحديث و الشهادة، و أمر المغيرة معلوم من النفاق و الفسق.

و ثالثا: الحكم الذي نسبوه إلى رسول اللّه و أفتى بموجبه الخليفة فإنّه مخالف لما أنزل اللّه تعالى، فلم يفرض للجدّة فريضة، و إنّما فرض السدس للأمّ مع وجود الأخوة أو الأولاد- على تفصيل مذكور في محله- و أمّا الجدّة فهي إنّما ترث بالقرابة، و لا فريضة لها. و قد قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ

______________________________
(1) الصواعق: 35.

محاضرات في المواريث، ص: 20‌

، «1»، و قال تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا وَ لَهُ عَذٰابٌ مُهِينٌ «2»، و لا أدري أين موقع الخليفة من هاتين الآيتين بعد الحكم بغير علم و بغير ما أنزل اللّه؟! و عن الشعبيّ، سئل أبو بكر (رض) عن الكلالة، فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن اللّه، و إن يك خطأ فمنّي و من الشيطان: أراه ما خلا الولد و الوالد. فلمّا استخلف عمر (رض) قال: إنّي لأستحيي اللّه أن أردّ شيئا قاله أبو بكر». «3»

و السؤال هنا أين كان الخليفة من قوله تعالى وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «4»، و قوله تعالى وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ. لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ؟. «5»

كيف أفتى الخليفة برأيه و تقوّل على اللّه و اقتفى ما ليس له به علم، مع أنّه تعالى ينزّه نبيّه عن هذه الأمور، و ينهاه عنها، و يهدّده على المخالفة؟

ثمّ يأتي السؤال عن الثاني الذي عرف من صاحبه أنّه أفتى برأيه، و اقتفى ما ليس له به علم و لا حجّة له من اللّه، و هو لا يدري أنّ ما حكم به مطابق لحكم اللّه أم أنّه من حكم الشيطان الرجيم، فكان الأجدر بعمر أن يستحيي من اللّه قبل أن يستحيي من ردّ قول صاحبه الذي هو من رأي الشيطان، و قد قال تعالى‌

______________________________
(1) المائدة: 44.

(2) النساء: 14.

(3) راجع سنن الدارميّ 3: 365. و السنن الكبرى للبيهقيّ 6: 223.

(4) الأسراء: 36.

(5) الحاقة: 44- 46.

محاضرات في المواريث، ص: 21‌

إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. «1»

هذا مع أنّ مسألة الكلالة من أوضح المسائل الّتي بيّنها اللّه تعالى في كتابه الكريم بأبلغ و أجلى بيان في آيتين من سورة النساء: في الآية 12 الّتي ذكر فيها كلالة الامّ، و الآية الأخيرة من سورة النساء الّتي عبّر عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بآية (الصيف)، و قد ذكر فيها كلالة الأبوين أو الأب فقط، و مع ذلك فقد جهلوا الكلالة و لم يعرفوها، و كثر الاختلاف فيها بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فقد فسّروها بتفاسير كثيرة، كلّ يقول فيها بحسب ذوقه، و بما تشتهيه نفسه، فمنهم من قال: الكلالة (من ليس له والد و لا ولد)، و قيل: إنّها (من سوى الوالد) أو (من سوى الوالد و ولد الولد) أو (من سوى الولد)، أو أنّها (الاخوة)، أو الكلالة: هي (المال). و قيل:

(الفريضة). و قيل: (بنو العمّ و نحوهم). و قيل: (العصبات و إن بعدوا). «2»

و عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: إنّ عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذكر أبا بكر فقال: ثمّ إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة، ما راجعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في شي‌ء ما راجعته في الكلالة، و لا أغلظ لي في شي‌ء ما أغلظ لي فيه حتّى طعن بإصبعه في صدري، و قال: «يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! ..». «3»

و أخرج ابن راهويه و ابن مردويه، عن عمر: أنّه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كيف تورث الكلالة؟ فأنزل اللّه يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلٰالَةِ .. الخ‌

______________________________
(1) فاطر: 6.

(2) راجع فتح الباري 8: 268. و أحكام القرآن للجصّاص 3: 16، و ما بعدها.

(3) راجع صحيح مسلم كتاب الفرائض 5: 61. و مسند أحمد 1: 48. و سنن ابن ماجه 2: 163. و أحكام القرآن للجصاص 3: 18. و سنن البيهقي 6: 224. و 8: 150. و تفسير القرطبي 6: 29.

محاضرات في المواريث، ص: 22‌

فكان عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته، فقال: «أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها». فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما قال. «1»

و أخرج ابن جرير، عن الحسن بن مسروق، عن أبيه، قال: سألت عمر- و هو يخطب الناس- عن ذي قرابة لي ورث كلالة، فقال: الكلالة الكلالة الكلالة، و أخذ بلحيته، ثمّ قال: و اللّه لإن أعلمها أحبّ إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شي‌ء، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «أ لم تسمع الآية الّتي انزلت في الصيف؟

فأعادها ثلاث مرات». «2»

و أخرج عبد الرزاق و ابن جرير و ابن المنذر، عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطّاب إذا قرأ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قال: «اللهم من بيّنت له الكلالة فلم تتبيّن لي» «3» و أخرج ابن أبي شيبة الدارمي و ابن جرير، عن أبي الخير: أن رجلا سأل عقبة بن عامر عن الكلالة، فقال: «ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، و ما أعضل بأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شي‌ء ما أعضلت بهم الكلالة! «4» و لذا فقد قال ابن حجر في فتح الباري: (لكثرة الاختلاف في الكلالة صحّ عن عمر أنّه قال: لم أقل في الكلالة شيئا). «5»

و كأنّه يرى أنّ في هذا عذرا للخليفة بأن يكون جاهلا بحكم قد بيّنه اللّه تعالى‌

______________________________
(1) الدر المنثور 2: 249.

(2) الدر المنثور 2: 251.

(3) الدر المنثور 2: 252.

(4) الدر المنثور 2: 250.

(5) فتح الباري 8: 268.

محاضرات في المواريث، ص: 23‌

في كتابه العزيز بأوضح بيان، و لم يدع فيه غموضا، كما في الآية الأخيرة من سورة النساء. «1»

فمع جلاء الأمر و وضوحه، و قد فصّله تبارك و تعالى بما لا مزيد عليه ترى القوم حائرين تائهين قد ضلوا السبيل لا يدرون ما يصنعون، مع أنّه تعالى قال في آخر الآية يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا و قد ضلّوا و عموا و أضلّوا، و وقع ذلك منهم كثيرا مع قرب عهدهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و القرآن بين أيديهم.

و قد روى الخطّابي، عن هزيل بن شرحبيل الأوديّ، قال: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري و سلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة و ابنة ابن و اخت لأب و أمّ، فقالا: لابنته النصف و للأخت من الأب و الأمّ النصف، و لم يورثا ابنة الابن شيئا و ائت ابن مسعود فإنّه سيتابعنا، فأتاه الرجل فسأله و أخبره بقولهما، فقال: لقد ضللت إذا و ما أنا من المهتدين، و لكنّي أقضي فيها بقضاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لابنته النصف، و لابنة الابن سهم تكملة الثلثين، و ما بقي فللأخت من الأب و الأمّ.

قال الخطّابيّ في معالم السنن في شرح هذا الحديث:

قال الشيخ: في هذا بيان أنّ الأخوات مع البنات عصبة، و هو قول جماعة الصحابة و التابعين و عامّة فقهاء الأمصار إلّا ابن عباس رضى اللّه عنه فإنّه قد خالف عامّة الصحابة في ذلك، و كان يقول في رجل مات و ترك ابنة و اختا لأبيه و أمّه: أنّ النصف لابنة، و ليس للأخت شي‌ء.

و قيل له: إنّ عمر بن الخطّاب (رض) قضى بخلاف ذلك: جعل للأخت النصف و للابنة النصف، فقال: أهم أعلم أم اللّه؟! يريد قوله سبحانه‌

______________________________
(1) النساء: 176.

محاضرات في المواريث، ص: 24‌

إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ فإنّما جعل للأخت الميراث بشرط عدم الولد.

و روي عنه أنّه كان يقول: «وددت أنّي و هؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين». «1»

فهذا ابن عباس تلميذ عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام أخذ أحكام اللّه من الكتاب العزيز كما علّمه استاذه سيّد المتّقين باب مدينة علم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو لا يحكم إلّا بما جاء في كتاب اللّه، فلا يحكم بحكم الجاهليّة و لا يفتري على اللّه الكذب، بل يأخذ الحكم من منهله العذب، و يبيّنه للناس من دون تردّد، و لذا نراه حاضرا للمباهلة مع من يخالفه، بخلاف القوم الذين أفتوا بغير علم و لا حجّة من اللّه، فإنّا إذا لا حظنا هذا الحديث الّذي رواه هزيل نجد التناقض في قضيّة واحدة بين حكم أبي موسى الأشعري و سلمان بن ربيعة و حكم ابن مسعود، مع أنّهم كلّهم أخطئوا حكم اللّه و حكموا بغير ما أنزل اللّه بالرغم من وجود الحكم في كتاب اللّه، قد بيّنه تعالى واضحا جليّا فيصدق هنا قوله تعالى أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. «2»

و عن الحكم بن مسعود الثقفي، قال: قضى عمر بن الخطّاب في امرأة توفّيت، و تركت زوجها و أمها، و إخوتها لأمّها، و اخوتها لأبيها و أمّها، فأشرك عمر بين الاخوة للأمّ و الاخوة للأب و الامّ في الثلث، فقال له رجل: إنّك لم تشرك بينهما عام‌

______________________________
(1) راجع معالم السنن شرح سنن أبي داود 4: 87، ح 1289. و أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 371، ح 7958، و قد صححه الحاكم و الذهبي على شرط الشيخين. و أخرجه البخاريّ في صحيحه 8: 6، باب ميراث ابنة الابن مع ابنة.

(2) المائدة: 50.

محاضرات في المواريث، ص: 25‌

كذا و كذا، فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، و هذه على ما قضيناه. «1»

و هنا يأتي السؤال أ ليس للّه تعالى أحكام ثابتة قد شرّعها وفقا لمصالح العباد؟

و هل أن اللّه تعالى قد فوّض الأمر إلى عمر يعبث في الشريعة كيف يشاء، فيوما يحكم كذا و يوما آخر يحكم بحكم مناقض للأوّل؟

أ ليس هنا حكم للّه يجب اتّباعه و قانون مطّرد في الإسلام لا بدّ من الالتزام به؟! و عن عبيدة السلمانيّ، قال: لقد حفظت من عمر بن الخطّاب في الجدّ مائة قضيّة مختلفة كلّها ينقض بعضها بعضا. «2»

و قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: (و كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثمّ ينقضه و يفتي بضدّه و خلافه. قضى في الجدّ مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثمّ خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه.

و قال مرة: لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبيّ إلّا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة: ما جعل اللّه لك ذلك، إنّه تعالى قال وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً فقال: كلّ الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال، ألا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت، فاضلت إمامكم ففضلته! و مرّ يوما بشابّ من فتيان الأنصار، و هو ظمآن، فاستسقاه فجدح له ماء‌

______________________________
(1) كنز العمال 11: 25، ح 30481. أخرجه عن عبد الرزاق في الجامع، و ابن أبي شيبة. و عن البيهقي في السنن الكبرى 6: 255. و الدارمي في سننه 1: 154.

(2) كنز العمال 11: 58، ح 30613 نقله عن ابن أبي شيبة. و عن البيهقي في السنن الكبرى 6: 245. و عن عبد الرزاق في الجامع.

محاضرات في المواريث، ص: 26‌

بعسل فلم يشربه، و قال: إنّ اللّه تعالى يقول أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ الدُّنْيٰا، فقال له الفتى: يا أمير المؤمنين إنّها ليست لك و لا لأحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّٰارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ الدُّنْيٰا.

فقال عمر: كلّ الناس أفقه من عمر! و قيل: إنّ عمر كان يعسّ بالليل، فسمع صوت رجل و امرأة في بيت، فارتاب، فتسوّر الحائط، فوجد امرأة و رجلا و عندهما زقّ خمر، فقال: يا عدوّ اللّه أكنت ترى أن اللّه يسترك و أنت على معصيته! قال: يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث: قال اللّه تعالى وَ لٰا تَجَسَّسُوا و قد تجسست، و قال وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا و قد تسوّرت، و قال فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا و ما سلمت! و قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنا محرّمهما و معاقب عليهما:

متعة النساء، و متعة الحجّ.

و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج و تأويل، و قد ذكره أصحابنا الفقهاء.

و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهيّة ظاهرة، يحسبه السامع لها أنّه أراد بها ما لم يكن قد أراد، و يتوهّم من تحكى له أنّه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده، فمنها: الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [1]، و معاذ اللّه أن يقصد بها‌

______________________________
[1] الكلمة الّتي قالها: هي نسبة الهجر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد حاولوا التستّر على صاحبهم فحرّفوا الحديث

محاضرات في المواريث، ص: 27‌

ظاهرها! و لكنّه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، و لم يتحفّظ منها.

و كان الأحسن أن يقول: «مغمور» أو «مغلوب بالمرض» و حاشاه أن يعني بها غير ذلك! و لجفاة الأعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط:

ربّ العباد ما لنا و مالكا

قد كنت تسقينا فما بدا لكا

أنزل علينا القطر لا أبا لكا

فقال سليمان: أشهد أنّه لا أب له و لا صاحبة و لا ولد، فأخرجه أحسن مخرج.

و على نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبيّة لمّا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أ لم تقل لنا:

ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها، حتّى شكاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أبي بكر، و حتّى قال له أبو بكر: الزم بغرزه فو اللّه إنّه لرسول اللّه.

و عمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم حتّى اضطرّه إلى مفارقة دار الهجرة، بل مفارقة دار الإسلام كلّها، و عاد مرتدّا داخلا في دين النصرانيّة لأجل‌

______________________________
كما هو دأبهم- و حذفوا قوله: (إنّه ليهجر) كما هو مثبت في الطبعة القديمة من صحيح البخاري، فوضعوا مكانها «إن النبيّ قد غلب عليه الوجع» في الطبعات الحديثة.

إلّا أن المتأمل في هذه الرواية يتّضح له جليّا أنّ عمر مع حزبه قد فرضوا رقابة شديدة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله محاولين منعه من الإدلاء بوصيّته، خوفا من خروج الأمر من أيديهم، و إلّا فما معنى الاختلاف في تلك الساعة: فمنهم من يقول: (قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه كتابا لن تضلّوا بعده) و منهم من يقول: (القول ما قال عمر)! كيف يقدّم قول عمر على قول رسول اللّه؟! و هذا ممّا أدّى إلى انزعاج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و طردهم من مجلسه بقوله: «قوموا عنّي». و لأجل ذلك كان ابن عباس رضي اللّه عنه يتأسّف و يتحسّر، و يقول: (إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم) راجع صحيح البخاري 7: 9، (باب قول المريض: قوموا عنّي). و 5: 137 (باب مرض النبيّ و وفاته).

محاضرات في المواريث، ص: 28‌

لطمة لطمها .. إلخ» «1» انتهى ما أردنا نقله من شرح ابن أبي الحديد.

و قد جمع العلّامة المحقّق الأميني في كتابه (الغدير) الجزء السادس، العشرات من هذه القضايا و أمثالها في فصل عنوانه: (نوادر الأثر في علم عمر) فقد نقل هذه القضايا عن الحفاظ و المحقّقين من العامّة، من كتبهم المعتبرة، فراجعه لتطّلع على مبلغ هذا الخليفة من العلم و التعقّل.

و إذا تأمّلت في عبارات ابن أبي الحديد تجد أن هذا العالم الكبير يترك وجدانه و مروءته و يتمسّك بالعصبيّة الجاهليّة، و يدافع عن الخليفة، و يوجّه هفواته، و يحملها على خلاف واقعها، ليتستّر على جهل الخليفة و ضعف إيمانه بإخراج هذه القضايا على خلاف ظاهرها، و تأويلها.

و لا أدري ما هو الدليل على لزوم هذا التأويل و التمحّل، و إخفاء الحقائق، و إظهار الباطل بمظهر الحقّ، و التمويه على العامّة؟ أ ليس هذا من النفاق.

إنّ اللّه تعالى يريد أن يحقّ الحقّ، و يدحض الباطل، و هؤلاء يريدون أن يلبسوا الباطل لباس الحقّ، و يظهروه على خلاف حقيقته، ليورّطوا الناس و يظلوهم، و إلّا فكم قضيّة من هذه القضايا، و كم هفوة من هذه الهفوات يمكن توجيهها و تأويلها، فقد (اتّسع الفتق على الراتق) فكلّما أوّل خطأ من أخطائه ظهر خطأ آخر أعظم منه، فهل هو خطأ واحد أم اثنان أم عشرة أم ألف؟

رجل قضّى حياته بالأخطاء و الهفوات فما ذا تصلح منه و ما ذا تؤوّل؟! فهو ذلك الجلف الجافي، ذو الطبع الجاف و العنجهيّة الجاهلية الذي كان لا يتأدّب مع رسول اللّه، و يجابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتلك الكلمات القاسية الّتي تكشف عن سوء اعتقاده،

______________________________
(1) شرح ابن أبي الحديد 1: 141، و ما بعدها.

محاضرات في المواريث، ص: 29‌

و عدم إيمانه بالرسالة المقدّسة، كما في قوله الّذي قاله في مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد رأيتم أنّ ابن أبي الحديد يستحي من التصريح بكلمات الخليفة، ثمّ يقول: (و حاشاه أن يعني بها غير ذلك) و لا أدري ما هو المبرّر لهذا التوجيه و الاعتذار عن الخليفة، مع أنّ الخليفة نفسه قد ألقى جلباب الحياء و تجاسر، و لم يكترث، و نحن نقول حاشاه أن يقصد ذلك.

و إذا اعتذر عنه في هذا المقام فما هو توجيهه للألفاظ الّتي كره ابن أبي الحديد حكايتها و الّتي قالها في صلح الحديبيّة ممّا أدّى إلى إزعاج النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و شكايته عند أبي بكر.

و إذا كان يمكن لسليمان بن عبد الملك أن يؤوّل كلام أعرابي بوّال على عقبيه، و يخرجه مخرجا حسنا فهذا لا يمكن أن يكون بالنسبة إلى من ادّعى خلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تقمّص هذا المنصب العظيم. و هل يليق بخليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يكون بهذه المنصب من الحماقة، و سوء الخلق، و الجهل بكتاب اللّه و أحكامه؟!! لا أدري ما ذا يجيب المعتذرون عن الخليفة في هذا المقام، و كيف يوجّهون؟! خليفة يجهل بكتاب اللّه، و يسأل عن مسألة شرعيّة لا يستطيع الإجابة عليها، و يبقى يلتمس الجواب من هذا و ذاك لينقذوه من جهله، و إذا تكلّم ظهر جهله، و افتضح، و ردّ عليه حتّى النساء و الشبّان، و هو الذي تسوّر بيت الناس و دخل عليهم بدون استئذان، و احتجّ عليه صاحب البيت، فتلجلج و لم يقدر على إجابته، و إذا حكم بين الناس جار و أجحف، و كم و كم أنقذه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في قضاياه و أحكامه، حتّى أنّه تواترت عنه كلماته المعروفة، مثل قوله: (لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن) و غير هذه العبارة من التعبيرات الّتي تعرب عن جهله‌

محاضرات في المواريث، ص: 30‌

و احتياجه إلى من يوجّهه و يعلّمه، و إلّا فهو ذلك الرجل الذي يحكم بدون رويّة، و لذا نرى التناقض في أحكامه، فيبلغ التناقض في مسألة واحدة إلى مائة قول، كلّ منها ينقض الآخر، فهل يعقل أن تكون هذه الأقوال كلّها موافقة للواقع؟! أو أنّ الواقع يتغيّر و يتبدّل حسب ما يرتأيه الخليفة؟! و إذا كان الحقّ واحدا لا يتبدّل و لا يتغيّر فلم خالف الواقع في بقية الموارد؟ و ما هو عذره عند اللّه عند ما يحكم بغير ما أنزل اللّه؟!! هذا و قد شهد الخليفة على نفسه في خطبته المشهورة الّتي خطبها بالجابية أنّه لا يعرف غير جباية الأموال و خزنها، أمّا معرفة القرآن الكريم، و معرفة أحكام اللّه و فرائضه فقد أرجع فيها إلى غيره، و إليك نص الخطبة:

عن عليّ بن رباح اللّخميّ، قال: إنّ عمر بن الخطّاب خطب الناس، فقال:

(من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، و من أراد أن يسأل عن الحلال و الحرام فليأت معاذ بن جبل، و من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، و من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإنّي له خازن) و في لفظ آخر: (فإنّ اللّه تعالى جعلني خازنا و قاسما). «1»

و لا أدري كيف نوجّه هذه التصريحات و الاعترافات، و كيف نخرجها على وجه حسن؟! ما هو عذر المدافعين عن الخليفة بعد اعترافه بأنّه لا يحسن إلّا جباية الأموال و خزنها؟! أمّا غير ذلك من معرفة الكتاب العزيز، و معرفة الحلال و الحرام، و معرفة الفرائض، فكل ذلك ليس من شئون الخليفة، و ليس له فيها أيّ نظر، بل المرجع فيها غيره ممّن عيّنهم لذلك. و إن أجاب عن مسألة فقد تقدّمت نماذج من‌

______________________________
(1) راجع كتاب الغدير 6: 229 فقد نقل هذه الخطبة عن مصادر معتمدة بأسانيد معتبرة.

محاضرات في المواريث، ص: 31‌

إجاباته المخالفة لما ثبت من كتاب اللّه و سنّة نبيه.

هذا نزر يسير من أعمال و أقوال الخليفتين الأوّل و الثاني ممّا يدلّ على مبلغ علمهما و اجتهادهما، و لا يسع المقام لذكر المزيد من ذلك، بل نكتفي بهذا المقدار.

و أمّا بالنسبة إلى الخليفة الثالث فأمره معلوم، حيث أنّه لم تسلّم إليه مقاليد الامور إلّا بعد تعهّده بالالتزام بسيرة الشيخين الّتي رفضها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ففي يوم الشورى قال له عبد الرحمن بن عوف: ابايعك على كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرة الشيخين: أبي بكر و عمر، فقال عليه السّلام: «بل على كتاب اللّه و سنّة رسوله و اجتهاد رأيي» فقد عرض عليه سيرة الشيخين ثلاث مرّات و رفضها عليه السّلام، و عرضها على عثمان فقبلها في المرّات الثلاثة. «1»

و في رفضه لها الدلالة الواضحة على بطلانها، إذ أنّ «عليّ مع الحقّ، و الحقّ مع علي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» «2» فكلّ مرفوض من قبل الحقّ فهو باطل بلا إشكال، لأنّ الحقّ و الباطل ضدّان لا ثالث لهما، فعثمان الّذي تمّت بيعته بشرط العمل بسيرة الشيخين كيف يمكنه التخطّي عنها و مخالفتها؟ فهو يعمل بها حتّى إذا علم بخطئها، و مخالفتها لكتاب اللّه و سنّة نبيّه.

فعن ابن عباس أنّه دخل على عثمان بن عفّان، فقال: إنّ الأخوين لا يردّان الامّ عن الثلث؟! قال اللّه عزّ و جلّ فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة؟! فقال عثمان: لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي، و مضى في الأمصار، و توارثت به الناس. «3»

______________________________
(1) راجع شرح ابن أبي الحديد قصّة الشورى 1: 144 و ما بعدها.

(2) راجع ص 38 و ما بعدها من هذه المقدّمة حول حديث (علي مع الحقّ).

(3) كنز العمال 11: 34- 35، 30517. نقله عن ابن جرير. و الحاكم في المستدرك 4: 372، ح 7960.

و البيهقي في سننه، و قد صححه الحاكم و الذهبي.

محاضرات في المواريث، ص: 32‌

فعثمان لا يستطيع أن يرجع إلى الصواب أو أن يصحّح أخطاء سلفه، فهو متمسّك بأخطاء سلفه و إن علم بأنّها مخالفة لصريح القرآن الكريم، فالقاعدة عند الخليفة الثالث: أنه إذا عارض القرآن سيرة الشيخين يطرح القرآن، و يعمل بتلك السيرة، فهي في نظره أهمّ من الكتاب و السنّة.

هذا نزر قليل ممّا ورد من سيرة الثلاثة، و قد نقلنا جميع ذلك من كتب العامّة المتمسّكين بهم، و لم نأت بشي‌ء من عندنا، فهذه هي سيرتهم بعد رحلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد أخبرنا هو بوقوع الفتن بعده، و أنّ العلم سيقبض. و قد وقع كلّ ذلك كما أخبر، و صدق اللّه و رسوله، و هناك الكثير ممّا لم نتعرّض له، لعدم سعة المقام، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة الكتب المفصّلة الّتي أعدّت لذلك.

الغرض من نصب الخليفة بعد الرسول:

و بعد الاطّلاع على ما قدّمناه يطرح هنا سؤال لا بدّ من الإجابة عليه، و هو أنّه ما هو الغرض من الخلافة؟ و ما هو السبب في نصب خليفة من بعد الرسول؟

فهل أنّ الغرض هو التسلّط على رقاب الناس، و التحكّم بحسب الأهواء و الآراء الّتي لا أساس لها من العلم و الدين؟

أو أن الغرض هو جباية الأموال و خزنها؟

أو أنّ اللّه تعالى كان يريد نقض ما بناه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسلّط على الامّة خلفاء جهلة ليعبثوا في الدين، و يعملوا بما تشتهيه أنفسهم؟! و هل من المعقول أنّ اللّه تبارك و تعالى الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*، و الّذي لا يريد ظلما بالعباد، هل من المعقول أن يقدّم المفضول على الفاضل، كما نسبوا ذلك إليه تبارك اللّه و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا؟!

محاضرات في المواريث، ص: 33‌

و للإجابة عن ذلك لا بدّ لنا من الرجوع إلى القرآن الكريم، لنلتمس منه الجواب، فنتعرّف أوّلا على الغرض الذي من أجله أرسل اللّه الرسل، و أنزل الكتب، فما هي وظيفة الرسل، و ما فائدة الكتب؟ فإذا عرفنا ذلك اتّضح لنا أمر الخلافة و شروطها:

فقد قال تبارك و تعالى لَقَدْ مَنَّ اللّٰهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ. «1»

و قال تعالى كَمٰا أَرْسَلْنٰا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيٰاتِنٰا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. «2»

و قال تعالى أيضا حكاية عن إبراهيم و إسماعيل رَبَّنٰا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «3».

و قال تعالى في سورة الجمعة هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ «4».

فمن هذه الآيات الكريمة و غيرها يتّضح لنا أنّ الغرض الأصلي من بعث الرسل و إنزال الكتب إنّما هو:

______________________________
(1) آل عمران: 164.

(2) البقرة: 151.

(3) البقرة: 129.

(4) الجمعة: 2.

محاضرات في المواريث، ص: 34‌

1- تزكية الناس.

2- تلاوة آيات اللّه تعالى على الناس.

3- تعليم الناس الكتاب.

4- تعليمهم الحكمة.

بعد أن كانوا في ضلال مبين غارقين في الجهل و الأهواء و الآراء الفاسدة.

و عليه لا بدّ من أن يكون النبيّ الذي يتحمّل هذه المسؤوليّات على مستوى عال من النزاهة و الطهارة، ليتمكّن من تزكية الناس، و على مستوى عال من الخلق، ليتمكّن من جمع الناس حوله، ليأخذوا منه معالم دينهم.

و أن يكون أعلم الناس بكتاب اللّه و أحكامه، ليتمكّن من تعليم الكتاب.

و أن يكون بأعلى مستوى من الحكمة ليعلّم الناس الحكمة، و إلّا (ففاقد الشي‌ء لا يعطيه) كيف بالفظّ الغليظ الجافي يوجّه الأمّة و يزكّيهم؟! و كيف بالجاهل بالكتاب يعلّمه الناس؟! و كيف بالأحمق يعلّم الحكمة؟! و كيف بالضالّ يهدي ..

و كيف و كيف .. إلخ؟! قال اللّه تعالى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. «1»

فإذا كان الرسول بمقتضى العقل و المنطق لا بدّ أن يكون في أعلى مستوى من الكمالات العقليّة و النفسيّة و الخلقيّة و العلميّة، فهو أعلم الناس، و أنزه الناس، و أطهرهم و أعلاهم خلقا و منطقا .. إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ أنّه بدون ذلك لا يمكنه تأدية رسالته، حيث إنّه لا ينقاد الناس له مع فقده للكمالات، و كونه‌

______________________________
(1) يونس: 35.

محاضرات في المواريث، ص: 35‌

محتاجا إلى سائر الناس لتسديده و إرشاده، و إنقاذه من الهفوات و العثرات.

فالرسول لا بدّ من تعيينه من قبل اللّه تعالى، لأنّه هو العالم بأسرار خلقه، و لا يمكن الخلق أن يشخّصوا ذلك الانسان الكامل و اللائق بهذا المنصب العظيم، قال تعالى وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشٰاءُ فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ «1» و قال تعالى وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ. «2»

اختيار الخليفة لا يكون إلّا من قبل اللّه تعالى:

فإذا كان الرسول لا بدّ من أن يختاره اللّه تعالى و يجتبيه، و ليس للخلق الخيرة في ذلك، فكذلك من يخلفه، و يقوم مقامه من بعده، حيث إنّ ولاية الأمر من بعد الرسول أمر ضروري، لا غنى عنه، فإنّ الدين بسعته لعامّة البشر في عامّة الأعصار و الأقطار، في جميع ما يتعلّق بالمعارف الأصليّة، و الاصول الخلقيّة، و الأحكام الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان و سكناته، في حال الانفراد و الاجتماع يحتاج إلى حافظ يحفظه حقّ الحفظ، و يكون مكمّلا للرسالة، و امتدادا لها، لئلّا يتيه الناس من بعد الرسول و يرتدّوا، فترجع إليهم جاهليّتهم.

و هذا الشخص لا بدّ من أن يكون على ذلك المستوى الّذي كان عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جميع الجهات، لأنّه هو الذي يتحمّل أعباء مسئوليّة الرسالة و التبليغ.

و مثل هذا الشخص لا يمكن اختياره إلّا من قبل اللّه تعالى، فإنّ ولاية الأمر و الإمامة هي عهد اللّه تعالى، فبعد ما بشّر اللّه تعالى إبراهيم بقوله‌

______________________________
(1) آل عمران: 179.

(2) القصص: 68.

محاضرات في المواريث، ص: 36‌

إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً، «1»، أحبّ إبراهيم عليه السّلام أن تكون في ذريّته فقال وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي* «2» قال تعالى لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ «3» فمن هذه الآية المباركة يعلم أنّ الإمامة هي عهد اللّه، فتحتاج إلى تعيين من اللّه.

و يستفاد أيضا أنّ الظالمين ليس لهم نصيب من هذا العهد، قال تعالى وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ «4» فالأمر له تعالى هو الذي يختار، و لا يعقل أن يختار جاهلا فظّا غليظا لا يحكم آيات الكتاب ليجعله خليفة لرسوله، و قد قال تعالى إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَظْلِمُ النّٰاسَ شَيْئاً وَ لٰكِنَّ النّٰاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. «5»

و لذا فقد تظافرت الأحاديث عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في التذكير بهذا الأمر و بيانه، فمن هذه الروايات ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «الحمد للّه الّذي لا مقدّم لما أخّر، و لا مؤخّر لما قدّم، ثمّ ضرب بإحدى يديه على الاخرى، ثمّ قال: يا أيتها الامّة المتحيّرة بعد نبيّها، لو كنتم قدّمتم من قدم اللّه، و أخّرتم من أخّر اللّه، و جعلتم الولاية و الوراثة لمن جعلها اللّه، ما عال وليّ اللّه، و لا طاش «6» سهم من فرائض اللّه، و لا اختلف اثنان في حكم اللّه، و لا تنازعت الامّة في شي‌ء من أمر اللّه إلّا و عند عليّ علمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال‌

______________________________
(1) البقرة: 124.

(2) البقرة: 124.

(3) البقرة: 124.

(4) الأحزاب: 36.

(5) يونس: 44.

(6) طيش السهم جوره عن سننه. لسان العرب 8: 242، «طيش».

محاضرات في المواريث، ص: 37‌

أمركم، و ما فرّطتم فبما قدّمت أيديكم، و ما اللّه بظلّام للعبيد». «1»

فالإمام عليه السّلام يذكّر الامّة، و يوبّخهم على سوء اختيارهم، و ما فعلوه من تقديمهم لمن أخّره اللّه باعتبار أنّه فاقد لمؤهّلات الولاية و الإمامة، من النزاهة، و حسن السابقة، و الخلق الرفيع، و غير ذلك، و تأخيرهم من قدّمه اللّه، و قد عنى بذلك نفسه (سلام اللّه عليه) من حيث أنّه أكمل الناس بعد النبيّ، فهو حائز لجميع الفضائل، و قد فاق على الجميع في علمه و ورعه و حكمته و خلقه و شجاعته، و ما إلى ذلك من المميّزات الحميدة الّتي تؤهّله لأن يكون خيرة اللّه تعالى، و نائلا لعهده.

أهل البيت هم خيرة اللّه لإمامة الخلق من بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

و لذا فإنّ اللّه تعالى قد اختاره لهذا المنصب العظيم، و أمر الناس بولايته و الاقتداء به، و الاهتداء بهديه. و قد دلّت على ذلك النصوص المتواترة من القرآن الكريم، و من أحاديث النبيّ العظيم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- كما نشير إلى ذلك قريبا- و قد شهد بذلك المخالف و المؤالف، فما أكثر ما أقرّ مخالفوه و مناوؤه بفضائله و كمالاته، بل إنّه قد حيّر عقول البشر، فصار رمز اللّه الذي لا يعرفه إلّا اللّه و رسوله، و قد ألّفت الكتب حتّى من اليهود و النصارى في الحديث عن شخصيّته، و لم يتمكّن أحد منهم أن يوفي بحقّه. فقد قال ابن أبي الحديد في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة: (و ما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه و خصومه بالفضل، و لم يمكنهم جحد مناقبه، و لا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنوا أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض و غربها، و اجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره، و التحريض عليه، و وضع المعايب و المثالب‌

______________________________
(1) الوسائل 26: 78، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، ح 5.

محاضرات في المواريث، ص: 38‌

له، و لعنوه على جميع المنابر، و توعّدوا مادحيه، بل حبسوهم و قتلوهم، و منعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلّا رفعة و سمّوا، و كان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه، و كلّما كتم تضوّع نشره، و كالشمس لا تستر بالراح، و كضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

و ما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة، و تنتهي إليه كلّ فرقة، و تتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل و ينبوعها، و أبو عذرها، و سابق مضمارها، و مجلّي حلبتها، كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، و له اقتفى، و على مثاله احتذى ..). «1»

فهذا المدح الرائع من ابن أبي الحديد و غيره من آلاف المادحين الّذين ألّفوا الكتب في ذكر فضائله و كمالاته، إلّا أنّه يكفي عليّا عليه السّلام مدح اللّه و رسوله عن مدح المادحين، فقد نزلت الآيات الكثيرة في الكتاب العزيز الدالّة على فضله كآية المودّة، و آية التطهير، و آية التصدّق على المسكين في حال الركوع، و ما في سورة هل أتى، و غير ذلك من الآيات التي فسّرها جميع المسلمين، و ذكروا أنّها نازلة في حقّ عليّ عليه السّلام.

كما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد ذكره في جميع المواقف، و أمّره على الجميع، و لم يؤمّر عليه أحدا، فقد روي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متواترا أنّه قال: «أقضى أمّتي عليّ» [1].

______________________________
[1] راجع ذخائر العقبى: 83، أخرجه عن أنس أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: «أقضى امتي عليّ». و قال أخرجه البغوي في المصابيح في الحسان. و راجع المستدرك 3: 135. و نور الأبصار: 88. و الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 337، و ما بعدها. و ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق 1: 29. ح 28، و 3:

______________________________
(1) شرح نهج البلاغة 1: 22.

محاضرات في المواريث، ص: 39‌

و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن تؤمّروا عليّا- و لا أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديّا، يأخذ بكم الطريق المستقيم». «1»

و قال ابن عباس حبر الامّة: (و اللّه لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و أيم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر) «2».

و قال ابن مسعود: (قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فاعطي علي تسعة أجزاء، و الناس جزءا، و عليّ أعلمهم بالواحد منها). «3»

و قال سعيد بن المسيّب: (كان عمر يتعوّذ باللّه من معضلة ليس لها أبو الحسن). «4»

و قد قال عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام: «سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم نهار، و في سهل أم في جبل، و اللّه ما انزلت آية إلّا و قد علمت فيما نزلت، و أين نزلت، و على من انزلت، و إنّ ربّي وهب لي لسانا طلقا و قلبا عقولا». «5»

______________________________
44، عقد فيه فصلا بعنوان: «ما ورد عن عبد اللّه بن مسعود في مدحه عليا عليه السّلام بكونه أقضى الامّة و أفرضها و أعلمها و أفضلها». و الرياض النضرة 3: 167.

______________________________
(1) هامش الغدير 1: 32، نقلا عن عدّة مصادر معتمدة عند العامّة، و روي بطرق مختلفة مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(2) الاستيعاب هامش الإصابة 3: 40. و الرياض النضرة 3: 160. و مطالب السئول: 30.

(3) كنز العمال 5: 156 و 401 نقلا عن غير واحد من الحفّاظ.

(4) أخرجه أحمد في المناقب: 97، و يوجد في الاستيعاب هامش الإصابة 3: 39، و صفة الصفوة 1:

3140. و الرياض النضرة 3: 161. و تذكرة السبط: 134. و الصواعق: 76.

(5) أسد الغابة 4: 22. و ينابيع المودة 1: 65. و مناقب الخوارزمي: 91، ح 85. و كنز العمال 2: 565، ح 4740 و 13: 165، ح 36502. و الكتاب المصنّف لابن أبي شيبة 5: 313، ح 26411. و شرح ابن أبي الحديد 6: 136. و الرياض النضرة 3: 166. و الاستيعاب هامش الإصابة 3: 40 ترجمة عليّ.

محاضرات في المواريث، ص: 40‌

و روي عن أحمد بن حنبل في مسنده، عن سعيد، قال: (لم يكن أحد من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «سلوني» إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام). «1»

أقول: كم فرقا بين من يتكلّم بهذه الكلمات و بين من خطب تلك الخطبة المعروفة بالجابية- الّتي مرّ ذكرها «2»- لو أنصف الحكم.

فهذا نزر قليل، بل أقل من القليل في الحديث عن علم عليّ عليه السّلام.

و أمّا شهادة النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بملازمة عليّ عليه السّلام للحقّ، و ملازمة الحقّ له، و عدم افتراقهما إلى يوم القيامة، فهو ممّا تواتر بين الفريقين. قال العلّامة المحقّق الأميني رضي اللّه عنه في كتابه (الغدير): (أمّا الحديث- يعني به قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «عليّ مع الحقّ، و الحقّ مع عليّ، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»- فأخرجه جمع من الحفّاظ و الأعلام: منهم الخطيب في التاريخ ج 14: 321. من طريق يوسف بن محمّد المؤدّب، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن سليمان السرّاج: حدثنا عبد السلام بن صالح: حدثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن أبيه، عن أبي سعيد التميمي، عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ قال: دخلت على أمّ سلمة فرأيتها تبكي و تذكر عليّا عليه السّلام، و قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «عليّ مع الحقّ، و الحقّ مع عليّ، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة».

و أخرج ابن مردويه في المناقب، و الديلميّ في الفردوس: أنّه لما عقر جمل عائشة، و دخلت دارا بالبصرة أتى إليها محمّد بن أبي بكر، فسلّم عليها، فلم تكلّمه، فقال لها: أنشدك اللّه أ تذكرين يوم حدثتيني عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «الحقّ لن يزال‌

______________________________
(1) فضائل الصحابة 2: 646، ح 1098. و ذخائر العقبى: 83. و الاستيعاب هامش الإصابة 3: 40.

و تاريخ السيوطي: 171- 185. و كنز العمّال 2: 565، ح 4740.

(2) راجع ص 30- 31 من هذه المقدّمة.

محاضرات في المواريث، ص: 41‌

مع عليّ، و عليّ مع الحقّ، لن يختلفا و لن يفترقا»؟ فقالت: نعم.

و روى ابن قتيبة في (الإمامة و السياسة) ج 1: 68 عن محمّد بن أبي بكر: أنّه دخل على أخته عائشة (رض) قال لها: أما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «عليّ مع الحقّ، و الحقّ مع عليّ» ثمّ خرجت تقاتليه؟!.

و روى الزمخشريّ في (ربيع الأبرار) قال: استأذن أبو ثابت مولى عليّ عليه السّلام على أمّ سلمة (رضي اللّه عنها) فقالت: مرحبا بك يا أبا ثابت، أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ قال: تبع عليّ بن أبي طالب عليه السّلام. قالت: وفّقت، و الذي نفسي بيده لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «عليّ مع الحقّ و القرآن، و الحقّ و القرآن مع عليّ، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

و بهذا اللّفظ أخرجه أخطب الخطباء الخوارزميّ في (المناقب) من طريق الحافظ ابن مردويه، و كذا شيخ الإسلام الحمويني في (فرائد السمطين) في الباب 37 من طريق الحافظين: أبي البيهقي، و الحاكم أبي عبد اللّه النيسابوري). «1»

و ممّا قدّمناه يتّضح أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام- الّذي حاز جميع الفضائل و الكمالات، و كان عارفا بآراء المتقدّمين و المتأخّرين، و عالما بجميع العلوم كلّها- «2» كان مؤيّدا و مسدّدا من قبل اللّه تعالى، و إلّا فإنّه من المحال وجود هكذا شخص بهذه المرتبة من الكمالات بدون تأييد إلهيّ، بحيث يعجز جميع الخلق من المتقدّمين و المتأخّرين من أن يجوزوا فضائله.

______________________________
(1) راجع الغدير 3: 223، و ما بعدها.

(2) قال ابن أبي الحديد في شرح الخطبة الاولى من النهج 1: 68 (و هذا يدلّ على صحّة ما يقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يعرف آراء المتقدّمين و المتأخّرين، و يعلم العلوم كلّها، و ليس ذلك ببعيد من مناقبه و فضائله عليه السّلام).

محاضرات في المواريث، ص: 42‌

و قد قيل فيه: (إنّه نسخة فردة في الوجود). و قد شهد له القرآن المجيد بذلك في كثير من آي الذكر الحكيم، كما شهد بذلك النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد خصّه بالمدح و الثناء الجميل في جميع مواقفه، و قد نصّ على إمامته و ولايته من بعده، و قد مرّت عليك بعض الأحاديث الّتي منها حديث ملازمة عليّ للحقّ، و ملازمة الحقّ له.

و معنى ذلك أنّه لا يقع في خطأ، و لا يخطئ الحقّ أبدا، فكلّ من خالفه و سار على خلاف نهجه، فهو باطل بمقتضى هذه الأحاديث المتواترة، إذ أنّ الحقّ و الباطل من الضدّين الّذين لا ثالث لهما، فلا واسطة بين الحقّ و الباطل، فإمّا أن يصدر من رأي عليّ و منهجه الّذي لا يفارق الحقّ، حسب قول النبيّ، فهو الحقّ، و ما عدى ذلك فهو الباطل بلا شبهة و لا ريب.

و قد تواترت الأحاديث الدالّة على نصّ الرسول على خلافة عليّ من بعده، و أنّه هو العلم الهادي للأمّة من بعد الرسول، و هو حسب الصفات الّتي فيه امتداد طبيعي للرسالة المقدّسة، إذ أنّ هذا المنصب العظيم لا يليق إلّا لمثل عليّ عليه السّلام، أمّا غيره ممّن غصبوا هذا المنصب و اجترءوا على اللّه و رسوله فقد مر عليك ما قدّمناه ممّا سجّله التأريخ من جهلهم بالدين و أحكامه، و عدم لياقتهم لهذا المنصب.

و من الأحاديث الّتي تواترت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في إمامة عليّ من بعده حديث الغدير، و خطبته المتواترة في حجّة الوداع: عند ما وصل إلى هذا المكان (غدير خم) بعد نزول الآية يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ .. «1» أمر بأن يصنع له شبه المنبر من أحداج الإبل، و صعد و خطب الناس، فقال في ما قال: «أيّها الناس من أولى الناس‌

______________________________
(1) المائدة: 67.

محاضرات في المواريث، ص: 43‌

بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: «إنّ اللّه مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، يقولها ثلاث مرّات» و في لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرّات، ثمّ قال: «اللّهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحبّ من أحبّه، و ابغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب» ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل أمين وحي اللّه بقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي «1» الآية. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللّه أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضي الربّ برسالتي، و الولاية لعليّ من بعدي» ثمّ طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه).

و ممّن هنّأه في مقدّم الصحابة: الشيخان أبو بكر و عمر، كل منهما يقول: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة. و قال ابن عباس: وجبت و اللّه في أعناق القوم .. إلخ. [1]

و هناك تفاصيل كثيرة، و شبهات و ردود حول قضية الغدير لا يسع المقام ذكرها، فمن أراد الاطّلاع فليراجع ما ألّف في خصوص هذه الواقعة ممّا كتبه الفريقان من السنّة و الشّيعة. [2]

______________________________
[1] راجع كتاب الغدير 1: 29- 30، و في هامش ص 34 تعرّض المؤلّف رضي اللّه عنه لما ذكره العلماء و الحفّاظ من أبناء العامّة في عدد طرق حديث الغدير، فقال: رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقا، و ابن جرير من نيف و سبعين طريقا، و الجزريّ و المقري من ثمانين طريقا، و ابن عقدة من مائة و خمسين طريقا، و أبو سعيد السجستاني من مائة و عشرين طريقا، و أبو بكر الجعابي من مائة و خمس و عشرين طريقا .. إلخ.

[2] من ذلك ما ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة: 42، فقد جاء في جواب الشبهة الحادية عشرة قال:

(و جواب هذه الشبهة) التي هي أقوى شبههم يحتاج إلى مقدّمة و هي بيان الحديث و مخرجيه: و بيان أنه

______________________________
(1) المائدة: 3.

محاضرات في المواريث، ص: 44‌

و من الأحاديث المتواترة حديث «الثقلين» الّذي عيّن فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عترته للخلافة من بعده، و هم الأئمّة الاثنا عشر، أولهم عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام،

______________________________
حديث صحيح لا مرية فيه و قد أخرجه جماعة كالترمذي و النسائي و أحمد و طرقه كثيرة جدا، و من ثمّ رواه ستة عشر صحابيا، و في رواية أحمد أنه سمعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثلاثون صحابيا و شهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته- كما مر و سيأتي- و كثير من أسانيدها صحاح و حسان لا التفات لمن قدح في صحته، و لا لمن رده بأن عليا كان باليمن، لثبوت رجوعه منها و إدراكه الحجّ مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و قول بعضهم: إن زيادة اللهم وال من والاه الخ موضوعة مردود، فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها».

إلّا أن ابن حجر بعد إقراره بتواتر هذا الحديث و أنّه لا مرية فيه و لا يمكن إنكاره أو الطعن فيه، دفعه طيشه و حنقه إلى محاولة تأويله و إخراجه عن معناه تصحيحا لأعمال سلفه، و لذا فإنه قال بعد ذلك:

«قالوا: فمعنى المولى: (الأولى) أي فلعلي عليهم من الولاء ماله صلّى اللّه عليه و آله منه بدليل قوله: (أ لست أولى بكم) لا (الناصر) و إلّا لما احتاج إلى جمعهم كذلك .. الخ»، و لمزيد من التحقيق راجع كتاب (المولى في الغدير) المقتبس من كتاب الغدير للعلّامة الأميني قدّس سرّه من قبل مؤسّسة السبطين عليهما السّلام.

و هنا يتوجه السؤال إلى ابن حجر: ما هو الداعي للنبيّ الكريم الذي لا ينطق عن الهوى أن يجمع المسلمين في ذلك الظرف الخاص ليعلن عن نصرة علي لهم؟! فهل كان أحد من المسلمين يشك في نخوة علي و نصرته للإسلام و المسلمين ليعلن النبيّ عن ذلك؟! فأنت تنسب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله تصرفا منافيا للعقل و المنطق لأجل تصحيح أعمال أسلافك الذين انحرفوا عن الحقّ؟! فإن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان في حجّة الوداع و هو يعلم بقرب ارتحاله إلى جنان الخلد و أن الأمة ستبقى بعده بحاجة إلى من يقوم مقامه فلا بدّ له من أن يفكر في مصير هذه الامة التي بذل كلّ غال و رخيص و تحمل ما تحمل من أجل جمعها و توحيد كلمتها، فما هي حاجة الأمة في هذا الظرف إلى الناصر ليقول لهم: إني جعلت عليا ناصرا لكم؟! الأمة في هذا الظرف بحاجة إلى القائد الموجه الذي يجمع شملها و يوحد كلمتها و يتحمل أعباء المسئولية العظمى التي تحملها النبيّ في تأدية الرسالة الإلهية من تعليم الكتاب و الحكمة و تنزيه النفوس و نحو ذلك.

فالأنسب بهذه الخطبة في ذلك الظرف الخاص أن يكون المقصود جعل الولاية لعلي عليه السّلام و نصبه إماما، فإنّه لا شك في أن عليا عليه السّلام هو أفضل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الإطلاق و أنّه جامع لجميع الكمالات فله الأهلية التامّة لأن تجعل له الولاية على نفوس الناس و أعراضهم و أموالهم كما كانت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لتنقاد له الأمة و تنظّم تحت لوائه. أما ما ذكره ابن حجر من النصرة فليس له أي معنى أو مناسبة إلّا تصحيح أخطاء السلف و تبرير جرائمهم.

محاضرات في المواريث، ص: 45‌

و أحد عشر إماما من ذريّته الطاهرة.

فقد أمرنا في هذا الحديث الشريف بالتمسك بكتاب اللّه العزيز، و بالعترة الطاهرة من بعده، و نهانا عن التقدّم عليهم أو مخالفتهم، و أخبر بأنّهم عدل القرآن، و أنّهم أعلم الناس من بعده، فمن تمسّك بهم لن يضلّ أبدا.

و إليك نصّ هذا الحديث الشريف: عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من الأرض إلى السماء، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». [1]

______________________________
[1] رواه السيوطي في الجامع الصغير تحت رقم 2631 نقلا عن مسند أحمد، و عن الطبرانيّ في المعجم الكبير، كلاهما عن زيد بن ثابت، و صحّحه مع اختلاف في الألفاظ. و قد عقد الحافظ الهيثميّ فصلا في كتابه (مجمع الزوائد و منبع الفوائد) 9: 162، و ما بعدها (باب فضل أهل البيت رضي اللّه عنهم) و قد ذكر فيه حديث الثقلين، و هو مطابق في لفظه لما في الجامع الصغير، و قال: رواه أحمد و أسناده جيد. و العلّامة المناويّ في (فيض القدير شرح الجامع الصغير) 3: 14، ح 2631، ذكر هذا الحديث و شرحه شرحا وافيا، و ممّا قاله في هذا الشرح: يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه، و انتهيتم بنواهيه، و اهتديتم بهدى عترتي، و اقتديتم بسيرتهم، اهتديتم فلم تضلّوا. قال القرطبي: و هذه الوصية، و هذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله و إبرارهم و توقيرهم و محبتهم، وجوب الفروض المؤكّدة الّتي لا عذر لأحد في التخلّف عنها .. ثمّ قال: «لن يفترقا» أي الكتاب و العترة، أي يستمرّا متلازمين «حتّى يردا عليّ الحوض» أي الكوثر يوم القيامة .. ثمّ قال: قال الحكيم: و المراد بعترته هنا العلماء العاملون، إذ هم الذين لا يفارقون القرآن، أمّا نحو جاهل و عالم مخلط فأجنبيّ من هذا المقام .. إلى أن قال: (تنبيه) قال الشريف: هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسّك به من أهل البيت و العترة الطاهرة في كلّ زمان إلى قيام الساعة حتّى يتوجّه الحثّ المذكور إلى التمسّك به، كما أن الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أمانا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض.

مسند أحمد و معجم الطبراني عن زيد بن ثابت، قال الهيثميّ: رجاله موثّقون، رواه أيضا أبو يعلى بسند لا بأس به، و الحافظ عبد العزيز الأخضر.

محاضرات في المواريث، ص: 46‌

و قد روي هذا الحديث متواترا عند الخاصّة و العامّة بطرق عديدة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنّه قاله في مواطن متعدّدة، فإذا وجد اختلاف في ألفاظ الحديث فذلك إنّما هو من جهة تعدّد صدوره من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد تحدّث عنه الحافظ ابن حجر في (الصواعق المحرقة)، فقال: (ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك طرقا كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابيّا، و مرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، و في بعض تلك الطرق: أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، و في أخرى: أنّه قاله بغدير خم، و في أخرى: أنّه قاله بالمدينة في مرضه، و قد امتلأت الحجرة بأصحابه، و في اخرى: أنّه قاله لمّا قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف.

و لا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرر ذلك عليهم في تلك المواطن و غيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز و العترة الطاهرة- إلى أن قال-:

ثمّ الّذين وقع الحث عليهم منهم العارفون بكتاب اللّه، و سنّة رسوله، إذ هم الّذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض. و يؤيّده الخبر السابق: «و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» و تميّزوا بذلك عن بقية العلماء، لأنّ اللّه أذهب عنهم الرجس، و طهّرهم تطهيرا، و شرّفهم بالكرامات الباهرة و المزايا المتكاثرة- إلى أن قال-:

و في أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، و لذا كانوا أمانا لأهل الأرض- كما يأتي- و يشهد لذلك الخبر السابق: «في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي»- إلى أن قال-:

ثمّ أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم و عالمهم عليّ ابن أبي طالب كرّم اللّه‌

محاضرات في المواريث، ص: 47‌

وجهه، لما قدّمناه من مزيد علمه، و دقائق مستنبطاته، و من ثمّ قال أبو بكر: (عليّ عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أي الّذين حثّ على التمسّك بهم، فخصّه لما قلنا، و كذلك خصّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما مرّ يوم غدير خم) «1» انتهى.

و من ينظر في هذه العبارات يجد أنّ ابن حجر أوّلا: يؤكّد تواتر هذا الحديث و عدم تطرّق الشكّ أو الشبهة إلى صدوره عن النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فهو مرويّ عن نيف و عشرين صحابيّا.

و ثانيا: نجد أنّه ينفي ما يمكن أن يشتبه من وجود التنافي في الرواية، حيث إنّه نقل عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سلّم في مواطن متعدّدة.

و ثالثا: نرى أنّه يؤكّد بأن هؤلاء الّذين وقع الحثّ على التمسّك بهم هم العارفون بكتاب اللّه، و سنّة نبيّه، و أنّهم هم الّذين يصحّ القول فيهم: أنّهم لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، و أنّهم قد تميّزوا بذلك عن بقية العلماء، و يستدلّ على ذلك بآية التطهير إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً مضافا إلى ما استدلّ به من الأحاديث.

و رابعا: أنّه استدلّ بهذا الحديث الشريف على وجود الحجّة القائم عجّل اللّه تعالى فرجه، و أنّه لا بدّ من وجود متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز لا بدّ من بقائه إلى يوم القيامة.

و خامسا: أنّه ذكر أشخاصهم، و عيّنهم في آخر كلامه، حيث أنّه لا يصلح لهذا الأمر غيرهم، فيتعين أن يكونوا هم المقصودين بهذا الحديث و أمثاله ممّا صدر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: (ثمّ إنّ أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم و عالمهم .. إلخ).

______________________________
(1) الصواعق المحرقة: 150، و ما بعدها.

محاضرات في المواريث، ص: 48‌

نتيجة المطاف:

يتّضح من مجموع ما قدّمناه: أنّ سرّ الخلاف الواقع بين المسلمين في أوضح المسائل المذكورة في الكتاب العزيز بأجلى و أوضح بيان، و ليس فيها أيّ غموض، هو مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عدم التمسّك بعترته الطاهرة، الّذين حثّ على التمسّك بهم، و الأخذ عنهم في المواطن العديدة، و اغتصاب هذا المنصب العظيم منهم، من قبل اناس ليست لهم أيّ أهليّة أو خبرة، و كانوا يجهلون حتّى آيات الذكر الحكيم ممّا أدّى إلى وقوع الامّة فيما وقعت فيه من الخلافات و الظلم و الجور و الحكم بغير ما أنزل اللّه، فعادت الجاهليّة كما كانت. و كان الجدير بهم أن يتمسّكوا بكتاب اللّه العزيز، فقد قال تعالى وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ. «1»

و قال تعالى فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. «2»

فإنّه تعالى يقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتّى يحكموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما شجر بينهم، و هذا لا يختص بزمان حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل لا يتمّ إيمان أحد، و لا يكون مؤمنا إلّا إذا حكّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالرجوع إلى وصاياه و أوامره و توجيهاته الّتي صدرت منه إلى امّته في كلّ الحالات، و في كلّ الأزمنة في حياته، و بعد وفاته إلى يوم القيامة، فمن تخلّف عن ذلك فليس بمؤمن بمقتضى هذه الآية المباركة.

______________________________
(1) الحشر: 7.

(2) النساء: 65.

محاضرات في المواريث، ص: 49‌

و ليت القوم حكّموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند ما اختلفوا بعد وفاة الرسول في سقيفة بني ساعدة و تمسّكوا بوصاياه، فهو الّذي أوصى بالعترة الطاهرة، و جعلهم عدلا للقرآن الكريم، فلو التزموا بذلك لما مني الإسلام بهذه المصيبة العظمى، و ما وقع المسلمون فيما وقعوا فيه من الفرقة و التشرذم، و تكفير بعضهم البعض.

هذا الكتاب

و أمّا شيعة أهل البيت فقد تمسّكوا بالعروة الوثقى، و عملوا بما أمرهم اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فتمسّكوا بالكتاب و العترة الطاهرة، و أخذوا الأحكام من المنهل العذب الطاهر الّذي لا يشوبه أيّ شكّ أو شبهة، فقد اهتمّ علماؤنا بالبحث و التحقيق عن أحكام اللّه و فرائضه منذ زمان الأئمّة الطاهرين.

و قد تفضّل سماحة سيّدنا الاستاذ السيّد أبو القاسم الخوئيّ قدّس سرّه بالبحث عن مهمّات مسائل الإرث، إلّا أنّه من المؤسف جدّا أنّه لم يتيسّر له إتمام كتاب المواريث للظروف القاسية الّتي كانت تحيط به.

و نحن بعد الاستعانة باللّه نورد ما أملاه علينا في مجلس بحثه الشريف، لأهمّيّته من حيث التحقيق و عمق الأفكار، و على الخصوص ما امتاز به هذا البحث من الابتكار في الردّ على القول بالتعصيب و العول، حيث إنّه قدّس سرّه قد أجاب بأدلّة حلّيّة مستدلا بالآيات المباركة، و لم يكتف بالنقض فقط.

هذا مع تعليقنا على البحث بما تيسّر لنا راجين من المولى القدير التوفيق و السداد، فإنّه نعم المولى و نعم المعين.

كما و نرجو من الأخوة الأعزّاء تنبيهنا إن وجدوا نقصا أو اشتباها، فإنّ العصمة‌

محاضرات في المواريث، ص: 50‌

لأهلها، و نحن محتاجون إلى النصيحة و التوجيه.

أمّا عملنا في هذا البحث:

فقد كان البحث على شكل محاضرات يوميّة يلقيها سماحته على طلّاب بحثه، و نحن نكتب ما يملي علينا، و مجموع هذه المحاضرات في موضوع المواريث (36) محاضرة، بدأت من يوم 17/ ج 1/ 1407 ه‍، و انتهت في 21/ شعبان/ 1407 ه‍.

هذا، مع ما تخلّل هذه المدّة من التعطيلات الرسميّة و غير الرسميّة في الحوزة الّتي كانت تفرضها الظروف القاسية الّتي تحيط بالسيّد الاستاذ و بطلّابه.

هذا، و كان في هذه الأبحاث كثير من التكرار و التقديم و التأخير، فتجد أنّ مطلبا متعلّقا ببحث سابق قد بحثه بعد خمسة أو أربعة أو أقل أو أكثر من الأبحاث، و هذا ممّا ألزمنا أن ندقّق في المكرّرات لحذف الزائد، و إبقاء المطالب المهمّة، و كنّا نحرص كلّ الحرص، على أن لا يفوتنا مطلب، كما و ألحقنا كلّ مطلب بمكانه المناسب له ليأتي البحث منسّقا و الأفكار متسلسلة.

هذا، و قد يجد القارئ العزيز أبحاثا خارجة عن موضوع الإرث، كالبحث عن المرتدّ من غير جهة الإرث، أو البحث عن الديات، أو البحث عن أدوار تكوّن الجنين، أو أنّه يجد أبحاثا لم تكن محلّا للابتلاء، كالبحث عن الرقّ و نحو ذلك، فقد بحثها سماحة سيّدنا الاستاذ قدّس سرّه في ضمن هذا الموضوع بالمناسبة، و إنّما أدرجناها لما فيها من المطالب المهمّة و التحقيقات العلميّة القيّمة، فإنّه و إن كان بعضها لا ينفع في مقام العمل، و البعض الآخر خارج عن موضوع البحث إلّا أنّها لا تخلو من الفائدة العلميّة.

و بعد تنسيق البحث علّقنا عليه بما تيسّر، و قدّمنا له هذه المقدّمة راجين من‌

محاضرات في المواريث، ص: 51‌

المولى العزيز أن يتقبّل منّا هذا العمل الضئيل، و أن يعفو عنا، فإنّه هو الغفور الرحيم.

و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين، و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

شكر و تقدير:

و أخيرا أتقدّم بجزيل الشكر و الاحترام إلى إخواني في مؤسّسة السبطين العالمية الذين ساهموا في إخراج الكتاب و أخصّ بالذكر أخي المؤسّس سماحة آية اللّه السيّد مرتضى الموسوي الأصفهاني الذي زاملته منذ بداية دراساتنا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف فوجدته أخا مؤمنا ملازما للورع و التقوى مجدّا في دروسه و أسأل الباري عزّ و جل أن يوفّقه لإدامة مشاريعه في مذهب الحقّ تحت رعاية إمام العصر الحجّة بن الحسن عجّل اللّه فرجه، راجيا من المولى دوام التوفيق لهذه المؤسّسة في تقديم الخدمات لمذهب أهل البيت الطاهر إنّه ولي قدير.

سيّد محمّد علي الخرسان 9/ جمادي الثاني/ 1421‌

محاضرات في المواريث، ص: 53‌

محاضرات سماحة آية اللّه العظمى السّيّد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه) في المواريث

محاضرات في المواريث، ص: 55‌

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيبين الطاهرين، و اللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

لا إشكال و لا خلاف بين المسلمين، بل غير المسلمين أيضا في ثبوت الإرث في الجملة.

و قد نطق به الكتاب العزيز و السنّة أيضا، فذكر في الكتاب العزيز أحكام الميراث، و كيفيّة التقسيم، و من يرث و من لا يرث، و كذلك في الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السّلام أيضا.

و قد وقع الاختلاف في بعض الفروع بعد الاتفاق على أصل الإرث، و نتكلّم فيها إن شاء اللّه تعالى.

فالكلام يقع تارة في موجبات الإرث.

و اخرى في موانع الإرث.

و ثالثة في من يرث بحسب الطبقات و من لا يرث. [1]

______________________________
[1] من المؤسف جدّا أنّ سماحة السيّد الاستاذ لم يتيسّر له إتمام البحث فلم يتكلّم عن الأمر الثالث و كان ختام البحث بإكمال موانع الإرث.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net