المسائل من 10 الى 21 

الكتاب : فقه الشيعة - الاجتهاد والتقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 411

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 75‌

[ (مسألة 10) إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت]

(مسألة 10) إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت (1).

______________________________
العدول إلى تقليد الميت

(1) و يمكن الاستدلال عليه بوجوه عمدتها وجهان: (الأول) ان العدول إلى الميت حينئذ تقليد ابتدائي له، و قد بيّنا عدم جوازه.

و هذا الوجه بناء على ما ذهب إليه المصنف من جواز البقاء على تقليد الميت مطلقا و إن كان أعلم من الحي، و أن التقليد هو الالتزام ظاهر، لأنه إذا رفع اليد عن الالتزام بقول الميت، و التزم بقول الحي فقد قلّده، فيكون رجوعه إلى الميت ثانيا تقليدا ابتدائيا له.

و أما على ما حققناه من وجوب البقاء على تقليد الميت إذا كان أعلم من الحي فلا أثر لعدوله إلى الحي، لعدم حجيّة فتواه في هذا الحال، فيجب العدول إلى الميت، كما أنّه إذا قلنا بأن التقليد هو العمل، و أنه يكفي في جواز البقاء الرجوع السابق يجوز العدول الى الميت أيضا و إن كان مساويا للحي، لأن مجرد الالتزام بقول الحي من دون أن يعمل على طبقه لا يوجب صدق العدول فلا يضر ببقائه على تقليده السابق للميت، فلا يكون تقليده تقليدا ابتدائيا، إلا أن يقال انه يكفي في صدق العدول إلى الحي مجرد الالتزام بقوله، و لا يعتبر تحقق التقليد في صدق مفهوم العدول فيكون الرجوع إلى الميت رجوعا ابتدائيا، لرفع اليد عن التزامه السابق.

و التحقيق أن يقال: إن عنوان العدول كعنوان البقاء لم يرد في آية و لا رواية كي يلحظ صدق مفهومه على مورد ما، و عدم صدقه عليه، كما أنه لا يضر بالبقاء تقليد الحي- بأي معنى كان- لما مرّ من كفاية الرجوع السابق- أي حال حياة المفتي- في صحة العمل على طبقه بعد موته، فلا بد حينئذ من‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 76‌

..........

______________________________
ملاحظة ما تقتضيه القاعدة في المقام. و مقتضاها تساقط الفتاوى المتعارضة كما مرّ، فإن كان الميت أعلم يجب العدول اليه و مجرد تقليد الحي- بأي معنى كان التقليد- لا يمنع عن ذلك، لأنه تقليد غير صحيح. و إن كان الحي أعلم يجب العدول إليه. و إن كانا متساويين، أو كان كل واحد منهما محتمل الأعلميّة لا يجوز العدول إلى الحي و لا البقاء على تقليد الميت، كما ذكرنا مرارا من عدم ثبوت التخيير في الفتاوى المتعارضة، فلا بد من العمل بالاحتياط بأن يعمل بأحوط القولين أو بالجمع بينهما. فإذا فرض أن العدول كان صحيحا، كما هو الظاهر من المتن، و لا يكون إلا في موردين و ذلك بأن يكون الحي أعلم من الميت، أو كان الميّت أعلم إلا أن المقلّد نسي فتوى الميت التي أخذها، فاحتاج إلى السؤال ثانيا، فرجع إلى الحي كان الرجوع إلى الميت تقليدا ابتدائيا ففي هذين الموردين لا يجوز العدول و أما إذا كان الميّت أعلم و كان ذاكرا لفتوه فيجب العدول إليه لفساد تقليد الحي.

(الوجه الثاني): قاعدة الاشتغال. و تقريبها: أنه بعد العدول إلى الحي يشك في جواز تقليد الميت المعدول عنه، لأنه من دوران الأمر بين التخيير و التعيين في الحجيّة، لأن حجيّة فتوى الحي محرزة على كل حال، و يشك في جواز الرجوع إلى الميت. و مقتضى القاعدة فيه هو التعيين، لأن الشك في الحجيّة مساوق للقطع بعدمها.

(و فيه) أولا: أنه لا يتم فيما إذا كان الميت أعلم، لما ذكرناه آنفا من عدم حجيّة قول الحي في هذا الحال، فلا أثر للعدول إليه.

و ثانيا: أنها مبنيّة على ثبوت التخيير في باب تعارض الفتاوى. و هو غير ثابت، فلا يكون من دوران الأمر بين التعيين و التخيير. بل القاعدة تقضي بسقوط كليهما عن الحجيّة عند المعارضة. و التحقيق ما ذكرناه من العمل بالاحتياط. و هناك وجوه أخر مزيفّة يمكن تقريبها في المقام نذكرها مع‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 77‌

[ (مسألة 11) لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي إلا إذا كان الثاني اعلم]

(مسألة 11) لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي إلا إذا كان الثاني اعلم (1).

______________________________
جوابها في المسألة الآتية.

العدول عن الحي إلى الحي

(1) اختلفوا في جواز العدول عن الحي إلى الحي على قولين، فحكى عن المحقق و الشهيد الثانيين تبعا للمحكي عن النهاية القول بالجواز، و استظهره من المتأخرين بعض المشايخ المحققين «1». و المحكي عن التهذيب و شرحه و الذكرى عدم الجواز و إختاره شيخنا الأنصاري. «2»

و التحقيق هو قول ثالث و هو العمل بأحوط القولين إذا كانا متساويين- كما هو مفروض الكلام- فيما إذا علم بالمخالفة بين المجتهدين و لو بعد العدول إلى المجتهد الثاني. و لا بد من ذكر أدلة الطرفين و تزييفها ثم بيان دليل المختار.

استدل المجوّزون بوجهين:

الأدلة اللّفظة (الأول): إطلاقات الأدلة الدّالة على جواز التقليد، فإنها بإطلاقها تشمل فتوى المجتهد الثاني.

(و فيه): أنه إن كان المراد منها الأدلة الأوليّة الدالة على حجيّة الفتوى فهي ساقطة في موارد معارضة الفتاوى بناء على ما هو المختار في باب الأمارات من الطريقية.

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 107.

(2) في رسالة الاجتهاد و التقليد.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 78‌

..........

______________________________
أدلة التخيير و إن كان المراد أدلة التخيير فقد أشرنا سابقا إلى أنه لم يتم عندنا دليل على التخيير لا في باب الأخبار، للمناقشة في سند ما دل على التخيير من الأخبار العلاجيّة، و لا في باب الفتاوى المتعارضة، إذ عمدة ما يستند إليه للقول بالتخيير فيها أمران.

(أحدهما): دعوى الإجماع علي التخيير- كما عن شيخنا الأنصاري و غيره- و لم يثبت إجماع تعبدي في المقام.

(ثانيهما): دعوى السيرة من زمن المعصومين- عليهم السّلام- على رجوع العوام الى المفتين و الرواة و لو مع العلم الإجمالي بمخالفة بعضهم مع بعض، إذ أمر التقليد ليس حادثا. بل كان مستمرا من زمانهم- عليهم السّلام-، كما يشهد بذلك الأخبار المتقدمة الدالة على حجيّة الفتوى، و على إرجاع العوام الى الفقهاء و الرواة المعاصرين لهم- عليهم السّلام.

(و فيه): إن ثبوت التقليد من ذاك الزمان و إن كان مسلما إلا أنه لم تثبت السيرة على التخيير مع العلم بالمخالفة، كيف و بناء العقلاء على التساقط عند التعارض، فلا بد و أن يكون التخيير بدليل تعبدي من الشارع و هو غير واصل إلينا.

استصحاب الحجيّة التخييريّة (الوجه الثاني): استصحاب الحجيّة التخييريّة لفتوى من يريد العدول إليه.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 79‌

..........

______________________________
الجواب عنه 1- عدم اليقين بالحدوث (و فيه) أولا: أنه فرع ثبوت التخيير حدوثا، و قد منعنا عنه.

2- عدم إحراز بقاء الموضوع و ثانيا: إنه لم يحرز بقاء الموضوع. و ذلك لاحتمال أن يكون موضوع التخيير هو من لم تقم عنده الحجة الفعلية لا من تعارض عنده الفتويان حتى يكون باقيا و لو بعد اختيار أحد المتعارضين.

توضيحه: إن التخيير إذا كان ثابتا بدليل لفظي، كما في التخيير الثابت في الأخبار المتعارضة بناء على تمامية دليله، و لم يكن له عموم أو إطلاق بالنسبة إلى الاستمرار بحيث لم يظهر من الدليل اختصاص التخيير بما قبل الاختيار، أو شموله لما بعده بان كان الدليل ناظرا إلى أصل تشريع التخيير فقط كما ادعاه صاحب الكفاية (قده) في الأخبار العلاجية كان لاستصحاب التخيير مجال لتمامية أركانه حتى وحدة الموضوع، لظهور الأخبار في أن الموضوع هو من جائه الخبران المتعارضان، و هو باق حتى بعد اختيار أحد المتعارضين.

و إذا كان التخيير ثابتا بدليل لبىّ من إجماع أو سيرة، كما ادعى في المقام، فلا مجال للاستصحاب، لأنه لم يحرز بقاء الموضوع، لاحتمال ان يكون الموضوع هو من لم تقم عنده الحجة الفعلية لا من تعارض عنده الفتويان، و من التزم بأحد القولين فقد قام عنده الحجة الفعلية، كما هو شأن الحجية التخييرية، فموضوع الحكم يكون مرددا بين ما هو باق قطعا و ما هو مرتفع قطعا، و في مثله لا يجري استصحاب الحكم، لعدم إحراز بقاء الموضوع، كما‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 80‌

..........

______________________________
لا يجري استصحاب كلي الموضوع، لأن استصحابه بما هو موضوع عبارة أخرى عن استصحاب الحكم، و استصحاب ذات الموضوع لا مجال لجريانه، لعدم الشك.

3- الشبهة حكمية و ثالثا: إنه لو سلم بقاء الموضوع فهو من الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية. و لا نقول بجريانه فيها، لأنه إن كان المستصحب هو الحجية في مرحلة الجعل.

(ففيه): ان القدر المتيقن منه هو جعل التخيير بالنسبة إلى من لم تقم عنده الحجة الفعلية، ففي الزائد يرجع إلى استصحاب العدم الأزلي. و إن كان في مرحلة المجعول فهو معارض باستصحاب عدم الجعل.

4- سقوطه بالمعارضة و رابعا: إنه مع الغض عن جميع ذلك فهو معارض باستصحاب الحجيّة الفعلية للفتوى المختارة، لأن فتواه صارت حجة فعلية بالالتزام بالعمل بها، كما هو شأن الحجيّة التخييرية كما قدمنا «1» و لا يعقل اجتماع الحجيّة الفعلية في المختار مع بقاء الطرف الآخر على الحجيّة التخييريّة.

جواب الشيخ الأعظم (قده) عن المعارضة و قد أجاب شيخنا الأنصاري «2» عن إشكال المعارضة بأن استصحاب التخيير حاكم على استصحاب الحجيّة الفعليّة.

______________________________
(1) ص 49.

(2) في رسالة الاجتهاد و التقليد.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 81‌

..........

______________________________
المناقشة في جوابه (قده) و فيه: إن الملازمة بين بقاء الحجيّة التخييريّة لقول المجتهد الثاني و عدم الحجية الفعلية التعيينية لقول المجتهد الأول و ان كانت ثابتة إلا أنها عقلية لا شرعيّة من باب أن وجود أحد الضدين يلازم عدم الآخر عقلا، للتضاد بين الحجيّة التخييريّة لقول المجتهد الثاني مع الحجيّة الفعليّة لقول الأول، فليس عدم الحجيّة الفعليّة من الآثار الشرعيّة لبقاء الحجيّة التخييريّة حتى يكون استصحاب الثاني حاكما على الأول، كما في استصحاب طهارة الماء الحاكم على استصحاب نجاسة الثوب المغسول به.

جواب بعض المشايخ المحققين (قده) و قد أجاب بعض المشايخ المحققين «1» بما حاصله: أنه لا منافاة بين الاستصحابين حتى يكون أحدهما معارضا للآخر أو حاكما عليه. و ذلك لأن معنى الحجيّة التخييريّة هو أن كلا من الفتويين معذرة بمعنى القناعة عن الواقع بموافقة إحداهما مع دوران العقاب على مخالفتهما معا. و ليس للشارع جعل غير هذا. فللمكلّف تطبيق العمل على أيهما شاء، فإذا شك بعد التطبيق على إحداهما في تعيين ما أخذ به عليه و في بقاء كل منهما على ما كانت عليه من المنجّزية و المعذّريّة شرعا كان مقتضى الاستصحاب بقائهما على تلك الصفة المجعولة شرعا و منه يعلم أن استصحاب الحكم المأخوذ سابقا لا يوجب تعينه، لأنه كان ثابتا سابقا و لم يكن ثبوته مانعا عن ثبوت الآخر، فكيف يمنع عن ثبوته بقاء.

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 107.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 82‌

..........

______________________________
فالمتحصل من كلامه هو أن ثبوت الحكم كان سابقا بالحجيّة التخييريّة فليكن بقاء كذلك، فلا منافاة بين الاستصحابين. بل ترقى في آخر كلامه و قال: لا حاكم و لا محكوم، لأنه ليس المجعول الشرعي بناء على الطريقيّة إلا المعذّريّة و المنجّزيّة لكل من الفتويين على النحو المذكور، و بقاء إحداهما على هذه الصفة لا ينافي بقاء الأخرى عليها، لأنهما في عرض واحد.

المناقشة في جوابه (قده) و فيه: ان المستصحب قد يكون حجيّة الفتوى المختارة، و قد يكون الحكم الفرعي الذي أفتي به المجتهد الأول كوجوب القصر، و على كلا التقديرين فالمعارضة ثابتة.

استصحاب حجية الفتوى أما الأول: فلما حققناه «1» من ان المعقول من الحجية التخييريّة هو جعل الطريقيّة لكل من المتعارضين منوطا بالالتزام به بحيث يكون الالتزام بالعمل على طبقها محققا لموضوع الحجيّة الفعلية في المختار، و لا معنى لأن يكون المجعول الشرعي على الطريقيّة هو التنجيز و التعذير لأنهما من الأحكام العقلية- بمعنى استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع و عدمه- و قد حققنا ذلك في المباحث الأصوليّة، فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبدا، و يلزمه عقلا التعذير و التنجيز، و قد ذكرنا أنه لا معنى لجعل الطريقيّة للجامع، و لا لأحدهما المبهم. بل الطريق كل واحد منهما بشرط اختيار المكلف له، فإذا إختار أحدهما يكون هو الحجة الفعلية في حقه، و يتنجز عليه الحكم الذي يؤدي إليه المختار. و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجية الفعلية مع‌

______________________________
(1) في ص 49.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 83‌

..........

______________________________
بقاء الأخرى على الحجية التخييريّة، فبعد رفع اليد عن الالتزام بالأولى و الالتزام بالثانية يشك في بقاء الحجيّة الفعلية للأولى، فاستصحابها يكون معارضا لاستصحاب الحجية التخييريّة للثانية.

استصحاب الحكم الفرعي و أما الثاني: و هو أن يكون المستصحب الحكم الفرعي الذي أدت إليه الفتوى المختارة- كوجوب القصر- فاستصحابه ينافي استصحاب الحجيّة التخييريّة أيضا، لأن مضمون الفتوى هو وجوب صلاة القصر تعيينا و قد تنجز على المكلّف بسبب اختياره الفتوى التي تؤدي إليه، فوجوب القصر تعيينا معلوم للمكلّف تعبدا، فبقاءه بالاستصحاب مناف لبقاء الفتوى الثانية على الحجيّة التخييريّة.

و بعبارة واضحة: التخيير المجعول شرعا إنّما هو في المسألة الأصولية فقط. و أما الحكم الفرعي و هو ما تضمنه كل من الفتويين من وجوب القصر أو التمام فتعييني، و قبل الالتزام بإحداهما لم يتعين عليه أحد الحكمين الفرعيين بالخصوص، و بعده يتعين عليه خصوص ما إختاره، فالحكم المختار ينافي بقاء الفتوى الثانية على الحجيّة التخييريّة في مرحلة التنجز حدوثا و بقاء.

و منه يظهر ما في كلامه أخيرا من إنكار ثبوت حكم آخر غير الحجيّة التخييريّة، وجه الظهور هو أنه يكفي في ثبوت الحكم التعبد به شرعا، كما في جميع موارد الأحكام و الموضوعات الثابتة بالأمارات الشرعية.

و أما استشكالة أخيرا في وجوب الالتزام بإحدى الفتويين (تارة) بأنه لا دليل عليه، لابتنائه على أن يكون التقليد هو الالتزام، مع أنه قد عرفت أنه العمل لا الالتزام (و أخرى) بأنه لا معنى للالتزام إلا بالحكم الفعلي، لأنه مقدمة للعمل على طبق ما يلتزم به، فلا بد من صلاحية الملتزم به‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 84‌

..........

______________________________
للبعث نحو العمل، و لا يعقل أن يكون كلا الحكمين بنحو التعيين فعليا، لمكان المعارضة فلا محالة يجب أن يكون الحكمان فعليين تخييرين تحقيقا للالتزام بهذا أو ذاك، و عليه فاستصحاب الحكم المختار لا يوجب تعينه بوجه، بل مقتضى الاستصحاب بقاء كل من الحكمين على ما هو عليه.

فمندفع: أما الأول: فبما عرفت من أن الالتزام في باب التعارض إنّما هو لتحقيق موضوع الحجيّة، لا لأجل أن التقليد هو الالتزام، أو أنه واجب تعبدي حتى يورد عليه بما ذكر، فإذا ثبت التخيير بين الفتويين كالخبريين- كما عليه المحقق المذكور- فلا بد من الالتزام بإحداهما لا محالة.

و أما الثاني: فبان وجوب الالتزام، إما أن يكون من أجل وجوب الموافقة الالتزامية للأحكام- كما قيل- أو من أجل أنه التقليد، أو أنه محقق لموضوع الحجيّة، و لا رابع، و شي‌ء من ذلك لا يستدعي جعل حكمين فرعيين تخييريين، حتى يقال بان استصحاب الحكم المختار هو استصحاب حكم تخييري لا يوجب تعيّنه بوجه.

أما على وجوب الموافقة الالتزامية فالملتزم به هو حكم اللّه الواقعي، فإن كان معلوما تفصيلا فيلتزم به، و إن كان معلوما إجمالا فيلتزم بما هو الواقع المردد بين أمرين أو أكثر، فيلتزم- مثلا- بالوجوب الواقعي المشكوك تعلقه بالقصر أو التمام.

و أما بناء على انه التقليد أو أنه محقق للحجيّة فالملتزم به هو تطبيق العمل على طبق فتوى المجتهد، و الاستناد إليها في مقام العمل، لا الحكم الذي افتى به المجتهد كي يلتزم بجعل حكمين تخييريين في مورد المعارضة، لاستحالة جعلهما تعيينيين بالتقريب الذي أفاده (قده) فالمستصحب هو الحكم التعييني الذي أفتى به المجتهد الأول، فيعارض استصحاب الحجية التخييريّة لفتوى المجتهد الثاني.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 85‌

..........

______________________________
و بالجملة: التخيير الثابت في المقام حدوثا ليس تخييرا في المسألة الفرعيّة واقعا، بحيث يكون العامي مخيرا بين القصر و التمام في صورة اختلاف المجتهدين في ذلك تخييرا واقعيا- كما في التخيير في المواطن الأربعة- لأنا نعلم إجمالا بخطإ أحدهما، و أن الحكم الواقعي هو وجوب إما القصر و إما التمام تعيينا. و هذا بخلاف التخيير في المواطن الأربعة، و لا تخييرا فيها ظاهرا، لأن موضوع الحكم الظاهري هو الشك، و نحن لا نحتمل في صورة الاختلاف أن يكون الحكم الشرعي الواقعي هو: إننا مخيّرون بين القصر و التمام كي يثبت في حقنا التخيير الظاهري بينهما، و الاستدلال على التخيير بما ذكره (قده) عرفت ما فيه، بل الثابت هو التخيير في باب الحجج الذي نعبّر عنه بالتخيير في المسألة الأصولية- بمعنى إناطة فعلية حجية كل من المتعارضين باختيار المكلّف- و هذا من خصائص التخيير في الحجيّة، و الا فالحجيّة في غير مورد المعارضة لا تناط فعليتها باختيار المكلف. بل بنفس الوصول تكون فعلية، و حيث أن كلا من الفتويين في المقام كانت حجة شأنية، و قد بلغت إحداهما مرتبة الفعلية بالاختيار، يشك في زوال التخيير عن الأخرى بسقوطها عن الحجيّة الشأنية رأسا- التي كانت ثابتة لها حدوثا- فيستصحب التخيير لها، و يعارضه أمران: استصحاب الحجيّة الفعلية لفتوى المجتهد الأول و استصحاب الحكم التعييني الذي أفتى به هذا المجتهد، فالمعارضة ثابتة لا محالة، فنفى المعارضة- كما ادعاه المحقق المذكور- لا وجه له بأي معنى كان المستصحب.

و الصحيح في الجواب: ان يقال: إن استصحاب الحجية التخييريّة غير جار في نفسه، لأنه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية، مع أنه لم يحرز بقاء الموضوع بعد الأخذ بإحداهما كما عرفت. [1]

______________________________
[1] بل هو من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بحجيّته، لأن معنى الحجيّة التخييريّة على ما حققناه عبارة عن تعليق الحجيّة على اختيار المكلّف، فما لم يختر لم تكن هناك حجيّة فعليّة،

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 86‌

..........

______________________________
استدل المانعون عن العدول بوجوه 1- الإجماع (الأول) الإجماع على عدم الجواز كما عن المحقق القمي (قده).

الجواب عنه و يردّه أولا: أنه لم يحرز الاتفاق، لأن المسألة ليست معنونة في كلام المتقدّمين. بل هي حادثة من زمن المحقق و العلّامة. بل محرز العدم، لما عن المحقق و الشهيد الثانيين و العلّامة في النهاية و المحقق الأول اختيار جواز العدول، و لا إشكال في أن هؤلاء ممن يعبأ بخلافهم.

و ثانيا: إن مثل هذا الاتفاق لا يكون كاشفا عن رأى المعصوم- عليه السّلام- لاستناد المجمعين إلى أدلة ذكروها، كقاعدة الاشتغال، و غيرها، فهو معلوم المدرك و ليس إجماعا تعبديا.

2- الاستصحاب (الوجه الثاني) استصحاب حجيّة الفتوى المختارة فإنّها صارت حجة فعلية في حق المقلّد باختياره لها، كما هو شأن الحجة التخييريّة- على ما قدّمنا- فيشك في بقائها على الحجيّة برفع اليد عن الالتزام بها، و اختيار المقلّد فتوى من يريد العدول إليه، للشك في أن الالتزام علّة لحجيّتها حدوثا و بقاء، أو‌

______________________________
[1] بل هي حجيّة شأنية معلقة على اختياره، و هذا هو الحال في فتوى المجتهد الثاني الّذي يريد العدول إليه، بل قد تكون الحالة السابقة فيها عدم الحجيّة رأسا، و هذا كما إذا كان المعدول عنه أعلم من المعدول إليه ثم صار الثاني مساويا للأول، و أراد العدول إليه، فإن المستصحب حينئذ عدم الحجيّة رأسا، فالدليل يكون أخص من المدّعى.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 87‌

..........

______________________________
حدوثا فقط، و قد يعبّر عنه باستصحاب الحكم المختار، و هو ما أفتى به المجتهد الأول- كوجوب القصر- فالمستصحب هو الحكم الفرعي الثابت على المقلّد بفتوى المجتهد الأول، فيثبت عليه حتى بعد العدول إلى الثاني بالاستصحاب.

الجواب عنه و يردّه: أنه لا يتم الاستصحاب المذكور، لأنه في الشبهة الحكمية سواء كان المستصحب الحجية الفعلية أو الحكم المختار. بل يختص الثاني بإشكال و هو أنه لا يقين بالحدوث في ظرف الشك في البقاء، للشك في بقاء فتوى المجتهد الأول على الحجيّة بعد رفع اليد عن الالتزام بها فينحصر المستصحب في الحجيّة، و يرد عليه الإشكال المشترك.

و أما دعوى شيخنا الأنصاري حكومة استصحاب التخيير عليه، كدعوى بعض المشايخ المحققين عدم المعارضة بينهما رأسا فقد عرفت فسادهما.

3- قاعدة الاشتغال (الوجه الثالث): قاعدة الاشتغال. و بيانها: أنه بعد تنجز الأحكام بالعلم الإجمالي، أو بكون الشبهة قبل الفحص يستقل العقل بلزوم امتثالها، أو إتيان ما جعل امتثالا لها تعبدا، فإذا دار الأمر بين حجّية إحدى الفتويين تخييرا، أو حجيّة الفتوى المختارة تعيينا يحكم العقل بلزوم الأخذ بمحتمل التعيين، للقطع بحجيّته على كل حال، و هذا بخلاف الطرف الآخر فان الشك في حجيّته مساوق للقطع بعدمها، فيكون الدّوران في الحجيّة نظير الدوران بين التعيين و التخيير في باب التزاحم، حيث أنه لا بد من الأخذ بمحتمل التعيين هناك أيضا، كما إذا احتمل المكلّف أن أحد الغريقين الذين لا يمكنه إنقاذهما معا يتعين عليه إنقاذه، لأنه عالم- مثلا- فان الحكم الشرعي‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 88‌

..........

______________________________
في المثال معلوم، و هو وجوب إنقاذ كل منهما، و لكن حيث أن المكلّف ليس بقادر على الجمع، و امتثال كلا التكليفين يكون مخيرا في مقام الامتثال، لاستحالة بقاء كليهما على إطلاقه فلا بد من تقييد كل من الخطابين بعدم إتيان متعلق الآخر، إلا إذا كان أحدهما أهم فالتقيد حينئذ يختص بالمهم فإذا احتمل الأهميّة في أحدهما يشك في تقييد خطابه مع الجزم بتقييد خطاب الطرف الآخر بعدم إتيان محتمل الأهميّة. و قد حققنا الكلام في ذلك في بحث الترتب.

فظهر مما ذكرنا حال الدوران في الحجيّة على القول بالسببية في الأمارات، فإنها تدخل في باب التزاحم و تكون الفتوى المختارة محتمل الأهمية و يتعين العمل بها. و المتحصّل مما ذكرناه: أن مقتضى القاعدة هو الأخذ بمحتمل التعيين على كلا القولين في الأمارات- الطريقيّة و السببية- فينتج في المقام عدم جواز العدول من الحي إلى الحي.

إيراد الشيخ (قده) و قد أورد شيخنا الأنصاري على هذا الوجه بأنه لا ينهض في مقابل استصحاب التخيير، و تبعه في ذلك شيخنا المحقق المزبور، و تمامية هذا الإيراد مبنية على ما ذهبا إليه من جريان استصحاب التخيير من دون معارض، إما لحكومته على استصحاب الحجيّة الفعليّة كما ذهب إليه الشيخ، و إما لعدم اقتضاء الثاني التعيّن بوجه، كما ذهب إليه المحقق المزبور.

المناقشة في جوابه (قده) و لكن قد عرفت عدم صحة استصحاب التخيير من وجوه، منها المعارضة.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 89‌

..........

______________________________
بل يمكن المناقشة فيه بوجه آخر- غير ما تقدم- و هو أنه يمكن فرض الكلام فيما إذا كان تقليد المجتهد الأول متعيّنا لكونه أعلم ثم وجد من هو مثله، فيشك في حدوث التخيير لا في بقائه.

الجواب الصحيح و الصحيح أن يورد عليه بأنه مبني على ثبوت التخيير الشرعي في موارد معارضة الفتويين كما هو المتسالم عليه عندهم و قد تقدم المناقشة فيه.

نعم بناء على ثبوته يصح الاستدلال بقاعدة الاشتغال على عدم جواز العدول.

4- لزوم المخالفة القطعيّة (الوجه الرابع): لزوم المخالفة القطعيّة بسبب العدول في بعض الموارد، كما إذا قلد في صلاة الظهر- مثلا- من يفتي بوجوب القصر لمن سافر أربعة فراسخ قاصدا الرجوع في غير يومه، و في صلاة العصر من يفتي بتعين التمام، فإنه يقطع بعد الصلاتين بفساد إحداهما، فلا يجوز العدول في مثل هذا المورد لذلك، و في غيره بعدم القول بالفصل.

هكذا قرّب هذا الوجه شيخنا الأنصاري في رسالته.

و لكن الصحيح ان يقال إنه لا إجمال في متعلق البطلان. بل يعلم تفصيلا ببطلان العصر، أما لعدم الترتيب، لاحتمال فساد الظهر، و إما لأنه قصر أيضا كالظهر، و هذا جار في كل عملين مترتبين إذا قلد في أحدهما مجتهدا ثمّ عدل الى مجتهد آخر في الثاني.

الإيراد النقضي و يرده: النقض بموارد العدول الواجب فإنّه أيضا يستلزم العلم‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 90‌

..........

______________________________
بالمخالفة، كالعدول إلى الأعلم، أو عند تبدل رأي نفس المجتهد الأول، أو العدول عنه لموت أو جنون، و نحو ذلك، فإذا قلد مجتهدا في صلاة الظهر ثمّ علم بوجود أعلم منه وجب الرجوع إليه في صلاة العصر و ان خالف الأول في الفتوى.

حلّ الإشكال و حلّ الإشكال في جميع موارد العدول هو أن يقال: انه إذا قام دليل عام يتكفل باجزاء الأعمال السابقة المطابقة لفتوى المجتهد الأوّل في العبادات و المعاملات كالإجماع- على ما ادعى- فلا حاجة إلى الإعادة مطلقا، سواء كان العدول موجبا للعلم بالمخالفة تفصيلا أو إجمالا أم لا، لكفاية صحة الأعمال السابقة تعبدا في ترتب اللاحق عليها، و ان لم يتم دليل عام- كما هو الأظهر- فلا بد من ملاحظة الحكم في كل مورد بخصوصه، ففي باب الصلاة لا تجب الإعادة فضلا عن القضاء فيما إذا كان النقص فيها بسبب التقليد الأول في غير الأركان لما هو المختار عندنا من شمول (حديث لا تعاد) لموارد الجهل عن قصور، و تجب الإعادة فيما إذا كان النقص فيها لما هو مقتضى القاعدة الأولية من عدم الإجزاء فاللازم في مسألة القصر و التمام هو إعادة صلاة الظهر تماما إذا عدل الى من يفتي بوجوب التمام، كي لا يحصل له القطع بالمخالفة من دون عذر لأن النقص في الركعات.

و أما القضاء فلا بد فيه من إحراز الفوت، فإن كان مستند من يريد العدول إليه في فتواه بالتمام الأمارة يجب القضاء، لأن الأمارة حجة في لوازمها و ان كان مستنده غير الأمارة لا يجب القضاء، و استصحاب عدم إتيان الواجب في الوقت لا يثبت الفوت و لعلنا نوضح المقال في ذيل (مسألة 53).

فظهر مما ذكرناه: أن غاية ما يقتضيه هذا الوجه هو لزوم الاحتياط‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 91‌

..........

______________________________
و تكرار العمل السابق لا عدم جواز العدول. فمتى استلزم العدول المخالفة القطعية يتخلص منها بذلك.

و التحقيق أن يقال: إن المقلّد إما أن يحصل له العلم بمخالفة فتوى من يريد العدول اليه مع من قلده ابتداء تقليدا صحيحا أولا.

و على (الأول) لا يجوز له العدول إلى الثاني و لا البقاء على تقليد الأول لسقوط كلتا الفتويين عن الحجيّة بقاء للمعارضة. بل إذا كان عالما بالمخالفة من أول الأمر لم يصح تقليد المجتهد الأول، لعين الوجه، و على (الثاني) ليس له العدول أيضا لسقوط فتوى المجتهد الثاني عن الحجيّة حين العلم بمخالفتها مع فتوى المجتهد الأول، فالعدول- و هو بمعنى تقليد المجتهد الثاني مع مخالفته للأول في الفتوى- غير جائز على كلا التقديرين، لسقوط فتوى المجتهد الثاني عن الحجيّة على كل حال، فلا موضوع للعدول حقيقة، فلا بد من الأخذ بأحوط القولين إلا إذا كان الثاني أعلم.

نعم إذا نسي فتوى من قلّده ابتداء بحيث احتاج إلى المراجعة إليه ثانيا جاز العدول، لعدم العلم بالمخالفة حينئذ هذا على مسلكنا من عدم ثبوت التخيير.

و أما على المسلك المعروف المتسالم عليه بين الأعلام من ثبوت التخيير بين الفتويين المتعارضتين فأمتن الوجوه التي استدل بها على عدم جواز العدول هو قاعدة الاشتغال المتقدم بيانها، و بيان دفع الإشكال عنها فراجع.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 92‌

[ (مسألة 12) يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط]

(مسألة 12) يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط (1). [1]

______________________________
تقليد الأعلم

(1) المشهور وجوب تقليد الأعلم، و في رسالة شيخنا الأنصاري (قده) إنه لم يحك الخلاف فيه عن معروف بل حكي عن المحقق الثاني (قده) دعوى الإجماع على تعيّن تقليد الأعلم. و المنسوب إلى بعض متأخري المتأخرين عدم وجوبه.

و ينبغي التكلّم في مقامين.

(الأول) فيما هو وظيفة العامي في هذه المسألة- بمعنى ملاحظة ما يستقل به عقله في وجوب الرجوع الى الأعلم بلا تقليد في ذلك.

(الثاني) فيما يستظهره المجتهد من الأدلة النقلية و العقلية في هذه المسألة- أي فيما هو وظيفته من حيث الإفتاء بوجوب تقليد الأعلم و عدمه.

وظيفة المقلّد أما المقام الأول: فلا ينبغي الشك في استقلال عقل العامي بلزوم الرجوع الى الأعلم، لأنه بعد ما التفت إلى أمرين.

(أحدهما) تنجز الأحكام الشرعيّة عليه بالعلم الإجمال، و أنه ليس بمطلق العنان في أفعاله و تروكه في قبال تلك الأحكام.

(الثاني) إنه لا طريق له إلى امتثالها إلا فتوى المجتهدين، و لو بملاحظة بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة- يستقل عقله بلزوم تقليد الأعلم،

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظلّه) على قول المصنّف «قده»: «على الأحوط» (بل وجوبه- مع العلم بالمخالفة و لو إجمالا فيما تعم به البلوى- هو الأظهر).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 93‌

..........

______________________________
لدوران الأمر بين التخيير و التعيين في الحجيّة، و قد ذكرنا غير مرّة أن العقل يستقل فيه بلزوم ترجيح محتمل التعيين.

وظيفة المفتي و أما المقام الثاني: و هو في وظيفة المفتي من حيث الإفتاء بجواز تقليد الأعلم و عدمه فيقع البحث فيه في مرحلتين.

(الأولى) في ذكر أدلة كل من الطرفين و النظر فيها.

(الثانية) فيما هو مقتضى الأصل لو لم يتم شي‌ء من الأدلة.

تعيين محلّ الكلام و ليعلم أن محل الكلام- فعلا- إنّما هو صورة العلم بمخالفة فتوى المجتهدين و لو إجمالا مع العلم بأعلميّة أحدهما، و تمييزه عن غيره.

و أما صورة الشك في المخالفة، أو الأعلمية، أو عدم تمييز الأعلم عن غيره فيأتي البحث عنها في مسألة وجوب الفحص إن شاء اللّه تعالى.

أما المرحلة الأولى: ففي البحث عن أدلة كل من الطرفين.

أدلة القائلين بعدم وجوب تقليد الأعلم.

1- الأدلة اللفظيّة و هي وجوه. (الأول): إطلاقات الأدلة الدّالة على مشروعية التقليد من الآيات و الأخبار. و تقريب ذلك: ان هذه الأدلة و ان كانت ظاهرة في الحجية التعيينية إلا أنا نخرجها عن ظهورها في مورد المعارضة بصرفها إلى إرادة الحجية التخييريّة بالقرينة الخارجية و العقلية.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 94‌

..........

______________________________
القرينة الخارجيّة أما الخارجية: فهي كثرة الاختلاف في الفتوى مع التفاوت في الفضيلة خصوصا في عصر ورود الروايات الدّالة على حجّية الفتوى، و إن لم يكن كذلك في عهد نزول الآيات، لكثرة الاختلاف في مستند المفتين من الروايات الواردة عن المعصومين- عليهم السّلام- كما تشهد بذلك بعض الروايات- فيحمل مثل قوله- عليه السّلام- «فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا و كل كثير القدم في أمرنا» [1] على الحجيّة التخييريّة عند المعارضة.

بل ربما يقال ان الإجماع على عدم وجوب الاحتياط هو القرينة على الصرف المذكور.

القرينة العقليّة و أما القرينة العقلية: فهي إنه يدور الأمر بين رفع اليد عن إطلاق الحجيّة في كل من المتعارضين أو عن أصلها، و لا ريب أن الأول أولى، لأنه المتيقن، و لا موجب لرفع اليد عن أصل الحجيّة، فتقيد حجيّة كل منهما باختياره- كما هو شأن الحجيّة التخييريّة على ما تقدم- و هذا البيان يجري في كل مورد دل الدليل على وجوب أمرين، و علمنا من الخارج بعدم وجوبهما تعيينا، و احتملنا ثبوت الوجوب لهما تخييرا، كما إذا ورد عام له إطلاق أحوالي‌

______________________________
[1] روى الكشي في كتاب الرجال عن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر ابن وهب عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه- يعني أبا الحسن الثالث- أسأله عمن أخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه أيضا بذلك، فكتب إليهما: فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبّنا، و كل كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إنشاء اللّه (الوسائل 18: 110 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 45).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 95‌

..........

______________________________
مثل قول المولى: «أكرم كل عالم» الظاهر في وجوب إكرام كل فرد من العلماء تعيينا من دون تقييد بإكرام غيره و عدمه، و علمنا من الخارج بعدم وجوب إكرام فردين معا- كزيد و عمر- و دار الأمر بين أن يكون كل منهما خارجا عن العموم تخصيصا، فلا يجب إكرامهما رأسا، و خارجا عنه تقييدا، ليجب إكرام كل منهما عند عدم إكرام الآخر، ففي مثله لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن، و هو الحكم بعدم وجوب إكرام كل منهما عند إكرام الآخر، و أما الحكم بعدم وجوب إكرامه على الإطلاق فلا موجب له. [1].

(و الجواب): أما عن القرينة الخارجية. فأولا: المنع عن كثرة وقوع الخلاف بين المفتين في تلك العصور، لتمكنهم من مراجعة الأئمّة- عليهم السّلام- و وضوح مستندهم في الأحكام، لقلة الوسائط، و لا يقاس ذلك بالعصور المتأخرة عن زمن المعصومين التي وقع الخلاف الكثير في الروايات، لضياع جملة من الكتب و الدسّ في الكتب الباقية، و نحو ذلك مما أدى إلى عدم الوثوق بها إلا بعد الفحص عن سندها و حجّيتها. و منه الاختلاف في توثيق أسناد الرّوايات، و من أجل ذلك نشأ الاختلاف بين المجتهدين في الفتوى.

و ثانيا: إنه لو سلّم وقوع الخلاف بهذا المقدار حتى في تلك العصور‌

______________________________
[1] هذا في دليل واحد بالنسبة إلى أفراد موضوعه. فيكون المقام نظير ما إذا ورد دليلان نعلم بعدم ارادة الظهور في كل منهما، كما إذا دل دليل على وجوب التمام في مورد و دل دليل آخر على وجوب القصر في نفس ذاك المورد، للعلم بعدم وجوب صلاة واحدة مرتين في يوم واحد، فيحملان على الوجوب التخييري، حملا لظهور كل منهما في التعيين على نص الآخر في أصل الوجوب، فيرفع اليد عن ظهورهما في الوجوب التعييني، و يتحفظ على نص كل منهما في أصل الوجوب، فيقاس تعارض فردي الدليل الواحد على تعارض الدليلين المستقلين، مع أن شمول الدليل الواحد لأفراده يكون بالظهور الإطلاقي و هذا بخلاف الدليلين، فان دلالتهما على أصل الحكم تكون بالنصوصيّة، و إن تعارضا في الظهور التعييني، كما أشرنا.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 96‌

..........

______________________________
فلا يصلح ذلك قرينة على صرف الإطلاقات إلى الحجيّة التخييريّة، لأن حال الفتاوى حال الروايات بعينها في أن الأدلة الأولية الدالة على حجيّتها لا تفي بحال المعارضة. و الشاهد عليه وقوع السؤال عن علاج الروايات المتعارضة فوردت الأخبار العلاجيّة لذلك فلو كانت الإطلاقات الأوليّة كافية لما احتاجوا إلى السؤال.

فتحصّل: إن الإطلاقات لا تتكفل إلا لبيان حجيّة قول كل مجتهد في نفسه، و أما حجيّته في صورة المعارضة فهي خارجة عن نطاقها فلا بد من التماس دليل آخر.

و أما عن القرينة العقليّة: فبأن ترجيح التقييد المذكور على تقييد حجيّة كل منهما باختيار الآخر مثلا و نحو ذلك [1] بلا مرجح، إذا اللازم هو الخروج عن الإطلاق حذرا عن أدائه إلى التعبد بالمتناقضين، و أما كيفية التقييد فلا دليل عليها، و بما أنّه يمكن التقييد على نحوين أو أكثر و لا مرجح لبعضها على بعض، فلا محالة يسقط الدليل عن أصل الحجيّة في مورد المعارضة لعدم المرجح، و تفصيل الكلام في محله.

2- السيرة (الوجه الثاني): سيرة المتشرعة و قد استمرت من زمن الأئمّة الأطهار- عليهم السّلام- إلى زماننا على الرجوع إلى كل مجتهد من دون فحص‌

______________________________
[1] كرفع اليد عن حجيّة أحدهما رأسا، و إبقاء الآخر على حجيّته مطلقا، أو رفع اليد عن شمول الدليل لكلا الفردين رأسا، لأن شمول الدليل لهما إنّما يكون بالعموم أو الإطلاق أي بالظهور اللفظي، دون النصوصيّة فلا محذور في الالتزام بالتخصيص بالنسبة إلى كلا طرفي المعارضة، و إخراجهما عن الظهور الشمولي، و هذا بخلاف تعارض دليلين يكون كل منهما نصا في أصل الحكم من دون معارضة لهما في ذلك، و ان تعارضا في الظهور التعييني، كما ذكرنا في مثال القصر و التمام.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 97‌

..........

______________________________
عن الأعلم، مع أن مراتب العلماء في الفضيلة متفاوتة، و دراجتهم العلميّة غير متساوية، كما أنّهم لم يتفقوا في جميع آرائهم، و هذا أمر غير خفي.

(و الجواب) أنه لم يعلم ثبوت السيرة على ذلك حتى في صورة العلم بالمخالفة مع التمكن من الرجوع إلى الأعلم، و تمييزه، كما هو محل الكلام، بل يمكن دعوى العكس فيه.

3- الحرج في تقليد الأعلم (الوجه الثالث): لزوم الحرج في الاقتصار على تقليد الأعلم، لتعسر تشخيص الأعلم مفهوما، و مصداقا، و تعسّر تحصيل فتاواه، فينفي وجوب تقليده بدليل نفي الحرج، و لو في بعض هذه المراحل الثلاثة.

(و الجواب) أولا: أنه لا حرج في شي‌ء من المراحل. أما مفهومه فهو أمر عرفي، و يأتي توضيحه، و أما مصداقه فلا يزيد على بقية موارد تشخيص الأعلم- كما في الأطباء و غيرهم من أرباب العلوم المختلفة- فيحصل العلم أو الاطمئنان به من الاختبار، أو الشياع و نحو ذلك، و يزيد تشخيص الأعلم بالاكتفاء بالبيّنة، و أما تحصيل فتاواه فلا حرج فيه خصوصا في هذه الأزمنة، و الشاهد على ذلك كله هو شهرة القول بوجوب تقليد الأعلم بين الأعلام، و تبعهم في ذلك العوام فقلّدوا الأعلم في عصرهم و لم يقعوا في حرج من ذلك.

و ثانيا: إن محل الكلام إنّما هو تميز الأعلم عن غيره مع العلم بمخالفته مع غير الأعلم.

4- إرجاع الأئمّة إلى غير الأعلم (الوجه الرابع): إن الأئمّة الأطهار- عليهم السّلام- كانوا يرجعون‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 98‌

..........

______________________________
الشيعة إلى الرواة و المفتين الموجودين في عصرهم، و ما ذاك إلا أن تقليد المجتهد جائز مع وجود الإمام- عليه السّلام- ففي صورة وجود الأعلم غير الإمام بطريق أولى يجوز تقليده.

(و الجواب): هو ما أجبنا به عن السيرة من أن محل الكلام صورة العلم بالمخالفة بين الأعلم و غيره، و من المقطوع به أن الرجوع إلى الرواة لا يشمل صورة مخالفتهم مع الإمام- عليه السّلام.

فتحصّل إنّه لم يتم دليل على عدم وجوب تقليد الأعلم. فلا بد من ملاحظة أدلة القائلين بالوجوب، فإن تم، و إلا فالمرجع هو الأصل العملي.

أدلة القائلين بوجوب تقليد الأعلم بناء العقلاء و هي وجوه: عمدتها بناء العقلاء على العمل بقول الأعلم إذا اختلف مع غيره في مختلف الأنحاء الشرعيّة و العرفيّة. و استوضح ذلك من مراجعة الناس إلى الأطباء إذا كان أحدهم أعلم من الآخرين، و خالفوه في الرأي، فإنّه جرى عملهم على الأخذ برأيه و ترك رأي الباقين، و لم يثبت ردع من الشرع عن العمل به في الأحكام الشرعيّة. و عليه فلا ينبغي الشك في لزوم العمل بفتوى الأعلم إذا كانت موافقة للاحتياط.

و أما إذا كانت مخالفة له فالظاهر التخيير بينه و بين فتوى غير الأعلم لبناء العقلاء على الرجوع الى الأعلم و إن كان رأيه مخالفا للاحتياط، فتكون فتواه حجة في هذه الصورة أيضا. و أما جواز العمل بفتوى غير الأعلم فإنّما هو من باب الاحتياط لا الحجيّة فلا يصح إسناد الحكم الذي أفتى به الى اللّه تعالى و ان كان موافقا للاحتياط. و مع التشكيك في بناء العقلاء فيكفينا الأصل العملي الآتي بيانه.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 99‌

..........

______________________________
و ربما يستدل على وجوب تقليد الأعلم بوجوه أخر لا تخلو عن المناقشة.

1- الإجماع (أحدها): دعوى الإجماع- كما عن المحقق الثاني.

(و فيه): المنع صغرى، لمخالفة جملة من المتأخرين في ذلك، و كبرى، لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الوجوه بل لا يبعد دعوى الاطمئنان بذلك فمثل هذا الإجماع لو اتفق لا يكون حجة لعدم كشفه عن رأى المعصوم- عليه السّلام.

2- الأخبار (الثاني): الأخبار.

(منها): مقبولة عمر بن حنظلة لقوله- عليه السّلام- فيها: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت الى ما حكم به الآخر». [1]

و (منها) ما عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- في عهده الى مالك الأشتر:

«اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك». «2»

______________________________
[1] رواها المشايخ الثلاثة (قدس سرهم) بأسنادهم عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى أن قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما و اختلف فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم «فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما. الحديث».

الوسائل 18: 75 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

______________________________
(2) نهج البلاغة 3: 104 (ط محمد عبده).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 100‌

..........

______________________________
و (منها) ما في بعض الروايات من الذم على من يتصدى منصب القضاء و في المصر من هو أفضل منه [1]. بدعوى دلالتها على لزوم تقديم الأعلم على غيره.

(و الجواب) أما عن المقبولة فبأنها ضعيفة السند [2] و الدلالة لأن موردها التنازع و الخصومة و ترجيح أحد الحكمين إذا اختلفا في الحكومة بالأفقهية، أو غيرها لا يلازم ترجيح أحد المجتهدين إذا اختلفا في الفتوى، لأنه لا بد عند النزاع من فصل الخصومة بين المتنازعين، و لا يتأتى ذلك بالتخيير‌

______________________________
[1] و قد عنون في الوسائل بابا في كتاب القضاء سماه ب‍ «باب أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشك في المسألة و لا في حضور من هو أعلم منه.» و هو الباب الرابع من أبواب آداب القاضي، ج 18 ص 158 إلا أنا لم نجد بعد الفحص رواية بهذا المضمون، و هو (قده) أيضا لم يذكر في الباب المذكور ما يدل على ذلك. نعم: في بعض الروايات ذم من دعى الناس إلى نفسه و فيهم من هو أعلم منه. راجع «البحار ج 2 ص 110 ح 16 طبع طهران عام 1376». و في البعض الآخر ذم من يفتي و في الأمة من هو أعلم منه، كما روى عن الامام الجواد- عليه السّلام- مخاطبا لعمه حين سألوه عن مسائل و لم يجب فيها بالحق: «يا عم إنّه عظيم عند اللّه ان تقف غدا بين يديه، فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم و في الأمّة من هو أعلم منك» البحار ج 50 ص 100 ح 2.

[2] إذ لمن ينصّ الأصحاب على «عمر بن حنظلة» بتوثيق و لا جرح، و عن الشهيد الثاني في شرح دراية الحديث: «انا حققنا توثيقه من محل آخر» «1» و عن بعض فوائده: ان مأخذ توثيقه ما روى في أحاديث المواقيت عن يزيد بن خليفة من قول الصادق- عليه السّلام- في حقّه «إذا لا يكذب علينا» «2» و اعترض عليه بضعف سند تلك الرواية، لضعف يزيد كعمر نعم الأصحاب تلقوا هذه بالقبول و لذا سميت بالمقبولة، و إن لم يثبت هذا أيضا.

______________________________
(1) الدّراية: 44.

(2) الكافي ج 2: 279/ 6، التهذيب ج 2: 31/ 95، الاستبصار ج 1: 267/ 965.

الوسائل ج 18: 59 أبواب صفات القاضي ب 8 ح 30.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 101‌

..........

______________________________
بين الحكمين، إذ كل من المتخاصمين يختار ما هو الأصلح لنفسه، فيبقى النزاع مستمرا إلى الأبد. و من هنا لم يحكم الإمام- عليه السّلام- فيها بالتخيير بعد فقد الوجوه المرجحة. بل أمر بالتوقف و تأخير الواقعة إلى لقائه- عليه السّلام- [1]. و هذا بخلاف باب الإفتاء، إذ لا محذور في تخيير المقلّد بين قولي المجتهدين و إن كان أحدهما أعلم. و مما يشهد باختصاص المقبولة بباب القضاء ان الترجيح بالأفقهية فيها إنّما هو بالإضافة إلى الحاكم الآخر، و هذا لا يتم في باب الإفتاء و إن تم في باب القضاء، لأنّه لا بد من ملاحظة الأعلم من الكل في أي مكان فلو كان في البلد فقيهان أحدهما أعلم من الآخر لا يجوز تقليد الأعلم منهما إذا كان في بلد آخر من هو أعلم من هذين الفقيهين. هذا مضافا إلى أن الترجيح بالأورعية و الأصدقية في الحديث يختص بباب القضاء و لا يعم الفتوى.

و مما ذكرنا يظهر الجواب عن كتاب أمير المؤمنين- عليه السّلام- و عن بقيّة الروايات، فان مدلولها اعتبار الأفضلية الإضافية لا المطلقة، و هو من مختصات باب القضاء. [2]

______________________________
[1] إشارة إلى قوله- عليه السّلام- في ذيل المقبولة «إذا كان كذلك فأرجه وقف عنده حتى تلقى إمامك».

[2] و هناك روايات تدل على لزوم تقديم الأعلم، و لكنها ضعيفة السند أو الدلالة أيضا كما ذكرنا آنفا.

(منها) ما روى في البحار (ج 2 ص 110- الطبع الحديث-) عن كتاب الاختصاص قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- «من تعلم علما ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوء مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها فمن دعى الناس إلى نفسه، و فيهم من هو أعلم منه لم ينظر اللّه إليه يوم القيمة».

و هذه مرسلة لا اعتماد على سندها، مضافا إلى ظهورها في اعتبار الأعلمية في الرئاسة العامة الظاهرة في الخلافة دون التقليد من دون أن يكون هناك أى دعوى الرئاسة.

(و منها) ما روى أيضا في البحار عن الجواد- عليه السّلام- إنه قال مخاطبا عمه: «يا عم إنّه

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 102‌

..........

______________________________
3- أقربيّة قول الأعلم (الوجه الثالث): أقربية قول الأعلم إلى الواقع، لاطلاعه على مزايا و خصوصيّات يجهلها الآخر و هذه مرجحة لقوله، لأن المقصود من الرجوع إلى قول العالم الوصول إلى الواقع و هذا الملاك أقوى في قول الأعلم.

(و الجواب): أنّه ممنوع صغرى و كبرى.

أما (الصغرى) فلأن قول غير الأعلم قد يكون هو الأقرب إلى الواقع، كما إذا كان موافقا لفتوى المشهور أو لقول ميت أعلم منهما، و أما منع (الكبرى) فلأنه لا دليل على أن الملاك في حجيّة الفتوى هو القرب إلى الواقع حتى يقال بأقوائيته في قول الأعلم. بل المستفاد من الآيات و الروايات هو حجيّة قول الفقيه و العالم و العارف بالأحكام و أهل الذكر و هذه العناوين مشتركة بينهما، و هذا لا ينافي حجيّة الفتوى من باب الطريقيّة كبقيّة الأمارات، فإن البيّنة إذا عورضت بمثلها، و كانت إحداهما أقرب إلى الواقع، كما إذا كانت أعرف بالحال من الشاهدين الآخرين لا يوجب ذلك تقديمها على معارضها. بل الحكم فيهما التساقط مع أن البيّنة حجة من باب الطريقة. و السرّ في ذلك: أن ملاك الحجيّة هو الطريقيّة بحيث توجب صدق هذه العناوين، و هذا مشترك بين العالم و الأعلم.

و (دعوى) أنه إذا كان المراد من الأعلم من هو أكثر إحاطة بالمدارك الشرعيّة و العقليّة للأحكام- كما هو كذلك- بحيث يكون أقوى نظرا في تحصيل الحكم من مداركه و كيفيّة تطبيقها على مصاديقها تكون النسبة‌

______________________________
عظيم عند اللّه أن تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم و في الأمّة من هو أعلم منك».

و هذه أيضا ضعيفة بالإرسال، و إن كانت تدل على اعتبار الأعلمية المطلقة في المفتي.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 103‌

..........

______________________________
بين الأعلم و العالم نسبة العالم الى الجاهل، لغفلة العالم عن الإحاطة ببعض الجهات التي أحاط بها الأعلم، فهو جاهل بالنسبة إليه، و معه كيف يمكن الحكم باشتراكهما في الملاك كما عن بعض المشايخ المحققين.
«1»

(مدفوعة) بأنه يمكن أن يكون ملاك الحجيّة هو الإحاطة بمقدار من الجهات الموجب لصدق عنوان الفقيه و المجتهد و العالم، فجواز تقليد العالم إنّما هو باعتبار إحاطته بهذا المقدار و إن كان جاهلا بالمقدار الزائد الملغى اعتباره في ملاك الحجيّة، فإن عنوان العالم و الجاهل من الأمور الإضافية.

فتحصّل: أن أمتن الوجوه لتعين الرجوع إلى الأعلم عند العلم بمخالفته مع العالم هو بناء العقلاء الممضاة شرعا بعدم ثبوت الردع عنها.

تقليد الأعلم و الأصل العملي قاعدة الاشتغال أما المرحلة الثانية: ففيما هو مقتضى الأصل العملي عند اليأس عن الدليل على كل من القولين، و استقرار الشك في اعتبار الأعلمية. و الكلام في ذلك إنّما يقع بعد الفراغ عن عدم وجوب الاحتياط، إما للإجماع، أو لأجل بناء العقلاء، أو لغير ذلك. و عليه فالمرجع قاعدة الاشتغال، لأن المقام من الدوران بين التخيير و التعيين في الحجيّة، و قد مر انه لا بد من الأخذ بمحتمل التعيين و هو فتوى الأعلم.

(و بتقريب آخر) إنّه بعد البناء على ان معنى الحجية التخييرية هو اشتراط حجيّة كل من المتعارضين بالأخذ يشك في المقام في حجيّة فتوى غير الأعلم بالأخذ بها دون العكس، فإنّه إذا أخذ بفتوى الأعلم يقطع بحجيّتها‌

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 40.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 104‌

..........

______________________________
على كل تقدير سواء كانت حجيّتها مشروطة بالأخذ أو كانت حجة على الإطلاق.

تقليد الأعلم و أصالة البراءة نعم هنا (شبهة) لعلّها تختلج بالبال. و هي أن مقتضي أصالة البراءة عدم العقاب على مخالفة فتوى الأعلم، كما أن مقتضى حديث الرفع عدم اعتبار المزية لفتواه، إذ اعتبارها كلفة على المكلّفين، نظير دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الظهر و الجمعة. و هذه الشبهة لا تختص بالمقام بل تأتي في جميع موارد الدوران في الحجيّة.

(و يدفعها) أن العقاب في باب الأمارات ليس على مخالفة الأمارة بما هي. بل هو على مخالفة الواقع، لأن شأنها ليس إلا الطريقيّة. فليس العمل على طبقها واجبا نفسيا سواء في ذلك ذا المزيّة و غيرها، فلا عقاب على مخالفتها كي يدفع بالأصل عند الشك. و من هنا لو خالف الأمارة و أتى بالواقع اتفاقا لا يعاقب على ترك الواقع، و عقابه على مخالفة الأمارة المعتبرة يبتني على بحث التجري.

و بالجملة: أصالة البراءة عن العقاب على مخالفة فتوى الأعلم بما هي مخالفته في نفسه لا معنى له، للقطع بعدم العقاب، و البراءة عن مخالفة الواقع لو صادف في فتوى الأعلم غير جاريّة، لتنجز الواقع بالعلم الإجمالي، أو بنفس الأمارتين [1] إذا الأصل في كلّ من الطرفين معارض بالأصل في الطرف‌

______________________________
[1] لو كان تنجّز الواقع بنفس الأمارتين لم تجر البراءة عن أصل الوجوب للمعارضة بأصالة البراءة في الطرف الآخر و المفروض تنجّز الواقع بالأمارتين للعلم الإجمالي بحجيّة إحداهما، إلا أنه لا مانع حينئذ من إجراء البراءة عن تعيّن ما يحتمل تعيّنه، لأن المفروض عدم تنجّز الواقع عن طريق آخر، كالعلم الإجمالي الكبير، فيكون الشك في أصل التكليف بالتعيين في أحد الواجبين،

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 105‌

..........

______________________________
الآخر. و منه يظهر الجواب عن الأصل بالتقرير الثاني، لأن المزيّة في الحجيّة لا عقاب على مخالفتها في نفسها، فلا وجه لقياس الدوران في باب الحجج على الدّوران في المسائل الفرعية- كالمثال- إذ العقاب هناك على مخالفة نفس محتمل التعيين- كصلاة الظهر- لأن الشك في أصل ثبوت التكليف المردد بين التعيين و التخيير و في المقام الشك في سقوطه بعد ثبوته.

هل ترجيح قول الأعلم تشريع محرّم فان قلت: ترجيح قول الأعلم. و الالتزام بوجوب العمل به عند المعارضة من دون دليل يدل عليه تشريع محرّم، إذ لا فرق في حرمة التشريع بين أن يكون في أصل الحكم أو في طريقه.

قلت: لزوم العمل بفتوى الأعلم بمقتضى قاعدة الاشتغال ليس من باب الإسناد إلى الشارع، بل هو بمقتضى حكم العقل أخذا بالقدر المتيقن في مقام امتثال الأحكام المنجّزة من باب الاحتياط، لاستقلال العقل بالخروج عن عهدة التكاليف المنجّزة بالعمل على طبقه، بخلاف العمل بقول غير الأعلم، و (بعبارة أخرى) لو كان هناك دليل شرعي على ثبوت التخيير في جميع موارد المعارضة بحيث تشمل بإطلاقه لمعارضة الأعلم مع غيره كان ترجيح قول الأعلم تشريعا محرما، و أما إذا لم يثبت ذلك- كما هو المفروض- و كان‌

______________________________
فتجري البراءة، عن الخصوصيّة و «بعبارة واضحة» لو دار الأمر في تنجيز الواقع بين التعيين و التخيير جرت البراءة عن التعيين- كما إذا أريد تنجيز الواقع بنفس الأمارتين- و أما لو دار الأمر بينهما في التعذير عن مخالفة الواقع بعد فرض تنجّز الواقع عن طريق آخر، كالعلم الإجمالي، لم تجر البراءة عن التعيين، للزوم الخروج عن عهدة التكليف المفروض تنجزه، و مقتضى قاعدة الاشتغال ترجيح محتمل التعيين حينئذ، و مقامنا من هذا القبيل لوجود العلم الإجمالي بالأحكام لكل أحد.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 106‌

..........

______________________________
الالتزام بقول الأعلم من باب الأصل العملي فلا تشريع.

استصحاب حجيّة فتوى غير الأعلم فإن قلت: إن استصحاب جواز تقليد غير الأعلم فيما لو تجددت أعلمية أحدهما بعد تساويهما في الفضيلة حاكم على قاعدة الاشتغال، و يتم في غير هذه الصورة بعدم القول بالفصل. «1»

قلت: أولا ينتقض ذلك بما إذا تجدد اجتهاد أحدهما بعد اجتهاد الآخر و كان المجتهد الأول أعلم من الثاني فإنّه يستصحب عدم جواز تقليد الثاني أو حجيّة قول الأول تعيينا، و يتم في غيره بعدم القول بالفصل، فلو صح جريان الاستصحاب فيما ذكر جرى فيما ذكرناه أيضا.

و ثانيا: إنه بعد الغض عن الإشكال في جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، و عن ثبوت أصل التخيير عند معارضة الفتاوى لم يحرز بقاء الموضوع فيه، لأن الدليل على ثبوت التخيير لو تم فإنّما هو الإجماع، أو السيرة، و القدر المتيقن منهما هو التخيير في مورد تساوى المجتهدين في الفضيلة. و بهذا يظهر عدم جريان الاستصحاب فيما ذكرناه أيضا.

و ثالثا: ان تسرية الحكم في الموارد الأخر إنّما يتم فيما إذا كان الحكم ثابتا في بعض الموارد بالدليل للملازمة الواقعيّة و أما إذا ثبت بالأصل كما في المقام فلا يجري ذلك، لأن مفاد الأصل ثبوت الحكم لموضوع خاص، و ما لم يتحقق لا يثبت الحكم إلا علىّ القول بالأصل المثبت فتحصّل من جميع ما ذكرنا أن مقتضى الأصل لزوم العمل بقول الأعلم.

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 35- 36.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 107‌

..........

______________________________
التّفصيل بين الطريقيّة و السببيّة ثمّ إن بعض المشايخ المحققين «1» ذهب الى التفصيل في مقتضى الأصل العملي بين القول بالطريقيّة في باب الأمارات فيتعين تقليد الأعلم، و القول بالسببيّة فيها فيتخيّر بينه و بين غير الأعلم، أما على الطريقيّة فبمقتضى قاعدة الاشتغال كما قدّمنا، و أما على السببيّة فلدخول التعارض في باب التزاحم، و مقتضى حكم العقل فيه هو التخير، و إن احتمل الأهميّة في أحدهما.

و حاصل ما أفاده في وجه ذلك هو أن المقتضي لجعل الحكم المماثل على طبق ما أفتى به المفتي لمصلحة فيه بهذا العنوان موجود في كل من الفتويين على هذا المبنى، إلا أن احتمال الأهميّة في فتوى الأعلم يوجب القطع بمانعيتها عن فعلية الطلب في الطرف الآخر، و هذا بخلاف العكس، فإن مانعية فتوى العالم عن فعلية الطلب في طرف الأعلم محتملة، لاحتمال عدم المزيّة، ففعليّة الطلب في المهمّ مقطوع العدم، و في طرف الأهم محتملة، إلا أن احتمالها لا يوجب احتمال العقاب، لأنه عقاب بلا بيان. و بما ان الطلب الخطابي بالإضافة الى كل واحد ثابت، و فعليتهما معا غير معقول، لعدم القدرة على امتثالهما معا، إما من جهة التضاد بين الملاكين فلا يتمكن المكلّف من استيفاء كلتا المصلحتين، أو من جهة التضاد بين الالتزامين بحكمين بناء على أن التقليد هو الالتزام بالحكم يحكم العقل بالتخيير، لاستحالة صيرورة الطلب الفعلي التعييني بذاته تعيينيا بالفعل في كلا الطرفين عند التزاحم.

(و فيه): أنه لو سلّم رجوع التعارض إلى التزاحم في مقام الامتثال‌

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 35- 36.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 108‌

..........

______________________________
و وجود الخطاب في كل من الطرفين- كما أفاد- فلا مجال للبراءة مع وجود الإطلاق في محتمل الأهميّة و الشك في تقييده بترك المهم. و ذلك لما حققناه في بحث الترتب من أن التزاحم بين الخطابين يوجب تقييد كل منهما بترك الآخر إذا كانا متساويين، لعدم معقوليّة بقاء الإطلاق بالنسبة إلى فعل الآخر و تركه لأنه من طلب الجمع بين الضدّين، و إذا كان أحدهما أهم يبقى خطابه على إطلاقه و يتقيد خطاب المهمّ بترك الأهم تحفظا للأهميّة، و إذا كان أحدهما محتمل الأهميّة فلا محالة يشك في تقييد خطابه بترك الآخر، و مقتضى القاعدة هو التمسك بالإطلاق إلا أن يعلم التقييد، بخلاف المهمّ فان التقييد فيه محرز على كل تقدير فالأقوى هو ترجيح قول الأعلم على كلا القولين.

على أن السببيّة على تقدير صحتها تختص بما إذا كانت الأمارة حجة فإذا فرض استحالة شمول دليل الحجيّة لكلا المتعارضين لم يكن ملزم للالتزام بوجود الملاك في كل منهما، لأن كشف الملاك إنّما هو في مرتبة متأخرة عن الحجيّة.

و قد حققنا في محلّه «1» أن مقتضى القاعدة في التعارض هو التساقط بلا فرق بين القول بالطريقيّة و القول بالسببيّة و أن رجوع التعارض الى التزاحم على القول بالسببيّة كما هو ظاهر كلام الشيخ (قده) مما لا أساس له.

و توضيحه: على وجه الإجمال أن التزاحم بين الحكمين إنّما هو فيما إذا كان التنافي ناشئا من عدم قدرة المكلّف على امتثالهما معا بعد الفراغ من إمكان جعل كلا التكليفين في نفسهما كما في إنقاذ الغريقين.

______________________________
(1) بحث التعادل و الترجيح.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 109‌

..........

______________________________
و أما مع فرض عدم إمكان اجتماع التكليفين في مقام الجعل فلا معنى لتحقق التزاحم، و موارد التعارض من قبيل الثاني لأن التعارض بين الدليلين إن كان بالتناقض في نفس الحكمين كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب شي‌ء و الآخر بعدم وجوبه أو بالتضاد بينهما كما إذا أفتى أحدهما بوجوبه و الآخر بحرمته فاستحالة اجتماع الحكمين في مرحلة الجعل في غاية الوضوح، و إن كان التعارض بالتضاد في المتعلقين فان لم يكن لهما ثالث كما إذا أفتى أحدهما بوجوب الحركة و الآخر بوجوب السكون فاستحالة اجتماع الحكمين في مرحلة الجعل أيضا واضحة لأن التكليف بكل واحد من الحركة و السكون تعيينا تكليف بغير المقدور و تخييرا طلب للحاصل.

و إن كان لهما ثالث كما إذا أفتى أحدهما بوجوب الجمعة و الآخر بوجوب الظهر و علمنا من الخارج بعدم وجوبهما معا في يوم واحد.

فقد (يتوهم) إمكان الجعلين معا لعدم التنافي بينهما، و إنّما التنافي نشأ من عجز المكلّف في مقام الامتثال و استيفاء كلتا المصلحتين- كما لعله هو مراد المحقق المزبور- فيحكم العقل بالتخيير في تطبيق العمل على أيهما- كما أفاد- أو يصح جعل الحكم التخييري من قبل المولى على أحدهما دفعا لفوت كلتا المصلحتين.

إلا أنه (لا يصح) لتنافي الدليلين بحسب الدلالة الالتزامية فإن ما دل على وجوب الجمعة مطابقة يدل على عدم وجوب الظهر التزاما للعلم بكذب أحدهما فرضا فيرجع إلى التناقض في مقام الجعل فتبصّر.

هذا تمام الكلام في صورة العلم بمخالفة فتوى المجتهدين و لو إجمالا مع العلم بأعمليّة أحدهما، و تمييزه عن غيره.

و أما صورة الشك في المخالفة، أو الأعلمية، أو عدم تمييز الأعلم عن غيره فيأتي البحث عنها فيما يأتي عند التكلّم على وجوب الفحص عن الأعلم‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 110‌

و يجب الفحص عنه (1)

______________________________
و عدمه.

وجوب الفحص عن الأعلم و صور المسألة

(1) وجوب الفحص عقلي إرشادي إلى دفع العقاب المحتمل عند تركه، إذ لا دليل من الشرع على وجوبه تعبدا.

و تفصيل الكلام في ذلك: يستدعي البحث عن جميع صور المسألة.

فنقول: المجتهدان إما ان يتفقا في الفتوى، أو يختلفا فيها، و على كل تقدير إما ان يتساويا في الفضيلة، أو يكون أحدهما أعلم من الآخر، هذا بلحاظ مقام الثبوت، و أما بلحاظ مقام الإثبات، و النظر إلى حال المقلد فالصور أيضا أربعة، لأنه إما أن يعلم تفصيلا أو إجمالا باختلاف المجتهدين في الفتوى، و باختلافهما في الفضيلة، و إما أن يعلم باختلافهما في الفتوى مع عدم علمه بالأعلمية، و إما أن يكون عكس ذلك، و إما أن لا يعلم بالاختلاف و لا بالأفضلية.

اختلاف المجتهدين في الفتوى و الأعلمية (أما الصورة الاولى) فيجب فيها تقليد الأعلم- كما قدمنا- فان تميز الأعلم من غيره وجب تقليده، و مع عدم المائز يجب الفحص عنه، لأنه من باب اشتباه الحجة باللّاحجة، لأن المتعين في حقه تقليد الأعلم، فان لم يتمكن من الفحص أو لم يتميز بعد الفحص وجب الأخذ بأحوط القولين، إذ هو مبرء للذمة على كل تقدير، و لا يجوز تقليد أحدهما مع احتمال أن يكون الأعلم غيره، إلا أن يدعي الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 111‌

..........

______________________________
- كما عن شيخنا الأنصاري (قده)- فيتخير في الأخذ بأيهما شاء، إلا أنه لم يتم عندنا- كما تقدم- نعم فيما إذا دار الأمر بين المحذورين- كما إذا أفتى أحدهما بوجوب شي‌ء و الآخر بحرمته- يتخير في الأخذ بأحدهما لعدم التمكن من الاحتياط. و لا أثر للظن بالأعلمية في هذه الصورة، لعدم الدليل على حجيته، و لو من باب الانسداد في تعيين الحجة، لعدم تمامية مقدماته، إما لتمكنه من الاحتياط في المسألة الفرعيّة فيجب على المختار. و إما للإجماع على التخيير إذا لم يتمكن من تقليد الأعلم على المعروف، فعلى كل تقدير لا عبرة بالظن بالأعلمية.

اختلافهما في الفتوى دون الأعلمية (و اما الصورة الثانية)- و هي صورة العلم بالخلاف و عدم العلم بالأعلمية- فيجب فيها الفحص عن الأعلم مع التمكن تحصيلا للحجة، فان لم يظفر بالأعلم بعد الفحص، أو لم يتمكن من الفحص وجب الأخذ بأحوط القولين- على ما تقدم من أن القاعدة تقتضي سقوطهما عن الحجية و عدم التخيير بينهما.

و أما إذا لم يمكن الاحتياط، أو قلنا بعدم لزومه من جهة الإجماع، فإن كان الاحتمال ثنائيا- بان احتمل أو ظن أعلمية أحدهما المعين- تعين تقليده، لأنه من الدوران بين التعيين و التخيير في الحجة.

إلا (أن يقال) بجريان استصحاب عدم أفضليته عن الآخر، لأنه قبل بلوغه مرتبة الاجتهاد لم يكن أعلم منه، فيستصحب ذلك الى بعد بلوغه تلك المرتبة، و أثره جواز العمل بفتوى كل منهما هذا، (و لكن) مرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب عدم تحصيله قوة تزيد على قوة الآخر، و هذا لا يثبت به التساوي بينهما- الذي هو موضوع‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 112‌

..........

______________________________
الحكم بالتخيير- إذ مقتضى القاعدة هو التساقط- كما ذكرنا- و القدر المتيقن من الإجماع على ثبوت التخيير إنما هو صورة إحراز التساوي، و لم يحرز باستصحاب عدم الأفضلية. بل معارض باستصحاب عدم تحصيل الآخر قوة تساوي قوة من يحتمل، أو يظن أعلميته. هذا فيما إذا احتمل، أو ظن أعلمية واحد منهما بخصوصه، و أما إذا كان الاحتمال ثلاثيا- بأن احتمل أعلمية كل منهما- أو ظن أعلمية واحد منهما لا بعينه فعلى المشهور يتخير بينهما- بعد الفحص و عدم ظهور الأعلم- و على المختار يجب الأخذ بأحوط القولين، و مع عدم إمكان الاحتياط يكون مخيرا.

اختلافهما في الأعلمية دون الفتوى (و أما الصورة الثالثة): و هي صورة العلم بأعلمية أحد المجتهدين تفصيلا أو إجمالا، مع الشك في اختلافهما في الفتوى- فلا يجب فيها تقليد الأعلم، لشمول إطلاق ما دل على الحجيّة لفتوى المفضول فيتخير في تقليد أيّهما شاء، و ان علم أن الأعلم هو الآخر فضلا عما إذا احتمل ذلك.

(فان قلت): ان الإطلاقات مقيدة بعدم الحجة المعارضة واقعا، لا بعدم العلم بها، فالتمسك بالعموم عند احتمال وجود المعارض من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

(قلت): نعم، إلا أنه يحرز موضوع العام باستصحاب عدم المعارض عدما أزليا- كما هو المختار- و به يتم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، بل لا مانع من استصحاب العدم النعتي لعدم الخلاف بينهما في زمان بعد وجودهما، قبل أن يكونا مجتهدين.

(فإن قلت): يجب على المقلّد الفحص عن المعارض، لمعرضية‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 113‌

..........

______________________________
الفتاوى للخلاف، كما يجب على المجتهد في العمل بالرّوايات.

(قلت): وجوب الفحص في الرّوايات إنّما هو لأمرين:

(أحدهما) استقرار طريقة الشارع على إبراز مقاصده بالقرائن المنفصلة حتى قيل: إنّه لم يوجد عام في الكتاب و السنة، إلا و قد ورد عليه التخصيص بمنفصل عنه.

(ثانيهما) العلم الإجمالي بوجود المعارض، و أثره سقوط الإطلاقات عن الحجيّة و شي‌ء من الوجهين لا يتأتى في مفروض الكلام، (أما الأول) فظاهر، لأن فتوى أحد المجتهدين لا يكون قرينة لفتوى الآخر، (و أما الثاني) فلأن وجود العلم الإجمالي بوجود الخلاف بين المجتهدين و إن لم يقبل الإنكار، لكن لا اعتبار به ما لم تكن دائرة المعلوم بالإجمال مختصة بالمسائل التي هي محل ابتلاء المقلد، و يريد تقليد المجتهد فيها، و إلا فمجرد العلم الإجمالي بتخالف المجتهدين في بعض المسائل، و إن كان خارجا عن ابتلاء المقلّدين لا يقدح في الرجوع إلى الإطلاقات، و المفروض في هذه الصورة عدم العلم بالاختلاف فيما هو محل ابتلاء المقلّد.

بل لا يبعد دعوى أن المرتكز في أذهان أغلب العوام ان دين اللّه واحد لا اختلاف فيه، فلا محذور في الرجوع إلى الإطلاقات بضميمة استصحاب عدم المخالفة. نعم مع الغض عن الاستصحاب المذكور يشكل التمسك بالإطلاقات الأولية، و لا أثر لكون المخصص في المقام لبيا- كما قيل- لما حققناه في الأصول من عدم الفرق بين المخصص اللفظي، و اللبي في تقييد موضوع الحجة بعدم الخاص. هذا، مع انه يكفينا بناء العقلاء على العمل بقول المفضول مع احتمال مخالفة الأفضل له، و استوضح ذلك من مراجعة الناس الى الطبيب مع وجود طبيب‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 114‌

..........

______________________________
أعلم منه في البلد، إذ لا يبقى غير الأعلم عاطلا، و هكذا الحال في مراجعتهم لأهل الخبرة في بقية الأمور، نعم في فرض العلم بالاختلاف لا يرجعون إلى الا الأعلم، إلا أن المفروض في هذه الصورة غير هذه الحالة.

و يؤيد ذلك إرجاع الأئمّة- عليهم السّلام- الناس إلى الرّواة و المفتين في عصرهم، مع أنهم كانوا أعلم منهم بالضرورة، و لا ريب في أن جواز الرجوع إليهم مختص بما إذا لم يعلم مخالفة ما يراه الراوي لقول المعصوم- عليه السّلام. «1»

و بالجملة مقتضى إطلاق الأدلة الأولية، و بناء العقلاء، و هذه الروايات جواز تقليد غير الأعلم فيما إذا لم يعلم مخالفته مع الأعلم.

و مما ذكرنا يظهر حكم صورة الاتفاق في الفتوى و أنه لا وجه للقول بوجوب تقليد الأعلم في صورة الموافقة لشمول دليل الحجيّة لفتوى غير الأعلم.

كما ظهر ضعف الاستدلال على وجوب تقليد الأعلم في مفروض الكلام- أي صورة عدم العلم بالخلاف- تارة: بمقبولة عمر بن حنظلة للأمر فيها بالأخذ بقول الأفقه، و أخرى: بأن فتوى الأعلم أقرب الى الواقع، و ثالثة:

بقاعدة الاشتغال للدوران بين التعيين و التخيير أما وجه الضعف في الأولى فلقصور سند المقبولة، و دلالتها- كما تقدم. أما في الثاني. فلعدم الدليل. على أن الأقربية هي ملاك الحجية- كما تقدم أيضا- و أما في الثالث فلعدم وصول النوبة إلى الأصل العملي مع وجود الدليل الاجتهادي- كما عرفت.

الشك في اختلافهما في الفتوى و الأعلميّة و (أما الصورة الرابعة): و هي عدم العلم بالاختلاف، الأعلمية‌

______________________________
(1) الوسائل ج 18: أبواب صفات القاضي ب 11 الأحاديث، (4، 5، 8، 9، 15، 17،.).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 115‌

..........

______________________________
- فظهر حكمها مما قدمناه في الصورة الثالثة، إذ مع عدم إحراز الخلاف لا دليل على وجوب تقليد الأعلم كي يفحص عنه فيتخير في تقليد أيهما شاء.

تكملة:

في لزوم الاستناد عند اتفاق الفتاوى و عدمه إذا اتفق المجتهدون في الفتوى مع تساويهم في الفضيلة، أو مع الاختلاف فيها فهل يجب على المقلّد الاستناد إلى فتواهم في مقام العمل، أو يكفي مجرد المطابقة الخارجية، و لو من غير استناد، و على تقدير لزوم الاستناد فهل المستند إليه خصوص فتوى أحدهم، أو الجامع، أو المجموع. فهنا مقامان.

(أما الأول): ففي لزوم أصل الاستناد. لا إشكال في أن صحة العمل و فسادة تابعان لمطابقته للواقع و عدمه، من دون دخل للاستناد إلى الحجة في ذلك، و أما الاجتزاء به عقلا بمعنى الأمن من العقاب المحتمل لو خالف الواقع ففيه تفصيل، لأنه إذا كان ما اتفقوا عليه موافقا للاحتياط و احتاط العامي من دون تقليد و استناد إلى فتوى المجتهد، بل برجاء درك الواقع فيحكم العقل بالاجتزاء لأنّه مبرء للذمة يقينا، كما إذا اتفقوا على وجوب السورة في الصلاة و أتى بها العامي لكن لا عن تقليد، بل برجاء درك الواقع.

و أما إذا كان على خلاف الاحتياط- كما إذا اتفقوا على عدم وجوب السورة في المثال- فان تركها العامي في الصلاة مع الجهل بقيام الحجة على عدم وجوبها استحق العقاب، لعدم الأمن من العقاب المحتمل، إلا بوصول الحجة، و المفروض أنها لم تصل إليه، فلا عذر له في مخالفة الواقع، مع أن الشبهة حكمية قبل الفحص. و أما إذا تركها مع علمه بقيام الحجة على عدم وجوبها فهل يعذر في المخالفة أولا؟ الصحيح هو الأول لسقوط الواقع عن‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 116‌

..........

______________________________
التنجيز بقيام الحجة الواصلة على خلافه، و إن لم يستند إليها العبد في مقام العمل، لعدم طريق له إلى الواقع إلا هذه الحجة، و المفروض أنها على خلاف الواقع، فهو و إن لم يكن مستندا إليها في تركه الواجب أو فعله الحرام، إلا أنّه مع ذلك لا يصح من المولى أن يعاقبه على مخالفته الواقع، لوصول المؤمن إليه من قبل المولى و عدم طريق له الى الواقع إلا ذلك.

هذا كله في صورة العلم بالوفاق، و كذلك الحال فيما إذا لم يعلم بالخلاف، لعدم وجوب الفحص عن المعارض على العامي كما تقدم «1» فإذا علم بوجود فتوى من يجوز تقليده يعذر في مخالفة الواقع، و ان لم يستند إليها.

نعم: إذا علم بالخلاف لا يكون معذورا في مخالفة الواقع ما لم يستند إلى فتوى أحد المجتهدين، لأن الحجيّة حينئذ تخييريّة- بناء على ثبوت التخيير في الفتاوى المتعارضة- و تتوقف فعليتها على الاختيار كما تقدم مرارا.

(أما المقام الثاني): ففي ما يستند إليه في مقام العمل.

يجزي الاستناد إلى فتوى واحد معين من المجتهدين المتفقين في الفتوى، لشمول دليل الحجيّة لكل واحد منها، إذا الحجيّة كبقيّة الأحكام الوضعيّة، أو التكليفيّة مجعولة لطبيعي الموضوع الصادق على الواحد، و الكثير، و موضوع الحجية في المقام هو طبيعي فتوى المجتهد الصادق على فتوى كل واحد منهم، فكل واحدة من الفتاوى منجّزة و معذرة، كما هو الحال في الروايات المتعددة المتفقة في المضمون، و منه يظهر جواز الاستناد إلى الطبيعي ملغا عنه الخصوصيّات الفردية.

______________________________
(1) ص 113.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 117‌

[ (مسألة 13) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما]

(مسألة 13) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما [1]، إلا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع (1).

______________________________
و اما الاستناد الى المجموع بما هو كذلك بحيث يلحظ في كل واحدة منها انضمام الأخرى فلا مصحح له، لمنافاته مع حجيّة كل واحدة من الفتاوى استقلالا.

و أما الاستناد الى الجميع على نحو العموم الاستغراقي فهو و إن لم يكن فيه محذور عقلا، لأن الفعل و الترك إنّما يستند إلى ثبوت التكليف و عدمه، لا إلى الحجج المتعددة كي يستلزم توارد العلل على معلول واحد، إلا أنه مع ذلك لا حاجة إليه.

(1) المذكور في هذه المسألة أمران:

(الأول) التخيير بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة و التقوى.

(الثاني) تقديم الأورع مع التساوي في الفضيلة، و كلاهما محل نظر و إشكال.

(أما الأوّل) فلما تقدم في طي المسائل السابقة [2] من أنه لا دليل على التخيير إلا توهم الإجماع، و لم يتم، و عليه فان كان المجتهدان متفقين في الفتوى يتخير في تقليد أيهما شاء، لشمول دليل الحجيّة لكل منهما، و أما إذا اختلفا فيها فلا بد من الأخذ بأحوط القولين، السقوط دليل الحجيّة فيهما‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنّف (قده) «يتخير بينهما»: (مع عدم العلم بالمخالفة، و إلا فيأخذ بأحوط القولين، و لو كان أحدهما أورع).

[2] قدمنا البحث عن ذلك في مواد منها في ص 48 و قد أشرنا هناك إلى إمكان جعل الحجيّة التخييريّة، و هو أمر معقول على بعض الوجوه، و هو اشتراط الحجيّة الفعليّة بالأخذ بالأمارة في كل واحد من طرفي المعارضة، لا بعدم الأخذ بالآخر، بل واقع في الأخبار المتعارضة بناء على المشهور من قبول الأخبار الآمرة بالتخيير في الأخبار المتعارضة، و إن كانت قابلة للمناقشة سندا، نعم لا يمكن التعدي منها إلى الفتاوى المتعارضة فلا دليل على التخيير فيها إثباتا، و إن أمكن ثبوتا.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 118‌

..........

______________________________
بالمعارضة و لا يقين بالبراءة إلا مع الاحتياط في العمل.

(و أما الثاني) فلأنه لا دليل على تقديم الأورع سواء في صورة الموافقة في الفتوى، أو المخالفة فيها، أما في صورة الموافقة فظاهر، لشمول دليل الحجية لفتوى غير الأورع، كما يشمل الأورع، فلا ترجيح في البين.

و أما في صورة المخالفة فلا دليل على التقديم أيضا، و ان قواه شيخنا الأنصاري (قده) في رسالته، و استظهر الشهرة على ذلك، بل حكى الإجماع عليه عن المحقق الثاني و استدل عليه تارة بالمقبولة، و أيده بما روي من أنه «لا يحل الفتيا إلا لمن كان أتبع أهل زمانه برسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-» «1» و أخرى بالأصل، إذ المناقشة في ثبوت الإجماع، و تمامية المقبولة سندا و دلالة ظاهرة.

نعم قد (يتوهم) ان المرجع بعد تساقط الأدلة الأولية بالمعارضة قاعدة الاشتغال، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجيّة، لاحتمال دخل الأورعية في الحجيّة عند المعارضة، و لو من جهة نقل الإجماع عليه.

و (يدفعه) أنه فرع ثبوت التخيير و مع عدمه لا بد من الأخذ بأحوط القولين، لما تقدم من أن بناء العقلاء في موارد الخلاف على الاحتياط إذا لم يكن أحدهما أعلم.

و أما (مناقشة) بعض المشايخ المحققين «2» في الأصل المذكور بالفرق بين ملاك الحجية- كالعلم- و شرائطها- كالعدالة- في أن القوة في الأول كالأعلمية توجب أقوائية الحجة، لشدة الملاك فيه، بخلاف الثاني، فإن‌

______________________________
(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 194 ب 15 من أبواب صفات القاضي في ح 1 مع اختلاف في التعبير

(2) رسالة الاجتهاد و التقليد ص 48.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 119‌

[ (مسألة 14) إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل]

(مسألة 14) إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم (1)، و إن أمكن الاحتياط.

______________________________
الأورعية في العمل من الشرائط التعبدية لا توجب الأقوائية في الملاك، فبعد فرض اشتراط العدالة بأول مرتبة منها في حجية الفتوى لا مورد للأصل المذكور، لان تعارض الأعدل و العادل ليس من تعارض أقوى الحجتين مع الأضعف، و مورد الأصل المذكور إنّما هو ما كان كذلك.

(فيمكن الجواب عنها) بعدم الفرق بين الملاكات، و الشرائط في أن الفاقد- سواء كان فاقدا لقوة الملاك، أو لما يحتمل دخله في الحجيّة عند المعارضة، كالأورعية- مشكوك الحجية، فلا يقين بالبراءة إلا بموافقة مقطوع الحجية الواجد لقوة الملاك، أو لما يحتمل دخله في الحجية و لو عند المعارضة فقط و ان لم يكن دخيلا في غير هذه الحالة.

ثم إنّه لا فرق فيما ذكرنا من لزوم الأخذ بالاحتياط عند معارضة الأورع مع غيره في أن يكون المراد الأورعية في مقام العمل، أو الأورعية في مقام الاستنباط بأن يبالغ في بذل جهده في الإحاطة بمدارك الحكم، ما لم يرجع إلى الأعلمية، لعدم الدليل على الترجيح في كلتا الصورتين بعد اشتراكهما في المقدار اللازم من بذل الجهد في مقام الاستنباط.

(1) لشمول أدلة الحجيّة لفتوى غير الأعلم من دون معارض، و إن أمكن الاحتياط، لعدم تحقق المعارضة إلا بوجود فتوى الأعلم. [1] نعم لا بد مراعاة الأعلم، فالأعلم على تفصيل كما يأتي.

______________________________
[1] سواء كان فتوى الأعلم بحكم واقعي أدت إليه الأمارة، أو بحكم ظاهري قامت عليه الأصل العملي، كالاستصحاب، أو قاعدة الاشتغال، أو قاعدة الاحتياط، كما إذا علم إجمالا بوجوب القصر أو التمام على من لا يريد الرجوع ليومه بعد الفحص و اليأس عما يدل على أحد طرفي العلم الإجمالي ففي هذه الموارد يفتي الأعلم بالحكم الظاهري لا محالة، و يخطّأ غيره، نعم إذا كانت

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 120‌

[ (مسألة 15) إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت]

(مسألة 15) إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت، فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة (1) بل يجب الرجوع إلى الحي الأعلم في جواز البقاء و عدمه.

______________________________
وجوب الرجوع إلى الأعلم في جواز البقاء

(1) لأن جواز البقاء على تقليد الميت و عدمه كسائر المسائل يجب فيها التقليد على العامي، لعدم الأمن من العقوبة إلا بمؤمن شرعي، أو عقلي، و لا طريق للعامي إلا التقليد، فإذا مات المجتهد الذي كان يقلده يشك في بقاء فتاواه على الحجية، و من جملتها جواز البقاء على تقليد الميت، لعدم استقلال عقل العامي بجواز البقاء على تقليده في هذه المسألة أو غيرها، فلا مناص إلا من الرجوع الى المجتهد الحي الأعلم في مسألة البقاء، للقطع بحجية فتواه- على كل حال.

فظهر مما ذكرناه انه لا منافاة بين ما ذكره المصنّف هنا، و ما ذكره في المسألة التاسعة من جواز البقاء على تقليد الميت، كي يلتزم بالتخصيص في كلامه (قده) و يقال انه يجوز البقاء على تقليد الميت إلا في مسألة البقاء.

وجه عدم المنافاة هو: ان ما ذكره هنا إنّما هو بالنظر الى ما يستقل به عقل العامي، و ما هو وظيفته بحكم العقل بعد موت المجتهد- الذي كان يقلده- و ما ذكره هناك إنّما هو بلحاظ مقتضيات الأدلة- الدالة على جواز البقاء- و ما هو وظيفة المجتهد من حيث الإفتاء في هذه المسألة.

و من هنا لو رجع الى الحي الأعلم و أفتاه بجواز البقاء يجوز له البقاء على تقليد الميت في نفس هذه المسألة- على تفصيل يأتي.

______________________________
الشبهة قبل الفحص أو بعده و لكن لم يتمكن من الجزم لا بالحكم الواقعي و لا الظاهري صدق إنّه لم يكن للأعلم فتوى في المسألة فالعبرة بصدق العدم واقعا و ظاهرا.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 121‌

..........

______________________________
الصور التسع و تفصيل الكلام في ذلك: أن يقال إن فتوى الميت في مسألة البقاء لا تخلو عن إحدى ثلاث، إما وجوب البقاء أو حرمته، أو جوازه، و كذلك الحال في الحي (فهذه صور تسع) مضروب ثلاثة في ثلاثة، فإذا أفتى الحي بحرمة البقاء لم يجز البقاء على تقليد الميت أيا ما كانت فتواه في هذه المسألة، و ذلك للزوم متابعة الحي فيها بعد سقوط فتوى الميت عن الحجية بالموت، ففي (ثلاث صور) لا بد له من الرجوع الى الحي، و لا يجوز له البقاء على تقليد الميت، و أما إذا كان الميت يفتي بحرمة البقاء، و الحي يفتي بجوازه، أو وجوبه لزمه اتباع الحي، و يعمل بفتواه، فيجوز له البقاء. أو يجب، و لا يعتد بفتوى الميت بحرمته، و سيجي‌ء الكلام في ذلك في (مسألة 26) ان شاء اللّه تعالى، فهاتان (الصورتان) يأتي البحث عنهما هناك.

فتبقى (صور أربع) لا بد من التعرض لها هنا (الأولى) ان يفتي كلاهما بالجواز (الثانية) أن يفتي كلاهما بالوجوب (الثالثة) أن يفتي الميت بالجواز، و الحي بالوجوب (الرابعة) عكس ذلك.

اتفاق الحي و الميت في جواز البقاء أما الصورة الاولى: فلا اشكال فيها في جواز البقاء في سائر المسائل على تقليد الميت استنادا الى فتوى الحي به، و هل يجوز البقاء على تقليد الميت في فتواه بالجواز من جهة فتوى الحي بذلك؟ (و بعبارة أخرى) هل يشمل فتوى الحي بجواز البقاء فتوى الميت به ربما يقال: بالمنع، لوجهين.

(الأول): ان المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين، لأنه لو بنى‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 122‌

..........

______________________________
على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا أقل من لزوم اللغوية مع اتفاقهما عملا، أو التناقض مع اختلافهما، و بطلانه ظاهر.

(الثاني): ان شمول فتوى الحي بجواز البقاء لجواز البقاء على فتوى الميت بجوازه يستلزم أخذ الحكم في موضوع نفسه، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت. أو بحجية رأى الميت في حجية رأى الميت.

و الجواب عن الأول: أنه (قد يفرض): أن موضوع الجواز بنظر الميت و الحي أمر واحد لا يختلفان فيه، ففي مثل ذلك لا يمكن جعل الحجّة لفتوى الميت بجواز البقاء بعد موته من جهة فتوى الحي بجواز البقاء، و ذلك، لأن النتيجة المترتبة على حجية فتوى الميت بجواز البقاء إنما هي حجية فتاواه في سائر المسائل، و قد فرضنا العلم بها بفتوى الحي بها، فإثباتها بتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء بعد موته من جهة فتوى الحي بالجواز من أوضح أنحاء تحصيل الحاصل.

و قد يفرض: أن موضوع جواز البقاء بنظر الميت أوسع منه بنظر الحي، فإذا فرضنا أن الميت يرى جواز البقاء في كل مسألة التزم العامي بالعمل فيها على طبق فتوى مجتهده، و إن لم يتعلمها تفصيلا، فضلا عن أن يعمل بها، و لكن الحي يرى اعتبار التعلم في جوازه، و لا يكتفي فيه بمجرد الالتزام، و المقلّد قد تعلم هذا الحكم من مجتهد، فمات، فإذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء فقد ثبت بذلك حجية فتوى الميت بجواز البقاء و يثبت بها حجيّة فتاواه في المسائل التي لم يتعلم المقلّد حكمها في حياة مجتهده، و ليس في هذا محذور اللّغوية فضلا عن محذور اجتماع المثلين. و هذا ظاهر فيما إذا كان اعتبار التعلم في موضوع جواز البقاء بنظر الحي من باب الأخذ بالقدر المتيقن، و عدم جزمه بجواز البقاء في غير صورة التعلم، و ذلك من جهة تردد‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 123‌

..........

______________________________
موضوع البقاء عنده بين الأقل و الأكثر، فيقصر على الأقل لعدم ثبوت حجيّة غيره.

و أما إذا أفتى الحي بعدم جواز البقاء بمجرد الالتزام دون أن يتعلم لقيام الدليل عنده على عدم الجواز.

فقد (يتوهم) فيه عدم جواز الرجوع إلى الميت في فتواه بجواز البقاء بمجرد الالتزام إذا كان المقلّد قد تعلّمها قبل موت ذلك المجتهد من جهة فتوى الحي بالجواز مع التعلم، و ذلك من جهة ان الحي إذا أفتى بحرمة البقاء في هذه الصورة لم يجز الرجوع فيها إلى الميت القائل بجوازه، كما كان هو الحال فيما إذا أفتى الحي بحرمة البقاء مطلقا، و كان الميت قائلا بجوازه، و لكن (الصحيح) هو الجواز في هذه الصورة أيضا، و ذلك من جهة أن المجتهد الحي و إن أفتي بعدم جواز البقاء بمجرد الالتزام، إلا أن المقلّد لا يرجع إليه في هذه الفتوى، و إنّما يرجع إليه في فتواه بجواز البقاء في كل مسألة تعلم المقلد فتوى مجتهده فيها، و قد فرضنا أن المقلّد قد تعلّم جواز البقاء قبل أن يموت المجتهد- الذي كان يقلّده- فيجوز له البقاء في هذه المسألة، و يترتب عليه جواز العمل بفتاوى ذلك المجتهد في المسائل التي التزم المقلّد فيها بتطبيق أعماله على فتاوى ذلك المجتهد.

و هذا نظير ما إذا كان المجتهد الحي يفتي بعدم حجية خبر الواحد في الموضوعات و الميت كان يفتي بحجيّته و قد عمل المقلّد بفتواه، فإذا رجع المقلّد إلى الحي في مسألة جواز البقاء كانت فتوى الميت حجة له، و يثبت بها حجية خبر الواحد، و بذلك يظهر بطلان قياس ذلك بما إذا أفتى الحي بحرمة البقاء على الإطلاق و كان الميت قائلا بجوازه، فان فتوى الميت فيه قد سقطت عن الحجية بموته، و المفروض ان الحي لا يرى حجيّتها رأسا، و هذا بخلاف المقام، فان المفروض فيه حجية فتوى الميت بجواز البقاء من جهة فتوى الحي بها.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 124‌

..........

______________________________
و بما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا قلد مجتهدا، و تعلّم فتاواه، و لكنه لم يعمل بجملة منها، ثم مات، فقلّد من يجوز البقاء في كل مسألة تعلم حكمها و إن لم يعمل بها، فعمل بفتواه في جواز البقاء، و طبق أعماله على طبق فتاوى المجتهد الميت- التي لم يعمل بها في حياته- ثم مات المجتهد الثاني فقلد من يرى جواز البقاء في خصوص المسائل التي تحقق فيها العمل، فله أن يبقى على تقليد الثاني بفتوى الثالث، و يطبق أعماله على فتاوى المجتهد الأول.

و الجواب عن الثاني: ان المحذور إنّما هو في أخذ كل حكم في موضوع شخصه، و هذا غير لازم في المقام.

بيان ذلك: ان الميت إذا كان قد أفتى بعدم جزئية السورة للصلاة- مثلا- و أفتى بجواز البقاء على تقليد الميت، و أفتى الحي بجوازه أيضا فهنا أفراد من الفتيا، الفتوى بعدم جزئية السورة للصلاة، و فتوى الميت بجواز البقاء، و فتوى الحي به، و الحجيّة ثابتة للثالثة ابتداء، و بثبوتها لها تثبت الحجيّة للثانية، و به تثبت الحجية للأولى، فقولنا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء مرجعه إلى إفتاء الحي بحجيّة فتوى الميت بحجية سائر فتاوى نفسه، أو غيره بعد الموت- على ما عرفت تفصيله- و ليس في حجية هذه الفتوى من الحي أي محذور عقلي، و إنّما المحذور في أخذ الحكم مفروض الوجود حين جعله، و هذا غير لازم في محل الكلام بوجه.

و الذي أوهم ذلك هو التعبير عن ذلك بجواز البقاء في مسألة جواز البقاء فتوهم ان جواز البقاء يستحيل أن يؤخذ في موضوع نفسه مع الغفلة عن أن المقصود بذلك إثبات الحجية لفتوى الميت بحجية سائر الفتاوى بعد الموت.

و ذلك نظير ما إذا دل الدليل القطعي على حجيّة خبر العادل في الأحكام، فأخبر العادل بحجيّة خبر الثقفة، ثم أخبر الثقة بحجية خبر ذي اليد، و ان لم يكن ثقة، فإنا نحكم بحجية خبر ذي اليد التي ثبتت بحجية خبر الثقة‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 125‌

..........

______________________________
الثابتة بحجية خبر العادل الثابتة بدليل قطعي، أو بما ينتهي إلى دليل قطعي.

فظهر أنه لا وجه للفرق بين هذه المسألة و غيرها من المسائل بامتناع جعل حجية رأى الميت فيها و إمكانه في غيرها، لما عرفت فيجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء، إلا إذا اتحدا في موضوع الجواز، على ما تقدم.

اتفاق الحي و الميت في وجوب البقاء و أما الصورة الثانية:- و هي أن يفتي كلاهما بالوجوب- فظهر حالها مما سبق فيجب على العامي أن يبقى على تقليد الميت في فتواه بوجوب البقاء- على ما مر تفصيله في الصورة الأولى.

فتوى الميت بالجواز و الحي بالوجوب و أما الصورة الثالثة:- و هي أن يفتي الميت بجواز البقاء، و الحي بالوجوب- فقد يقال [1] فيها ان فتوى الحي بوجوب البقاء لا يمكن شمولها لفتوى الميت بجوازه. و ذلك بتقريب: ان مرجع فتوى الحي بوجوب البقاء إلى حجيّة قول الميت تعيينا، و فتوى الميت بجواز البقاء مرجعه إلى حجية قوله تخييرا، فإذا فرض شمول فتوى الحي لفتوى الميت- هذه- في مسألة البقاء لزم التناقض (و بعبارة أخرى) مرجع الشمول الى جواز الرجوع الى الحي، مع انه يفتي بعدم الجواز.

و الجواب عن ذلك: إن هذه إنما يتم فيما إذا كان الموضوع في كلتا‌

______________________________
[1] كما قواه شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة الاجتهاد و التقليد مستندا إلى الوجه المذكور بتوضيح منا.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 126‌

..........

______________________________
الفتوائين أمرا واحدا، فلا يمكن فيه أن يرجع إلى الميت في حكمه بجواز البقاء، كما لا يمكن الرجوع اليه لو كان الحي قائلا بجواز البقاء أيضا- على ما عرفت- و أما مع تعدد الموضوع فلا إشكال، فإذا كان الحي قائلا بوجوب البقاء مع التعلم، و كان الميت قائلا بجوازه مع الالتزام، و ان لم يتعلمه وجب على العامي أن يرجع الى الميت في حكمه بالجواز في فرض تعلمه بمقتضى حكم المجتهد الحي بالوجوب، و معنى ذلك حجية فتوى الميت بجواز البقاء تعيينا المترتبة عليها حجية فتواه في سائر المسائل تخييرا و ان لم يتعلم حكمها سابقا فتأمل جيدا.

فتوى الميت بوجوب البقاء و الحي بجوازه أما الصورة الرابعة: و هي أن يفتي الميت بوجوب البقاء. و الحي بالجواز- ففيما اتحدا موضوعا لم يجب البقاء، لسقوط فتوى الميت عن الحجيّة و عدم إمكان حجيتها في مسألة البقاء بفتوى الحي، لأن معنى حجيّتها في هذه المسألة ان حجية فتاواه في بقية المسائل تعيينية، و ليس للمقلد أن يرجع فيها إلى الحي، و قد فرضنا أن الحي يفتي فيها بالحجية التخييريّة، إذا فلا يمكن شمول فتوى الحي بجواز البقاء لفتوى الميت بوجوبه، و كذلك الحال في ما إذا لم يتحدا موضوعا، فإن الحي جازم بعدم الوجوب فيها غاية الأمر أنه مردد في ثبوت الحجية التخييريّة و عدمها و على كلا التقديرين لا يمكن شمول فتواه بجواز البقاء لفتوى الميت بوجوب البقاء في تلك المسائل، فلا بد للعامي من الرجوع الى الحي في تلك المسائل، و ان شئت قلت: انه إذا لم يجب البقاء في المسائل التي يرى الحي فيها جواز البقاء فما لا يرى فيه الجواز كان عدم الوجوب فيه أولى.

(بقي شي‌ء) و هو انه إذا قلد مجتهدا ثم مات فعدل الى غيره، لعدم‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 127‌

[ (مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل]

(مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل، و إن كان مطابقا للواقع (1). [1]

______________________________
تجويزه البقاء، أو لاختيار المقلد العدول مع تجويزه، ثم مات فعدل الى من يرى جواز البقاء، أو وجوبه، فهل يبقى على تقليد الأول، أو الثاني، أو يتخير بينهما، أو يفصل بين ما إذا كان الثالث قائلا بالوجوب فيبقى على الأول، و بين ما إذا كان قائلا بالجواز فيبقى على الثاني؟ وجوه، بل أقوال سيأتي التعرض لها ان شاء اللّه تعالى في ذيل (مسألة 16) تبعا للمصنّف (قده).

حكم العمل بلا اجتهاد و لا تقليد

(1) قد ذكرنا في ذيل (مسألة 7) أن الصحة و الفساد يدوران مدار مطابقة العمل للواقع و عدمها، سواء علم المكلّف بالحال أو جهل به، و سواء كان مقصرا أو قاصرا، نعم: لا يستقل العقل بالاجتزاء بالعمل ما لم يحرز مطابقته للواقع أو لحجة معتبرة، فلا وجه للحكم ببطلان عمل الجاهل حتى المقصّر منه لو كان عمله مطابقا للواقع.

أما في المعاملات و الواجبات التوصليّة فالأمر ظاهر. و ذلك لأن وجوب الاجتهاد، أو التقليد ليس وجوبا شرطيا لصحة العبادات، أو المعاملات- كما توهم- [1] بل هو وجوب طريقي لامتثال الأحكام الواقعية، فإذا أوقع معاملة أو أتى بواجب توصلي من دون اجتهاد أو تقليد في معرفة أحكامهما، و شرائطهما، و اتفق مطابقتهما لما اعتبره الشارع في صحة المعاملة، أو‌

______________________________
[1] و في تعليقته (دام ظله) على قول المصنّف «قده»: «و إن كان مطابقا للواقع» (الظاهر هو الصحة في هذا الفرض).

[2] كما عن الفاضل النراقي (قده) في المعاملات الخلافية، على ما نسب إليه شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة الاجتهاد و التقليد.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 128‌

و أما الجاهل القاصر، أو المقصّر الذي كان غافلا حين العمل، و حصل منه قصد القربة فإن كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد

______________________________
في صحة الواجب ترتب آثارهما من سقوط الوجوب، و من حصول الملكيّة- مثلا- في نظر الشارع و اعتباره.

و أما في العبادات فربما (يتوهم): فيها أن الجاهل المقصّر الملتفت إلى الأحكام المتردد في صحة عبادته و فساده لا تتمشى منه قصد القربة، فتبطل عبادته، لفقدانها قصد التقرب الذي هو شرط في صحة العبادات، و نظر المصنّف في التفصيل بين المقصّر الملتفت، و القاصر أو المقصر الغافل الى ذلك، كما هو صريح عبارته، لتحقق القربة منهما دونه.

(و يندفع): بان المفقود في الجاهل المقصر الملتفت هو الجزم بالنية دون قصد القربة، و قد ذكرنا أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية في صحة العبادات، بل يكفي فيها مجرد الإضافة إلى المولى، و هي حاصلة باحتمال تعلق التكليف بها واقعا، فيأتي بالعمل برجاء درك الواقع على تقدير انطباقه على المأتي به، و لا ينافيه ترك باقي المحتملات لدواع أخر، كما أوضحنا الكلام في ذلك في ذيل (مسألة 2) في البحث عن جواز الاحتياط في العبادات فراجع.

و أما (دعوى): الإجماع على أن من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي باطلة كما عن السيّد الرضي (قده) و عن أخيه السيد المرتضى (قده) تقريره على هذه الدعوى على ما في رسالة شيخنا الأنصاري (قده) في التقليد (فغير ثابتة).

على أنه يحتمل أن يكون مرادهم بذلك البطلان العقلي بمعنى عدم الاكتفاء بالصلاة ما لم يحرز مطابقتها لحجة معتبرة.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 129‌

ذلك كان صحيحا (1) [1] و الأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

______________________________
(1) قدمنا أن معنى الصحة هو مطابقة العمل للواقع لا غير، و يقع الكلام: في طريق إحراز الواقع، فإذا حصل للعامي العلم بالمطابقة للواقع فلا كلام، إلا أن الشأن في حصوله، و مع عدمه، فلا إشكال في أن وظيفته الرجوع إلى المجتهد الذي قلّده فعلا في معرفة حكم أعماله السابقة صحة و فسادا.

و أما وظيفة المجتهد: فهل هي الإفتاء بالصحة بلحاظ مطابقتها لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه الرجوع حين العمل، أو بلحاظ مطابقتها لفتوى المجتهد الذي قلده فعلا، أو المطابقة لكليهما، أو لأحدهما؟

كلام بعض المشايخ المحققين و النظر فيه (ربما يقال) بان المناط مطابقة أعماله لفتوى من كان يجب الرجوع إليه حين العمل، و هذا القول بناء على السببية و ان كان له وجه، و أما بناء على القول بالطريقية فلا وجه له، إلا أن بعض مشايخنا المحققين (قده) «2» إختار هذا القول مع أنه لا يقول بالسببية في باب الأمارات و قرب دعواه في كل من العبادات، و المعاملات بوجه غير ما ذكره في الآخر.

العبادات أما في العبادات فحاصل ما أفاد في وجه الأجزاء فيها: هو أن‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده»: «كان صحيحا» (العبرة في الصحة بمطابقة العمل للواقع و الطريق إليها هو فتوى من يجب الرجوع إليه فعلا).

______________________________
(2) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 138.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 130‌

..........

______________________________
الفتوى حجة على العامي، و منجزة لتكاليفه من حين وجوب رجوعه إلى ذلك المفتي، لا من الأول، فتؤثر في الوقائع المتجددة، و الأعمال المستقبلة، و وجوب القضاء، و عدمه هنا و إن كان مربوطا بالأعمال المستقبلة، لكن هما فرع بطلان العمل و صحته المنوطين بنظر من كانت وظيفة العامي الرجوع اليه، و الأخذ منه، و هو أعلم عصره حال العمل، دون هذا المفتي.

(و بعبارة أخرى) فعلية الداعوية في التكاليف الواقعيّة، و فعلية الحجة في باب الأمارات و إن كانتا متقومتين بالوصول عقلا، إلا أن مناط الصحة، و البطلان، و القضاء، و عدمه هو فعلية ما بيد المولى من إنشاء الحكم بداعي جعل الداعي، أو بداعي إيصال الواقع، فإنّه الّذي يتمكن منه المولى، و يتحقق منه، و وصوله إلى العبد لا دخل له في تحققه، و هو فيما نحن فيه موجود، لوجوب التقليد، و الرجوع إلى أعلم عصره عليه حقيقة من قبل المولى، و إن لم يتنبه له أصلا فضلا عن المقصر الذي تنبه له، و إن غفل عنه حال العمل.

(و المتحصّل) من مجموع ما أفاده (قده) أمر أن.

(الأول) حجيّة الفتوى الثانية من حين وجوب الرجوع إليها بالنسبة إلى الأعمال المستقبلة، دون الماضية.

(الثاني) كفاية مطابقة الأعمال السابقة لفتوى المجتهد الأول في صحتها (و في كليهما نظر): (أما الأول): فلأن حجيّة الفتوى و ان كانت من حين وجوب الرجوع إليها، إلا أن مضمون الفتوى مطلق لا اختصاص له بزمان دون زمان، فهي حجة من الآن بالإضافة إلى الأعمال الماضية، و المستقبلة، و أثر حجيّتها بالإضافة إلى الماضي تداركه بالقضاء، أو الإعادة، أو استيناف عقد، أو إيقاع و نحو ذلك، كما هو الحال في حجيّة الخبر بالإضافة‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 131‌

..........

______________________________
إلى المجتهد. و بالجملة لا منافاة بين تأخر الكاشف و سبق المنكشف.

(و دعوى) أن حال الفتويين المتعارضتين كحال الخبرين المتعادلين اللذين أخذ المجتهد بأحدهما تارة، و بالآخر أخرى في أنه لا موجب لتوهم نقض الآثار السابقة عند الأخذ بالثاني كما عن المحقق المزبور (قده) «1» في مسألة عدم الملازمة بين النقض بتبدل الرأي، و النقض بالرجوع من الميت إلى الحي المخالف له مستدلا على ذلك بان حجية الفتوى ليست بعنوان الطريقيّة، بل بعنوان تنزيل نظر المجتهد منزلة نظر العامي، و إلا لزم تخصيص نقض الآثار السابقة بصورة اضمحلال الحجة السابقة، لأقوائية الحجة اللاحقة، كما إذا رجع إلى الأعلم، مع أن القائل بالنقض لا يفرق بين الرجوع إلى الأعلم، أو إلى غيره بسب الموت، أو عروض عارض، فيعلم من ذلك أن حجية فتوى الثاني ليست لاضمحلال الحجة الأولى بقيام الثانية. بل لانتهاء أمد حجيّتها.

(غير مسموعة) لأن حال الفتوى حال بقية الأمارات في كونها حجة على نحو الطريقية إلى الواقع، لما هو المستفاد من أدلتها سواء الآيات، و الروايات، أو بناء العقلاء، و من هنا التزمنا بالتساقط عند معارضة الفتويين كما هو مقتضى القاعدة الأولية في الخبرين أيضا، و التخيير الثابت هناك على تقدير تسليمه إنّما هو بتعبد شرعي، و لم يثبت في المقام، كما مر مرارا، و مقتضى الطريقيّة هو الكشف عن الواقع حتى بالإضافة إلى الأعمال السابقة و ان كانت حجيته من الآن، فهو الآن حجة بالإضافة الى ما مضى، و لا يعتبر حدوث الحجية من الأول بوجه.

و أما الاستدلال على عدم كون حجية الفتوى من جهة الطريقيّة بالوجه المذكور.

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 24.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 132‌

..........

______________________________
فيرده ان الالتزام بالانتقاض في كلا شقي الرجوع سواء كان إلى الأعلم، أو غيره بموت الأعلم أو عروض ما يمنع عن جواز تقليده إنّما هو لاضمحلال الحجة السابقة، إما من جهة المعارض الأقوى، أو لفقد شرط من شروطها، و عدم الفرق في الانتفاض بين الصورتين- كما هو مسلك القائلين به- هو مقتضى الطريقيّة المحضة فيما إذا انكشف خطأ الحجة السابقة بحجة فعلية.

فالمتحصل: ان فتوى الثاني حجة من حين الرجوع إليه بالإضافة إلى السابق و اللاحق.

و أما (الثاني)- و هو أن مناط الصحة و الفساد مطابقة أعماله السابقة لفتوى من كان يجب عليه تقليده- فوجه النظر فيه: ان تمام ما بيد المولى و ان كان جعل الطريق للعبد، و أثره العقلي المنجّزية عند الإصابة، و المعذرية عند الخطأ، إلا أن هذين الأثرين يدوران مدار الحجية وجودا و عدما، فالعامي حين ما طبق عمله على فتوى مجتهده فهو معذور في عدم الإعادة في الوقت و في عدم القضاء في خارجه على تقدير مخالفة عمله للواقع، و عدم سقوط الواقع بما اتى به، لكنه إذا سقطت فتواه عن الحجيّة بموت أو بغيره فلا بد في عدم القضاء من استناده إلى حجة أخرى بعد ما انكشف له بحجة معتبرة إنه لم يأت بما هو الواقع، فلا بد في محل الكلام من الاستناد إلى الثاني في حكم الأعمال السابقة بلحاظ آثارها اللّاحقة من وجوب القضاء أو الإعادة، و مثل ذلك ما إذا صار الجاهل مجتهدا، فإنه يرجع في تلك الآثار إلى اجتهاد نفسه دون المجتهد السابق هذا تمام الكلام معه (قده) في العبادات.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 133‌

..........

______________________________
المعاملات (و أما في المعاملات) فسلك في وجه الاجتزاء بها إذا كانت مطابقة لفتوى من كان يجب عليه تقليده حين العمل مسلكا آخر.

و قال «1» إن الأمر فيه أوضح. و حاصل ما أفاده (قده): أنه لا كشف للخلاف في باب المعاملات، كي يقال بان فتوى المجتهد الثاني يكشف عن خطأ المعاملة السابقة إذا كان مخالفا للأول في الرأي، و ذلك لأنه لا واقع لاعتبار الملكية إلا نفسه فإذا قامت الحجة على سببية شي‌ء لها- كالعقد الفارسي- فلا معنى لكشف الخلاف، إذ ليس في المعاملات مصلحة وراء مصلحة اعتبار الملكية- مثلا- عند وجود سببه- كالعقد الفارسي- فمع التسبب إليها به، و شمول دليل الحجة له تتحقق الملكية لا محالة، و هذا بخلاف الحجة على وجوب شي‌ء، فإنه على الطريقية المحضة لها كشف الخلاف، بل و على السببية فيما إذا لم تكن مصلحة الطريق وافيا بتمام مصلحة الواقع، و هذا هو وجه أو ضحية الاجزاء في المعاملات عنه في العبادات.

أقول: إن الاعتبار الشّرعي إذا تحقق لمصلحة داعية إليه فالأمر كما ذكره (قده) من أنه لا يتصور فيه مخالفة الواقع، إذ لا واقع للاعتبار وراء نفسه، إلا أن الكلام في تحقق ذلك، فان قلنا بالسببيّة في الأمارات فالاعتبار قد تحقق لا محالة، و لا ينقلب الشي‌ء عما وقع عليه فإذا بطلت الحجة السّابقة كان بطلانه موجبا لتبدل الموضوع، و لا تكون الحجة اللّاحقة كاشفة عن خطأ الحجة السابقة، لما عرفت من أن الاعتبار لا واقع له وراء نفسه، و هذا بخلاف العبادات، فإن الأمارة القائمة على وجوب القصر- مثلا- غايتها أنّها‌

______________________________
(1) ص 139.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 134‌

..........

______________________________
تحدث مصلحة في صلاة القصر، و أما الصلاة تماما الواجدة للملاك الملزم على تقدير مخالفة الأمارة للواقع فلا دليل على وفاء المأتي به بملاكها، فلا بد للقائل بالإجزاء من إثبات ذلك.

و بالجملة: إن ما أفاده (قده) متين على القول بالسببية، و لكنه لا يلتزم به مع أنه غير صحيح في نفسه. و أما على الطريقية فتحقق الاعتبار في الخارج إنّما كان لأجل قيام الحجة عليه، إذ المفروض أنه غير محرز بالوجدان، و قد قامت حجة أخرى- بعد بطلان الحجة الأولى لوجود مانع، أو فقدان شرطه- على انه لم يكن متحققا، و ان الحجة الأولى كانت مخالفة للواقع. و مع ذلك كيف يمكن أن يقال إنه لا يتصور في المعاملات كشف الخلاف، فان حال الأمارة حال القطع الوجداني في دوران الحجية مداره وجودا و عدما.

فتحصّل: انه لا فرق بين العبادات و المعاملات من هذه الجهة.

ما هو الصحيح في المقام و الصحيح في المقام: ان يقال ان الأعمال السابقة على قسمين (أحدهما) ما لا يكون له أثر فعلي من القضاء، و الإعادة و غيرهما من الآثار أصلا كما إذا زكي حيوانا بغير الحديد، و أكله، و غسل ما باشره (ثانيهما) ما يكون له الأثر فعلا، كالقضاء، و الإعادة، و كما في المعاملات بالمعنى الأعم.

(أما الأول): فإذا فرضنا فيه مخالفة عمله للواقع فلا يفيده مطابقته لكلتا الفتويين فضلا عن إحداهما، لأنه عمل مضى، و لا أثر له بقاء على الفرض، سوى استحقاق العقوبة على مخالفة الوقع، و هذا الأثر لا يرتفع بمطابقة عمله للحجة الفعلية، أو لما كان حجة حين صدوره، و ذلك لعدم استناده إلى إحداهما في مخالفة الواقع،

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 135‌

[ (مسألة 17) المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد]

(مسألة 17) المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد (1) و المدارك للمسألة، و أكثر اطلاعا لنظائرها، و للأخبار، و أجود فهما للأخبار، و الحاصل: أن يكون أجود استنباطا، و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط.

______________________________
(و أما الثاني): فبالإضافة الى استحقاق العقوبة حاله حال القسم الأول، فإذا كان مخالفا للواقع حقيقة، و في نفس الأمر استحق العقاب، لعدم الاستناد إلى الحجة، و أما بالإضافة إلى بقية الآثار الدنيوية- كالقضاء، و الإعادة، و الطهارة، و النجاسة، و استيناف العقود، أو الإيقاعات السابقة- فيرجع فيها الى المجتهد الثاني، فإن كان العمل السابق مخالفا لفتواه يجب التدارك- كما إذا عقد بالفارسي، و كان رأي الثاني اعتبار العربية لزم استيناف العقد و ان كان فتوى الأول عدم اعتبارها- نعم في خصوص باب الصلاة يمكن الحكم بالصحة، لحديث لا تعاد بناء على شموله لصورة الجهل بالحكم كما هو المختار في غير الجاهل المقصر الملتفت، بل غير الملتفت أيضا إذا كان الخلل في غير الخمسة المستثناة في الحديث المزبور، أو فيما دل دليل على وجوب الإعادة، فظهر مما ذكرناه: بطلان القول بان المناط في الصحة مطابقته لأحدهما، لسقوط فتوى الأول عن الحجية بقاء، كما ظهر أنه لا وجه لاعتبارهما معا، لأن ضم اللاحجة بالحجة لا أثر له، و ان كان الاحتياط حسنا.

من هو الأعلم

(1) بعد أن كان وجوب تقليد الأعلم ببناء العقلاء، أو بحكم العقل من باب قاعدة الاشتغال لا بتعبّد شرعي كي يلحظ ظهور هيئة (افعل) في شي‌ء و عدم ظهوره فيه لا بد من ملاحظة ما هو موضوع الحكم عند العقل‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 136‌

[ (مسألة 18) الأحوط عدم تقليد المفضول]

(مسألة 18) الأحوط عدم تقليد المفضول، حتى [1] في

______________________________
و العقلاء.

و ليس ذلك إلا من كان أعرف بتطبيق الكبريات على صغرياتها و أدق في استنباط الأحكام منها، و أكثر إحاطة بالجهات الموجبة لجودة الاستنباط كما هو الحال في بقية العلوم، فان الطبيب الأعلم من هو أعرف بتطبيق كبريات الطّب على مصاديقها فكثرة الاطلاع لنظائر المسألة المفروضة في المتن ليس إلا من جهة الإحاطة التامة بالجهات الموجبة لجودة الاستنباط، و إلا فلا دخل لمجرد كثرة العلم بالمسائل عددا في ما هو المراد من الأعلم في المقام، فليس المراد منه من هو أكثر معلوما بحيث يشترك مع غيره في العلم بمسائل، و يترجح عليه في العلم بمسائل أخر بحيث يتمكن من استنباط الأحكام في باب العبادات، و المعاملات في قبال من لا يتمكن إلا في العبادات مثلا، لأن الملحوظ في العالم و الأعلم في المقام الموضوع الواحد، كما أنه ليس المراد به من يكون أقوى و أشد علما بحسب مراتب العلم، و الانكشاف بحيث يكون الجازم بحكم من دليله مقدما على الظان به، لعدم دوران الأمر في باب الاجتهاد مدار شدة الانكشاف و ضعفها. بل المدار على قيام الحجة، و عدمه كما أنه ليس المراد به من كان أقوى مبنا بحيث لا يزول بتشكيك المشكك في قبال من يمكن التشكيك في مبناه و أخذه منه، إذ مجرد قوة المبنى مع عدم الإحاطة بجهات أخر للمسألة لا تكفي في الأعلمية بالوظيفة الفعلية، و بحكم المسألة بالفعل.

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده»: «عدم تقليد المفضول حتى» (لا بأس بتركه في هذا الفرض).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 137‌

المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل (1).

[ (مسألة 19) لا يجوز تقليد غير المجتهد]

(مسألة 19) لا يجوز تقليد غير المجتهد (2)، و إن كان من أهل العلم، كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد، و إن كان من أهل العلم.

______________________________
تقليد المفضول فيما يوافق الأفضل

(1) قدمنا الكلام في ذلك «1» في ذيل البحث عن الفحص عن الأعلم، و ذكرنا أنه لا دليل على وجوب تقليد الأعلم عند الموافقة مع غير الأعلم بعد شمول الإطلاقات للفتاوى المتوافقة، كما في بقية الأمارات، و لو نوقش فيها فيكفينا السيرة القطعية على الرجوع إلى غير الأعلم في صورة عدم العلم بالمخالفة، فضلا عما إذا علم الموافقة، فيجزي الاستناد إلى واحد منها و إن كان هو فتوى غير الأعلم فراجع.

تقليد غير المجتهد

(2) لعدم صدق العناوين المأخوذة في أدلة جواز التقليد كعنوان الفقيه، و المتفقة و العارف بالأحكام، و الناظر في الحلال و الحرام، و العالم، و أهل الذكر، على من لم يكن واجدا لملكة الاستنباط، و إن كان من أهل العلم. بل يجب عليه أن يقلد المجتهد أو يحتاط، لشمول الإطلاقات المجوزة للرجوع إلى الغير لمثله، فإنه ممن لا يعلم فيشمله قوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ بل لصدق العوام عليه، فان المراد به بقرينة المقابلة في رواية الاحتجاج من لم يكن من الفقهاء و ان كان من أهل العلم.

______________________________
(1) ص 112- 114.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 138‌

..........

______________________________
حكم من وجد ملكة الاستنباط و أما من وجد ملكة الاستنباط فان استنبط الحكم بالفعل و جزم بأحد الطرفين لا يجوز له الرجوع الى غيره من المجتهدين في الأحكام، لعدم شمول الإطلاقات له، و لأنه من رجوع العالم الى الجاهل بزعمه.

و ان لم يتمكن من الاستنباط و الجزم بأحد الطرفين بل توقف، لعدم تمامية الدليل على أحد الطرفين عنده، فلا يجوز له الرجوع إلى مجتهد جازم بأحدهما أيضا فيما إذا كان المتوقف محيطا بالوجه الذي استند اليه الآخر، و مزيفا له، لأنه من الرجوع الى الجاهل في نظره.

و أما إذا احتمل استناد الآخر في حكمه إلى أوجه لم يطلع هو عليه فهل يجوز له الرجوع إليه أولا؟ وجهان، الأقوى هو الثاني، لانصراف الإطلاقات المشرعة للتقليد عن مثل هذا الشخص الذي يصدق عليه حقيقة أنه من أهل الذكر، و الفقيه و غيرها، من العناوين. بل و هكذا الحال بالنسبة إلى من وجد ملكة الاستنباط و لم يعملها بالفعل كما قدمنا «1» الكلام فيه، و ذلك أيضا لانصراف الأدلة الدالة على جواز الرجوع إلى الغير عمن يتمكن من الوصول الى الواقع بنفسه، فان ظاهر آية السؤال هو مشروعيّة السؤال لمن انحصر طريقه الى معرفة الأحكام بالسؤال، و لا أقل من الإجمال، و مقتضى الأصل عدم حجيّة قول الغير، و استصحاب جواز الرجوع الى الغير قبل الوصول إلى مرتبة الاجتهاد واضح الدفع، لعدم إحراز الموضوع، لاحتمال أن يكون الموضوع من لم يبلغ درجة الاجتهاد لا مطلق من لا يعلم بالحكم بالفعل، مضافا إلى أنه أخص من المدّعى، لإمكان بلوغ الصبي مجتهدا. و ظهر‌

______________________________
(1) ص 23- 24.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 139‌

[ (مسألة 20) يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني]

(مسألة 20) يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة، و علم باجتهاد شخص، و كذا يعرف بشهادة عدلين (1) [1] إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم، و كذا الأعلمية تعرف بالعلم، أو البيّنة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم.

______________________________
مما ذكرنا: إنّه لا يجوز تقليد من وجد ملكة الاستنباط في مسألة، أو مسألتين إذا استنبط حكمهما و لم يستنبط جملة معتدا بها من الأحكام، لعدم صدق عنوان الفقيه، و العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام عليه أيضا.

طرق معرفة الاجتهاد و الأعلميّة

(1) لا ريب في ثبوت الاجتهاد، و الأعلمية بالعلم سواء كان سببه الاختبار، أو الشياع أو غيرهما إذ لا يفرق في حجية العلم الطريقي بين أسبابه بحكم العقل، كما لا ريب في ثبوتهما بالاطمئنان، إذ هو علم عادي، و حجة عند العقلاء.

البيّنة أما البيّنة: فلا إشكال و لا خلاف في حجيّتها في الجملة كما في المرافعات، و فيما ورد النص فيه بالخصوص [2] إلا أن الكلام في عموم‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنّف «قده»: «بشهادة العدلين» (لا يبعد ثبوته بشهادة عدل واحد، بل بشهادة ثقة أيضا مع فقد المعارض، و كذا الأعلميّة و العدالة).

[2] كالهلال، و العدالة. و الفسق، و الشهادة على شهادة رجل واحد و الزندقة و السحر و قد ورد النص بذلك في أبواب (6 و 14 و 24 و 41 و 44 و 51) من أبواب كيفية الحكم من كتاب الشهادة، و قد ورد النص أيضا في ثبوت الميتة كرواية عبد اللّه بن سليمان الواردة في الجبن

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 140‌

..........

______________________________
حجيّتها لمطلق الموضوعات، و يكفينا في إثبات العموم بناء العقلاء على العمل بها مطلقا، و عدم ثبوت الردع عنها في الشرع إلا في بعض الموارد [1] بل الظاهر من قوله- صلّى اللّه عليه و آله- «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الإيمان»
«2» مفروغية حجيّة البيّنة المصطلحة، إذ لا يجوز القضاء إلا بما هو حجة عند الشارع، لأن القضاء في مرتبة متأخرة عن ظهور الحقّ، و بيانه.

و البيّنة و ان لم يثبت لها حقيقة شرعيّة إذ هي في اللغة بمعنى الحجة و ما به يستبان الشي‌ء إلا أنا نعلم أنه- صلّى اللّه عليه و آله- قضى بشهادة العدلين، فنعلم بذلك أنها حجة عنده- صلّى اللّه عليه و آله- كما هي حجة عند العقلاء، فان ذلك إمضاء لما هم عليه.

(و بالجملة) لا ينبغي الريب في عموم بناء العقلاء على حجية البيّنة المصطلحة، و إمضاء الشّارع له، إما بعدم الرّدع، أو بمثل [2] قوله- صلّى اللّه عليه و آله- هذا، و سيأتي تفصيل الكلام في ذلك عند البحث عن طرق ثبوت النجاسة.

و أما (دعوى) أن الإخبار عن الاجتهاد إخبار عن الحدس، إذ الشاهد لا يحس بوجود الملكة في المجتهد، و إنّما يحدس بها بالاختبار إذا كان‌

______________________________
(الكافي ج 6: 339/ 2 «و فيه يشهدان عندك» الوسائل ج 7: 91 أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 2.

[1] كالزنا فان المعتبر فيه أربع شهادات.

[2] كقوله- عليه السّلام- في موثقة مسعدة بن صدقة المشار إليها في المتن: «الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» فإن المستفاد منها عموم حجيّة البيّنة سواء في الأحكام أو الموضوعات، و سواء المرافعات أو غيرها، و اختصاصها بالقضاء لا يمنع عن عموم الاستظهار المذكور أعني مفروغيّة حجيّة البيّنة في مرتبة سابقة عن القضاء، كما في المتن.

______________________________
(2) الكافي ج 7: 414/ 1، التهذيب ج 6: 229/ 552، الوسائل ج 18: 169، أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعاوي ب 2 ح 1.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 141‌

..........

______________________________
من أهل الخبرة، و لا تقبل الشهادة في الحدسيات.

(فغير مسموعة) إذ الإخبار عن الحدس القريب من الحس- و هو ما يقل فيه الخطأ و يكون مقدماته موجبا للحدس عند أغلب الناس- حجة ببناء العقلاء، كالإخبار عن الحس، كما أوضحنا الكلام فيه في بحث الإجماع المنقول من مباحثتنا الأصوليّة.

خبر العدل و الثقة بل يثبت الاجتهاد، و الأعلمية بخبر العدل الواحد، بل و بخبر الثقة و إن لم يكن عدلا، لما ذكرناه في بحث حجيّة خبر الواحد من استقرار بناء العقلاء على ذلك في مطلق الموضوعات، و لم يثبت في الشرع ردع عن ذلك.

(و توهم) دلالة الآيات و الروايات الناهية عن العمل بغير العلم على الرّدع عنه.

(فاسد) لما ذكرنا هناك من أنه إرشادية، و دليل الحجيّة واردة عليها.

(و قد يتوهم) دلالة رواية مسعدة بن صدقة [1] على حصر الحجة في الموضوعات في العلم، و البيّنة حيث أنه جعل غاية الحل فيها أحد أمرين (الاستبانة، و قيام البيّنة) و خبر العدل، أو الثقة ليسا منهما.

______________________________
[1] عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سمعته يقول: كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأته تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (الوسائل 12: 60 أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة ب 4 ح 4 الكافي 5: 313/ 40، التهذيب 7: 226/ 989.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 142‌

..........

______________________________
(و يندفع) أولا: بأنها ضعيفة السند [1] لا يمكن الاعتماد عليها.

و ثانيا: بما أشرنا إليه آنفا من عدم ثبوت حقيقة شرعيّة للبينة في المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، بل هي لغة تشمل مطلق الحجة و لو كانت خبر العدل الواحد.

و ثالثا: أنه لو سلّمنا إرادة البيّنة المصطلحة فالحصر المستفاد منها إنّما هو بالإضافة إلى موردها مما ثبتت الحلية فيه بالأمارة، أو الاستصحاب و أما غيره فالرواية أجنبيّة عنه، و إلا لزم تخصيص الأكثر لثبوت الحرمة بالاستصحاب، و الإقرار، و حكم الحاكم.

و يؤيد ما ذكرنا: ما ورد في أبواب الفقه من قبول خبر الثقة في عدة موارد [2] و يبعد دعوى اختصاص الحجية بها و لا ينافيه اعتبار التعدد في‌

______________________________
[1] بمسعدة بن صدقه، لعدم ثبوت وثاقته، إلا أنه من رجال كامل الزيارات، و قد بنى السيد الأستاذ دام ظله أخيرا على وثاقة رجاله لتصريح مؤلّف الكتاب المذكور- و هو ابن قولويه- بأنه لم يرو إلا ما رواه الثقات من أصحابنا، و لا يعارضه إلا ما حكى من تضعيف العلامة و المجلسي و غيرهما من المتأخرين ممن يعتمدون على الحدس و الاجتهاد في توثيقاتهم أو تضعيفاتهم، لا على الحس و الشهادة، لبعد عصرهم عن الرّواة.

و قد تقدم الكلام على سند هذه الموثقة في ج 2 ص 57 و ضعفناها هناك أيضا و لكن قد عرفت ان الأظهر اعتبارها.

[2] (منها) خبر الثقة بعزل الوكيل: عن هشام بن سالم بن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- (في حديث) «إن الوكيل إذا و كلّ ثمّ قام عن المجلس، فأمره ماض أبدا، و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة (الوسائل 13: 286 في أحكام الوكالة ب 2 ح 1، الفقيه 3: 49/ 170، التهذيب 6: 213/ 503) (و فيه أو مشافهة بدل أو يشافه).

و (منها): خبر البائع باستبراء الأمة إذا كان ثقة: عن حفص بن البختريّ عن أبى عبد اللّه- عليه السّلام- في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول انى لم أطأها فقال ان وثق به فلا بأس بأن يأتيها. الحديث (الوسائل 13: 38 أبواب بيع الحيوان ب 11 ح 2، الكافي 5: 472/ 4.

و (منها): خبر الثقة بالوصيّة: عن إسحاق بن عمار عن أبى عبد اللّه- عليه السّلام- قال:

سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضا، فقال لي: ان حدث بي حدث فأعط فلانا

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 143‌

[ (مسألة 21) إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما و لا البيّنة]

(مسألة 21) إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما و لا البيّنة، فإن حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين

______________________________
بعض الموارد التي أشرنا إليه في صدر البحث، لأن ذلك بنص خاص.

و أما قضية أن الإخبار عن الاجتهاد إخبار عن الحدس لا الحس فقد عرفت الجواب عنها، فالصحيح ثبوت الاجتهاد و الأعلمية بخبر العدل أو الثقة، و أما المصنّف (قده) فقد استشكل في اعتبار خبر العدل في الموضوعات في عدة موارد كما في شهادة العدل الواحد بدخول الوقت «1» و في شهادته بالنجاسة «2» و إن رجح الاحتياط بالعمل بها هناك، و جزم بالعدم في الشهادة برؤية الهلال. «3»

______________________________
عشرين دينارا، و أعط أخي بقية الدنانير، فمات، و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي: إنه أمرني أن أقول لك: أنظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها الى أخي، فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه ان عندي شيئا؟ فقال: أرى ان تصدق منها بعشرة دنانير (الوسائل 13: 482 الوصايا ب 97 ح 1، الكافي 7: 64/ 27، التهذيب 9: 237/ 923).

و (منها): خبر الثقة بأن المرأة زوجته: عن سماعة قال: سألته عن رجل تزوج أمة، أو تمتع بها، فحدثه ثقة، أو غير ثقة فقال: ان هذه امرأتي، و ليست لي بينة. فقال: ان كان ثقة فلا يقربها، و ان كان غير ثقة فلا يقبل منه (الفصول المهمة للحر العاملي ص 76 ب 32 رواها عن التهذيب، 7: 461/ 1845، الوسائل 14: 226 أبواب عقد النكاح ب 23 ح 2).

و (منها): خبر الثقة بدخول الوقت: عن ذريح قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام- صل الجمعة بأذان هؤلاء فإنهم أشد شي‌ء مواظبة على الوقت (الوسائل 4/ 618 أبواب الأذان و الإقامة ب 3 ح 1، التهذيب 2: 284/ 1136 الفقيه، 1: 189/ 899 مرسلا).

______________________________
(1) كتاب الصلاة أحكام الأوقات مسألة 1.

(2) كتاب الطهارة في أول فصل طريق ثبوت النجاسة.

(3) كتاب الصوم في فصل طريق ثبوت الهلال في الأمر الخامس.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 144‌

تقليده (1) [1] بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدم، كما إذا علم أنّهما إما متساويان أو هذا المعيّن أعلم، و لا يحتمل أعلمية الآخر، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميته.

______________________________
الظنّ أو احتمال الأعلمية

(1) توضيح المقام ان احتمال الأعلمية يكون تارة في كل من الطرفين، و اخرى يكون في أحدهما، و على الثاني قد يكون في أحدهما لا بعينه، و قد يكون في أحدهما المعين، و على جميع التقادير لا أثر للظن بأعلمية أحدهما لو حصل لعدم الدليل على اعتبار الظن في المقام، و مقتضى القاعدة في صورة العلم بالمخالفة هو التساقط كما مر مرارا، فيجب العمل بأحوط القولين إذ لم يتم عندنا الإجماع على التخيير. نعم: لو ثبت التخيير و كان أحدهما المعين بخصوصه مظنون الأعلمية أو محتملها كان الأمر من الدوران بين التعيين و التخيير في الحجية فيتعين تقليده، إلا أن الشأن في إثبات التخيير. هذا كله في صورة العلم بالمخالفة، و أما مع عدمه فلا يجب تقليده الأعلم، و ان كان معلوما فضلا عما إذا كان مظنونا، أو محتملا- كما تقدم.

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنّف «قده»: «تعين تقليده» (الظاهر أنه مع عدم العلم بالمخالفة يتخيّر في تقليد أيّهما شاء، و مع العلم بها و لو إجمالا يأخذ بأحوط القولين، و لا اعتبار بالظن بالأعلميّة فضلا عن احتمالها هذا فيما إذا أمكن الأخذ بأحوطهما، و إلا وجب تقليد من يظن أعلميته أو يختص باحتمال الأعلمية على الأظهر).




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net