المسائل من 22 الى 31 

الكتاب : فقه الشيعة - الاجتهاد والتقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 553

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 145‌

[ (مسألة 22) يشترط في المجتهد أمور]

(مسألة 22) يشترط في المجتهد أمور (1) البلوغ، و العقل، و الايمان، و العدالة، و الرجولية، و الحرية،- على قول-

______________________________
شرائط المرجعية للتقليد

(1) لا ريب في أن وظيفة العامي ابتداء هو الرجوع الى مجتهد جامع لهذه الشروط، لعين ما ذكرناه في وجوب أصل التقليد، و وجوب تقليد الأعلم، و الحي، من عدم استقلال العقل بحجيّة فتوى الفاقد للشرط المحتمل اعتباره في صحة التقليد، فإذا رجع اليه فله ان يفتيه بما استنبطه من الأدلة من اعتبار شرط في صحة التقليد، أو عدم اعتباره فيها، فكلامنا في المقام: إنّما هو فيما يستفاد من الأدلة بالنسبة إلى الشروط المذكورة، و ما هو وظيفة المجتهد من حيث الإفتاء باعتباره و عدمه.

ما هو مقتضى الأصل ثم لا يخفى ان مقتضى الأصل هو اعتبار كل ما احتمل ان يكون شرطا في حجيّة فتوى المجتهد، إذ مع عدمه يشك في حجيته الفعلية، و لا مجرى لأصالة البراءة عن القيد، لأن الشك في الامتثال لا في أصل التكليف، فان ثبت في مورد بناء العقلاء- الذي هو العمدة في حجية الفتوى و خبر الواحد- على عدمه، و لم يثبت ردع من الشارع بإجماع، أو دليل خاص على اعتبار شرط في المفتي تعبدا يؤخذ ببنائهم، لوروده على الأصل المذكور، و مع عدمه، أو الشك فيه فالمرجع أصالة الاشتراط، لو لا الإطلاق في الأدلة اللفظية الدالة على حجيّة الفتوى.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 146‌

..........

______________________________
تفصيل الشرائط 1- البلوغ فنقول: (أما البلوغ) فربما يستظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قده) «1» دعوى الإجماع عليه حيث قال: «يعتبر في المجتهد أمور البلوغ، و العقل، و الإيمان، و لا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة» و لم يعقبه بشي‌ء فجعل اعتبار البلوغ من الأمور المسلمة، فإن تم ذلك و لم يحتمل أن التسالم على اعتباره من جهة سائر الوجوه فهو، و إلا فلا بد من النظر إلى تلك الوجوه نفسها.

و هي أمور (منها): قوله- عليه السّلام- «أنظروا إلى رجل منكم.

الحديث» «2» بدعوى ظهوره في قبال الغلام.

(و فيه) أنه وارد مورد الغالب كما في كثير من الروايات الواردة في الأبواب المختلفة في الفقه. على أن مورده القضاء و اعتبار البلوغ فيه لا يلازم اعتباره في الإفتاء.

(و منها): ان عمد الصبي خطأ كما في الحديث «3»، فكأن المستفاد منه إلغاء أفعاله و منها أقواله و فتاواه، و لا حجية للفتوى الصادرة خطأ.

(و فيه) انه لا إطلاق للحديث المذكور بحيث يشمل جميع الموارد قطعا، و القدر المتيقن منه هو أن عمدة في القتل بحكم الخطأ، و الدية على‌

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد في شروط المفتي.

(2) في رواية أبي خديجة المتقدّمة ص 28- 29

(3) التهذيب ج 10: 233/ 920، وسائل الشيعة ج 19: 307، أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 147‌

..........

______________________________
عاقلته، كما في حديث آخر
«1»، على أن الملغى في الرواية هو فعل الصبي بأن يعامل معه معاملة الخطأ، و هذا لا يشمل آراءه، و علومه.

و يلحق به في الضعف الاستدلال بحديث رفع القلم عن الصبي «2»، و بأنه محجور عن التصرف، و مولّى عليه، إذ كل ذلك لا تنهض دليلا على المقام كما هو واضح، و عليه فالمرجع بناء العقلاء، و إطلاق الأدلة اللفظية.

أما بناء العقلاء فهو على عدم الفرق بين البالغ و غيره إذا كان مميزا رشيدا، ذا معرفة، و عقل، إذ لا عبرة ببلوغ سنه الى الحد الشرعي في نظرهم أصلا، و إنّما العبرة عندهم بالرّشد، و التميز، و كونه من أهل الخبرة، و إن لم يكن بالغا.

و أما الإطلاقات فتشمله أيضا، لصدق عنوان أهل الذكر، و العالم، و الفقيه عليه، بلا تأمل، و دعوى الانصراف غير مسموعة، و لا استبعاد في تصدي الصبيّ منصب الإفتاء مع أنه ربّما كان حائزا مرتبة النبوّة، أو الإمامة، و منصب الإفتاء ليس بأعظم منهما.

ثمّ إنّه لو سلم اعتبار البلوغ: فإنّما هو في زمان العمل بفتواه لا في زمان الاستنباط، فإذا استنبط الأحكام قبل البلوغ على الوجه الصحيح، و بلغ و هو باق على تلك الآراء فلا مانع من الرجوع إليه. [1]

______________________________
[1] و كذلك يجوز البقاء على تقليده لو مات بعد البلوغ و قد تعلم المقلّد فتواه قبل بلوغه، لصدق الرجوع الى العالم و الفقيه عليه حين الرجوع إليه و لو لم يكن بالغا، اى حين تعلّم الحكم الشرعي منه، و هذا المقدار يكفي في جواز البقاء، كما تقدم.

______________________________
(1) التهذيب ج 10: 233/ 921، الوسائل ج 19: 307، أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

(2) الخصال: 175/ 233، الوسائل ج 1: 32، أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 148‌

..........

______________________________
2- العقل (و أما العقل): فلا ريب في اعتباره حال العمل [1] بفتواه فضلا عن حال الاستنباط، لظهور الأدلة اللفظية في أن المرجع هو الفقيه، لا رأيه، و لا يصدق الفقيه، و العالم على المجنون فلا اعتبار برأيه السابق قبل طرو الجنون عليه، كما ذكرنا ذلك في البحث عن تقليد الميت ابتداء، و نحوه لو طرأ عليه النسيان لكبر و نحوه فلا يجوز تقليده لعين الوجه، و أما المجنون الأدواري فالظاهر أنه لا محذور في الرجوع اليه حال إفاقته، لشمول الإطلاقات، و السيرة له.

3- الإيمان (و أما الإيمان): فقد يستدل على اعتباره بالإجماع، و الكلام فيه كما تقدم.

و يستدل عليه أيضا بقول أبي الحسن الأول- عليه السّلام- فيما كتبه لعلي بن سويد: «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه، و رسوله- صلّى اللّه عليه و آله-

______________________________
[1] زوال الشروط عن المجتهد هذا في التقليد الابتدائي، و أما البقاء على تقليد من عرضه الجنون أو النسيان و نحوهما فمقتضى إطلاق الأدلة المتقدمة و السيرة الجارية في الرجوع الى علماء الفنون هو الجواز لو تعلم فتواهما قبل طرو الجنون و النسيان، كما إذا تعلم قبل موته و أراد البقاء على تقليده فإنّهما لا يزيدان على الموت، لصدق الرجوع الى الفقيه و العالم حال التعلم و ان زال العنوانان حين العمل، و لا حاجة إلى بقائهما حينه، كما لا حاجة إليهما في البقاء على تقليد الميت، كما تقدم في المتن إلا أن يثبت إجماع على الخلاف كما ربما يستظهر من كلام الشيخ (قده) المتقدّم في المتن عند اعتبار «البلوغ» أو يعلم من مذاق الشرع بقرينة ارتكاز المتشرعة عدم رضاه بزعامة و مرجعيّة من عرضه الجنون أو النسيان كما أفاد السيد. الأستاذ دام ظله و سيأتي تفصيل الكلام في ذيل (مسألة 24).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 149‌

..........

______________________________
و خانوا أماناتهم إنهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه، و بدّلوه.

الحديث». «1»

و قول أبي الحسن الثالث- عليه السّلام- فيما كتبه لأحمد بن حاتم بن ماهويه، و أخيه «فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا، و كل كثير القدم في أمرنا فإنّهم كافوكما ان شاء اللّه». «2»

بدعوى ظهورهما في اعتبار التشيع في المرجع.

(و فيه): أن محل الكلام هو اعتبار الإيمان فيمن استنبط الأحكام على طريقة أهل الحق، و النهج المألوف عند علمائنا، و الوثوق به من حيث إخباره عما هو رأيه من هذه الطريقة.

و الرواية الأولى تقصر عن الدلالة على ذلك، إذ غاية ما يستفاد منها بقرينة ذيلها أن علة المنع عن أخذ الأحكام من غير الشيعة هو عدم الأمن من خيانة غيرهم، لا من جهة التعبد و هذا غير محل الكلام.

و أما الرواية الثانية فلا يمكن العمل بظاهرها، لدلالتها على اعتبار شدّة الحب، و الثبات التام في أمرهم- عليهم السّلام- و هذا فوق الإيمان فلا بد من حملها على الرجحان.

هذا مع قطع النظر عن ضعف سند الروايتين. [1]

و أضعف من ذلك الاستدلال بقوله- عليه السّلام- في مقبولة عمر بن‌

______________________________
[1] أما الأولى فبعلى بن حبيب المدائني الواقع في طريقها لانه مجهول بل لم يثبت كونه إماميا الا بوقوعه في سند هذه الرواية و بمحمّد بن إسماعيل الرازي الواقع في طريقها أيضا لاشتراكه بين الثقة و الضعيف أو لتعيّنه في الضعيف.

و أما الثانية فبنفس أحمد بن حاتم بن ماهويه لأنه مجهول و لم يذكر له مدح و لا ذم، و بأخيه و هو (فارس) لرميه بالغلو و اشتهاره بالكذب.

______________________________
(1) الوسائل ج 18: 109، أبواب صفات القاضي ب 11 ح 42.

(2) الوسائل ج 18: أبواب صفات القاضي ب 11 ح 45.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 150‌

..........

______________________________
حنظلة «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا. الحديث»
«1» و قوله- عليه السّلام- في رواية أبي خديجة «و لكن انظروا إلى رجل منكم.

الحديث» «2» فان المراد أن يكون من المؤمنين، و الشيعة.

وجه الضعف أولا: أنهما مختصان بالقضاء، و لا ملازمة بينه و بين الإفتاء في الشرائط.

و ثانيا: أنهما كالصريح في أن سبب لزوم أن يكون القاضي من الشيعة هو أن المخالف لا يحكم بحكمهم- عليهم السّلام-، لأنه لا يروي عنهم، و لا يكون ناظرا في حلالهم و حرامهم، و لا عارفا بقضاياهم، أو قضائهم لا من جهة التعبد فراجع. هذا مع قطع النظر عن ضعف سند المقبولة.

فالمرجع حينئذ بناء العقلاء، و لا فرق عندهم بين المؤمن، و غيره، إذا كان من أهل خبرة طريقة الشيعة، و كان مأمونا عن الكذب و الخيانة كما هو المشاهد من طريقتهم في غير الأحكام الشرعية.

هذا كله بحسب البرهان و الصناعة و إلا فلا ينبغي أن يناقش في عدم جواز إرجاع الشيعة إلى مخالفيهم في العقيدة الحقة و لا أقل من جهة اعتبار العدالة في المقلد- كما يأتي- و المخالف فاقد لها.

4- العدالة (و أما العدالة): فمحل الكلام هو اعتبارها تعبدا من حيث جواز العمل بفتوى المجتهد لا من حيث قبول خبره بفتواه، و تظهر الثمرة بين الجهتين فيما لو علم صدقة بإخباره عن فتواه، أو أخبر بها حال عدالته ثم صار فاسقا، أو‌

______________________________
(1) تقدمت في تعليقة ص 99 و ذكر صدرها في ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1 الوسائل ج 18 ص 98

(2) تقدمت في ص 29.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 151‌

..........

______________________________
علم فتواه من غير جهة إخباره.

(و الجهة الثانية) تدخل في البحث عن اعتبار العدالة في المخبر، و قد حقق في محله عدم اعتبارها، و كفاية الوثوق بصدقه ببناء العقلاء- التي هي العمدة في حجية خبر الواحد- و آية البناء لو تم دلالتها في نفسها تقصر عن الدلالة على اعتبار العدالة في المخبر، لدلالة ذيلها على أن لزوم التبيّن في خبر الفاسق إنما هو لأجل عدم الأمن من الوقوع في خلاف الواقع، لا لاعتبار العدالة تعبدا، و يحصل الأمن من تبعة مخالفة الواقع بخبر الثقة، كما يحصل بخبر العادل فلا يعتبر العدالة من الجهة الثانية و يكتفي بالوثوق.

فيبقى الكلام في اعتبارها من (الجهة الأولى) التي هي محل الكلام فربّما يستدل عليه بالإجماع كما عن جملة و الكلام فيه هو ما تقدم.

و يستدل عليه بخبر الاحتجاج المروي عن تفسير العسكري- عليه السّلام- المتقدمة. «1»

(و فيه) انه يقصر عن إثبات ذلك سندا [1] و دلالة، لأن المستفاد‌

______________________________
[1] نسب التفسير المذكور إلى العسكري- عليه السّلام- أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد، و أبو الحسن على بن محمّد بن سيار، فإنّهما ذكرا في مقدمة التفسير المذكور أنه: «قال العسكر- عليه السّلام- لنا ذات يوم اتيكما خبر كفاية اللّه تعالى أبويكما، و إخزائه أعدائهما، و صدق و عدي إياهما جعلت من شكر الله أن أفيد كما تفسير القران مشتملا على بعض أخبار آل محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- فيعظم بذلك شأنكما قالا ففرحنا. الحديث».

هكذا في مقدمة التفسير المذكور، و ذكر ذلك أيضا العلامة المامقاني في تنقيح المقال- ج 1 ص 280- في ترجمة حسن بن زيد الداعي إلى الحق عن البحار، هذا و لكن لم يثبت وثاقة هذين الرجلين في شي‌ء من كتب الرجال و ان كان سند التفسير إليهما صحيحا، لأنّهما مجهولان كما صرح بذلك في ترجمتهما عن الخلاصة و غيره و غاية ما ثبت أنّهما شيعيان إماميان، إلا أن العلامة المامقاني قد حاول توثيقهما بل تعديلهما بنفس ما ذكراه في مقدمة التفسير المذكور من قول الإمام العسكري- عليه السّلام- لوالدهما- أى والد يوسف بن محمّد و على بن

______________________________
(1) ص 17

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 152‌

..........

______________________________
منها اعتبار العدالة من جهة الأمن عن الخيانة و الكذب لا من جهة التعبّد، و إن حصل الوثوق به فإنه- عليه السّلام- بعد أن ذكر أوصاف الفقيه- الذي للعوام أن يقلدوه- من كونه صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه- قال: «و ذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم، فان من ركب من القبائح، و الفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، و لا كرامة، و إنّما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنّا، فيحرفونه بأسره، لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، و آخرون يتعمدون الكذب علينا. الحديث».

فإنه- عليه السّلام- علّل عدم القبول من الفسقة بالتحريف، إما لجهلهم، أو لتعمد الكذب، و محلّ الكلام هو بعد الفراغ عن الوثوق به.

و أما الاستدلال بالأولوية من اعتبارها في إمام الجماعة، و في البينة فظاهر الدفع، فالمرجع بعد فقد التعبد الخاص من الشارع بناء العقلاء كما مر مرارا. و هم يكتفون بأن يكون المرجع من أهل الخبرة، و مأمونا، و ثقة في إخباره.

الدليل على اعتبار العدالة نعم إن دعوى القطع بأن الشارع لا يرضى بان يكون زمام أمور الدين بيد من هو خارج عن جادة الشرع بارتكابه المعاصي دعوى صحيحة، فإن منصب الإفتاء منصب رفيع دون منصب الإمامة، فكيف يمكن أن يتصداه‌

______________________________
محمّد-: «خلفا على ولديكما لأفيدهما العلم الذي يشرفهما اللّه تعالى به» بدعوى دلالته على أن من علّمه الإمام علما يشرفه اللّه تعالى به لا يعقل كونه غير عدل- ذكر ذلك في ترجمة على بن محمّد بن سيار ج 1 من تنقيح المقال ص 305- و لا يخفى عدم ثبوت وثاقة الرجلين بهذه الرواية لانتهاء سندها إليهما، و لم يثبت وثاقتهما من الخارج.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 153‌

..........

______________________________
من هو في مقام التمرد و الطغيان على اللّه تعالى، [1] على أن طبائع العقلاء فقد جبلت على عدم قبول قول من يخالفه عمله، فإذا نهى الطبيب عن أكل شي‌ء و مع ذلك أكله لا يعتمد على قوله، فكذلك الفقيه، و هذا هو الوجه في اعتبار العصمة في الإمام و النبي.

5- الرجولية (و أما الرجوليّة): فالكلام فيها هو الكلام في الشرائط المتقدّمة، إذ لا دليل على اعتبارها سوى وجوه ضعيفة تمسك القائل بها.

(منها) التعبير (بالرجل) في روايات الإرجاع إلى الغير كمقبولة ابن حنظلة، و رواية أبي خديجة و غيرهما.

(و فيه) أنها واردة مورد الغالب مضافا إلى أن موردها القضاء، و اعتبار الرجوليّة فيها لا يلازم اعتبارها في الفتوى.

(و منه) يظهر وجه الضعف في الاستدلال بعدم جواز تصدي المرأة القضاء، و إمامة الجماعة للرجال، إذ لا ملازمة بين المقامين، إذ محل الكلام مجرد قبول فتواها، لا تصديها لسائر مناصب المجتهد، فالمرجع أيضا بناء العقلاء على عدم الفرق في العمل بقول أهل الخبرة رجلا كان أو امرأة.

هذا، و لكنك بعد ما عرفت أن منصب الإفتاء منصب خطير، فمن المعلوم أنه لا يناسبه الأنوثة بأن تكون المرأة قائمة بأمور الرجال، و مديرة‌

______________________________
[1] و منه يعرف اعتبار للإيمان فيه أيضا بالأوليّة القطعيّة- كما أشرنا في المتن- و هذا لا يفرّق فيه بين الحدوث و البقاء، فإنّه إذا كان شيعيّا فقلده ثمّ انحرف لا يجوز البقاء على تقليده السابق، حين الوجه، و هكذا لو كان عادلا فقلده ثم صار فاسقا، فان الإيمان و العدالة شرطان حدوثا و بقاء، و ان لم يكن الحياة، كذلك. و أما العقل و الذكر فيلحقان بالأولين، و الأظهر إلحاق عدم الإغماء بالحياة فيعتبر حدوثا لا بقاء.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 154‌

و كونه مجتهدا مطلقا، فلا يجوز تقليد المتجزى (1).

______________________________
لشئونهم، و لعلّ هذا هو الوجه في تسالمهم على اعتبار الرجوليّة في المقلّد، و إلا فليس دليل لفظي يدل على ذلك.

6- الحرّيّة (و أما الحريّة): فيعرف الكلام فيها مما تقدم، إذ لا دليل على اعتبارها أصلا، و ليست الرقيّة منافية لكمال النفس، و كثيرا ما يكون الأرقاء من أولياء اللّه تعالى، فلا محذور في تقليده.

هذا كله بالنسبة إلى رجوع الغير إلى المجتهد. و أما بالنسبة إلى عمل نفسه فلا إشكال، و لا خلاف في عدم اشتراط شي‌ء من الأمور المذكورة فيه، لأن اجتهاده حجة له، و عليه. بل لا يجوز الرجوع الى الغير فيما إذا خالفه في الرأي، لأنه مخطأ في زعمه، فيكون من رجوع العالم إلى الجاهل.

7- الاجتهاد المطلق

(1) ذكر المصنّف «قده» أن من جملة شروط المقلّد هو أن يكون مجتهدا مطلقا، فلا يجوز تقليد المتجزّى.

و تحقيق الحال في ذلك فبأن نعرف أولا ما هي حقيقة التجزي في الاجتهاد؟

التّجزي في الاجتهاد و أحكامه ما هي حقيقة التجزي في الاجتهاد؟ و هل التجزي ممكن أو ممتنع أو واجب؟ و هل للمجتزي أن يعمل بما استنبط؟ و هل يجوز للعامي أن يقلده؟

و هل يجوز له أن يتصدى منصب القضاء و يتصرف في الأمور الحسبيّة؟ فلا بد‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 155‌

..........

______________________________
من التكلم في جهات:

حقيقة التّجزي (الأولى) في حقيقة التجزي: و هي القدرة على استنباط بعض الأحكام دون بعض، و ذلك لمعرفة ما يناسبها من المبادي، لسهولة المأخذ، أو لممارسته فيها، كما إذا كان قادرا على استنباط الأحكام المتوقفة على المبادي اللفظية، و لم يكن قادرا على ما يتوقف على الأصول العملية العقلية، أو النقلية، لصعوبة تشخيص مجاريها، و إثبات حجيتها و عليه فيمكن فرض التساوي بين المجتهد المتجزي و المطلق في معرفة المقدّمات التي يتوقف عليها استنباط ذاك البعض. بل قد يكون المتجزي أعلم من المجتهد المطلق في ذاك البعض من جهة إحاطته التامة بتلك المقدّمات، و مهارته في تطبيقها على مواردها.

إمكان التّجزي الجهة الثانية في إمكانه: و الحق أنه ممكن بالإمكان الخاص، لا واجب، و لا مستحيل، إذ قد ظهر مما ذكرنا في الجهة الأولى إمكانه بالمعنى العام. و أنه لا استحالة فيه- كما قيل- إذ القدرة على بعض دون بعض أمر ممكن، و أدل دليل على إمكانه وقوعه.

(فتوهم): أن الاجتهاد سواء كان ملكة الاستنباط، أم نفس الاستنباط أمر بسيط لا يقبل التجزئة، فأمره دائر بين الوجود و العدم- كما هو الحال في سائر البسائط سواء كانت من الملكات النفسانيّة أم غيرها- فهو إما مجتهد مطلق أو ليس بمجتهد رأسا.

(واضح الدفع): لأن بساطة الملكة، أو الاستنباط لا تنافي تحقق فرد‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 156‌

..........

______________________________
منها دون فرد آخر، إذ التجزي تبعيض في أفرد الكلي، لا التبعيض في أجزاء الكل، لأن القدرة على استنباط كل حكم تغاير القدرة على الآخر، لاختلاف مباديها و مقدماتها، فكما أن نفس الأحكام تغاير بعضها بعضا بتغاير متعلقاتها، كذلك القدرة على استنباطها، لاختلاف ما به تحصل القدرة، فإن القدرة الحاصلة للنفس من معرفة الأصول اللفظية غير القدرة الحاصلة لها من معرفة الأصول العملية، و إحداهما أجنبي عن الأخرى.

فظهر مما ذكرنا أن الفرق بين المطلق و المتجزي إنّما هو زيادة أفراد ملكة الاستنباط، و نقيصتها، لا بشدة الملكة، و ضعفها. كما يظهر من صاحب الكفاية (قده) لتغاير علل أفراد الملكة، فإن معرفة الأصول اللفظية التي توجب القدرة على استنباط الأحكام المتوقفة عليها تغاير معرفة الأصول العملية التي تكون سببا للقدرة على استنباط أحكام تكون متوقفة على معرفتها، فلا يمكن أن يكون الفرق بينهما بشدة الملكة و ضعفها.

هذا كله في إمكان التجزي في الاجتهاد بالإمكان العام في قبال مدعى الاستحالة.

و أما إمكانه الخاص فيدل عليه: أنه لا استحالة عقلا في حصول ملكة الاجتهاد المطلق لشخص دفعة، و لو بالإعجاز، و كرامة من اللّه تعالى عليه، إذ ليس من قبيل اجتماع النقيضين، أو الضدين، و نحوهما من المحالات العقلية، فما في الكفاية من دعوى ضروريّة التجزي، و أنه يستحيل حصول اجتهاد مطلق غير مسبوق بالتجزي، للزوم الطفرة بظاهره غير صحيح، فإن ظاهر استدلاله بالطفرة هو الاستحالة العقلية، و إن كان ظاهر دعواه هو الاستحالة العادية، و كيف كان فان كان مراده الأول فيدفعه ما ذكرناه، إذ ليست القدرة على استنباط بعض الأحكام مقدمة للقدرة على استنباط آخر كي‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 157‌

..........

______________________________
يستلزم السبق و اللحوق زمانا، فيكون وجود ذي المقدمة بدون المقدمة مستلزما للطفرة، إذ كلها في عرض واحد، و إن كان مراده الثاني فهو متين لا غبار عليه إذ العادة جرت على حصول ملكة الاجتهاد تدريجا، لان تعلم المبادي تدريجي.

عمل المتجزي بما استنبط الجهة الثالثة: في جواز عمل المتجزي بما استنبط لا مجال للمنع عنه و إن نسب المنع الى بعضهم، لأنه عالم بالحكم الذي استنبطه، لشمول عناوين الأدلة و الأصول العملية له، كما تشمل المجتهد المطلق، فإنه الذي جائه النبأ، أو تيقن و شك- مثلا- و عجزه عن استنباط بقية الأحكام لعدم تحصيل مباديها لا يضر بقدرته على هذا البعض، فلا يشمله أدلة جواز التقليد سواء بناء العقلاء أو الآيات، و الأخبار، لأن موضوعها الجاهل فيكون رجوعه إلى الغير من رجوع العالم الى الجاهل باعتقاده.

رجوع الغير إلى المتجزى الجهة الرابعة: في جواز رجوع العامي إليه و هي العمدة في المقام.

بناء العقلاء فنقول لا فرق في بناء العقلاء بين المتجزي، و المطلق في الرجوع إليهما، لأن الملاك عندهم في جواز الرجوع إلى أهل الخبرة هو خبرويته في خصوص ما يرجعون فيه إليه من دون دخل لخبرويته في غيره، فانا نرى إنّهم يراجعون الطبيب المختص ببعض الأمراض فيما يختص به، و لا يعتبرون أن يكون طبيبا عاما في جميع الأمراض. بل ربّما لا يرجعون إلا إليه، لأنه أعلم من غيره في‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 158‌

..........

______________________________
الجهة المختصة به. إلا أنه لا عبرة ببناء العقلاء ما لم يمضها الشارع.

الأدلة اللفظيّة و مقتضى الأدلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى «كآية النفر، و السؤال، و بعض الروايات» هو اعتبار عنوان «العالم و الفقيه»- كما عرفت- و لا يصدق شي‌ء من ذلك على المتجزي فيما إذا لم يستنبط مقدارا معتدا به من الأحكام، كما أنّها لا تصدق على من له ملكة الاجتهاد المطلق أيضا إذا لم يستنبط شيئا من الأحكام، أو استنبط مقدارا غير معتد به بحيث لا يصدق عليه «العالم» كمسألتين أو ثلاث، فالنسبة بين من يجوز تقليده و كل واحد من المجتهد المتجزي و المطلق العموم من وجه، لظهور العناوين المذكورة في الفعلية، فلا يكفي مجرد قوة الاستنباط و لو كانت قوة مطلقة، كما أنه لا يعتبر في فعليتها القدرة المطلقة، إذ يكفي في صدقها استنباط مقدار معتد به و لو كان عدم استنباط البقية للعجز عن استنباطها. بل لا بد من الالتزام بذلك، إذ جلّ الأصحاب لو لا كلّهم قد يتوقفون عن الحكم في بعض المسائل، لعدم ترجيح أدلة أحد الطرفين عندهم، و ليس ذلك إلا من جهة عدم الإحاطة التامة بالمبنى، و عدم تنقيحه عند المتوقف في المسألة كما ينبغي، و من هنا ترى غيره يجزم بالحكم في نفس المسألة، لتصحيحه أحد المبناءين، و قدحه في الآخر.

فالحق في المقام هو التفصيل بين المتجزي القليل الاستنباط و كثيره فلا يجوز تقليد الأول و يجوز تقليد الثاني.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 159‌

..........

______________________________
القول بجواز تقليد المتجزي نعم ربما (يقال) بجواز تقليد الأول أيضا مستدلا بعموم بناء العقلاء- كما ذكرنا- و برواية أبي خديجة لدلالة قوله- عليه السّلام- فيها: «يعلم شيئا من قضائنا (خ ل قضايانا) فاجعلوه بينكم.» [1] على كفاية العلم ببعض الأحكام، و موردها و ان كان القضاء، إلا أن منصب القضاء منصب للفتوى، و لا عكس، فما دل على اعتبار شي‌ء في القاضي يدل على اعتباره في المفتي، و حمل عليها مقبولة عمر بن حنظلة (بدعوى) ان ظاهر قوله- عليه السّلام- فيها: «ينظر ان من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما. الحديث» «2» و ان كان العموم، إلا أنه لا بد من حمله على معرفة بعض الأحكام، للقطع بخلافه، لتعذر ذلك و لا سيما في زمان صدور الرواية مضافا إلى الإجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم، و لا النظر في جميع حلالهم و حرامهم، فيمتنع أخذه شرطا في القضاء، فيتعين أن يكون المراد‌

______________________________
[1] هذه الرواية مروية (في الكافي ج 7: 412/ 4) عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمّد، عن الحسن بن على، عن أبى خديجة. و كذلك (في التهذيب ج 6: 219/ 516) و عليه فالرواية ضعيفة السند بمعلى بن محمّد. و لكن (في الفقيه ج 3: 2/ 1) رواها عن أحمد بن عائد، عن أبى خديجة، و طريق الصدوق إلى أحمد هو أبوه، عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن على الوشاء و هؤلاء كلهم من أجلاء الثقات عند الأصحاب غير الحسن بن على الوشاء، و هو أيضا ممدوح، و قد ذكر النجاشي في حقه أنه كان من وجوه هذه الطائفة، و من عيونها. و عليه فالرواية حسنة بالحسن بن على الوشاء. هذا مع قطع النظر عن وقوع «معلى بن محمّد» و «الحسن بن على الوشاء» في أسناد كامل الزيارات و الا فهما موثقان بتوثيق ابن قولويه فطريق الشيخ و الكليني في الكافي و الشيخ في التهذيب أيضا صحيح فهي رواية صحيحة عن كلا الطريقين.

______________________________
(2) تقدمت في تعليقة ص 99.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 160‌

..........

______________________________
بعض الأحكام، لا جميعها. حملا للحديث، و الحلال و الحرام على الجنس الصادق على البعض، و هكذا الحال في معرفة الأحكام.

و الجواب: أما عن بناء العقلاء فيما ذكرناه من ردعه بما ورد من الأدلة اللفظية الدالة على اعتبار عنوان العالم و الفقيه في جواز الرجوع إلى الغير و لا يصدق العالم و الفقيه على المجتهد القليل الاستنباط.

و أما عن رواية أبي خديجة فبأنه لو كانت كلمة (من) في قوله- عليه السّلام-: «يعلم شيئا من قضايانا» كما في متن التهذيب أو «من قضائنا» كما في متن الكافي و الفقيه (بيانية) فعدم صدقه على معرفة البعض ظاهرا جدا، إذ المراد حينئذ أن يعلم قضاياهم، أو قضائهم، أما على الأول فلظهور الجمع المضاف في العموم، و أما على الثاني فلعدم صدق معرفة الطبيعة- أي طبيعة قضائهم عليهم السّلام- على معرفة مسألة، أو مسألتين مثلا فإنه إذا قيل: «فلان يعرف الطب» لا يصدق ذلك مع معرفة مسألة طبّية، بلا لا بد و أن يعرف جملة معتدا بها من مسائل الطب لولا ظهورها في إرادة الكل.

و إذا كانت كلمة (من) (تبعيضية) كما هو الأظهر بل لا يصح (البيانية) على رواية «قضايانا» لعدم مطابقة البيان للمبين، إذ المناسب حينئذ أن يقال أشياء من قضايانا- فلا يصدق على معرفة البعض أيضا «1» لأن مفهوم بعض الشي‌ء يختلف سعة و ضيقا باختلاف سعة المضاف إليه و ضيقه، فلا يصدق على القطرة أنه بعض ماء البحر عرفا. و بما أن علوم أهل بيت العصمة- عليهم السّلام- أبحر لا يحيط بها أحد فمعرفة بعض منها لا تكون إلا بمعرفة مقدار معتد به من أحكامهم، (و ان شئت فقل) إن مناسبة الحكم و الموضوع تمنع عن الحمل على‌

______________________________
(1) كما تقدم في ص 28.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 161‌

..........

______________________________
معرفة البعض القليل، لأن منصب القضاء من مناصب الأنبياء و أوصيائهم كما في بعض الأخبار و لا يليق من يعرف قضاء واحدا أو قضائين بهذا المنصب العظيم.

(فالإنصاف) أن ظهور رواية أبي خديجة في لزوم معرفة جملة معتد بها من الأحكام بحيث توجب صدق عنوان الفقيه لا ينبغي الريب فيه، فضلا عن المقبولة التي هي كالصريحة في ذلك.

(و دعوى) لزوم حملها على معرفة البعض، لعدم التمكن من معرفة جميع الأحكام أو للإجماع.

(غير مسموعة) لأنه ليس المراد من معرفة الأحكام إلا البعض المعتد به، و هذا كان ميسورا و واقعا في عصر الأئمّة الأطهار- عليهم السّلام- كما يظهر من جملة من الروايات التي قدمنا ذكرها «1» الدّالة على وجود فقهاء و مفتين في تلك العصور كانوا مراجع للناس في الإفتاء و القضاء، و كان الإمام- عليه السّلام- يظهر اشتياقه إلى أمثالهم و لا يكون ذلك بمعرفة مسألة أو مسألتين- كما هو أظهر من أن يخفى- كما أنه لا إجماع على عدم اعتبار معرفة هذا المقدار، هذا كله مع قطع النظر عن أن الحديثين يختصان بالقضاء، و لا ملازمة بينه و بين الإفتاء في الشرائط. [1]

قضاء المتجزى الجهة الخامسة: في نفوذ قضاء المتجزي، و جواز تصديه للأمور‌

______________________________
[1] لتوقف القضاء على معرفة جملة من أبواب الفقه فيعتبر في القاضي معرفة مقدار معتد به من الأحكام بخلاف استنباط الحكم في مسألة أو مسئلتين، فإنه لا يتوقف على معرفة باقي الأحكام.

______________________________
(1) ص 16- 17.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 162‌

و الحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء نعم يجوز البقاء [1] كما مر و أن يكون أعلم فلا يجوز- على الأحوط [2]- تقليد المفضول مع التمكن

______________________________
الحسبية. أما قضائه فلا يكون نافذا، لما عرفت من لزوم صدق عنوان الفقيه، و لا يصدق على المتجزي القليل الاستنباط، و قد عرفت الجواب عن توهم دلالة رواية أبي خديجة على نفوذ قضائه. نعم لا نضايق عن ذلك إذا استنبط جملة معتدا بها من الأحكام و لو كان للعجز عن استنباط الباقي. و يظهر مما ذكرنا: أن مجرد قوة ملكة الاجتهاد المطلق لا يكفي في نفوذ القضاء.

المتجزي و الأمور الحسبيّة و أما تصديه للأمور الحسبية فمشكل، إذ لا دليل عليه إلا الإجماع على لزوم القيام بها، و القدر المتيقن منه هو المجتهد المطلق، كما أن مقتضى الأصل هو ذلك لأن التصرف في أموال الغيّب، و القصّر، و نحو ذلك مما ليس له ولي خاص غير جائز بمقتضى عدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه خرجنا عن ذلك بما إذا كان التصرف باذن من المجتهد المطلق الجامع للشرائط، و يبقى تصرف المتجزئ، أو التصرف بإذنه تحت عموم المنع.

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده» «نعم يجوز البقاء» (بل يجب في بعض الصور كما تقدم).

[2] جاء في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده»: «فلا يجوز على الأحوط» (بل على الأظهر مع العلم بالمخالفة كما مرّ).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 163‌

من الأفضل (1) و أن لا يكون متولدا من الزنا (2) و أن لا يكون مقبلا [1] على الدنيا. و طالبا لها، مكبا عليها، مجدا في تحصيلها، ففي الخبر: من كان من الفقهاء.

______________________________
8- الحياة 9- الأعلمية

(1) تقدم الكلام في ذلك كله، و ذكرنا «2» إنه يجب البقاء في بعض الصور، كما أنه قد ذكرنا «3» أن الأظهر جواز تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل فيما إذا لم يعلم الخلاف بينهما.

10- طهارة المولّد

(2) استدل على اعتبار طهارة المولد بوجوه.

(أحدها): الإجماع كما عن الروضة.

(و فيه) أن الإجماع المحصّل غير ثابت. و المنقول ليس بحجة.

(ثانيها): الأصل، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجيّة.

(و فيه): أنه مقطوع بإطلاقات الأدلة اللفظية، و ببناء العقلاء على عدم اشتراط طهارة المولد في الرجوع إلى أهل الخبرة، و لم يتم منع من الشارع، إلا توهم الإجماع.

(ثالثها):- و هو الصحيح- فحوى ما دل على اعتبارها في إمام‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده» «و أن لا يكون مقبلا على الدنيا» (على نحو يضرّ بعدالته).

______________________________
(2) ص 69.

(3) ص 137.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 164‌

صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه (1).

[ (مسألة 23) العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات، و ترك المحرمات]

(مسألة 23) العدالة عبارة عن ملكة [1] إتيان الواجبات، و ترك المحرمات (2).

______________________________
الجماعة، و على عدم قبول شهادة ولد الزنا، فان منصب الإفتاء أهم من الإمامة للجماعة، و شهادة الشاهد، فإذا لم يرض الشارع بإمامة ولد الزنا، و لم يعتد بشهادته لخسة في ذاته، فكيف يرضى بزعامته للمسلمين، كي يرجع إليه في أمور الدين و الدنيا.

11- عدم الإقبال على الدنيا

(1) إذا رجع اعتبار هذه الأمور في المرجع إلى العدالة فقد تقدم الكلام فيها، إلا أن ظاهره (قده) اعتبار أمر آخر زائدا على العدالة، و إلا كان ذكرها مستدركا. لتقدم اعتبار العدالة في كلامه، فإذا كان أمرا آخر فوق العدالة- كمرتبة الزهد و التقوى الشديدة، إذ الإقبال على الدنيا قد لا ينافي العدالة، كما إذا لم يستلزم ترك واجب أو فعل حرام- فلا دليل عليه عدا ما يتراءى من الرواية المنسوبة إلى تفسير العسكري- عليه السّلام- التي أشار إليها في المتن، و قد تقدم «2» الكلام فيها سندا، و دلالة عند التكلم في اشتراط العدالة.

العدالة و الأقوال

(2) اختلفت أقوال الفقهاء «قدس اللّه أسرارهم» في حقيقة العدالة‌

______________________________
[1] و في تعليقته (دام ظله) على قوله «قده» «عبارة عن ملكة» (بل عبارة عن الاستقامة في جادة الشرع، و عدم الانحراف عنها يمينا و شمالا).

______________________________
(2) ص 151

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 165‌

..........

______________________________
الشرعيّة المعتبرة في مقامات مختلفة، و في إمام الجماعة. و الشهادة، و الطلاق، و غير ذلك.

«أحدها»: ما نسب الى المشهور بين العلامة، و من تأخر عنه، بل نسب إلى الشهرة مطلقا من أنها كيفيّة نفسانية باعثة على ملازمة التقوى، أو عليها مع المروة- كما عن الأكثر- و قد يعبّر عنها بالحالة، أو الهيئة، أو الملكة.

(ثانيها): القول بأنّها الاجتناب عن المعاصي عن ملكة نفسانية كما عن ظاهر الصدوق، و والده، و عن المفيد في المقنعة، و غيرهم، و الظاهر رجوع الأول إليه لأن المراد من الملكة هي الملكة الباعثة على الاجتناب بالفعل، لا مجرد الاقتضاء، لأن ارتكاب المعصية لغلبة الهوى على الملكة يوجب الفسق اتفاقا، فيلزم أن يكون عادلا و فاسقا معا، فلا بد من تقييد الملكة بأن تكون باعثة بالفعل.

(ثالثها): القول بأنها مجرد ترك المعاصي، أو خصوص الكبائر من دون اعتبار أن يكون ذلك عن ملكة نفسانية كما عن السرائر، و الوسيلة. بل عن المجلسي، و السبزواري نسبته إلى الأشهر، و النسبة بين هذا القول و الأولين العموم المطلق بناء على رجوع الثاني إلى الأول، و العموم من وجه مع الأول خاصة، و العموم المطلق مع الثاني بناء على عدم الرجوع. و الوجه في الكل ظاهر.

(رابعها): القول بأنها الإسلام مع عدم ظهور الفسق كما نسب إلى الشيخ في الخلاف، و المفيد في كتاب الأشراف، و ابن الجنيد، لو تمت النسبة.

(خامسها): القول بأنها حسن الظاهر فقط كما عن أكثر القدماء.

و في نسبة هذين القولين إلى أصحابهما في حقيقة العدالة نظر، بل ربما يستظهر من كلماتهم أنّهما طريقان إلى العدالة، لا نفسها، و يأتي التعرض‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 166‌

..........

______________________________
لهذين القولين عند البحث عن أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة، هذه جملة الأقوال في المسألة.

حقيقة العدالة أقول: الظاهر أنه ليس للعدالة حقيقة شرعية، كي يفحص عنها. بل الظاهر أن الشارع اعتبرها بما لها من المعنى العرفي، و اللّغوي. و هي «لغة» الاستواء و الاستقامة، فإذا أسندت إلى الأمور المحسوسة يراد منها الاستقامة الحسيّة الخارجيّة- كما في استقامة الجدار و الخشبة- و إذا أسندت إلى الأمور المعنوية فيراد منها الاستقامة المعنوية، فإذا قيل فلان عدل في عقيدته يراد أنه مستقيم العقيدة. أي سلك طريقا مستقيما لا اعوجاج فيه، فهو يوصله إلى الحق، كما أنه إذا قيل فلان عدل في فهمه يراد أنه مستقيم الفهم لا إفراط فيه و لا تفريط، أو قيل عدل في أخلاقه يراد أنه ذو استقامة فيها لا ضيق فيها، و لا سعة بدرجة مذمومة، فالمراد من العدالة المطلقة في نظر الشرع الاستقامة العمليّة في جادة الشريعة بحيث لا يتخطاها السالك في أفعاله و تروكه، بأن يكون منقادا للّه عز و جل فيما يلزمه فعلا و تركا في مقابل الفسق الذي هو خروج عن الطاعة، فالعدالة شرعا من صفات الفعل لا النفس، و يشير إلى هذا جملة من الآيات الشريفة كقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا. و قوله تعالى وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ. «1» فيوصف الشخص بالعدالة بلحاظ مطابقة أعماله للشرع.

و عليه لا تتحقق العدالة إلا بأن يكون الداعي في اجتناب المعاصي‌

______________________________
(1) النساء: آية 2 و 128.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 167‌

..........

______________________________
هو الخوف من اللّه عز و جل، أو رجاء ثوابه تعالى، دون سائر الدواعي النفسانية كالرياء و السمعة و حب الجاه. بل لا يكفي في صدقها داعي الحياء من الناس التي هي من الدواعي المباحة فضلا عن الدواعي المحرمة، كالرياء، و التدليس، لعدم صدق العدالة الشرعيّة بغير داع شرعي.

توضيح الحال: إن الداعي لترك المحرمات و فعل الواجبات لا يخلو عن إحدى ثلاث.

(الأولى) وجود فضيلة نفسانية المعبّر عنها في علم الأخلاق بانقياد العقل العملي للقوة العاقلة، و تبعيته لها في إعمال قوتي الغصب و الشهوة (و بعبارة أخرى) هي ضبط الغضب و الشهوة تحت إشارة العقل و الشرع، و لازمه العدالة و الاستقامة في جميع شئون الإنسانيّة بما لها من العرض العريض، و ربما تشمل ترك المكروهات، بل المباحات، و هذه المرتبة لا توجد إلا في الأوحدي من الناس، إذ هي تالي مرتبة العصمة، و لا يمكن أن تناط بها الأحكام الشرعية العامة البلوى في مقامات مختلفة، و إلا لزم تعطيل أحكام كثيرة، فلا يراد من العدالة الشرعيّة هذا المعنى قطعا.

(الثانية): أن يكون الداعي وجود الخوف من اللّه عز و جل من تبعة المعصية أو رجاء ثوابه تعالى، و ان لم يكن واجدا لفضيلة نفسانية، و هذا يكفي في صدق العدالة الشرعيّة، إذ هي- كما ذكرنا- الاستقامة العملية في طريق الشرع، و لا دليل على اعتبار أزيد من ذلك، و كما أن الفضيلة النفسانية تكون داعية للاجتناب عن جميع المعاصي الظاهرة، و الخفية، كذلك الداعي الإلهي، لأن الخوف من اللّه تعالى كما أنها تمنع عن المعصية في الظاهر كذلك تمنع في الباطن، فالعادل من يجتنب عن المعاصي سرا و علانية خوفا، أو رجاء منه تعالى.

(الثالثة): أن يكون الداعي أحد الدواعي النفسانية، فإن كان‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 168‌

..........

______________________________
ذلك رياء، فان كان في العبادات يكون معصية و مبطلا للعمل، و يوجب فسق فاعله، و إن كان في غيرها مثل ان يترك الكذب، أو الغيبة، أو نحو ذلك من المحرمات طلبا للجاه عند الناس، و حفظا لكرامته، لا خوفا من اللّه تعالى، فلا تتحقق معه العدالة الشرعية، لعدم كون الاجتناب لداع شرعي، كما أنه لا يتحقق الفسق لعدم ارتكابه المعصية فرضا، فهو ليس بعادل و لا فاسق، فلا يترتب عليه آثار شي‌ء منهما، و هذا الداعي قد يتخلف في الباطن فيرتكب المعصية خفية إذا لم تكن منافية لدواعيه النفسانية.

و مما ذكرنا يظهر أنه لو ترك المعصية لعدم وجود المقتضي كأن يترك الزنا لعنن فيه لم يكن ذلك من العدالة، نعم لا يعتبر الابتلاء بالمعصية، بل يكفي وجود الخوف فيه بحيث لو ابتلى بها على النحو المتعارف [1] لتركها خوفا من اللّه عز و جل، إلا أن الفرضين نادران، لوجود المقتضي للمعاصي من قوتي الشهوة و الغضب بما لهما من العرض العريض في أغلب الناس، و ابتلائهم بالمعاصي و لا أقل من الكذب و الغيبة، و نحوهما.

ثمّ إنه لا بد من رسوخ هذا الخوف في النفس بحيث تكون طبيعة ثانوية للنفس تمنع عن ارتكاب المعصية على وجه الاستمرار، و الدوام بحيث تكون صفة للشخص، يصدق عليه العادل، و إلا فالاستقامة آنا ما و في واقعة أو واقعتين لعروض حالة الخوف اتفاقا لا توجب صدق مفهوم العدالة، كما‌

______________________________
[1] وجه التقييد بذلك. هو انه لا يعتبر في صدق العدالة رسوخ الخوف في النفس الى حد لو ابتلى بالمعصية على نحو خارق للعادة، كما إذا ابتلى بامرأة في الخلوة مع استجماع جميع ما له دخل في رغبة النفس الى الزنا لتركها، إذ اعتبار هذه المرتبة يوجب سد باب العدالة، و تعطيل الأحكام المتوقفة عليها، بل يكفى الابتلاء بالمعصية على النحو المتعارف لأغلب الناس، إلا أنه مع ذلك لا توجد هذه المرتبة التي نعتبرها إلا في قليل من الناس، فلا تظن التوسعة بمقدار يوجب تضييع حقوق اللّه و حقوق الناس في الأموال، و الأنفس، و الأعراض.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 169‌

..........

______________________________
لا يقال للخشبة المعوجة في ذاتها إنّها عدل إذا عدلت بقسر قاسر آنا ما، فإن الخشبة العدلة هي ما كانت كذلك بطبعها.

(فظهر) مما ذكرنا أنه يمكن أن يكون مراد من فسرها بالملكة هو رسوخ الخوف في النفس، لا أنها ملكة كملكة الشجاعة و الجود، كما (ظهر) أن هذا المعنى في العدالة لا ينافيه فعل الكبيرة على سبيل الاتفاق فضلا عن الصغيرة فيما إذا ندم على فعلها، و تاب، دون ما إذا استمر عليها، و ذلك لعدم زوال وصف العدالة التي صارت طبيعة ثانوية للشخص بمثل ذلك عرفا، لأنه من قبيل كبوة الجواد، و نبو السيف يعرض فيزول كما أن الخشبة العدلة إذا عوجت بقصر القاصر تعود الى استقامتها الأولية بعد رفع القصر عنها، فليس معنى العدالة أن لا يعرضها خطأ أصلا كما هي شأن العصمة، كما أنها ليست كما تقول العامة بالمعنى الواسع الذي لا يؤثر في إزالته شي‌ء من المعاصي و إن استمر عليها.

فتحصل مما ذكرنا أن النسبة بين المفهوم اللغوي، و الشرعي نسبة العام إلى الخاص، إذ هي في اللغة مطلق الاستقامة، و في الشرع الاستقامة في جادة الشرع، و لا دليل على اعتبار الملكة في العدالة الشرعية عدا وجوه مزيفة.

أدلة القائلين بالملكة و تزييفها استدل شيخنا الأنصاري (قده) لاعتبار الملكة في العدالة الشرعية بوجوه.

(الأول): الأصل. و تقريبه: أن مقتضى الاستصحاب عدم جواز تقليد من ليس له ملكة العدالة، و عدم جواز الاقتداء به، و عدم قبول شهادته.

(و فيه): أنه محكوم بما دل على كفاية الاستقامة العملية في ترتب‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 170‌

..........

______________________________
تلك الآثار على ما ستعرف، مضافا إلى أنه لا يجري الأصل إذا كان هناك إطلاق و هذا كإطلاق ما دل على مشروعية التقليد، و جواز الرجوع إلى أهل الذكر و الفقيه، فإنه قيّد بدليل منفصل بأن يكون المرجع عادلا، فإذا شك في اعتبار الملكة في مفهوم العدالة كان هذا من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، و معه يرجع إلى الإطلاق في غير المقدار المتيقن.

(الوجه الثاني): ما دل على اعتبار الوثوق بدين إمام الجماعة و ورعه، مع أن الوثوق لا يحصل بمجرد تركه المعاصي في جميع ما مضى من عمره ما لم يعلم أو يظن فيه ملكة الترك.

(و فيه): أن المراد من الوثوق بدينه الوثوق بالتزامه بما دان به قولا و فعلا، و يكفي فيه مجرد الداعي الإلهي من الخوف أو الرجاء، و لا يعتبر فيه وجود الملكة المقصودة، و يكفي في الوثوق باستمراره على ما كان عليه في الماضي من الالتزام بالدين الوثوق ببقاء الداعي المذكور في المستقبل.

(الوجه الثالث): ما دل على اعتبار المأمونية و العفة، و الصيانة، و الصلاح، و غيرها، مما اعتبر في الأخبار من الصفات النفسانية في الشاهد.

مع الإجماع على عدم اعتبارها زيادة على العدالة فيه.

(و فيه): أنه ليس شي‌ء من هذه العناوين من الصفات النفسانية لغة و عرفا، بل هي إما عناوين لفعل النفس أو لفعل الجوارح- كما ذكرنا.

(الوجه الرابع): صحيحة ابن أبي يعفور، و يأتي الكلام فيها بعيد هذا عند ملاحظة أخبار الباب، و تعرف قصورها عن الدلالة على ذلك.

العدالة و الأخبار و يدل على ما ذكرنا من عدم ثبوت حقيقة شرعية لمفهوم العدالة، و إيكالها إلى الفهم العرفي: انه لم يرد في شي‌ء من الروايات تفسير لحقيقة‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 171‌

..........

______________________________
العدالة الشرعية، و ما ورد منها فإنّما هي لبيان الطريق إلى معرفتها، عدا ما قيل في صحيحة ابن أبي يعفور من حملها على المعرف المنطقي دون الأصولي، و يأتي إنشاء اللّه تعالى إنّها أيضا واردة لبيان ما يعرف به عدالة الرجل.

توضيح الحال: ان الروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث.

الأولى: الروايات التي أخذ العدالة فيها موضوعا للحكم بما لها من المفهوم، كبعض الروايات الواردة في اشتراط العدالة في إمام الجماعة [1] و في قبول الشهادة [2] و صحة الطلاق [3] و غير ذلك، و قد ورد في الكتاب العزيز أيضا جملة من الآيات الشريفة الدالة على اعتبار العدالة بما لها من المفهوم. كقوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ. «4» و قوله تعالى:

اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ. «5» و لا دلالة لهذه على اعتبار الملكة في العدالة، لما عرفت من أن العدالة لغة هي الاستقامة، فهي في نظر الشرع الاستقامة في طريقه.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على ترتب الآثار المذكورة على عناوين أخر تساوق العدالة، كالصائن [4] و الخيّر، و المأمون، و المرضي،

______________________________
[1] كقوله- عليه السّلام- في رواية سماعة «ان كان إماما عدلا فليصل أخرى- الى أن قال- و ليدخل مع الامام.» الحديث الوسائل ج 5 ص 458 كتاب الصلاة في الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[2] كقوله- عليه السّلام- في رواية عبد الرحمن بن الحجاج «لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا» الوسائل ج 18 ص 253 كتاب القضاء في الباب 23 من أبواب الشهادات ح 1.

[3] كقوله- عليه السّلام- في رواية أحمد بن محمّد بن أبى نصر في حديث «يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين» الوسائل ج 15 ص 282 كتاب الطلاق في ب الباب 10 من أبواب الطلاق ح 4.

[4] و هي روايات كثيرة ذكرت أكثرها في كتاب الشهادات، و بعضها في كتاب الصلاة في

______________________________
(4) الطلاق- 2.

(5) المائدة- 15.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 172‌

..........

______________________________
و الصالح، و المستور، و العفيف و من تثق بدينه، و من ليس بينه و بين اللّه طلبة، الى غير ذلك من العناوين المنتزعة من فعل الواجبات، و ترك المحرمات إذا كان بداعي الخوف منه تعالى، و بمقتضي الالتزام بالدين مع وجود المقتضي للعصيان من القوى و المشتهيات النفسانية، فان «الصائن» عن المعصية ليس إلا من تركها اختيارا بداعي الخوف مع وجود المقتضى النفساني لفعلها، فالصيانة عن المعصية تساوق مفهوم العدالة- التي هي بمعني الاستقامة العملية على جادة الشرع- و كذلك بقية العناوين المذكورة، فإن «الخيّر» من كانت أعماله خيرا مطابقا للشرع و العقل، و «المأمون» من أمن الناس من شره، و «المرضى» من كانت أعماله مرضية اللّه تعالى، و «الصالح» من صلحت أعماله، و ليس شي‌ء من هذه العناوين صفة نفسانية. بل «الستر و العفاف» لغة أيضا من عناوين الفعل، لا من صفات النفس، و كونهما من الفضائل النفسانية اصطلاح لعلماء الأخلاق لا وجه لحمل الروايات عليه و (الستر) لغة بمعنى تغطية الشي‌ء، و الستر من اللّه اتقاء الذنوب، و من الناس ستر الذنوب عنهم. و (العفة) بمعني الكف و الامتناع عما لا يحل أو لا يجمل، فالممتنع عن ذلك هو الضعيف، و في الدعاء (اللّهم حصّن فرجي و أعفه) أي‌

______________________________
شروط إمام الجماعة من كتاب الوسائل. (منها) رواية أبي بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال لا بأس بشهادة الضّيف إذا كان عفيفا صائنا.» الوسائل ج 18 ص 291 في الباب 41 من الشهادات ح 10.

(و منها) رواية عمار بن مروان عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يشهد لابنه، و الابن لأبيه، و الرجل لأمرته، لا بأس بذلك إذا كان خيرا. الحديث».

الوسائل ج 18 ص 291 في الباب 41 من الشهادات ح 9.

(و منها) رواية أبي زياد السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السّلام) «إن شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيّا و معه شاهد آخر». الوسائل في الباب المتقدم ح 19.

(و منها) رواية العلاء بن سيّابة عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ أبا جعفر (عليه السّلام) قال:

لا تقبل شهادة سابق الحاج. إلى أن قال: قلت: فالمكاري و الجمّال و الملّاح؟ فقال: و ما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء» الوسائل ج 18 ص 28 في الباب 34 من الشهادات ح 1.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 173‌

..........

______________________________
صنه، و احفظه، و امنعه عن الحرام، و في الخبر «أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن، و فرج».

و لو سلّم: أن مفهوم «العفاف، و الصون، و الكف) و نحوها مفاهيم وجوديّة لا مجرد ترك المعاصي بداعي النهي اختيارا، إذ هي عناوين توليدية من اختيار الترك على الفعل، أو بالعكس، فتكون مقدمة رتبة على نفس الترك أو الفعل- فلم يضر بالمقصود، لأن ذلك لا يخرجها عن كونها أفعالا للنفس، و أما أنها من صفاتها و ملكاتها فلا، و لا مجال لاحتمال أن تكون العدالة الشرعيّة شيئا وراء هذه الأمور المعبّر عنها بالملكة، كي تقيد إطلاق هذه الروايات بما دل على اعتبارها، لعدم وجود ما يقتضي التقييد.

الطائفة الثالثة: الروايات الواردة لبيان طريق معرفة العدالة، و هي الروايات الدالة على أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة الواقعية، إذ مفادها أن الاستقامة الواقعية في الدين تعرف بالاستقامة الظاهرية. بأن يكون ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا، و يكون مواظبا على الطاعات في الجملة، كحضور الجماعة و نحوها، من غيران يشاهد منه ذنب، أو يشهد بذلك شاهدان، أو كان بحيث لو سئل أهل محلته عن حاله قالوا لا نعلم منه إلا خيرا، كما ورد بذلك كله روايات كثيرة، و يغنينا عن ذكرها على وجه التفضيل أجمع رواية في هذا الباب، و أصحها سندا.

و هي صحيحة ابن أبي يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السّلام- بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال أن تعرفوه بالستر و العفاف، و كف البطن، و الفرج، و اليد، و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمور، و الزنا، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و غير ذلك- و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته، و عيوبه‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 174‌

..........

______________________________
و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته، و إظهار عدالته في الناس.

الحديث» «1» و قد اشتمل صدر الصحيحة على جملات ثلاث الأولى قوله- عليه السّلام-: «ان يعرفوه بالستر و العفاف.» الثانية قوله- عليه السّلام-:

«و يعرف باجتناب الكبائر.» الثالثة قوله- عليه السّلام-: «و الدلالة على ذلك كله.».

لا كلام في أن المراد من الجملة الثالثة هو بيان الطريق لإثبات العدالة بحسن الظاهر، لأن المراد من ستر العيوب سترها عن الناس، حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك، لحرمة التجسس عن حال من يتستر بعيوبه، و معاصيه، مضافا إلى صراحة قوله- عليه السّلام- «و الدلالة» في ذلك للزوم المغايرة بين الدال و المدلول فمحصل المراد: ان من حسن ظاهره ثبتت عدالته، و وجبت تزكيته و إظهار عدالته للناس.

و إنّما الكلام في أن الجملة الأولى هل هي لبيان حقيقة العدالة، أو لبيان الطريق الى معرفتها؟ حملها شيخنا العلامة الأنصاري (قده) في رسالة العدالة: على بيان حقيقة العدالة، و ماهيتها، لا الطريق إليها بحمل المعرف فيها على المعرف المنطقي لا الأصولي.

و حاصل ما ذكره في تقريب ذلك: هو ان الستر، و العفاف، و الكف قد وقع مجموعها المشتمل على الصفة النفسانية- و هي الستر و العفاف- معرفا للعدالة، فلا يجوز ان يكون أخص منها، بل لا بد من مساواته لها، و لا يمكن أن تكون الصفة النفسانية طريقا إلى معرفة العدالة، إذ لو كانت طريقا إليها كانت العدالة نفس اجتناب الكبائر المسبب عنها، و طريقيتها إليها‌

______________________________
(1) الوسائل ج 18. ص 288 في الباب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 175‌

..........

______________________________
أمر واضح لا يحتاج إلى السؤال، مضافا الى لغويتها بملاحظة قوله- عليه السّلام- فيما بعد: «و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا.» فإنه على ما ذكر يكون أمارة على أمارة، فيكون الأمارة الأولى- أي الملكة- خالية عن الفائدة، مستغنى عنها بذكر أمارتها، إذ لا حاجة الى ذكر أمارة تذكر لها أمارة أخرى ثم جعل (قده) الجملة الثانية متمما للمعرف الأول، و جعلها من قبيل التخصيص بعد التعميم، و التقييد بعد الإطلاق تنبيها على ان ترك مطلق المعاصي غير معتبر في العدالة، إذ مقتضى إطلاق قوله- عليه السّلام- «كف البطن. إلخ» هو الكف عن مطلق المعاصي الراجعة إلى الجوارح المذكورة كبيرة كانت أو صغيرة.

و فيه: أولا ان الستر و العفاف ليسا من الصفات النفسانية لغة و عرفا- كما عرفت- و إنّما عدا من الفضائل النفسانية في علم الأخلاق فقط بل هما لغة من الأفعال- كما تقدم-، فالمراد من الستر ستر الذنوب منه تعالى- بمعنى عدم ارتكابها- بقرينة الذيل المراد به الستر من الناس، كما ان المراد من العفاف حفظ النفس عن المعاصي فيكون عطف الكف عليها من قبيل عطف التفسير، و على هذا لا وجه لما ذكره (قده) من اشتمال الجملة الأولى على الصفة النفسانية.

و ثانيا: ان الحمل على المعرف المنطقي خلاف ظاهر السؤال، و الخروج عن ظهوره بظهور الجواب في المعرف المنطقي غير صحيح- كما ذكرنا.

و ثالثا: انه لا بد في معرف الشي‌ء من صحة حمله عليه، و في الصحيحة الشريفة لم تجعل نفس الأمور المذكورة- اي الستر و العفاف و الكف- معرفا كي تحمل على العدالة حمل المعرّف على المعرّف، و إنّما جعل- عليه السّلام- معرفها معروفية الرجل بهذه الأمور. و لا يصح حملها على العدالة بأن يقال: «العدالة معروفيّة الرجل بالستر و العفاف». و لا مجال لاحتمال‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 176‌

..........

______________________________
ان يكون قوله- عليه السّلام- «ان تعرفوه إعادة لقول السائل- فكأنه قال السائل بما تعرف عدالة الرجل فقال- عليه السّلام-: «تعرف بكذا» كي يكون المعرّف في الحقيقة نفس هذه الأمور- لأن هذا الاحتمال لا يلائم إدخال (أن) المصدريّة على «تعرفوه» و لا تذكير الضمير الراجع إلى الرجل، إذ اللّازم على هذا أن يقول «تعرف» كي يرجع الضمير فيه إلى العدالة من دون إدخال (أن) المصدريّة فالجواب بقوله- عليه السّلام- «أن تعرفوه بالستر و العفاف. إلخ» ظاهر في إرادة المعروفية بهذه الأمور بمعنى الشياع عند الناس، فيدل على أن الشياع بها طريق لمعرفة العدالة تعبدا.

و من هنا يظهر ضعف ما ذكره بعض مشايخنا المحققين (قده) «1» من أنه تعريف باللّازم، فإنه (قده) تبع الشيخ الأنصاري في صرف الجواب إلى بيان تعريف العدالة تعريفا منطقيا، و ان خالفه في أن العدالة هي الملكة، إلا أنه مع ذلك حمل الرواية على التعريف باللّازم المساوي، إذا الاستقامة العملية في جادة الشرع تلازم الكف عن المعاصي، و الاجتناب عنها اختيارا، و جعل السر في التعريف باللازمين المذكورين- اي الكف عن المعاصي و الاجتناب عنها- أقربيتهما إلى الفهم عن نفس الملزوم غالبا، فهما معرفان منطقيان للعدالة و الجملة الثالثة معرف أصولي لها.

وجه الضعف: أن هذا إنّما يتم لو كان المعرّف نفس هذه الأمور لا معروفية الرجل بها، فلا مناص عن حمل الجواب على المعرّف الأصولي دون المنطقي، و بذلك يظهر أنه لا ينحصر منشأ ظهور الرواية في أنها ناظرة إلى المعرف الأصولي بظهور السؤال في ذلك حتى يقال بأنه لا ينافي جهل السائل بحقيقة العدالة فأجابه الإمام- عليه السّلام- أولا ببيان حقيقتها تفضلا، ثم ذكر‌

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 60- 61.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 177‌

..........

______________________________
له الطريق إلى معرفتها بقوله: و الدلالة على ذلك كله. إلخ».

فتحصل ان الجواب في نفسه ظاهر في بيان طريق معرفة العدالة، كما أن السؤال كان عنه.

فالصحيح أن يقال: إن الصحيحة ساكتة عن بيان حقيقة العدالة بنفسها، أو بلازمها، إذ غاية ما يدل عليه قوله- عليه السّلام-: «أن تعرفوه بالستر و العفاف. إلخ» هو أن اشتهار الشخص بهذه الأمور طريق إلى ثبوت العدالة تعبدا، و أما أن هذه الأمور هل هي نفس العدالة، أو أنّها لازمها، أو ملزومها فالجواب ساكت عن ذلك.

نعم لا ننكر دلالته على نحو ارتباط بينها، و بين العدالة، و أما أن كيفية الارتباط هل هي على نحو العينية و الاتحاد أو الملازمة، أو العلية و المعلوليّة فخارجة عن نطاقها، فلا بد في إثبات ذلك من دليل خارج، و أما الجملة الثانية فهي لبيان طريق معرفة الناس لاجتنابه القبائح، إذ معرفة الستر و العفاف و كف الجوارح عن جميع المعاصي لما كانت تحتاج إلى طول المعاشرة و المواظبة على جميع حالات الشخص سرا و علانية، و هذا أمر عسر، سهّل الإمام- عليه السّلام- ذلك بالاكتفاء بمعرفة اجتنابه الكبائر. [1]

ثمّ لما كان معرفة الاجتناب عنها واقعا أيضا لا تخلو عن عسر، سهّل الإمام- عليه السّلام- الأمر أكثر من ذلك، فجعل ستره لعيوب نفسه، و عدم‌

______________________________
[1] هذا بناء على رجوع الضمير في قوله «تعرف» إلى ما ذكر في الجملة الأولى من الستر و العفاف و الكف، و قراءة الرفع بكونه عطفا على الجملة الأولى برأسها، و يحتمل قريبا رجوع الضمير إلى الرجل، و قراءة النصب بعطفه على مدخول أن فيكون عطفا تفسيريا للجملة الاولى و وجه التكرار هو الإجمال بعد التفصيل، و الدلالة على كفاية الاشتهار باجتناب الكبائر في إحراز العدالة، و أنه لا يعتبر ترك مطلق المعصية في معرفتها و إحرازها، و هذا لا ينافي ترك مطلق المعصية في حقيقة العدالة. و هذا مبنى على قراءة «يعرف» بالياء كما في نسخ الوسائل.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 178‌

..........

______________________________
ارتكابه المعصية جهرا، و تعاهده الصلوات الخمس بحضور جماعة المسلمين في مصلاهم دليلا و أمارة على اجتناب الكبائر.

و حيث أن ظاهر الصحيحة بل صريحها أن تعاهد الجماعة انّما هو لإحراز أنه يصلي واقعا، و ليس في مقام الطغيان و التمرد على المولى تكون نتيجة الصحيحة أن الشارع المقدّس قد جعل كون الشخص مصليا، و تعاهده للصلوات الخمس في أي مكان من الأمكنة من المسجد أو غيره دليلا و أمارة على أنه عادل، إذا لم نره يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان بذلك، و يستفاد من الصحيحة أن حمل المسلم على الصحة لا يجري في الصلات فإذا لم نره أنه يصلي و لم تقم أمارة على ذلك لم نحكم بأنه من المصلّين و لا يمكننا ترتيب آثاره عليه.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أن النقائص، كما أنّها قاصرة عن الدّلالة على اعتبار الملكة في العدالة الشرعيّة، كذلك تكون قاصرة عن الدلالة على بيان حقيقتها رأسا. إذ هي ممتحضة في بيان الطريق إليها من الشياع و حسن الظاهر.

العدالة و المروّة هل يعتبر المروة في حقيقة العدالة الشرعيّة؟ لم يعتبرها المصنف (قده) في حقيقتها في المقام، إلا أنّه صرح باعتبارها فيها في (مسألة 12) من شرائط إمام الجماعة، و بذلك يقع التنافي بين الموردين، و هكذا الكلام بالنسبة إلى ارتكاب الصغائر، فإنه في المقام أطلق المحرمات و مقتضاه شمول الصغيرة، و في تلك المسألة ذكر أن المعتبر في العدالة عدم الإصرار عليها لا عدمها لا رأسا، و الصحيح هو ما ذكره هنا بالنسبة إلى كلا الأمرين فناسب المقام‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 179‌

..........

______________________________
أن نتكلم في هذين الأمرين.

فنقول فسر الفقهاء المروّة [1] بالتجنب عن الأمور الدنيّة، أو عما لا يليق بأمثاله من المباحات، أو عما يسقط العزّة عن القلوب، و يدل على عدم الحياء. و عدم المبالات بمحاسن الأخلاق و ذلك كالأكل في السوق لغير السوقي و كشف الرأس في المجالس، و مدّ الرجل بين الناس، و أمثال ذلك، حتى أن بعضهم عبّر عن العدالة بالاستحياء عن الخالق و المخلوق و الاستقامة على جادتي الشرع و العرف.

و نسب اعتبارها في حقيقة العدالة إلى المشهور ممن تأخر عن العلامة، و قد سبق في نقل الأقوال تقييد الملكة النفسانية بالبعث على ملازمة التقوى و المروة عن العلامة، و من تأخر عنه، و حكى عمن تقدم عليه عدم اعتبارها فيها.

و لا يخفى: أن القائلين باعتبارها يفرّقون بين التقوى، و المروّة بأن منافيات المروة إنّما توجب سلب العدالة فقط، و لا توجب الفسق بخلاف مخالفة التقوى، فإنّها تقتضي فسق المخالف ففاقد المروّة ليس بفاسق و لا عادل، و لا يترتب عليه آثار شي‌ء منهما.

ثمّ ان القائلين باعتبارها في العدالة لا يقولون بإخلال الصغيرة بها.

______________________________
[1] المروة أصله المروءة على «فعولة» قلبت الهمزة واوا فأد غمت فيها. و هي لغة بمعنى «الرجولية» أو كمالها كما عن جملة من اللغويين و ربما يقال انها بمعنى «الإنسانية» لأن مادتها «المرء» و هو بمعنى الإنسان يطلق على المذكر و المؤنث كالمراء و المراءة و فسّرت في الأخبار باستصلاح المال، و بإصلاح المعيشة، و بوضع الرجل خوانه بفناء داره، و بتلاوة القرآن، و عمارة المساجد، و اتخاذ الإخوان في الحضر، و بذل الزاد، و حسن الخلق، و المزاح بغير معاصي اللّه في السفر.

لا حظ كتاب البحار ج 16 باب معنى الفتوة و المروة ص 88 طبع الكمباني.

و هذه الأمور كلها محاسن أخلاقية لا تكون دخيلة في العدالة الشرعية، و لم يردها الفقهاء أيضا، و إنّما أرادوا المعنى الذي ذكر في المتن، و هو أيضا لا دليل عليه.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 180‌

..........

______________________________
مع عدم الإصرار، و الإنصاف أن عدم إخلال الحرام بها مع إخلال المباح بها أمر مستبعد في نفسه، هذا، مضافا إلى عدم الدليل على اعتبارها فيها، إذ عمدة ما استدل به قوله- عليه السّلام- في صحيحة ابن أبي يعفور «أن تعرفوه بالستر و العفاف و الكف إلى قوله- عليه السّلام
«1» و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه» بدعوى عموم المتعلق للعيوب الشرعية و العرفية.

و الجواب: أن صدور الكلام المزبور من الشارع يوجب صرفه الى ما يعدّ عيبا و نقصا في نظره، فالمراد العيوب الشرعيّة خاصة- أي المعصية- دون مطلق الصحيحة و هذا من دون فرق بين أن يكون المراد من الستر و العفاف الفعل الخارجي، أو الصفة النفسانية إذ المراد على الثاني ملكة الاجتناب عن خصوص المعصية لا مطلق العيب. فمقتضى إطلاق الصحيحة نفي اعتبار المروّة في العدالة لا اعتبارها. هذا مع قطع النظر عن توقف الاستدلال المذكور على أن تكون الصحيحة لبيان المعرف المنطقي للعدالة و قد عرفت فساده، و إنّها لبيان المعرف الأصولي. و عليه فاعتبار المروّة في طريق إحراز العدالة على تقدير تسليم العموم لا يلازم اعتبارها في حقيقتها، إذ غايتها الدلالة على أن مرتكب المنافي للمروة لا يحكم بعدالته، لا أنه ليس بعادل واقعا.

و أما الاستدلال عليه بأن عدم المبالات بعادات الناس كاشف عن عدم المبالات بالدين ففي غاية الضعف، إذ لا ملازمة بينهما أصلا.

فالصحيح أن يقال إن ارتكاب منافي المروة إن كان موجبا لهتك مرتكبه فهو محرم بالعنوان الثانوي، لحرمة هتك المؤمن سواء كان نفسه، أو‌

______________________________
(1) المتقدمة ص 173.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 181‌

..........

______________________________
غيره، فإنه بارتكابه هذا هاتك للمؤمن و ان لم يكن موجبا للهتك إلا أنه لم يكن مناسبا لمرتكبه عرفا فلا ينافي العدالة.

العدالة و الصغائر أشرنا إلى أن المصنف (قده) لم يفرق في المقام بين الصغيرة و الكبيرة في اعتبار عدمهما في حقيقة العدالة، و إن خالف ما هنا ما ذكره في شرائط إمام الجماعة، و لا يخفى: أن المعاصي كلها كبيرة في نفسها فإن مخالفة الخالق و معصيته كبيرة لا محالة، و مع ذلك فبعض المعاصي أكبر من الآخر، و بذلك تقسم المعصية إلى كبيرة و صغيرة، و بما أن الصحيح عدم الفرق بينهما في الإخلال بالعدالة فلا يهمّنا التعرض لتشخيص الكبائر عن غيرها.

فنقول: مقتضى المفهوم العرفي و اللغوي- الذي ذكرناه للعدالة- هو لزوم الاجتناب عن الصغيرة أيضا، فإن العدالة عند الإطلاق هي الاستقامة المطلقة في جادة الشّرع، و المعصية مطلقا انحراف عنها، و ما ذكرناه من عدم منافاة الكبيرة لها فضلا عن الصغيرة فإنّما هو في صورة التوبة و الندم، كما قيدناه بها. و بالجملة: مرتكب الحرام في حال ارتكابه يخرج عن العدالة سواء كان الحرام صغيرة أم كبيرة، و يعود إليها بالتوبة و الندم و لو كان ما ارتكبه كبيرة، إلا أنه مع ذلك اشتهر بينهم أن الصغائر لا تنافي العدالة.

و قد استدل عليه بوجوه:

(أحدها): [1] و هي عمدتها قوله- عليه السّلام- في صحيحة ابن أبي يعفور: «و يعرف بإجتناب الكبائر».

(و فيه): أنه مبني على ما استظهره الشيخ (قده) من أن الصحيحة‌

______________________________
[1] و هو ما يظهر من مطاوي كلمات شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة العدالة.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 182‌

..........

______________________________
لبيان المعرّف المنطقي فتكون حقيقة العدالة هي اجتناب الكبائر فقط، و أما على ما استظهرناه من أنها لبيان الإمارة على العدالة فلا دلالة لها على ذلك، إذ عليه تكون اجتناب الكبائر أمارة على العدالة الواقعية ما لم تحرز صدور الصغائر منه، فإن الأمارة إنّما تكون حجة ما لم يعلم الخلاف، فكأنه قيل يكفي في إحراز العدالة المطلقة اجتناب الكبائر، و لا حاجة إلى إحراز الاجتناب عن الصغائر، و هذا لا يدل على عدم إخلال الصغائر بحقيقتها.

(الوجه الثاني) [1] إن تكفير الصغائر باجتناب الكبائر- كما ورد في الكتاب و السنة- يقتضي دوران العدالة مدار خصوص اجتناب الكبائر، لأن فعل الصغيرة من المجتنب عن الكبائر لا يوجب بعدا عن المولى بعد تكفيرها، فهو أولى من التوبة في بقاء العدالة به، لأنها رفع، و هذا دفع، لأن العدالة تزول بالكبيرة و تعود بالتوبة، و لا تزول بالصغيرة.

(و فيه) أولا: أن تكفير الصغائر معلّق على اجتناب الكبائر على الإطلاق، فلو ارتكب كبيرة و لو في آخر عمره لم تغفر له الصغائر الصادرة طيلة حياته، و عليه فلا يمكن الحكم بعدالة من ارتكب الصغيرة، لاحتمال أنه لا يغفر له بارتكابه الكبيرة بعد ذلك.

(فان قيل): يمكن إحراز اجتنابه الكبائر بعد ذلك بالاستصحاب بناء على جريانه في الأمور المستقبلة- كما هو الصحيح.

(قلت): لو تم ذلك فإنّما يتم بالنسبة إلى المحرمات بناء على أن الاجتناب عنوان لنفس التروك، لا أنه أمر وجودي ملازم له، و أما في الواجبات فمقتضى الأصل عدم الإتيان بها فيما بعد، فلا يمكن ترتيب آثار العدالة على من يشك في تركه الواجب بعد ذلك.

______________________________
[1] و هو ما ذكره شيخنا المحقّق الأصفهاني في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 70- 71.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 183‌

..........

______________________________
و ثانيا: إن مجرد غفران الذنوب بغير التوبة تفضلا منه تعالى لا يوجب صدق العدالة، بخلاف التوبة، فإنّها كاشفة عن رسوخ الخوف في النفس المقتضي لترك المعصية، و من آثاره الندم عليها لو صدرت منه اتفاقا، لغلبة القوى النفسانية، و أما إذا كان المقتضي قاصرا من الأول بحيث لا يردعه عن ارتكاب بعض الذنوب، و اتفق أنه تعالى عفى عنها، فلا يصدق عليه العادل و ان لم يعاقب على ذنبه، لأن الانحراف مطلقا يضر بصدق الاستقامة المطلقة.

(و بعبارة أخرى) لا تدور العدالة و عدمها مدار عدم استحقاق العقوبة على الذنب و استحقاقها، كي يقال الصغائر بعد تكفيرها لا تضر بالعدالة، بل المدار على صدق الاستقامة المطلقة في جادة الشرع و عدم صدقها، و لو بالانحراف عنها بقليل.

(الوجه الثالث) «1» هو أنه بعد ما نفينا وجود حقيقة شرعية للعدالة فهي تكون كسائر الموضوعات التي تعلق بها حكم شرعي مما يتحمل المسامحات العرفية، كإطلاق الصاع من الحنطة على الحنطة المدفوعة فطرة المشتملة على شي‌ء يسير من تراب، أو تبن و نحوه ما يتسامح فيه، فحكمهم متبع في تشخيص موضوعات الأحكام، و ان كان مبنيا على هذا النحو من المساحات غير الموجبة لكون الإطلاق إطلاقا مجازيا، و العدالة من هذا القبيل لأن الذنوب التي ليست في أنظار أهل الشرع كبيرة قد يتسامحون في أمرها فكثيرا ما لا يلتفتون إلى حرمتها حال الارتكاب، أو يلتفتون إليها و لكن يكتفون في ارتكابها بأعذار عرفية مسامحة، كترك الأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، أو الخروج عن مجلس الغيبة، و نحوها، حياء، مع كونهم كارهين لذلك في نفوسهم، فالظاهر عدم كون مثل‌

______________________________
(1) ذكره المحقق الهمداني في كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 675.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 184‌

و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما أو ظنا (1).

______________________________
ذلك منافيا لاتصافه بالفعل عرفا بكونه من أهل الستر، و العفاف، و الخير، و الصلاح. و هذا بخلاف مثل الزّنا، و اللّواط، و شرب الخمر، و قتل النفس، و نظائرها مما يرونها كبيرة، فإنّها غير قابلة عندهم للمسامحة، فهذا هو الفارق بين الصغيرة و الكبيرة.

(و فيه): أن الأعذار العرفية إذا كانت بحيث تمنع عن صدق المعصية و مقبولة شرعا، فلا فرق بين الكبائر و الصغائر، و إن لم تكن بهذه المثابة فكيف لا يضر ارتكاب المعصية معها بصدق مفهوم العدالة بالمعنى الذي ذكرناه لها، فإن الاستقامة المطلقة لا يمكن صدقها مع الانحراف بالمعصية، و لو كان انحرافا يسيرا.

(و بعبارة واضحة) الانحراف اليسير ينافي الاستقامة المطلقة، و ان كان لا ينافي مطلق الاستقامة، و العدالة عند الإطلاق هو الأول، دون الثاني، و أما الغفلة عن الحرمة حال الارتكاب فهي عذر مطلقا، فلا تكون فارقة بين الصغيرة و الكبيرة. فالأقوى ان مطلق المعصية تنافي العدالة.

طرق ثبوت العدالة 1- حسن الظاهر

(1) سبق في نقل الأقوال أنه نسب إلى بعض الأصحاب القول بأن العدالة هي حسن الظاهر، بل نسب إلى آخرين القول بأنها مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق، و إن لم يكن ظاهره حسنا، و على تقدير صحة النسبة فلا دليل على ذلك، إذ عمدة ما يستدل به للقولين هي الأخبار.

و قد يتوهم الناظر أنها في مقام بيان حقيقة العدالة، و لكن دقيق النظر فيها يقضي بأنها لبيان الطريق إليها، فإن العدالة- التي هي عبارة عن‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 185‌

..........

______________________________
الاستقامة الواقعيّة في الدين، قولا، و فعلا، و اعتقادا- لما كانت من الأوصاف غير القابلة للعلم بها عادة، و تحتاج إلى معاشرة تامة في جميع الحالات و هذه لا تتفق لغالب الناس، بل لا يمكن تحصيل العلم بالعدالة الواقعيّة، إذ ربّ شخص في الظاهر في غاية التقوى و الصلاح، و هو في الباطن من أهل الشرك و النفاق، و هذا مما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، و إناطة الأحكام الكثيرة على إحراز العدالة الواقعية توجب تعطيلها- جعل في الشريعة السمحاء حسن الظاهر طريقا، و أمارة عليها، تسهيلا على المكلفين و إرفاقا بهم.

و يدل على ذلك جملة من الرّوايات.

(منها) قوله- عليه السّلام-: في صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة «1»:

«و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته، و إظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة، فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلوات، متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته، و عدالته بين المسلمين، و ذلك إن الصلاة ستر و كفارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه، و يتعاهد جماعة المسلمين. الحديث».

فان المستفاد من قوله- عليه السّلام- «و الدلالة على ذلك إلى قوله- عليه السّلام- و إظهار عدالته في الناس» أن من تستر بعيوبه الشرعيّة بين‌

______________________________
(1) ص 173.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 186‌

..........

______________________________
الناس يحكم بعدالته، و لو مع احتمال ارتكابه المعصية في الخلوة، بل المستفاد من قوله- عليه السّلام- «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إلى قوله فان ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين» أن من حضر جماعة المسلمين في أوقات الصلوات الخمس بحيث لم يكن له معاشرة مع الناس إلا بهذا المقدار يحكم بعدالته أيضا، و لو مع الجهل بأحواله في سائر أعماله، بحيث لو سئل عنه في قبيلته قالوا: ما رأينا منه إلا المواظبة على الصلوات، و التعاهد لأوقاتها، و هي المراد بالخير المذكور في قوله- عليه السّلام- «ما رأينا منه إلا خيرا».

فهذا المقدار يكفي في الحكم بعدالته، و لا يحتاج إلى المعاشرة معه في جميع الحالات، فان حضور الجماعة أمارة تعبّدية على كونه تاركا للمعصية، و عاملا بالطاعات، لقوله- عليه السّلام- «و ذلك ان الصلاة ستر و كفارة للذنوب».

نعم من كان مجهول الحال رأسا بحيث لا يحضر جماعة المسلمين، و لم يكن له معاشرة مع أحد لا طريق لنا إلى عدالته. بل أشرنا فيما تقدّم «1» إلى أن المستفاد من الصحيحة أن من لم يحضر جماعة المسلمين لا دليل على أنه يصلي، لقوله- عليه السّلام- «و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلّاه، و يتعاهد جماعة المسلمين، و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممن لا يصلّي.».

(و منها): صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزّنا فعدّل منهم اثنان، و لم يعدّل الآخران؟ فقال:

إذا كانوا من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا». «2»

______________________________
(1) ص 147.

(2) الوسائل ج 18 ص 293 كتاب الشهادة ب 41 ح 18.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 187‌

..........

______________________________
و المتحصل من مجموع الصحيحتين: هو أن من لم يظهر منه فسق و حضر جماعة المسلمين يحكم بعدالته، و لو جهل حاله في سائر أعماله. [1]

هل تعتبر المباشرة (ربما يتوهم): أن مجرد ذلك لا يكفي في الحكم بالعدالة، بل لا بد فيه من المعاشرة معه بمقدار لو كان فيه عيب ديني لظهر، و لا يكفي فيه المرّة و المرّات، بل لا بد من المصاحبة و المعاشرة معه بمقدار لو سئل المعاشرون له عن حاله صح لهم أن يقولوا: ما رأينا منه إلا خيرا، و ذلك لعدم صدق ستر الذنوب إلا في مورد كانت معرضا للظهور، و هذا لا يكون إلا بالمعاشرة، و لموثقة سماعة [2] عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته، و كملت مروّته، و ظهر عدله، و وجبت أخوته». «3»

بدعوى: أن مفهومها عدم ثبوت عدالة من لم يكن فيه الخصال‌

______________________________
[1] و نحوهما صحيحة عبد اللّه بن مغيرة قال: «قلت لأبي الحسن الرضا- عليه السّلام-:

رجل طلّق امرأته، و أشهد شاهدين ناصبيّين؟ قال: كل من ولد على الفطرة، و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».

في الباب المتقدم ح 5.

و موثقة أبي بصير عن أبى عبد اللّه- عليه السّلام- قال: لا بأس بشهادة الضعيف إذا كان عفيفا صائنا» في الباب المتقدم ح 10.

[2] و هي مروية عنه- عليه السّلام- بطرق عديدة منها ما عن الكافي بإسناده عن سماعة و كلهم ثقات، نعم فيهم عثمان بن عيسى، و الأظهر انه ثقة، كما ذكرنا في مباحث المياه في ذيل مسألة 2 من فصل الماء الراكد و في ج 18 من الوسائل ج 41 من أبواب الشهادات ح 15 روى هذا الحديث عن الخصال و العيون، و ما عن الخصال ضعيف بزيد بن محمّد، و عبد اللّه بن أحمد الطائي، و أبيه، و أما ما عن العيون فرواه الصدوق عن الرضا- عليه السّلام- بطرق ثلاثة كلها مجهولة.

______________________________
(3) الوسائل ج 8 ص 597 كتاب الحج ب 152 من أبواب العشرة ح 2.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 188‌

..........

______________________________
الثلاث المتوقفة على المعاشرة، و لو من باب السلب بانتفاء الموضوع.

و الجواب: أما عن عدم صدق الستر إلا بالمعاشرة فإنه يكفي في صدقه مجرد حضور جماعة المسلمين و عدم ظهور معصية منه، كما دل على ذلك صحيحة ابن أبي يعفور:

و أما عن المعارضة (فأولا) بأن الحكم في الموثقة ليس على نحو القضية الشرطية كي تقع المعارضة، فإن كلمة «من» فيها موصولة، فهي قضية حملية لا مفهوم لها، و غايتها الدلالة على ثبوت الحكم لموضوعه. و نتيجة الجمع بينها و بين الصحيحة أمارية كل من المعاشرة و حضور الجماعة على الوجه المذكور.

و (ثانيا): لو سلّم أنها شرطيّة فليس مفهوم الشرط فيها عدم المعاشرة رأسا، بل عدم كل من الظلم و الكذب و خلف الوعد في فرض المعاشرة، فالمفهوم إنّما هو بعد تحقق المقسم، لا السلب بانتفاء الموضوع.

(و ثالثا): لو سلّم ذلك أيضا فلا دلالة لها على الانحصار، لأن كلمة (من) في الجواب في قوله- عليه السّلام- «كان ممن» للتبعيض، فهي قرينة على عدم انحصار أمارة العدالة فيما ذكر في الموثقة فلا تنافي حجية أمارة أخرى في عرضها، و لأجل ذلك لا يحتمل اختصاص حرمة الغيبة بمن كان واجدا للصفات المذكورة في الموثقة.

(و رابعا): لو قطعنا النظر عن ذلك كله، و سلّمنا دلالتها على الانحصار كانت المعارضة بينهما بالعموم من وجه و لا بد من الجمع بينهما إما بالتقييد ب‍ (و) أو ب‍ (أو) و الثاني هو الأظهر كما حققناه في الأصول [1]

______________________________
[1] و مجمل الكلام في ذلك هو انه إذا كان حكم واحد مترتبا في دليلين على موضوعين كانت النسبة بينهما العموم من وجه فهو لا يخلو عن إحدى صور ثلاث:

(الاولى) أن تكون القضية في كل من الدليلين حملية لا مفهوم لها، كما إذا قال «يجب

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 189‌

..........

______________________________
و نتيجة الجمع أيضا ما ذكر من أمارية كل منهما.

بل لا بد من التقييد ب‍ (أو) لأن الصحيحة لا مفهوم لها بخلاف الموثقة، و لو سلّم عدم ترجيح التقييد بأحد الوجهين على الآخر كانت الموثقة مجملة من هذه الجهة، فلا بد من الأخذ بإطلاق الصحيحة لعدم إجمال فيها من حيث الدّلالة على الاكتفاء بما ذكر فيها من الأمارة على العدالة، فلا موجب لتقييدها بعد فرض العلم بتقييد الموثقة على كل تقدير، و نتيجة تعيّن التقييد في الموثقة ب‍ (أو) فينتج ذلك ثبوت العدالة بأحد الأمرين من المعاشرة، و حضور جماعة المسلمين مع عدم رؤية ذنب منه، فتدبر جيدا.

و يؤيّد ما ذكرنا من كفاية عدم ظهور الفسق في الحكم بالعدالة جملة من الروايات و ان كانت ضعاف.

______________________________
تقصير الصلاة عند خفاء الجدران» و قال في الدليل الثاني «يجب التقصير عند خفاء الأذان» و فيها لا معارضة بين الدليلين، و تكون النتيجة ان كلا من خفاء الجدران و خفاء الأذان سبب مستقل لوجوب القصر.

(الثانية) أن تكون القضية فيهما شرطية بحيث تقع المعارضة بين مفهوم كل منهما و منطوق الآخر، كما إذا قال في المثال «إذا خفي الأذان فقصر، و إذا خفي الجدران فقصر» و بما ان النسبة بين منطوق كل من الدليلين و مفهوم الآخر نسبة الخاص إلى العام فلا بد من رفع اليد عن عموم المفهوم، و مرجع ذلك الى الجمع بين الدليلين بتقييد إطلاق منطوق كل منهما بالآخر بالعطف ب‍ (أو) إن المفهوم من توابع المنطوق. و التقييد ب‍ (الواو) و ان كان رافعا للتنافي لكنه بلا موجب، لأن المعارضة انما هي بين منطوق كل منهما و مفهوم الآخر لا بين المنطوقين، و يتقدم المنطوق على المفهوم تقدم الخاص على العام، و تكون النتيجة هو العطف ب‍ (أو).

(الثالثة) أن تكون القضية في أحد الدليلين شرطية، و في الآخر حملية، كما إذا قال في المثال «إذا خفي الأذان فقصر، و يجب تقصير الصلاة عند خفاء الجدران» و فيها تقع المعارضة بين منطوق الحملية و مفهوم الشرطية، و تكون النسبة نسبة الخاص الى العام، فيقدم المنطوق، و مرجعه أيضا الى التقييد ب‍ (أو) لما ذكرناه في الصورة الثانية. و مقامنا من قبيل الصورة الثالثة، لأن الصحيحة لا مفهوم لها بخلاف الموثقة بعد الغض عن الإشكالات المتقدمة.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 190‌

..........

______________________________
(منها) قوله- عليه السّلام- في رواية علقمة «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا.». [1]

(و منها) قوله- عليه السّلام- في مرسلة يونس: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و الأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته، و لا يسئل عن باطنه». «2»

نعم: لا بعد من حضوره جماعة المسلمين، كي نعرف منه المواظبة على الطاعات، و يخرج عن كونه مجهول الحال، لدلالة صحيحة ابن أبي يعفور على ذلك- كما عرفت- و بذلك يجمع بين ما تقدم من الروايات، و بين ما دل على اعتبار معروفيته بالخير و الصلاح في قبول شهادته، كصحيحة عبد اللّه بن مغيرة لقوله- عليه السّلام- فيها «كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته». «3»

و حسنة البزنطي لقوله- عليه السّلام- فيها «من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير». «4»

فإن الصحيحة قد طبقت الخير و الصلاح على حضور الجماعة، و دلت على الاكتفاء بها، فلا دليل على اعتبار أزيد من ذلك.

______________________________
[1] الوسائل ج 18 ص 292 كتاب الشهادة ب 41 ح 13 ضعيفة بصالح بن عقبة، و علقمة.

______________________________
(2) في الباب المتقدم ح 3- ضعيفة بالإرسال.

و نحوهما رواية إبراهيم بن زياد الكرخي (في الباب المتقدم ح 12).

(3) الوسائل ج 18 ص 290 كتاب الشهادات ب 41 ح 5.

(4) الوسائل ج 7 ص 282 كتاب الطلاق ب 10 من أبواب مقدماته و شروطه.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 191‌

..........

______________________________
حسن الظاهر أمارة تعبديّة ثم إن حسن الظاهر- على ما ذكرنا- أمارة تعبدية على العدالة الواقعيّة و مقتضى إطلاق ما دل على أماريته عدم اعتبار الظن بحسن الباطن، بل مقتضاه عدم قدح الظن بالخلاف في أماريته، كما هو الحال في جميع الأمارات التعبديّة، و يؤيّده ذلك في خصوص المقام قوله- عليه السّلام- في مرسلة يونس المتقدمة «1»: «و لا يسأل عن باطنه» لدلالته على عدم الاعتبار بالباطن رأسا، بل صريح قوله- عليه السّلام- في صحيحة ابن أبي يعفور «حتى يحرم على المسلمين التفتيش عما وراء ذلك من عثراته و عيوبه» حرمة التجسس عن الباطن. و من الظاهر أن الظن بحسن الباطن يتوقف على تتبع زلاته و الفحص عن إسراره في الجملة.

و ذهب شيخنا الأنصاري (قده) إلى لزوم تقييد هذه الإطلاقات بما دل على اعتبار الوثوق بالعدالة كقوله- عليه السّلام- في مرسلة يونس: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته.» بدعوى ان المراد يكون ظاهره موجبا للوثوق بباطنه، لعدم حصول الأمن إلا بذلك، و كقوله- عليه السّلام- في رواية علي بن راشد: «لا تصل إلا خلف من تثق بدينه». «2»

و في رواية الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد: زيادة و أمانته.

(و لا يخفى) أنه لا يصلح شي‌ء من الروايتين لتقييد الإطلاقات المتقدمة. أما المرسلة: فمضافا إلى ضعفها بالإرسال [1] لا دلالة لها على لزوم‌

______________________________
[1] و الاعتذار عن إرسالها بكون المرسل من أصحاب الإجماع، و برواية المشايخ الثلاثة (قدس سرهم) لها في كتبهم بأسانيد مختلفة، و فيهم جماعة من الأعاظم، و باعتماد المشهور عليها في بعض

______________________________
(1) في ص 190.

(2) الوسائل ج 3 ص 388 ب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 192‌

..........

______________________________
الأمن بالباطن لأن الموصوف بالأمن هو ظاهر الرجل دون باطنه فهي على عكس المطلوب أدل فالمراد أن يوثق بظاهره، و أنه لا يتجاهر بالفسق، لا أن يوثق بموافقة ظاهره باطنه، و أن حسن الظاهر مسبب عن الملكة.

و أما ما دل على اعتبار الوثوق بالعدالة فهو محكوم بما دل على أمارية حسن الظاهر، كسائر الطرق و الأمارات، لأن ظاهر ما دل على اعتبار الوثوق بها هو اعتباره على نحو الطريقية لا الموضوعية، و إلا لزم تقييد حجية البينة على العدالة و استصحابها بالدليل المذكور أيضا، مع أنه لا يلتزم هو و لا غيره بذلك.

و لو سلم اعتباره قيدا للموضوع فهو لا يصلح لتقييد حجية الأمارة، لأن غايته أخذه في الموضوع على وجه الطريقية لا أنه صفة خاصة، و إلا لم يكن العلم بالعدالة كافية في ترتب آثارها، و قد حققنا في محله قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقية، هذا كله مع اختصاص رواياته بإمام الجماعة فلا تشمل غيره.

و أما ما ذكره المصنف (قده) من التقييد بالظن فليس له وجه عدا ما قيل من انصراف الرّوايات إلى الغالب من حصول الظن بالعدالة من حسن الظاهر، و ضعفه ظاهر.

______________________________
مضمونها غير مجد، لأن المشايخ و غيرهم من الأعاظم و إن كانوا من أصحاب الإجماع إلا أنهم قد يروون عن الضعاف، و إلا لزم تصحيح جميع ما يروونه في الكتب الأربعة، و من المحتمل أن تكون الواسطة في المرسلة من الضّعاف. نعم حكى بعضهم عن العلامة المحقق شيخ الشريعة الأصفهاني أنه ذكر في مجلس درسه «ان يونس إنّما يروى عن ستين رجلا كلهم ثقات» و لكن الناظر في الرواة إلى يونس يجد أن بعضهم ضعاف، فالرواية ضعيفة و عمل الأصحاب لا يجيرها.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 193‌

و تثبت بشهادة العدلين (1). [1]

______________________________
2- شهادة العدلين

(1) ثبوت العدالة بشهادة العدلين لا دليل عليه بالخصوص، عدا روايات ضعيفة السند أو الدلالة كما سيأتي، نعم سبق «2» ان عموم بناء العقلاء الممضى شرعا هو الدليل العام على حجيّة البيّنة في مطلق الموضوعات، و إلا فإثبات العموم بالإضافة إلى غير مورد الحكومات مشكل جدا، فإن الاستدلال له برواية مسعدة بن صدقة، و رواية عبد اللّه بن سليمان الواردة في الجبن «3» و بالأولوية القطعية من حجيّتها في باب الخصومات، و بالاستقراء القطعي، و بنفي الخلاف، أو دعوى الإجماع كلها وجوه لا تخلو عن المناقشة. و سيأتي ذكرها عند البحث عن طرق ثبوت النجاسة.

و قد استدل شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة العدالة لثبوت العدالة بالشهادة بروايات خاصة أشرنا إليها آنفا.

(منها): ما ورد من فعل النبي- صلّى اللّه عليه و آله- حيث كان يبعث رجلين من أصحابه لتزكية الشهود المجهولين فيعمل بقولهما جرحا و تعديلا. [2]

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنّف «قده»: «بشهادة العدلين» (تقدم أنه لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل واحد، بل بمطلق الثقة، و إن لم يكن عدلا).

[2] إشارة إلى ما روى عن الإمام العسكري- عليه السّلام- في التفسير المنسوب إليه، عن آبائه عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- قال: كان رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدعى. أ لك حجة؟ فان أقام بينة يرضاها و يعرفها أنفذ الحكم على المدعى عليه.

إلى أن قال: و إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لا شر قال للشهود: أين قبائلكما فيصفان، أين

______________________________
(2) ص 140.

(3) تقدم الاولى في تعليقة ص 141، و الإشارة إلى الثانية في تعليقة ص 139.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 194‌

..........

______________________________
(و فيه): أنها واردة في الحكومة، و قد ذكرنا أنها خارجة عن محل الكلام، بل هي على عكس المطلوب أدل، كما لا يخفى على من راجعها. على أنها ضعيفة السند لأنها مروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري- عليه السّلام.

(و منها): ما دل على قبول شهادة القابلة إذا سئل عنها فعدلت.

و هي رواية جابر عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: «شهادة القابلة جائزة على أنه استهلّ أو برز ميّتا إذا سئل عنها فعدّلت». «1»

و لعل وجه الاستدلال بها هو أن القدر المتيقن منها التعديل بالبينة.

(و فيه): أن الرواية لمّا كانت مجملة فالقدر المتيقن هو التعديل بما يفيد العلم أو الاطمئنان- كالشياع المفيد لذلك، أو إخبار من يفيد قوله الاطمئنان و لو بمعونة القرائن الخارجية- لأن الحمل عليه أولى من الحمل على البيّنة غير المفيدة لذلك، فلا بد في حملها على إرادة البيّنة من دليل خارج يدل‌

______________________________
منزلكما فيصفان، ثم يقيم الخصوم و الشهود بين يديه، ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدعى و المدعى عليه و الشهود، و يصف ما شهدوا به، ثم يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار، ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه، ثمّ يقول: ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما و أسواقهما و محالهما، و الربض الذي ينزلانه فيسأل عنهما، فيذهبان و يسألان، فإن أتوا خيرا و ذكروا فضلا رجعوا إلى رسول اللّه فأخبراه، أحضر القوم الذي أثنوا عليهما و أحضر الشهود، فقام للقوم المثنين عليهما: هذا فلان بن فلان، و هذا فلان بن فلان، أ تعرفونهما؟ فيقولون نعم فيقول إن فلانا و فلانا جاآنى عنكم فيما بيننا بجميل و ذكر صالح فان قالوا نعم قضى حينئذ بشهادتهما على المدعى عليه.

الحديث. (الوسائل كتاب القضاء ب 6 من أبواب كيفية الحكم ح 1).

و لا يخفى أن إحضار القوم المثنين على الشاهدين و سؤالهم عن حالهما مع أن الرجلين المبعوثين إليهم جاآه بالخير يدل على عدم عمل النبي- صلّى اللّه عليه و آله- بقولهما في التعديل فالرواية على عكس المطلوب أدل.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 266 في الباب 24 من أبواب الشهادات ح 38.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 195‌

..........

______________________________
على حجيتها. هذا مضافا الى ضعف سندها. [1]

(و منها): فحوى ما دلّ على اعتبار البيّنة في الجرح، كرواية علقمة المتقدّمة «2» و يمكن تقريب الأولويّة بوجهين:

(أحدهما) أن الفسق أمر وجودي، و العدالة أمر عدمي، فإذا كانت البينة حجة لإثبات أمر وجودي على خلاف الأصل كانت حجة لإثبات أمر عدمي موافق للأصل بطريق أولى.

(و الجواب) عن ذلك أولا: أن الفسق يتحقق بفعل الحرام، أو بترك الواجب كما أن العدالة يعتبر فيها ترك الحرام و فعل الواجب، فليس الفسق أمرا وجوديا، و لا العدالة أمرا عدميا.

و ثانيا: إن الاطلاع على الفسق يمكن حصوله غالبا بأدنى معاشرة بل اتفاقا، فإنّه يتحقق بترك أي واجب أن فعل أي حرام، و هذا بخلاف العدالة، فإن ثبوتها يتوقف على المعاشرة أو ما في حكمها. فثبوت الفسق بالبينة لا يلازم ثبوت العدالة بها، فكيف بالأولوية؟

(ثانيهما) أن ثبوت العدالة بشهادة العدلين بها أولى من ثبوتها بعدم شهادتهما بالفسق. و قد دلت الرواية على ثبوتها بالثاني.

(و الجواب) عن ذلك: أن ثبوتها بعدم الشهادة إنّما هو بضميمة أمر آخر من حسن الظاهر، أو حضور جماعة المسلمين على ما عرفت، و إلا فكيف يحكم بعدالة مجهول الحال بمجرد عدم قيام البيّنة على فسقه؟ بل المقتضى لثبوتها أمر آخر، و اعتبار عدم الشهادة بالفسق في ثبوتها من قبيل اعتبار عدم المانع. [2]

______________________________
[1] بعمرو بن شمر.

[2] و لا فرق فيما ذكر بين أن يكون العطف بين الجملتين في قوله- عليه السّلام-: «فمن لم

______________________________
(2) ص 190.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 196‌

..........

______________________________
و توهم الاستدلال بالرواية بضميمة عدم الفصل بين الفسق و العدالة واضح الدفع، لعدم ثبوت إجماع تعبدي على ذلك.

و مثله في الضعف الاستدلال بقوله- عليه السّلام- في صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة «1» «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا» بضميمة الإجماع على عدم اعتبار أكثر من البيّنة، وجه الضعف أن الإجماع المذكور فرع حجية البيّنة على العدالة و مع عدم ثبوت حجيّتها كيف يمكن تحصيل إجماع تعبدي؟ فمن المحتمل اعتبار بلوغ عدد المسئولين إلى حد الشياع، كما هو ظاهر السؤال من القبيلة و المحلة.

فالمتحصل أنه لا يمكن الاعتماد على شي‌ء من الروايات الخاصة في المقام، فالمرجع هو الدليل العام المتقدّم.

بقي أمران:

البيّنة أمارة تعبديّة (الأول) لا فرق في حجية البيّنة عند العقلاء بين حصول الظن بالوفاق و عدمه، بل لا يعتبر فيها عدم الظن بالخلاف من دون فرق في ذلك بين احتمال تعمد الكذب أو الخطأ، كما استقر بناؤهم على ذلك في العمل بظواهر الألفاظ، و حملها على إرادة الظواهر بنحو الجد، حفظا لنظام معيشتهم‌

______________________________
تره بعينك.» ب‍ (و) كما في رسالة شيخنا الأنصاري (قده) أو ب‍ (أو) كما في نسخ الوسائل، و أمالي الصدوق- ص 61 طبع قم- إذ على كلا التقديرين يكون المراد من العطف الجمع بين عدم رؤية الذنب، و عدم شهادة العدلين بالفسق في ثبوت العدالة، فيكون بمعنى الواو، فإنه لا يحتمل أن يكون انتفاء أحدهما دون الآخر كافيا في ثبوت العدالة، و معه لا حاجة إلى حمل الجملة الأولى على صورة المعاشرة معه، و الجملة الثانية على صورة معاشرة الغير ممن يعتبر قوله في الشهادة كما صنعه شيخنا المحقق الأصفهاني (قده) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 90.

______________________________
(1) ص 173.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 197‌

..........

______________________________
في مختلف النواحي، كامتثال العبيد لأوامر مواليهم، و إثبات الحقوق بالأقارير و البيّنات و غير ذلك، فإن إناطة الحجية في ذلك كله بحصول الظن الشخصي بالوفاق، أو بعدم الظن بالخلاف تستلزم اختلال النظام، إذ لا ضابطة له لاختلاف الأشخاص في حصول الظن لهم و عدمه اختلافا كثيرا، و لم يرد من الشرع ردع عن هذا البناء، و مع هذا لا حاجة إلى التمسّك بالإطلاقات كي يناقش في ثبوتها في المقام.

عدم الفرق بين الشهادة القوليّة و الفعليّة الأمر الثاني: لا فرق بين الشهادة القولية و الفعلية بأن يصدر من العدلين عمل يدل و يشهد على عدالته كأن يصليا خلف رجل مع إحراز أنّ وجه العمل ليس إلا اعتقادهما بعدالته، دون أي داع آخر كالضرورة و نحوها، فإن سيرة العقلاء قد استقرّت على العمل بالشهادة الفعليّة، كما استقرّت على العمل بالشهادة القولية، فكما أنّ قول الشاهد «زيد عادل» يكشف عن اعتقاده بعدالته، كذلك اقتداؤه به في الصلاة. و هذا نظير من يريد أن يدل السائل على الطريق، فإنه قد يدلّه باللفظ و الكلام، و قد يرشده بحركة يد و نحوها.

و استدلّ شيخنا الأنصاري (قده) له في رسالة العدالة بعموم ما دل على وجوب تصديق العادل من الأدلة الشرعية، و أورد عليه بعض مشايخنا المحققين (قده) «1» بما حاصله: أن مجرد اتصاف الفعل بالصدق و الكذب لا يجدي ما لم يصدق الخبر و النبأ على فعله كقوله، و دعوى العموم لا يلائم مع اعترافه (قده) بانصرافه أدلة وجوب تصديق العادل إلى القول، هذا مع أن الحكاية بالفعل لا تكشف إلا عن اعتقادهما بعدالة الإمام، فإن عدالتهما‌

______________________________
(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 94- 97.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 198‌

و بالشياع المفيد للعلم (1).

______________________________
لا يقتضي أزيد من ذلك، فلا يكون الفعل دالا على أمر ذي أثر بحسب المورد.

لأن جواز الاقتداء و أشباهه مرتب على العدالة الواقعية، لا على اعتقاد المخبر بها. و هذا بخلاف القول، فإنه دال على العدالة الواقعية و لو بالالتزام كما لو صرح. و قال: أعتقد عدالة زيد، لأن الاعتقاد طريق بل شهادة بلازمه. انتهى ملخصا.

و الصحيح أن يقال: إنّ العدلين إذا قصدا بفعلهما الحكاية عن عدالة الإمام فلا ينبغي الإشكال في صدق النبإ و الخبر على فعلهما هذا، كما يصدق على قولهما، فيشمله أدلة تصديق العادل إلا أنّ مقتضى ذلك كفاية اقتداء العدل الواحد، بل الثقة، لما ذكرناه في محله من أن الأدلة اللفظية كآية النبإ لو تمت فإنّما تدلّ على حجية خبر الثقة و لا يشترط فيه العدالة، و أما إذا لم يقصدا بفعلهما الحكاية عن عدالة الإمام فلا نحتاج في حجيّته الى التمسّك بإطلاق ما دل على وجوب تصديق العادل، إذ يكفينا بناء العقلاء على ثبوت العدالة بذلك و ترتيب آثار الواقع، إذ لا يعتبر عندهم قصد الحكاية في حجيّة الدلالات، سواء أ كان الدال لفظا أم غيره نظير ما ذكرناه في الدلالة الالتزامية فإنها حجة سواء أ كان المتكلّم ملتفتا إلى الملازمة أم لا. هذا و لكن مقتضاه أيضا الاكتفاء بفعل العدل الواحد بل الثقة فلا خصوصية للبينة بما هي بينة إلا أنها تشتمل على الحجة و زيادة، فلا إشكال في ثبوت العدالة بها لفظية كانت أم فعلية.

3- الشّياع

(1) لا إشكال في ثبوت العدالة بالعلم سواء أحصل من الشياع أم من حسن الظاهر أم من غيرهما. و إنّما الكلام في ثبوت العدالة بالشياع‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 199‌

..........

______________________________
الظني. و يمكن الاستدلال له بقوله- عليه السّلام- في صحيحة ابن أبي يعفور في جواب السائل عن طريق معرفة العدالة: «أن تعرفوه بالستر و العفاف.»‌

إلخ «1» لدلالته على أن معروفية الشخص عند الناس بهذه الأمور أمارة على عدالته، و هي معنى الشياع عندهم، كما عرفت ذلك في ذيل تفسير الصحيحة، و أنّ الصحيح حملها على بيان المعرف الأصولي للعدالة، و مقتضي إطلاقها عدم اعتبار العلم بل و لا الظن بالعدالة من تحقق الشياع فهو كسائر الأمارات التعبدية. هذا، و لكن لا دلالة لهذا الكلام إلا على حجيّة شيوع معرفة الناس له بالعدالة، لا شيوع الخبر عنها الذي هو المراد بالشياع، إذ الشياع إخبار جماعة يفيد قولهم الظن بالعدالة نوعا فكأنه- عليه السّلام- قال: إذا شاع اعتقاد الناس بعدالته كفى ذلك في إحرازها، و هذا غير إشاعة الخبر عن عدالته بين الناس.

اللهم إلا أن يقال: إنّ معروفية الشخص عند الناس بالعدالة لا تنفك غالبا عن معروفية الخبر عنها عندهم، إذ لا طريق لنا إلى معرفة الناس بشي‌ء و اعتقادهم به إلا إخبارهم عنه الدّال بالالتزام على اعتقادهم به، فأخبار جماعة عن عدالة شخص يكشف عن اعتقادهم بها كشفا نوعيا، فيكون عدالته معروفا بينهم بذاك المعنى المراد.

و يمكن الاستدلال له أيضا بقوله- عليه السّلام- في ذيل الصحيحة «2»: «فإذا سئل عنه أهل محلّته و قبيلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا.» لدلالته على حجيّة جوابهم- و إن لم يفد العلم- إذا سألوا عن حال الرجل و أخبروا عنه بأنّهم لم يروا منه إلا الخير و المواظبة على الصلوات‌

______________________________
(1) تقدمت ص 173.

(2) تقدم ص 185.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 200‌

..........

______________________________
و التعاهد لأوقاتها- التي هي عبارة عن حسن الظاهر الكاشف عن العدالة الواقعية تعبدا- لأن ظاهر هذه الجملة إنها لبيان الأمارة على حسن الظاهر، إذ هي جملة مترتبة على الشرط أعني قوله- عليه السّلام-: «فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس» و يكون جواب الشرط قوله- عليه السّلام- بعد ذلك: «فان ذلك يجيز شهادته و عدالته.».
«1»

و قد ذكرنا أن المستفاد من الصحيحة ثبوت العدالة بحضور جماعة المسلمين مع عدم رؤية ذنب منه، فإذا كان مجهولا عندنا و سألنا أهل محلّته عن حاله، و قالوا لم نر منه شيئا إلا المواظبة على الصلوات كفى ذلك في ثبوت حسن ظاهره الكاشف عن العدالة الواقعية، و إن لم يحصل لنا العلم بها من إخبارهم. فتدبر.

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قده) استدل بروايات أخر على ثبوت العدالة بالشياع الظني عموما و خصوصا، و لا يخلو شي‌ء منها عن المناقشة في السند أو الدلالة لا نطيل الكلام بذكرها. و لا ينبغي التعرض للقول بحجيّة مطلق الظن لضعف مستنده بما لا يخفى، كما أنه لا ينبغي المناقشة في حجية الوثوق بالعدالة، لأنه حجة عقلائية.

و المتحصل من جميع ما ذكرناه في طرق ثبوت العدالة: أنها لا تنحصر في ثلاثة- العلم و البينة و الوثوق- كما قيل. بل تثبت بما ذكر، و بحسن الظاهر، و الشياع، و خبر العدل الواحد، و خبر الثقة تعبدا، و ان لم يحصل العلم أو الوثوق بشي‌ء من ذلك.

______________________________
(1) راجع الصحيحة في ص 173.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 201‌

[ (مسألة 24) إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط]

(مسألة 24) إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول إلى غيره (1).

______________________________
زوال الشرائط عن المجتهد

(1) نسب إلى المعروف: أنّ حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مخالفا أو مجنونا أو عاميا حكم موته في وجوب العدول عنه.

و استدل على ذلك شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة التقليد بإطلاق معاقد الإجماعات في اعتبار العلم و العدالة عند العمل من غير فرق بين الابتداء و الاستدامة، و حكى عن غير واحد من معاصريه القول بجواز البقاء في ذلك كله. و لا يخفى: أن تحصيل الإجماع التعبدي في أمثال المقام صعب جدا خصوصا مع وجود المخالف، فلا بد من الرجوع الى سائر الأدلة.

فنقول: فقد الشرائط يكون على نحوين.

(أحدهما): أن يكون موجبا لزوال الرأي الموجب لزوال العنوان، كزوال العقل، و قوة الاجتهاد، فإن المجنون و من زال عنه قوة الاجتهاد لطعن في السن كثيرا بحيث اختلّ فهمه لا يصدق عليه عنوان الفقيه.

و (ثانيهما): أن يكون موجبا لزوال الوصف مع بقاء الرأي كزوال الإيمان، و العدالة، و مقتضي الأصل العملي في كلا القسمين عدم الحجيّة، لاحتمال دخل الشروط المذكورة في صحة التقليد استدامة، كدخلها ابتداء.

و استصحاب حجية الرأي السابق و إن كان تاما في نفسه، إذ الموضوع فيه حدوث الرأي لا بقاءه كي يشكل فيه بعدم بقاء الموضوع إما بعدم بقاء الرأي في زمان الشك، كما في القسم الأول، و إما بعدم كونه رأي الفقيه العادل كما في القسم الثاني كما أوضحنا الكلام فيه في مسألة البقاء على‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 202‌

..........

______________________________
تقليد الميت
«1» إلا أنه يشكل بأنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية الذي لا نقول به.

نعم: مقتضى إطلاق الأدلة اللّفظية جواز البقاء حتى في القسم الأول، لأنها إنّما تدلّ على اعتبار الوصف حين الرجوع إلى المجتهد لا حين العمل بفتواه، فلا وجه لما ذكره بعض مشايخنا المحققين (قده) «2» من «إنّ ظاهر الأمر بتقليد الفقيه العادل مثلا- إن كان مسوقا لوجوب اتباع رأيه لا روايته- ثبوت الرأي المضاف إلى الفقيه العادل حال تعلق العمل أو الالتزام به، و إلا كان عملا بغير الرأي، أو برأي غير الفقيه، أو برأي الفقيه غير العادل».

و ذلك لأن المستفاد مما دل على وجوب الرجوع إلى الفقيه و السؤال من أهل الذكر هو لزوم صدق العنوان عليه حال تعلّم الأحكام منه لا حال العمل بفتواه. و من هنا قلنا بأنّ جواز البقاء على تقليد الميت هو مقتضى الأدلة اللفظية، و أنه لا نحتاج فيه إلى الاستصحاب فراجع.

و مع قطر النظر عن الإطلاقات يكفينا السيرة العقلائية على العمل بالرأي السابق، فإذا لا بد من ملاحظة الأدلّة المقيّدة الدالة على اعتبار الشرائط المذكورة من العقل و الاجتهاد و الإيمان و العدالة، فإن كان لها إطلاق يشمل صورة الاستدامة تكون مقيدة للإطلاقات و رادعة عن السيرة، إلا أن الشأن في إثبات الإطلاق لما دلّ على اعتبارها، فراجع ما تقدم من الاستدلال على الشروط المذكورة. و قوله- عليه السّلام- «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» لا يصلح لأن يكون رادعا عن العمل بفتوى من صار مخالفا، إذ المراد أنّ سوء عقيدتهم في أصول الدين لا يضر بأخذ رواياتهم التي رووها حال‌

______________________________
(1) ص 67- 68

(2) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 29.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 203‌

[ (مسألة 25) إذا قلد من لم يكن جامعا]

(مسألة 25) إذا قلد من لم يكن جامعا. و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا، فحاله حال الجاهل القاصر أو المقصر (1).

______________________________
الاستقامة.

هذا كله بحسب البرهان و الصناعة، و لكن المعلوم من مذاق الشرع أنّ من زال عقله أو علمه أو عدالته أو إيمانه المستلزم ذلك نقصه و نزول مقامه لا يليق بمنصب الزعامة و المرجعية في الدين. و لا يقاس شي‌ء من ذلك بالموت. فإنّه كمال المؤمن، ورقي له من عالم الى عالم آخر، فجواز البقاء على تقليد الميت لا يلازم جواز البقاء على تقليد المجنون أو العامي أو الفاسق أو المخالف.

و هذا الوجه هو العمدة في اعتبار هذه الشروط حدوثا و بقاء. و مع ذلك فالأحوط هو العمل بأحوط القولين.

حكم تقليد فاقد الشرائط

(1) بمعنى أنّه إذا كان معذورا في تقليده فاقد الشرائط فهو كالجاهل القاصر و إلا فكالمقصر و قد سبق حكمهما في (مسألة 16) هذا.

و لكن الصحيح أن يقال إنه لو كان معذورا في تقليده له- بان قلد شخصا على الموازين الشرعية ثمّ انكشف له خطأها- كان المورد من صغريات مسألة الأجزاء، و قد يدعى فيه الإجماع على الاجتزاء بالأعمال السابقة، كما ادّعى ذلك في صورة العدول إلى الحي أو الأعلم، و إن كان فرق بين المقامين من جهة صحة التقليد هناك ظاهرا و واقعا و صحته في المقام ظاهرا فقط، و لو لم يكن معذورا كما إذا قلده بغير الميزان الشرعي كان كمن لم يقلد. و لكن حيث إنّ المختار عندنا عدم الإجزاء مطلقا يكون حكم‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 204‌

[ (مسألة 26) إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات]

(مسألة 26) إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات، و قلّد من يجوز (1) البقاء له أن يبقى على تقليد الأول في جميع المسائل إلا مسألة حرمة البقاء.

______________________________
الصورتين متحدا فلا بد من تطبيق أعماله على فتوى من يجب الرجوع إليه فعلا.

لا يجوز البقاء على تقليد الميت في حرمة البقاء

(1) المراد به الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب فنقول في توضيح الحال في المقام: إنّه لا ينبغي الشك في استحالة شمول فتوى الحي بجواز البقاء لفتوى الميت بالحرمة بالإضافة إلى نفس هذه المسألة، و ذلك لاستلزام شمولها لها عدمه، كما لا ينبغي الشك في استحالة شمولها لفتوى الميت بالحرمة بالإضافة إلى سائر المسائل الفرعية مع شمولها لفتوى الميت في تلك المسائل، لاستلزامه التناقض في مقام جعل الحجة بالنسبة إلى تلك المسائل، لأن مقتضى فتوى الحي بالجواز فيها حجية فتوى الميت فيها تخييرا أو تعيينا، و مقتضى فتوى الميت بحرمة البقاء فيها عدم حجيتها رأسا. فالأمر يدور بين أن يثبت جواز البقاء في تلل الفتاوى دون فتوى الميت بحرمة البقاء، و بين أن يثبت جواز البقاء في خصوص هذه الفتوى دون سائر الفتاوى، و المتعين هو الأول، إذ لا سبيل الى الثاني، لأن فتوى الميت بحرمة البقاء بعد موته يستحيل حجيتها بفتوى الحي بالجواز، لأن الثابت في الشريعة المقدسة إن كان حرمة البقاء و دوران حجية الفتوى مدار حياة المفتي ففتوى الحي بالجواز غير حجة في الشريعة، فكيف يمكن حجيّة فتوى الميت بها؟! و إن كان الثابت في الشريعة حجيّة فتوى الميت بعد موته ففتوى الميت بالحرمة باطلة من أصلها.

و المتحصل من ذلك أن فتوى الميت لا يحتمل أن تكون حجة في الواقع و تثبت حجيّتها بفتوى الحي و عليه فلا يعقل شمول فتوى الحي بالجواز‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 205‌

[ (مسألة 27) يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات]

(مسألة 27) يجب على المكلّف (1) العلم بأجزاء العبادات، و شرائطها، و موانعها، و مقدماتها.

______________________________
لفتوى الميت بالحرمة فيبقى حجية فتوى الحي بالجواز بالإضافة إلى فتاوى الميت في سائر المسائل بلا معارض.

وجوب تعلم العبادات

(1) أي وجوبا عقليا لا يترتب عليه سوى العقاب على مخالفة الواقع.

و توضيح الحال: أنّ تعلم الواجب قد يكون مقدمة للعلم بامتثاله من دون دخل له في القدرة على الواجب، و قد يكون مقدمة وجودية له.

أما على الأول فيستقل العقل بلزومه من باب المقدمة العلمية لامتثال التكليف المنجّز، إذ بدونه لا يؤمن من تبعة الوقوع في مخالفة الواقع، فإنّه لا مجال للبراءة العقلية أو النقلية عن المشكوك بعد تمامية البيان من قبل المولى، و تمكن العبد من الوصول اليه و لو آنا ما فيجب التعلم دفعا للضر المحتمل.

ثمّ لا فرق في نظر العقل في لزوم تعلم الواجب بين ان يكون بعد دخول وقت الواجب و صيرورته فعليا بفعلية شرائطه العامة و الخاصة أو قبله فيما إذا علم المكلّف من نفسه عدم التمكّن من التعلم بعد الوقت، كما أنّه لا فرق بين أن يعلم بصيرورته فعليا بفعلية شرطه في المستقبل أو يحتمل ذلك احتمالا عقلائيا، لوحدة الملاك في الجميع و هو وجوب دفع الضرر المحتمل لعدم الأمن من العقاب على مخالفة التكليف المنجز في ظرفه بتركه التعلم إن لم نقل بعقاب المتجري، و إلا فمعاقب على كل تقدير.

ثمّ إنّ الوجوب المذكور قد يكون تعيينيا كما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لضيق الوقت أو لدوران الواجب بين ضدين في زمان واحد كما‌

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 206‌

..........

______________________________
إذا علم إجمالا بوجوب الوقوف في أحد مكانين إما عرفات أو المشعر في زمان معيّن، فإنّه لا يتمكن من الاحتياط بالوقوف فيهما في زمان واحد فيجب عليه التعلم قبل وقت الواجب و قد يكون تخييريا كما إذا تمكن من الاحتياط مع جهله بالحكم الفعلي.

و أما على الثاني- و هو أن يكون التعلم مقدمة وجودية لذات الواجب، كما في الجاهل باللغة العربيّة، فإنّه لا يتمكن من الإتيان بالقراءة إلا بتعلم اللغة- فلا إشكال في وجوبه بعد دخول وقت الواجب، إما شرعا بناء على المعروف بينهم من وجوب المقدمة، و إما عقلا على المختار من عدم ثبوت الوجوب الشرعي لها، و أما قبل وقت الواجب مع فرض العلم بعدم التمكن من التعلم بعد الوقت فيجب أيضا لشمول أخبار التعلم [1] من استند مخالفته للتكليف إلى عجزه عن الامتثال بتركه التعلم قبل الوقت، فيستكشف بذلك أنّ القدرة على الواجب من ناحية التعلم لا دخل لها في ملاكه. و معه يستقل العقل بقبح تفويته كما يستقل بقبح مخالفة التكليف الفعلي. و بهذا يفرق الحال بين التعلم و غيره من المقدمات المفوتة، فإنّها لا يجب تحصيلها قبل حصول شرط الواجب، لاحتمال دخل القدرة من ناحيتها في ملاك الواجب‌

______________________________
[1] منها ما روى في الموثق أو الصحيح عن الصادق عليه السّلام.

و قد سئل عن قوله تعالى «قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ» فقال: إن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فان قال: نعم، قال له، أفلا عملت بما علمت؟ و ان قال: كنت جاهلا، قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة، رواه في البحار ج 2 ص 29 المطبوع بطهران عام 1376 ه‍.

و كذا في تفسير الصافي سورة الأنعام الآية 149 عن الأمالي و فيه «و ان كان جاهلا، بدل: و إن قال كنت جاهلا» و كذا: «فيخصمه» بدل «فيخصم»- و في قوله تعالى: «أ فلا تعلمت حتى تعمل» دلالة واضحة على أنّ ترك العمل إذا استند الى ترك التعلم لا يقبل في مقام الاعتذار سواء كان قادرا على العمل في ظرفه أم صار عاجزا عنه بتركه التعلم:

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 207‌

و لو لم يعلمها لكن علم إجمالا أن عمله واجد لجميع الأجزاء و الشرائط، و فاقد للموانع صح (1) و ان لم يعلمها تفصيلا.

[ (مسألة 28) يجب تعلم مسائل الشك و السهو]

(مسألة 28) يجب تعلم (2) مسائل الشك و السهو.

______________________________
إلا إذا أحرز عدم دخلها فيه بدليل فيكون حالها حال التعلم بعينه.

و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بوجوب التعلم نفسيا أو طريقيا، أو على الأول فواضح، و أما على الثاني فلأن التحفظ على الملاك الملزم كالتحفظ على التكليف الفعلي مما يستقل العقل بلزومه، فيحسن جعل الوجوب الطريقي من الشارع في كلا الفرضين.

و بما ذكرنا يندفع الإشكال عن وجوب التعلم قبل حصول شرط الواجب في مفروض الكلام بأنه في ظرف إمكان التعلم لم يثبت وجوب الواجب ليجب تعلمه، و في ظرف حصول الشرط لا قدرة على الامتثال فلا يكون الوجوب فعليا كي يجب التعلم، فلا حظ. [1]

(1) بناء على ما هو الصحيح من جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي بحكم العقل، لعدم الإخلال بشي‌ء مما يعتبر في العبادة من قصد القربة، و لا دليل على اعتبار قصد الوجه أو التمييز خصوصا في الأجزاء و الشرائط. و مع الشك فالمرجع البراءة على المختار في الأقل و الأكثر و ان كان الشك في القيود الناشئة عن الأمر.

وجوب تعلّم مسائل الشك و السهو

(2) بعد البناء على ما هو المعروف و المتسالم عليه عند الأصحاب من‌

______________________________
[1] و إن شئت تفصيل الكلام حول البحث عن وجوب التعلم فراجع ج 2 من محاضرات أصول الفقه ص 360 و ما بعدها عند البحث عن مقدمة الواجب.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 208‌

بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالبا (1).

______________________________
حرمة إبطال الصلاة يتعين وظيفة الشاك و الساهي في علاج صلاته بما ذكر لها من أحكام الشك و السهو، إذ لا يجوز له قطع الصلاة و استينافها من رأس، أو البناء على أحد طرفي الشك و الإعادة، لاحتمال أن يكون ما بنى عليه مبطلا للصلاة فيجب عقلا تعلم مسائل الشك و السهو مقدمة لإحراز الامتثال.

و المحكي عن الرسالة العملية لشيخنا الأنصاري (قده) الحكم بفسق تارك تعلم مسائل الشك و السهو فيما يبتلى به عامة المكلّفين.

و يمكن أن يكون ذلك لأحد وجهين، إما لكشف التجري عن عدم ملكة العدالة، لأن مصادفة الواقع و عدمها لا دخل لها بما في نفس المتجري من عدم وجود الداعي الإلهي فيها، فمن أقدم على المعصية يحكم بفسقه و إن لم يصادف الواقع، و إما لوجوب التعلم نفسيّا كما ذهب إليه الأردبيلي (قده).

(1) يظهر من التقييد بالغلبة أنّه لا يجب التعلم فيما إذا احتمل عروض الشك و السهو مع ندرة الابتلاء بالمسألة.

(و يستدل): له باستصحاب عدم الابتلاء و هو كما يجري في الأمور الحالية يجري في الأمور المستقبلة- كما هو الصحيح.

(و أورد): عليه شيخنا المحقق النائيني (قده) بأنّ عدم الابتلاء ليس أثرا شرعيا و لا ذا أثر شرعي حتى يتعبد به في ظرف الشك.

(و يندفع): بأنّ هذا إنّما يتمّ لو كان المجعول في باب الاستصحاب الحكم المماثل، و أما على المختار من أنّ المجعول فيه هو الطريقيّة فيكفي فيه ترتب الأثر على نفس الإحراز كعدم وجوب التعلم في المقام، فان من علم بعدم الابتلاء بالواقعة لا يجب عليه التعلّم لأن موضوعه احتمال الضرر و لا احتمال مع العلم بعدم الابتلاء إما وجدانا أو تعبدا.

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 209‌

نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك و السهو صح عمله (1) [1] و إن لم يحصل العلم بأحكامهما.

[ (مسألة 29) كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب في المستحبات]

(مسألة 29) كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب (2) في المستحبات، و المكروهات، و المباحات، بل يجب تعلم

______________________________
(نعم) يرد عليه أنّه محكوم بإطلاق ما دل على وجوب التعلم من الأخبار، إذ الغالب عدم إحراز الابتلاء بالواقعة سواء أ كانت مما يبتلى بها غالبا أم لا، فمقتضى إطلاقها وجوب التعلم إلا إذا علم أو اطمأن بعدم الابتلاء. بل يمكن المنع عن الاستصحاب مع قطع النظر عن الأخبار بوجود العلم الإجمالي بالابتلاء ببعض المسائل طيلة حياته، و ليست المسائل النادرة خارجة عن أطراف المعلوم بالإجمال، لاحتمال الابتلاء بها احتمالا عقلائيا، فالأصل في كل محتمل يسقط بالمعارضة في الآخر.

(1) لا يخفى أن الصحة و البطلان يدوران مدار مطابقة العمل للواقع و عدمها، و لا دخل للاطمئنان و عدمه في ذلك. و من هنا لو اطمأن بعدم الابتلاء فاتفق له ذلك في أثناء الصلاة و أتى بأحد الوجوه المحتملة ثم انكشف له بعد الصلاة أنّه لم يأت بوظيفة الشك أو السهو بطل عمله و يجب عليه الإعادة، و ان كان معذورا من حيث استحقاق العقاب، إذ الاطمئنان حجة عقلائية.

التقليد في المستحبات و المكروهات

(2) إذ بعد العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة في الشريعة‌

______________________________
[1] في تعليقته دام ظله على قوله المصنّف (قده) «صح عمله»: (بل يصح مع احتمال الابتلاء أيضا إذا لم يتحقق الابتلاء به خارجا، أو تحقق و لكنه قد أتى بوظيفة الشك أو السهو رجاء).

فقه الشيعة - الاجتهاد و التقليد، ص: 210‌

حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات، أو المعاملات، أو العاديات.

[ (مسألة 30) إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم أنه واجب أو مباح]

(مسألة 30) إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه يجوز له أن يأتي به، لاحتمال كونه مطلوبا و برجاء الثواب (1) و إذا علم أنه ليس بواجب، و لم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح له أن يتركه، لاحتمال كونه مبغوضا.

[ (مسألة 31) إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول]

(مسألة 31) إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول (2).

______________________________
المقدسة يستقل العقل بلزوم الاستناد إلى الحجة- كفتوى المجتهد في حق العامي- في فعل ما يحتمل حرمته و ترك ما يحتمل وجوبه دفعا للضرر المحتمل، فيجب عليه الاستناد إلى فتوى المجتهد بجواز الفعل أو الترك، كما أنه يجب ذلك في ترك ما يحتمل شرطيته في المعاملة أو فعل ما يحتمل مانعيّته. و عليه لا يجب التقليد فيما إذا علم بعدم حكم إلزامي في البين، كما إذا دار أمر فعل بين الاستحباب و الإباحة و الكراهة. إلا من جهة حرمة التشريع، فوجوب التقليد فيه لنفي التشريع لا لجواز العمل. نعم لو دار الأمر بينها و بين الحرمة، أو الوجوب لزم التقليد في جواز الفعل أو الترك.

(1) بناء على عدم اعتبار قصد الوجه في العبادة كما هو الصحيح.

تبدّل رأي المجتهد

(2) لكشف خطأ رأيه الأول بالرأي الثاني على خلافه، فلا يشمله أدلة الحجيّة بقاء فيجب على المقلّد العمل بالرأي الجديد فيما يأتي من الأعمال، و أما الأعمال السابقة فهل ينتقض آثارها أولا فيه كلام يأتي ذيل (مسألة 53) إن شاء اللّه تعالى.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net