قاعدة الفراغ‌ 

الكتاب : القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول) - ج4   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 486

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 227‌

الجزء الرابع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه، محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

أمّا بعد،

فالبحث في قاعدة الفراغ

و الكلام فيها- قبل الورود في البحث- يقع في أمور:

الأوّل: في أنّها هل هي من القواعد الفقهيّة أو الأصوليّة؟

فنقول: الميزان في كون القاعدة قاعدة أصوليّة هو أن يستنتج منها- إذا انضمّت إليها صغرى من صغرياتها- حكم كلّي إلهي قابل لإلقائه إلى المقلّدين و إلى عامّة الناس، و يكون تطبيق الكبرى على الصغرى من شئون المجتهد، و لاحظّ للمقلّد في ذلك، و هذا كمسألة حجّيّة خبر الواحد و قاعدتي الحلّ و البراءة في الشبهات الحكميّة، مثلا: إذا أخبر زرارة بوجوب السورة، تصير صغرى قاعدة حجّيّة خبر الواحد وجدانيّة، فيقال: السورة ممّا أخبر العادل بوجوبها في صلاة الفريضة: و كلّ ما أخبر العادل بوجوبه فهو واجب أو إخباره علم بالوجوب أو منجّز للواقع على اختلاف المشارب في معنى الحجّيّة من جعل الحكم المماثل أو الطريقيّة أو المنجّزيّة، هذا هو ميزان القاعدة الأصوليّة.

و أمّا القاعدة الفقهيّة فهي ما يكون بنفسه كذلك، أي حكما كلّيّا إلهيّا قابلا للإلقاء إلى عامّة الناس، و يكون تطبيقها على صغرياتها من وظائف المقلّد، و لا فائدة لعلم المفتي بالصغرى ما لم يعلم المقلّد بها، و هذا كقاعدة الطهارة المضروبة لكلّ ما شكّ في طهارته و نجاسته من الموضوعات من جهة الشبهة الخارجيّة، فإنّها بنفسها حكم كلّي، و فعليّة هذا الحكم تابعة لفعليّة موضوعه‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 228‌

لكلّ أحد، فلو فرض أنّ المقلّد شاكّ في نجاسة شي‌ء فهو بنفسه يجري قاعدة الطهارة بعد فتوى مفتيه بذلك، و لو لم يحصل له شكّ فلا يجري، و لا عبرة بعلم المجتهد و عدمه، فلو أخبر بنجاسة ثوب مقلّده و كان هو شاكّا، يكون محكوما بالطهارة بقاعدتها إلاّ على القول بكفاية شهادة الواحد في الموضوعات، فيصير إخباره حجّة عليها من هذه الجهة لا من حيث هو مفت.

و قاعدة الفراغ تكون كذلك، لأنّها بنفسها حكم كلّي قابل لإلقائه إلى عامّة الناس، موضوعها هو الشكّ بعد الفراغ عن العمل المأمور به، و تطبيقها على صغراها بيد المقلّد، فإذا حصل الشكّ بعد الفراغ للمقلّد .. «1». الامتثال، يجريها بعد فتوى مفتيه بذلك و لو علم مفتيه بعدم إتيانه المأمور به على ما هو عليه.

الثاني: في أنّ روايات الباب،

منها ما هي خاصّة بخصوص مورد، كالصلاة و الطهور، و هي كثيرة. و منها ما هي عامّة لا تختصّ بمورد دون مورد، و مجموعها ستّة:

1- ما رواه زرارة- في الصحيح- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» «2».

2- رواية إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» «3».

______________________________
(1) محلّ النقاط في الأصل مخروم.

(2) التهذيب 2: 352- 1459، الوسائل 8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(3) التهذيب 2: 153- 602، الاستبصار 1: 358- 1359، الوسائل 6: 317- 318، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 229‌

3- موثّقة ابن بكير: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» «1».

4- موثّقة ابن أبي يعفور: «إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء إنّما الشكّ إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» «2».

5- قوله عليه السّلام فيمن شكّ في الوضوء بعد ما فرغ: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» «3».

6- ما رواه في الفقيه عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«إن شكّ الرّجل بعد ما صلّى فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا و كان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك» «4».

و العموم في الروايتين الأخيرتين- مع ورودهما في الوضوء و الصلاة بالخصوص- مستفاد من قوله في الأخيرة: «و كان حين انصرف- أي حين سلّم أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك» إذ يعلم منه أنّ المناط هو كونه أقرب إلى الحقّ حين الاشتغال بالعمل، حيث هو حينئذ ملتفت إلى عمله، فلو لم يأت بالرابعة لم يسلّم. و من قوله فيما قبل الأخيرة: «هو حين يتوضّأ» إلى آخره، فإنّه يعلم منه أنّ المناط هو أذكريّة العامل حين العمل منه بعد الفراغ منه.

الثالث: في أنّ هذه القاعدة هل هي من الأمارات أو الأصول؟

يستفاد من‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(2) التهذيب 1: 101- 262، الوسائل 1: 469- 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(3) التهذيب 1: 101- 265، الوسائل 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(4) الفقيه 1: 231- 1027، الوسائل 8: 246، الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 230‌

الروايتين الأخيرتين السابقتين أنّها من الأمارات، و أنّ عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ من جهة كاشفيّته بالنسبة إلى القاصد لإتيان المركّب تامّ الأجزاء و الشرائط، عن الإتيان على طبق إرادته الأوّليّة كشفا نوعيّا، إذ الغالب أنّ الإنسان حين فعله ملتفت إلى جميع خصوصيّاته و مزاياه و بعد ذلك ينسى، مثلا: إذا كتب مكتوبا إلى صديقه، فمعلوم أنّه حين الكتابة ملتفت إلى جميع ما يكتب من الخصوصيّات و لكن بعد يوم إذا سئل عن بعض الخصوصيّات و «أنّك كتبت قضيّة كذا أو لا؟» يقول: «نسيت». و هذا واضح حتى أنّ الإنسان غالبا لا يعلم أنّ غداه قبل يومين ما ذا؟ إذا لم يكن معتادا بأكل شي‌ء خاصّ.

و بالجملة، ظاهر حال المريد لإتيان فعل هو أنّه ملتفت حين إتيانه و يأتي به على طبق إرادته، و احتمال الإخلال سهوا أو غفلة خلاف الظاهر، و الشارع اعتنى بهذا الظهور، و جعله حجّة، على ما يظهر من قوله: «أذكر منه حين يشكّ» و قوله: «أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك» و إن كانت الروايات الاخر ساكتة عن ذلك، بمعنى أنّه لا يستفاد منها شي‌ء لا أماريّة القاعدة و لا كونها أصلا، فإنّها في مقام بيان التعبّد بعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ، و لا يستفاد أنّه لمجرّد التعبّد أو من جهة الكاشفيّة النوعيّة، لكن فيهما غنى و كفاية، فلا إشكال في كونها أمارة.

إلاّ أنّ هنا إشكالا و هو أنّ لازم أماريّتها حجّيّة لوازمها العقليّة، فلازم جريان قاعدة الفراغ في صلاة لأجل الشكّ في كونها مع الطهور أو لا هو صحّة الإتيان بصلاة أخرى بلا تحصيل طهور مع أنّه لا يمكن الالتزام به، و لم يفتوا به أيضا، لأنّ الصلاة الثانية غير ماضية، و المكلّف لم يفرغ و لم يخرج منها، فكيف يشملها ما أخذت فيه عناوين «المضيّ» و «الفراغ» و «الخروج من العمل و الدخول في غيره» من الروايات!؟.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 231‌

و دفع هذا الإشكال منحصر بما ذكرنا في بحث الاستصحاب من أنّ هذا الكلام المشهور «مثبتات الأمارات حجّة دون الأصول» ممّا لا أصل له، بل الحجّيّة تابعة لمقدار دلالة الدليل بلا فرق بين كون الدليل دليل حجّيّة الأصل أو الأمارة، و المقدار المستفاد من دليل حجّيّة الأمارات هو حجّيّتها في مدلولاتها المطابقيّة، و أمّا مدلولاتها الالتزاميّة فلا تثبت بنفس دليل حجّيّتها، بل لا بدّ له من دليل آخر، و هو موجود في البيّنات و الأقارير و الإخبارات، و لذا جعل الظنّ حجّة في باب القبلة بمقتضى قوله عليه السّلام مضمونا: «يجزئ التحرّي أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة» «1» مع أنّ لازمه- و هو دخول الوقت- لا يثبت.

و بالجملة، أماريّة قاعدة الفراغ كأماريّة الاستصحاب، التي قلنا بها، فكما لا تكون في لوازمه حجّة مع كونه أمارة على المختار، كذلك لا تكون في لوازمها حجّة، لعدم استفادتها من دليل حجّيّتها.

و بعد ذلك يقع الكلام في مسائل:

الأولى: في عموم الأخبار و خصوصها.

لا إشكال في عموم قاعدة الفراغ لجميع العبادات و المعاملات: العقود و الإيقاعات، و عدم اختصاصها بخصوص الصلاة و الطهارات الثلاث، لعموم رواياتها.

و أمّا قاعدة التجاوز: فصريح كلام شيخنا الأنصاري قدّس سرّه هو عمومها أيضا غاية الأمر أنّه خرجت منها الطهارات الثلاث، الوضوء بالنصّ و غيره بعدم القول بالفصل «2».

______________________________
(1) الكافي 3: 285- 7، التهذيب 2: 45- 146، الاستبصار 1: 295- 1087، الوسائل 4: 307، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث 1.

(2) فرائد الأصول: 412.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 232‌

و شيخنا الأستاذ قدّس سرّه بنى على أنّه ليس لها عموم، و أنّ خروج الطهارات الثلاث بالتخصّص لا التخصيص «1».

و المناسب صرف عنان الكلام إلى أنّ قاعدتي التجاوز و الفراغ هل هما قاعدة واحدة نحن سمّيناها باسمين، أو أنّهما قاعدتان؟ حتى يتّضح المرام، لشدّة ارتباطه بالمقام حتى قيل: إنّ النزاع في العموم و الخصوص مبنيّ على الاتّحاد و عدمه، فعلى الاتّحاد عامّة و على العدم خاصّة بخصوص الصلاة دون غيرها.

فنقول: قد استشكل على الاتّحاد بوجوه:

الأوّل: أنّ مفاد قاعدة الفراغ هو التعبّد بصحّة العمل مع كون أصل الوجود مفروضا، و مفاد قاعدة التجاوز هو التعبّد بأصل الوجود، فالجمع بينهما في دليل واحد مستلزم لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى بل أفحش، إذ كيف يمكن في دليل واحد فرض شي‌ء موردا للتعبّد، و خارجا عن دائرته و أخذه مفروض الوجود!؟

و أجيب: بأنّ الشكّ في صحّة الشي‌ء مرجعه إلى الشكّ في وجود الصحيح، فالتعبّد تعلّق بأصل الوجود و بمفاد «كان» التامّة في كلتا القاعدتين، و لم يؤخذ الوجود مفروضا في إحداهما و موردا للتعبّد في الأخرى. هذا ما أجاب به الشيخ «2» قدّس سرّه عن هذا الإشكال.

و قد أورد عليه شيخنا الأستاذ قدّس سرّه بوجهين:

الأوّل: أنّه خلاف ظواهر الأدلّة، فإنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «فأمضه كما هو» هو الحكم بصحّة الماضي لا بوجود الصحيح، فإرجاعه إلى ذلك يشبه الأكل‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 468.

(2) فرائد الأصول: 414.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 233‌

من القفا.

الثاني: ما أفاده تبعا لصاحب الكفاية من أنّ ما ذكر إنّما يتمّ في العبادات، حيث إنّ همّ العقل فيها ليس إلاّ العلم بتحقّق المأمور به في الخارج و وجود الصلاة الصحيحة مثلا، و أمّا كون الصلاة الخارجيّة صحيحة فلا همّ للعقل في ذلك. و بعبارة أخرى: لا غرض للعقل إلاّ الخروج عن عهدة تكليف المولى، و هو يحصل بالتعبّد بوجود الصلاة الصحيحة، و لا حاجة في ذلك إلى إثبات كون المأتيّ بها صحيحة.

نعم، ربّما يتعلّق غرضه بذلك من جهة نذر و شبهه.

و أمّا في المعاملات فالغرض متعلّق بصحّة الموجود لا بوجود الصحيح، و التعبّد بوجود الصحيح لا يثبت صحّة الموجود «1».

و ما أفاده أوّلا تامّ، بخلاف الإيراد الثاني، إذ الغرض في المعاملات أيضا متعلّق بوجود الصحيح، ضرورة أنّ التعبّد بوجود عقد نكاح صحيح متعلّق بامرأة معيّنة يكفي لترتيب آثار الزوجيّة من وجوب الإنفاق و غيره، و لا حاجة إلى إثبات صحّة العقد الواقع، و هكذا في البيع و غيره من المعاملات، فالآثار نوعا تترتّب على وجود الصحيح لا صحّة الموجود بلا فرق بين العبادات و المعاملات.

و التحقيق: أنّ هذا الإشكال ساقط من أصله، لما مرّ مرارا من أنّ الإطلاق- سواء كان شموليّا كما في أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ «2» أو بدليّا كما في «أعتق رقبة» حيث يكون المطلوب صرف وجود الرقبة- معناه رفض القيود و إلغاؤها لا أخذها و الجمع فيها، بمعنى أنّ المتكلّم يلاحظ طبيعة البيع، و يلاحظ أيضا‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 464- 465.

(2) البقرة: 275.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 234‌

جميع خصوصيّاتها المتخصّصة بها و يلغيها، فيحكم بحلّيّة طبيعة البيع أينما سرت، و هكذا في المطلق البدلي، غاية الأمر أنّه يحكم بمطلوبيّة عتق صرف وجود الرقبة. و بالجملة، القيود ملحوظة في المطلق مطلقا لحاظ الإلغاء لا لحاظ الدخل.

فحينئذ نقول: قوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» «1» دالّ على أنّ طبيعيّ الشكّ- المتعلّق بالشي‌ء الماضي ملغيّ عنه جميع الخصوصيّات: خصوصية كون المشكوك وجود الشي‌ء أو صحّته أو غير ذلك من الخصوصيّات- لا يعتنى به، فموضوع الحكم بعدم الاعتناء مطلق، غير ملحوظ فيه شي‌ء من الخصوصيّتين، لعدم دخلهما في الحكم، فلم يؤخذ فيه شي‌ء منهما حتى يقال: لا يمكن الجمع بينهما في اللحاظ في استعمال واحد.

و ممّا يشهد على ذلك: أنّه لم يتوهّم أحد جريان هذا الإشكال في شمول دليل البيّنة للبيّنة المخبرة بوجود الركوع مثلا، و البيّنة المخبرة بصحّة الركوع المأتيّ به مع أنّهما من باب واحد، و سرّه ما ذكرنا من أنّ الموضوع مطلق، و إنّما الاختلاف في خصوصيّاته التي لا دخل لها في الحكم، و تكون ملغاة غير ملحوظة، فإخبار البيّنة بشي‌ء موضوع للحكم بالحجّيّة من دون نظر إلى أنّ المحاجّ به أيّ شي‌ء: وجود شي‌ء أو صحّته أو فساده؟

نعم، هناك شبهة أخرى غير قابلة للدفع، و من جهتها لا بدّ من الالتزام بتعدّد القاعدتين، و هي ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ ظاهر الشكّ في الشي‌ء هو الشكّ في أصل وجوده لا في صحّته بعد الفراغ عن أصل وجوده، فظاهر «إذا شككت في شي‌ء ممّا قد مضى» هو الشكّ في وجود الشي‌ء، و جعل قاعدة‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 235‌

التجاوز و دلالته على الشكّ في صحّة الموجود تحتاج إلى عناية، و الجمع بين ما يحتاج إلى العناية و ما لا يحتاج إليها في دليل واحد لا يمكن «1».

هذا، مضافا إلى أنّ وصف الصحّة لا معنى لمضيّه، فلا يشمله قوله: «إذا شككت في شي‌ء ممّا قد مضى» و حيث إنّ بعض الروايات ورد في مورد الشكّ في الصحّة، فلا بدّ من ارتكاب «2» فيه، و جعله دليلا لقاعدة الفراغ، و جعل غيره ممّا لم يرد في مورد الشكّ في الصحّة دليلا لقاعدة التجاوز، فلا محيص عن الالتزام بقاعدتين.

هذا، و لكنّ التحقيق الحقيق بالتصديق: أنّ هذه الشبهة أيضا مندفعة، و أنّ الشكّ في الصحّة أيضا راجع إلى الشكّ في الوجود، و ذلك لأنّ وصف الصحّة أمر منتزع عن كون العمل تامّ الأجزاء و الشرائط، فالشكّ في الصحّة في الحقيقة شكّ في تحقّق جزء أو شرط، و عدمه، فإنّ الشكّ في صحّة الصلاة إمّا من جهة الشكّ في إتيان ركوعها أو سجودها أو تحقّق الاستقبال أو الموالاة أو غير ذلك من الأجزاء و الشرائط، و لا منشأ له غير ذلك، و بعد الفراغ حقيقة يكون مصداقا للشكّ في الشي‌ء بعد التجاوز، فيشمله قوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» و غير ذلك من أخبار الباب.

لا يقال: لازم ذلك جريان قاعدة الفراغ عند الشكّ في صحّة الصلاة من جهة كونها مع الطهارة، و عدمه في منشأ الانتزاع و هو الطهور، فالتعبّد يتعلّق بوجود الطهور، فيصحّ إتيان صلاة أخرى بلا استئناف طهور، و هو خلاف فتاوى الأصحاب.

فإنّه يقال: في جوابه تقريبان راجعان إلى شي‌ء واحد:

______________________________
(1) فرائد الأصول: 410.

(2) كذا في الأصل.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 236‌

الأوّل: أنّ شرط كلّ صلاة هو اقترانها بالطهور لا اقتران صلاة أخرى به، فإذا شكّ في صحّة صلاة الظهر من جهة اقترانها بالطهور، و الشارع تعبّدنا بتحقّق الشرط، فقد تعلّق التعبّد باقتران صلاة الظهر بالطهور، و بقاء الطهارة و اقتران صلاة العصر أيضا بها لازم عقلي لاقتران صلاة الظهر بها، و قاعدة الفراغ لا تثبت لوازمها.

الثاني: أنّ الطهارة و إن كانت أمرا بسيطا إلاّ أنّها من حيث كونها زمانيّة تتجزّأ و تتكثّر بحصص كثيرة حسب تكثّر أجزاء الزمان، و من المعلوم أنّ شرط صلاة الصبح مثلا، ليس هو وجود الطهور من أوّل طلوع الفجر إلى طلوع الشمس- و إن كان الطهور أمرا وحدانيّا يبقى و يستمرّ في الزمان ما لم يتحقّق الناقض- بل حصّة خاصّة من تلك الحصص الموجودة فيما بين الطلوعين مثلا، و هي الحصّة المقترنة بصلاة الصبح، فإذا شكّ في صلاة الصبح من جهة كونها مع الطهور، فقاعدة الفراغ تقتضي وجود تلك الحصّة الخاصّة من الطهارة المقترنة بصلاة الصبح، و لا تثبت وجود الحصص الاخر و إن كانت متلازمة في الوجود.

فالحقّ الحقيق بالقبول هو اتّحاد القاعدتين و رجوع الشكّ في الصحّة إلى الشكّ في الوجود، كما أفاده الشيخ «1» قدّس سرّه، و أنّ الأخبار العامّة شاملة للموردين:

موردي قاعدتي التجاوز و الفراغ. و خروج الطهارات الثلاث بالتخصيص، كما أفاده الشيخ قدّس سرّه «2»، لا بالتخصّص، كما أفاده شيخنا الأستاذ «3» قدّس سرّه.

الإشكال الثاني على اتّحاد القاعدتين: ما أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ‌

______________________________
(1) فرائد الأصول: 414.

(2) فرائد الأصول: 412.

(3) أجود التقريرات 2: 468.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 237‌

الأجزاء في قاعدة الفراغ لوحظت لحاظ الاندكاك في الكلّ، فإنّ الملحوظ الاستقلالي في مقام التعبّد بصحّة المركّب هو نفس المركّب بما هو مركّب و أمر وحداني، و في قاعدة التجاوز لوحظت استقلالا، و لا يمكن الجمع بين اللحاظ الاستقلالي و الاندكاكي في استعمال واحد «1».

و فيه أوّلا: أنّ قاعدة الفراغ كما تجري في المركّب عند الشكّ في صحّته، كذلك تجري في أجزائه من الركوع و السجود و غير ذلك إذا أتى بالجزء و شكّ في صحّته، فالإشكال مشترك الورود، فلا بدّ من الجواب عنه حتى لو قلنا بتعدّد القاعدتين، فإنّ شمول قاعدة الفراغ للمركّب و الأجزاء مستلزم للجمع بين اللحاظين.

و ثانيا: أنّ سبق الأجزاء على المركّب و تقدّمها عليه بالطبع و كونها بمنزلة المادّة و المركّب بمنزلة الصورة لا يوجب شي‌ء من ذلك عدم شمول الدليل لهما، و هل يتوهّم عدم شمول قولنا: «كلّ فعل اختياري مسبوق بالتصوّر» للمركّب و الأجزاء بدعوى أنّ الشمول مستلزم للجمع بين اللحاظين؟

و حلّه: ما ذكرنا من أنّ الإطلاق معناه رفض القيود لا أخذها، فأيّ مانع لشمول قوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» «2» للمركّب و الأجزاء بعد كون كلّ من خصوصيّة الكلّيّة و الجزئيّة ملغى و غير ملحوظ؟ فمع عدم اللحاظ أصلا أيّ معنى للجمع بين اللحاظين؟

و ثالثا: أنّ ما ذكر لو سلّم إنّما يجري لو قلنا باختلاف موردي القاعدتين، و أمّا على ما اخترناه- من اتّحاد موردهما، لرجوع الشكّ في الصحّة إلى الشكّ‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 465.

(2) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 238‌

في وجود الجزء أو الشرط- فهذا الإشكال ساقط من أصله، إذ الشكّ في صحّة المركّب أيضا شكّ في تحقّق جزء من أجزائه أو شرط من شرائطه، فالملحوظ هو الجزء أو الشرط لا المركّب.

الوجه الثالث من وجوه الإشكال: ما أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه، و مذكور في كلام الشيخ قدّس سرّه أيضا من أنّ التعابير المذكورة في الروايات من «التجاوز» و «المضيّ» و «الخروج من الشي‌ء» في مورد قاعدة الفراغ على نحو الحقيقة، و في مورد قاعدة التجاوز باعتبار التجاوز عن المحلّ، فإسناد المضيّ و أمثاله إلى المشكوك فيه إسناد مجازي و إلى غير ما هو له، فالقول بشمول دليل واحد لكلا الموردين مستلزم للجمع بين الإسناد الحقيقي و المجازي في استعمال واحد، و كون إسناد المضيّ و شبهه إلى المشكوك فيه حقيقيّا إذا كان المشكوك فيه وصف الصحّة و مجازيّا إن كان نفس العمل، و كيف يمكن الجمع بينهما في دليل واحد «1»

و فيه: أنّ الإسناد مجازي على كلّ حال، لما ذكرنا من أنّ الصحّة أمر انتزاعي، و الشكّ فيها ناش من الشكّ في منشأ انتزاعها من وجود شي‌ء ممّا اعتبر في المأمور به مثلا، جزءا أو شرطا، فالتجاوز باعتبار المحلّ لا محالة.

و ممّا يوضّح ما ذكرنا ظهور الروايات في كون المضيّ متعلّقا بنفس المشكوك فيه، ضرورة رجوع الضمير في قوله عليه السّلام: «امضه كما هو» إلى المشكوك فيه، و كما أنّ المشكوك فيه في مورد قاعدة التجاوز غير ماض حقيقة و إنّما الماضي هو محلّه كذلك المشكوك فيه في مورد قاعدة الفراغ- و هو وصف الصحّة- غير ماض، و إنّما الماضي هو ذات العمل الّذي هو معلوم أنّه‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 467، فرائد الأصول: 410.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 239‌

لم يتعلّق به شكّ أصلا.

و أيضا الشاهد على ذلك قوله عليه السّلام: «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فأمضه كما هو» «1» حيث أضيف لفظ الصلاة إلى ضمير الخطاب، و لم يعبّر بلفظ «من الصلاة» و «من الطهور» فالمراد بالصلاة و الطهور في هذه الرواية- و لو قلنا بأنّ ألفاظ العبادات أسام للأعمّ من الصحيح و الفاسد- هو الصلاة المأمور بها و الطهور المأمور به، الّذي يكون تامّ الأجزاء و الشرائط، فإنّه هو طهوره و صلاته لا الفاسد منهما، و من الضروري أنّه في مورد قاعدة الفراغ لم تمض صلاته و طهوره حقيقة، إذ لا يعلم أنّ المأتيّ بها هي صلاته المأمور بها أم لا حتى يصدق إسناد المضيّ إليها على نحو الحقيقة، فلا مناص عن إسناد المضيّ إلى محلّها حقيقة و إليها مجازا. و بالجملة، الإسناد مجازي على كلّ تقدير و لو قلنا بتعدّد القاعدتين.

الرابع من وجوه الإشكال: ما أفاده شيخنا الأستاذ، و مذكور في كلام الشيخ قدّس سرّه أيضا، و هو: أنّ لازم اتّحاد القاعدتين التنافي و التناقض بين المفهوم و المنطوق فيما إذا شكّ في الركوع بعد ما سجد مثلا، فإنّه مورد لقاعدة التجاوز و محكوم بعدم الاعتناء به بمقتضى مفهوم قوله عليه السّلام: «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» «2» و مورد للاعتناء بمقتضى منطوقه، حيث إنّ الصلاة- لكونها بجميع أجزائها و شرائطها ذات مصلحة واحدة، و لها امتثال واحد و عصيان واحد- عمل واحد، فالشكّ في الركوع بعد ما سجد شكّ قبل تماميّة العمل‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 364- 1104، الوسائل 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

(2) التهذيب 1: 101- 262، الوسائل 1: 469- 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 240‌

و قبل التجاوز عن المحلّ.

و هذا بخلاف ما إذا قلنا بتعدّدهما، فإنّه لا محذور فيه، حيث إنّ المجعول الأوّلي هو قاعدة الفراغ، و التعبّد تعلّق بعدم الاعتناء بالشكّ بعد التجاوز عن العمل و المضيّ عنه، غاية الأمر أنّ الشكّ في الجزء بعد الدخول في جزء آخر و قبل تماميّة العمل- مع أنّه شكّ قبل التجاوز- جعل بالحكومة و التنزيل المولوي من الشكّ بعد التجاوز، فدليل قاعدة التجاوز مخصّص لبّا لمفهوم دليل قاعدة الفراغ و مخرج لهذا الفرد عن عموم مفهومه بلسان الحكومة و جعل الشكّ قبل التجاوز تعبّدا شكّا بعد التجاوز، فلا تنافي بينهما، و لا يمكن الالتزام بمثل هذه الحكومة في دليل واحد و قاعدة واحدة، و لا محذور فيه في الدليلين المتكفّلين لبيان قاعدتين «1».

و فيه: أنّه لو كان لنا شكّ واحد ذو وجهين من جهة كان موردا للمفهوم و من جهة أخرى موردا للمنطوق، لكان لما ذكر وجه، لكنّ النّظر الدّقيق يقضي بأنّ هناك شكّين أحدهما مسبّب عن الآخر، إذ لنا شكّ في الركوع بعد الإتيان بالسجود، و هذا شكّ بعد التجاوز و محكوم بعدم الاعتناء، و شكّ آخر في صحّة الأجزاء اللاحقة، و هو مسبّب عن الشكّ الأوّل، حيث لا منشأ له إلاّ احتمال عدم الإتيان بالركوع و إلاّ فلو علمنا بإتيانه لعلمنا بصحّة الأجزاء اللاحقة و وقوعها في موقعها، فبعد التعبّد بإتيان الركوع يرتفع الشكّ في صحّة السجود و التشهّد و غير ذلك من الأجزاء اللاحقة، فلا يكون بعد ذلك موردا لمفهوم قاعدة الفراغ حتى يتحقّق التنافي بين المنطوق و المفهوم، فاتّضح من جميع ما ذكرنا اتّحاد القاعدتين و عدم ما يصلح للالتزام بتعدّدهما.

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 465- 466، فرائد الأصول: 411- 412.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 241‌

نعم، هناك رواية واحدة ربّما يتوهّم كونها مؤيّدة لما أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من كون المجعول الأوّلي هو قاعدة الفراغ، و إنّما ألحقت بها قاعدة التجاوز بالحكومة، و هي رواية موثّقة ابن أبي يعفور «إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء، إنّما الشكّ إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» «1» بناء على رجوع الضمير في «غيره» إلى الوضوء، فإنّه بناء على هذا يستفاد من الرواية حكم كلّي، و هو الاعتناء بالشكّ قبل الفراغ و التجاوز عن العمل، و عدم الاعتناء به بعد ذلك، فإنّ ظاهرها أنّ الإمام- سلام اللّه عليه- في مقام إعطاء ضابط كلّي جار في جميع موارد الشكّ، لا أنّه حكم مختصّ بالوضوء، بل الظاهر أنّه عليه السّلام طبّق هذا الضابط الكلّي على مورد الوضوء، فمقتضى هذه الرواية أنّ الشكّ في أثناء العمل لا بدّ من الاعتناء به، خرج عن هذا العموم خصوص الصلاة بدليل خاصّ.

و فيه: أنّ هذه الرواية لا بدّ من رفع اليد عنها بصحيحتي زرارة «2» و إسماعيل بن جابر «3»، فإنّهما صريحتان في أنّ الشكّ في أثناء العمل بعد التجاوز عن المشكوك فيه لا يعتنى به، فإنّ موردهما هو الشكّ في الأثناء فتقدّمان، لأقوائيّة سندهما.

هذا، مضافا إلى احتمال رجوع الضمير إلى الشي‌ء المشكوك فيه في قوله عليه السّلام: «إذا شككت في شي‌ء من الوضوء» و العلم الخارجي بأنّ الشكّ في‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 101- 262، الوسائل 1: 469- 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) التهذيب 2: 352- 1459، الوسائل 8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(3) التهذيب 2: 153- 602، الاستبصار 1: 358- 1359، الوسائل 6: 317- 318، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 242‌

أثناء الوضوء مورد للاعتناء لا يجعل الرواية ظاهرة فيما ذكر، فالرواية مجملة لا يمكن التمسّك بها، فتبقى الروايات الاخر دالّة على المطلوب، و هو مجعوليّة كبرى واحدة هي عدم الاعتناء بالشكّ في الشي‌ء الماضي، سواء كان المشكوك فيه هو المركّب أو أجزاءه.

إذا عرفت اتّحاد القاعدتين و أنّه لا اثنينيّة في البين، فاعلم أنّ الروايات كما هي عامّة في مورد الشكّ بعد الفراغ لجميع العبادات و عامّة العقود و الإيقاعات بل المعاملات بالمعنى الأخصّ، كذلك عامّة في مورد قاعدة التجاوز لجميع ذلك، غاية الأمر أنّه خرجت الطهارات الثلاث عن هذا العموم على كلام سنتكلّم فيها إن شاء اللّه. و هذا على ما اخترناه- من اتّحادهما- ظاهر.

و أمّا على التعدّد: فربّما يقال باختصاص قاعدة التجاوز بخصوص أجزاء الصلاة دون غيرها، كما هو صريح كلام شيخنا الأستاذ «1» و صاحب الكفاية في حاشيته على الرسائل «2» على ما ببالي من السابق، لأنّ دليلها منحصر بالروايتين اللتين أشرنا إليهما، و هما صحيحتا زرارة و إسماعيل بن جابر، و الأولى و إن كانت مطلقة، لقوله عليه السّلام: «إذا خرجت من شي‌ء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» «3» و الثانية عامّة، لقوله عليه السّلام: «كلّ شي‌ء شكّ فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» «4» إلاّ أنّه لا يصحّ الأخذ بإطلاق الأولى و عموم الثانية.

أمّا الأوّل: فلوجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب، و هو السؤال عن أجزاء خصوص الصلاة من الأذان و القراءة و الركوع، و هو مانع من الأخذ بالإطلاق.

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 468.

(2) حاشية فرائد الأصول: 237.

(3) تقدّم تخريجهما في ص 241.

(4) تقدّم تخريجهما في ص 241.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 243‌

و أمّا الثاني: فلأنّ سعة دائرة العموم و ضيقها تابعة لما يراد من أداة العموم، فلفظة «كلّ» عامّة لكلّ ما يراد من مدخولها، و عموم «الشي‌ء»- الّذي هو المدخول للفظة «كلّ» في المقام- لأجزاء الصلاة و غيرها إنّما هو بالإطلاق و مقدّمات الحكمة، و هو ممنوع في المقام، لوجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب، و هو قوله عليه السّلام قبل ذكر هذه الكبرى: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» «1».

هذا، و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه مبتن على مبنيين اختارهما صاحب الكفاية «2»:

أحدهما: مانعيّة وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب عن الأخذ بالإطلاق.

و ثانيهما: عدم شمول لفظة «كلّ» و أمثالها إلاّ لما يراد من مدخولها.

و قد بيّنّا في مباحث الألفاظ فساد كلا المبنيين و أنّ لازم الأوّل عدم جواز الأخذ بشي‌ء من المطلقات في الفقه إلاّ ما شذّ و ندر، إذ الغالب هو وجود قدر متيقّن في البين لا أقلّ من مورد الرواية، مثلا: إذا سئل الإمام عليه السّلام- كما سئل-:

عن الصلاة في الفنك و السنجاب و السمّور، فأجاب: «بأنّ كلّ شي‌ء ممّا حرّم اللّه أكله فالصلاة في شعره و وبره و ألبانه و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسدة» «3» لا يمكن التعدّي عن هذه الثلاثة إلى غيرها من أنواع ما لا يؤكل لحمه، لتيقّنها‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 153- 602، الاستبصار 1: 358- 1359، الوسائل 6: 317- 318، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

(2) انظر: كفاية الأصول: 254 و 287.

(3) الكافي 3: 397- 1، التهذيب 2: 209- 818، الوسائل 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 244‌

في مقام التخاطب دون غيرها، مع أنّه لا يشكّ أحد من العرف في استفادة العموم، و هل يتوهّم أحد- إذا سئل الإمام عليه السّلام: عن إكرام زيد العالم، فأجاب:

«كلّ عالم يجب إكرامه» أو «يجب إكرام العالم»- اختصاص الحكم بزيد؟

و بيّنّا هناك أنّ لفظة «كلّ» بنفسها متكفّلة لتسرية الحكم لكلّ ما ينطبق عليه مدخولها و يصدق عليه، و لا حاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة في نفس المدخول، بل المدخول على ما هو عليه- من كونه كلّيّا طبيعيّا قابلا للصدق على كثيرين و نعبّر عنه باللابشرط المقسمي- بجميع أفراده القابل صدقه عليها و الممكن انطباقه عليها مشمول للحكم ببركة لفظة «كلّ» لا غير، فلا مانع من الأخذ بإطلاق الرواية الأولى و عموم الثانية، الحاكمين بعدم الاعتناء بالشكّ في الشي‌ء الماضي في أثناء العمل أو بعده، و لا بدّ من الخروج عن هذا العموم من التماس دليل عليه.

نعم، لو كان المطلق أو مدخول «كلّ» منصرفا إلى القدر المتيقّن أو غيره، لكان الحكم مختصّا بالمنصرف إليه، كما إذا ورد «لا تصلّ في شعر الحيوان المحرّم أكله» فإنّه منصرف عن الإنسان و إن كان بمعناه اللغوي يشمله أيضا.

المسألة الثانية: لا إشكال في اعتبار الدخول في الغير في مورد الشكّ في أصل وجود الشي‌ء،

الّذي نعبّر عنه بقاعدة التجاوز، و ذلك- مضافا إلى اعتباره في صحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر «1» صريحا- من جهة أنّ عناوين «التجاوز» و «المضيّ» و «الخروج عن الشي‌ء»- التي اعتبرت في الروايات و علّق الحكم عليها- لا تتحقّق إلاّ بذلك، فإنّ المراد من المضيّ- كما عرفت- هو المضيّ عن محلّ المشكوك فيه لا نفسه، و من المعلوم أنّه مع عدم الدخول‌

______________________________
(1) تقدّم تخريجهما في ص 241، الهامش (2 و 3).

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 245‌

فيما جعله الشارع مرتّبا على المشكوك فيه- بحيث لو أتى به قبل الإتيان بالمشكوك فيه لم يكن آتيا بالمأمور به على ما هو عليه- لا يصدق «التجاوز» و «المضيّ» و «الخروج عن المشكوك» و محلّه بعد باق، فلا بدّ من الإتيان به.

و أمّا قاعدة الفراغ: فبعض الروايات قيّد بذلك، كالصحيحتين المتقدّمتين «1»، و صدر موثّقة ابن أبي يعفور «2»، و بعضها مطلق، كقوله عليه السّلام:

«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» «3» و ذيل موثّقة ابن أبي يعفور «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» «4».

فمنهم من أخذ بالمطلقات، و منهم: من- كشيخنا الأستاذ قدّس سرّه- حمل المطلق على المقيّد «5»، لا بقاعدة حمل المطلق على المقيّد- فإنّه مختصّ بما إذا كان الحكم ثابتا للمطلق بنحو صرف الوجود ك‍ «أعتق رقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة» لا بنحو الانحلال و الشمول، كما في «المسكر حرام» و «الخمر حرام» و المقام من قبيل الثاني، و لا تنافي بين المطلق و المقيّد حتى يحمل الأوّل على الثاني- بل لوجوه اخر:

أحدها: ما اختاره شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ الأخذ بالروايات المقيّدة و ترجيحها على المطلقة منها من جهة أنّ المطلقات في نفسها غير تامّة، لأنّ المطلق إذا كان مقولا بالتشكيك و لم يكن صدقه على بعض الأفراد في عرض صدقه على البعض الآخر كلفظ «الحيوان»- فإنّ مفهومه مفهوم تشكيكي‌

______________________________
(1) تقدّمتا في ص 242.

(2) تقدّم تخريجها في ص 241، الهامش (1).

(3) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(4) تقدّم تخريجها في ص 241، الهامش (1).

(5) أجود التقريرات 2: 470.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 246‌

لا يكون صدقه على أفراده على السويّة، بل يكون بالنسبة إلى بعض ظاهرا و إلى آخر خفيّا، كصدقه على الإنسان، فإنّه خفيّ محتاج إلى التدقيق الّذي لا يعمله العرف، بل إذا قيل فيما إذا قدم إنسان عظيم الشأن: جاء الحيوان، يعدّ غلطا أو ركيكا، و المطلق في المقام يكون كذلك، حيث يكون صدقه على مورد الدخول في الغير جليّا و على مورد حصول الفراغ و عدم الدخول في الغير خفيّا- لا يكون المطلق ظاهرا في الإطلاق بالنسبة إليه.

و الحاصل: أنّه لا بدّ في الأخذ بالمطلق من أن يكون ظاهرا في الإطلاق، و مع عدم الظهور بالقياس إلى فرد- و لو لم يكن منصرفا عنه- لا يصحّ الأخذ به «1».

و فيه: أنّ التشكيك إن كان في الخفاء و الجلاء، كان الأمر كما أفاده، أمّا لو كان في مراتب الظهور و كان جميع المراتب ظاهرة، غاية الأمر أنّ بعض المراتب أظهر من الآخر- كما في صدق الإنسان على العالم الخبير البصير، فإنّه أظهر من صدقه على الجاهل الفاقد لجميع الصفات و الكمالات المرغوبة من الإنسان مع أنّ صدقه عليه أيضا ظاهر- فلا مانع من الأخذ بالإطلاق، و لا توجب أظهريّة بعض الأفراد ظهور المطلق فيه و عدم ظهور في الفرد الظاهر، كما هو ظاهر، إذ لو كان هذا مانعا من الأخذ بالإطلاق، لم يمكن الأخذ بالإطلاق في غالب المطلقات، إذ المطلق المتواطئ قليل جدّاً.

و بالجملة، صدق المطلق في المقام على مورد الدخول في الغير و إن كان أظهر إلاّ أنّ صدقه على مورد مجرّد حصول الفراغ أيضا ظاهر، فلا وجه لعدم ظهور المطلق فيه.

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 471.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 247‌

و ثانيها: أنّ تقديم الروايات المقيّدة من جهة وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب.

و فيه أوّلا: أنّه غير مانع من الأخذ بالإطلاق، كما حقّق في محلّه.

و ثانيا: أنّه لا صغرى له في المقام، حيث إنّ المراد أنّ اللفظ يكون له قدر متيقّن في مقام التخاطب، و ليس لقوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» «1» قدر متيقّن في مقام التخاطب، بل الحكم له قدر متيقّن و جميع مطلقات العالم لحكمها قدر متيقّن.

و ثالثا: أنّ هذا- لو سلّم جار في المطلق لا في العامّ كما في المقام، إذ قوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه» «2» إلى آخره، عامّ لا مطلق.

و ثالثها: أنّ التقديم من جهة كون الغالب في موارد الشكّ في قاعدة الفراغ هو الدخول في الغير، فيحمل المطلق على الفرد الغالب.

و فيه أوّلا: أنّ مجرّد الغلبة الخارجيّة لا يوجب ذلك ما لم يكن المطلق منصرفا إلى الفرد الغالب.

و ثانيا: أنّه- لو سلّم جار في المطلق لا في العامّ، كما عرفت، فإذن تكون المطلقات محكّمة.

هذا، و لكنّ الّذي ينبغي أن يقال: إنّ من يعتبر الدخول في الغير إن أراد من «الغير» مطلق الغير، أي مجرّد الانتقال من المشكوك فيه إلى حالة أخرى و شي‌ء آخر و لو لم يكن مترتّبا على المشكوك فيه شرعا، فهو معتبر في قاعدتي التجاوز و الفراغ و لو لم تكن لنا رواية مقيّدة أصلا، ضرورة توقّف تحقّق‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(2) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 248‌

عناوين «المضي» و «التجاوز» و «الخروج عن الشي‌ء» المأخوذة في الروايات على الدخول في الغير بهذا المعنى حتى في قاعدة الفراغ، إذ كما لا يصدق الشكّ في الشي‌ء الماضي لو شكّ في أصل وجود التكبيرة قبل الدخول في القراءة، حيث إنّ أصل وجودها مشكوك فيه، فلا معنى لكونه ماضيا، و محلّه المقرّر له شرعا أيضا باق غير ماض، كذلك لا يصدق الشكّ في الشي‌ء الماضي لو شكّ في صحّة التكبيرة حال اشتغاله بها من دون الانتقال إلى مطلق حالة أخرى، الملازم للفراغ عنها، فالدخول في الغير بهذا المعنى معتبر في كلتا القاعدتين سواء جعلناهما واحدة أو اثنتين، غاية الأمر أنّه حيث إنّ هذا الاعتبار لمكان صدق عنواني «المضيّ» و «التجاوز» فلا محالة لا بدّ من النّظر إلى صدقهما، و نرى أنّهما لا يصدقان في الشكّ في أصل وجود الشي‌ء إلاّ بالدخول فيما ترتّب عليه شرعا، و يصدقان في مورد الشكّ في وصف صحّة الشي‌ء بعد الفراغ عن أصل وجوده مع الدخول في مطلق الغير و لو لم يكن مترتّبا عليه شرعا، و الفراغ ملازم دائما للدخول في الغير بهذا المعنى، فلا ينافي القول باتّحاد القاعدتين القول بالتفصيل، و اعتبار الدخول في «الغير» المترتّب في مورد الشكّ في أصل وجود الشي‌ء، و اعتبار الدخول في مطلق الغير في مورد الشكّ في وصف الصحّة، فإنّ ذلك من جهة تفاوت صدق عنواني «المضي» و «التجاوز» في الموردين.

و من ذلك ظهر أنّ القيود في الروايات المقيّدة للتوضيح لا للاحتراز.

و ظهر أيضا أنّ صدر موثّقة ابن أبي يعفور، الّذي قيّد بالدخول في الغير لا يكون معارضا لذيلها الّذي علّق الحكم فيه على عنوان «التجاوز».

و إن أراد اعتبار الدخول في «الغير» المترتّب، فلا دليل عليه، إذ لم يعتبر ذلك في شي‌ء من الروايات، و إنّما اعتبرناه في مورد قاعدة التجاوز من جهة‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 249‌

توقّف صدق عنواني «المضي» و «التجاوز» عليه.

نعم، ربّما يتوهّم دلالة رواية زرارة على ذلك من جهة قوله عليه السّلام: «فإذا قمت من الوضوء و فرغت عنه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك وضوءه لا شي‌ء عليك» «1» حيث اعتبر- مضافا إلى الفراغ الملازم للدخول في مطلق الغير- الدخول في «الغير» الخاصّ المترتّب كالصلاة و غيرها ممّا يكون الوضوء شرطا له صحّة أو كمالا.

و لكن يرد عليه أوّلا: أنّ الرواية واردة في مورد الوضوء، و التعدّي عنه يحتاج إلى القطع بعدم الخصوصيّة، و أنّى لنا بإثبات ذلك؟

و ثانيا: أنّه لا دلالة للرواية على ذلك حتى في موردها، إذ صدرها يدلّ مفهوما على عدم اعتبار أزيد من الفراغ، فلو لم نقل بأنّ الذيل سيق لأجل بيان محقّق الفراغ لا اعتبار أمر آخر، فلا أقلّ من المعارضة بين الصدر و الذيل، فتسقط عن الحجّيّة، فتأمّل.

و ثالثا: أنّها معارضة بقوله عليه السّلام فيمن شكّ في الوضوء بعد ما فرغ: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» «2» و قوله عليه السّلام في رواية محمد بن مسلم فيمن شكّ بين الثلاث و الأربع بعد ما صلّى و كان متيقّنا حينما سلّم بأنّه قد أتمّ:

«لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك» «3» حيث إنّه يستفاد منهما أنّ الملاك في عدم الاعتناء بالشكّ هو كون الآتي بالعمل حين‌

______________________________
(1) الكافي 3: 33- 2، التهذيب 1: 100- 261، الوسائل 1: 469، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) التهذيب 1: 101- 265، الوسائل 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(3) الفقيه 1: 231- 1027، الوسائل 8: 246، الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 250‌

الاشتغال به أذكر، و أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك، و منه استكشفنا أماريّة القاعدة، فمقتضى هاتين الروايتين هو عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ بمجرّد احتمال الأذكريّة و الأقربيّة إلى الحقّ.

و بالجملة، لا دليل على اعتبار الدخول في الغير المترتّب إلاّ من حيث صدق عنواني «المضي» و «التجاوز» في مورد قاعدة التجاوز.

و من ذلك ظهر أنّ ما أفتى به بعض من عدم الاعتناء بالشكّ في صحّة التكبيرة قبل الدخول في القراءة هو الصحيح.

و رابعا: أنّ الرواية معرض عنها، حيث تدلّ على أنّ الشاكّ في صحّة الوضوء بعد مضيّ ساعة أو ساعتين- مثلا- عن وقت وضوئه و قبل الدخول في الصلاة يعتني بشكّه، و لا يجري في حقّه قاعدة الفراغ، و هو غير معروف من مذهب الأصحاب.

المسألة الثالثة: أنّ المراد من «الغير»

- الّذي اعتبرنا الدخول فيه لصدق عنوان «المضي» و شبهه- ما هو أعمّ من الأجزاء المستقلّة بالعنوان، كالتكبير و القراءة و الركوع و السجود، و ما لا يستقلّ بعنوان مخصوص، كأجزاء الأجزاء، فلو شكّ في قراءة الآية الأولى من فاتحة الكتاب بعد ما شرع في الآية الثانية، لا يعتني بشكّه. و هذا على ما اخترناه من اتّحاد القاعدتين واضح، لأنّ الملاك في عدم الاعتناء هو تعلّق الشكّ بما قد مضى، و هو متحقّق في المقام.

و أمّا على ما اختاره شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ المجعول الأوّلي هو قاعدة الفراغ، و مورد الشكّ في أصل الوجود المعبّر عنه بقاعدة التجاوز ملحق بموردها بالحكومة و التنزيل المولويّ «1»، فربما يقال بكون المراد بالغير في‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 466.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 251‌

قاعدة التجاوز هو ما يكون مستقلاّ بالعنوان دون غيره.

و ذهب إليه شيخنا الأستاذ قدّس سرّه، و أفاد في وجه ذلك أنّ دليل التنزيل قاصر عن شموله لما لا يكون مستقلاّ بالعنوان، فإنّه منحصر بصحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر، و حكم عليه السّلام في الأولى بالمضيّ في صلاته إذا شكّ في الأذان بعد ما كبّر أو في القراءة بعد ما ركع أو في الركوع بعد ما سجد «1».

و حكم بذلك في الثانية إن شكّ في الركوع بعد ما سجد و في السجود بعد ما قام «2»، فنزّل ما له عنوان مستقلّ من الأجزاء منزلة المركّب دون غيره «3».

و فيه: أنّ الأمثلة المذكورة و إن كانت كلّها من العناوين المستقلّة إلاّ أنّه- سلام اللّه عليه- حكم بعدم الاعتناء بالشكّ فيما قد مضى و خرج عنه بنحو الإطلاق في الأولى و العموم في الثانية، فإطلاق الأولى و عموم الثانية شاملان للشكّ فيما قد مضى مع الدخول فيما لا يستقلّ بالعنوان أيضا. و إن أراد الأخذ بالقدر المتيقّن في مقام التخاطب، فهو- مضافا إلى عدم صحّته في نفسه- يجري في المطلق دون العامّ، و رواية محمد بن مسلم عامّة.

ثمّ إنّه لو اقتصر على موارد الأمثلة المذكورة في الروايتين و لم يتمسّك بالكبرى العامّة، فلا وجه للحكم بعدم الاعتناء بالشكّ في الفاتحة بعد ما شرع في السورة، فإنّه غير مذكور في الروايتين، و لا دليل على أنّها أيضا نزّلت منزلة المركّب، و إن كان التمسّك بالإطلاق و العامّ، فلا وجه للتخصيص بالدخول في «الغير» المستقلّ.

______________________________
(1) التهذيب 2: 352- 1459، الوسائل 8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(2) التهذيب 2: 153- 602، الاستبصار 1: 358- 1359، الوسائل 6: 317- 318، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

(3) أجود التقريرات 2: 473.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 252‌

و بالجملة، لا وجه لاعتبار كون الغير ممّا يستقلّ بالعنوان حتى على مختاره قدّس سرّه أيضا.

نعم، لو شكّ فيما له كمال ارتباط بما دخل فيه- كما إذا شكّ في حال الاشتغال بقراءة الكلمة الأخيرة من آية في أنّه قرأ أوّلها أو لا- فلا بدّ من الاعتناء به، لأنّ المضيّ الحقيقي و الدقّي و إن كان محقّقا إلاّ أنّ الميزان هو صدق المضيّ عرفا، و العرف يرى مجموع الآية المرتبط بعض كلماتها ببعض شيئا واحدا.

و أوضح من ذلك في لزوم الاعتناء به الشكّ في حال الاشتغال بقراءة آخر كلمة في أنّه قرأ حرف أوّلها أو لا.

المسألة الرابعة: لا إشكال في كون الشكّ في السجود بعد ما دخل في التشهّد من الشكّ بعد التجاوز،

و ممّا لا يعتنى به حتى على القول باعتبار الدخول في «الغير» المستقلّ بالعنوان، فإنّ التشهّد يكون كذلك.

و توهّم لزوم الاعتناء به من جهة أنّه اعتبر في الروايتين الشكّ في السجود بعد ما قام لا بعد ما شرع في التشهّد فاسد، فإنّ المثال فرض في الركعة الأولى، حيث إنّ السؤال عن الشكّ في الأذان بعد ما كبّر، و التكبير بعد ما قرأ، إلى أن ينتهي إلى الشكّ في السجود بعد ما قام.

المسألة الخامسة: الدخول في مقدّمات الأفعال لا اعتبار به في مورد قاعدة التجاوز،

لما عرفت من أنّ المضيّ في موردها لا بدّ و أن يلاحظ بالنسبة إلى محلّ المشكوك، و من المعلوم أنّه لم يمض محلّ الركوع ما لم يصل إلى حدّ السجود، و هكذا لم يمض محلّ السجود ما لم يستو قائما، فالشكّ في الركوع حال الهويّ و في السجود حال النهوض لا بدّ من الاعتناء به، لعدم كونهما ممّا يترتّب على الركوع و السجود شرعا. بل قيل: إنّه لا يعقل كونهما من الأجزاء المترتّبة التي تعلّق بها التكليف، فإنّ تعلّقه بهما- مع كونهما ممّا لا بدّ منهما‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 253‌

عقلا- لغو، و هذا نظير إنكار الوجوب الشرعي للمقدّمة.

ثمّ لو فرضنا شمول قاعدة التجاوز للشكّ في حال النهوض، تخصّص بصحيحة عبد الرحمن، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل رفع رأسه عن السجود، فشكّ قبل أن يستوي جالسا، فلم يدر أ سجد أم لم يسجد، قال عليه السّلام:

«يسجد» قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما، فلم يدر أ سجد أم لم يسجد، قال عليه السّلام: «يسجد» «1».

نعم، هناك صحيحة أخرى لعبد الرحمن «2» أيضا ادّعي ظهورها في عدم الاعتناء بالشكّ في الركوع حال الهويّ إلى السجود، فلو دلّت على ذلك تتبّع في موردها، إلاّ أنّ الظاهر عدم دلالتها على ما ذكر، فإنّ قوله فيها: «رجل أهوى إلى السجود فلا يدري أ ركع أم لم يركع» ظاهره تحقّق الهويّ لا الشروع فيه، حيث إنّه بصيغة الماضي، و فرق بين «أهوى» إلى السجود فشكّ و بين «يهوي» إلى السجود فشكّ، فإنّ الأوّل ظاهر في كون الشكّ حال السجود، و الثاني ظاهر في تحقّق الشكّ حال الهويّ، كالفرق بين «صلّى فلان» و «فعل كذا» و «يصلّي» و «يفعل كذا» و الحاصل: أنّه أهوى إلى السجود معناه سقط إلى السجود، فقوله عليه السّلام في الجواب: «قد ركع» يكون على طبق القاعدة، فظهر أنّ الشكّ في حال الهويّ كالشكّ في حال النهوض، فلا بدّ من الاعتناء به على طبق القاعدة، و أنّ تفصيل صاحب المدارك بين الفرعين و القول بعدم الاعتناء في الأوّل عملا بالرواية و بالاعتناء في الثاني «3» ليس على ما ينبغي، لعدم ظهور الرواية في‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 153- 603، الاستبصار 1: 361- 362- 1371، الوسائل 6: 369، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6.

(2) التهذيب 2: 151- 596، الاستبصار 1: 358- 1358، الوسائل 6: 318، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6.

(3) مدارك الأحكام 4: 249- 250.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 254‌

السؤال عن الشكّ حال الهويّ، بل ظاهرها هو السؤال عن الشكّ حال السجود، و لا أقلّ من الإجمال.

و ممّا ذكرنا ظهر أيضا فساد ما أورد على صاحب المدارك قدّس سرّه من أنّ هذا التفصيل من الجميع بين المتناقضين، إذ لو اكتفي بالدخول في المقدّمات، فلا بدّ من القول بعدم الاعتناء في كلا الفرعين، و لو لم يكتف فلا بدّ من القول بالاعتناء في كليهما، و لا وجه للتفصيل، فإنّ مرجعه إلى القول باعتبار الدخول في المقدّمات و عدم الاعتبار.

وجه الفساد: أنّ الاعتبار بالدخول في المقدّمات و عدمه ليس من القواعد العقليّة غير القابلة للتخصيص، فمن الممكن اعتباره في بعض المقدّمات بورود النصّ الخاصّ دون بعض.

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ قدّس سرّه سلّم ظهور الرواية في حصول الشكّ بعد الشروع إلى الهويّ و قبل الوصول إلى السجود، و لكن ادّعى أنّ هذا الظهور بالإطلاق، حيث تشمل الرواية بإطلاقها مورد الشكّ بعد الشروع في الهويّ و قبل الوصول إلى السجود، و مورد الوصول إلى حدّ السجود. و هذا الإطلاق يقيّد بصحيحة زرارة «1»، الحاكمة- بمقتضى ورودها في مقام التحديد- بالاعتناء بالشكّ في حال الهويّ قبل الوصول إلى السجود «2».

و قد عرفت عدم ورودها في مقام التحديد، و أنّ ما ذكر فيها من الموارد من باب المثال، مضافا إلى ما عرفت من عدم ظهور للرواية- أي صحيحة عبد الرحمن- حتى نحتاج إلى استعمال دليل مقيّد لإطلاقها.

______________________________
(1) التهذيب 2: 352- 1459، الوسائل 8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(2) أجود التقريرات 2: 473- 474.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 255‌

فرع: لو شكّ في حال القيام بعد انحنائه للركوع في أنّ انحناءه كان بمقدار الواجب أو لا، و بعبارة أخرى: إذا شكّ في صحّة الركوع في حال القيام، تجري فيه قاعدة التجاوز، لأنّ الشكّ يكون فيما قد مضى في حال الدخول في «الغير» المترتّب على الركوع شرعا و هو القيام بعده، حيث إنّه من واجبات الصلاة، فيشمله جميع عناوين الروايات من «التجاوز» و «المضي» و «الخروج عن الشي‌ء» و أمثال ذلك، مضافا إلى ورود صحيحة فضيل «1» على ذلك.

لكن ذهب صاحب الحدائق إلى لزوم الاعتناء قاعدة و نصّا «2».

و الظاهر أنّه من اشتباه القيام المتّصل بالركوع- الّذي قيل بركنيّته- بهذا القيام، فإنّ الشكّ في الركوع في حال القيام قبل الركوع مورد للاعتناء قاعدة و نصّا.

المسألة السادسة: لو شكّ في أنّه سلّم لصلاته أو لا،

ذهب شيخنا الأستاذ قدّس سرّه إلى جريان قاعدة الفراغ في جميع صوره «3».

و الحقّ هو التفصيل، فإنّه تارة يكون الشكّ بعد الدخول فيما هو مترتّب على الصلاة شرعا من واجب كصلاة العصر، أو مستحبّ كالتعقيب. و أخرى يكون بعد الدخول في أمر مباح أو مستحبّ غير مربوط بالصلاة. و ثالثة بعد الدخول فيما ينافي الصلاة بمطلق وجوده سهوا أو عمدا، كالاستدبار. و رابعة بعد الدخول فيما ينافي الصلاة عمدا فقط.

فإن كان بعد الدخول فيما هو مترتّب شرعا عليها، فلا ينبغي الشكّ في‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 151- 592، الاستبصار 1: 357- 1354، الوسائل 6: 317، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3.

(2) الحدائق الناضرة 9: 191- 192.

(3) أجود التقريرات 2: 471- 473.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 256‌

جريان قاعدة التجاوز، لصدق «المضيّ» و غير ذلك من العناوين المأخوذة في الروايات.

و إن كان بعد الدخول في أمر مباح، كمطالعة كتاب و نحوها، أو مستحبّ غير مربوط بها، فلا ينبغي الشكّ في وجوب الاعتناء به، و عدم جريان شي‌ء من القاعدتين: لا الفراغ و لا التجاوز، لأنّه يحتمل وجدانا أن يكون بعد في الصلاة و أن لا تكون صلاته ماضية، فمع الشكّ في الفراغ و المضيّ كيف يجري فيه قاعدتي الفراغ و التجاوز!؟ و الحاصل: أنّ الشبهة مصداقيّة لا يصحّ التمسّك بالعامّ فيها.

و إن كان بعد الدخول فيما ينافي الصلاة بمطلق وجوده، فهو من أوضح مصاديق الشكّ في صحّة العمل الماضي، إذ لا يحتمل أن يكون فعلا في الصلاة، لتحقّق المخرج عنها، فالشكّ فيما خرج عنه و فيما قد مضى و جاوزه، فتشمله الروايات.

و إن كان بعد الدخول فيما ينافي الصلاة بوجوده العمدي فقط، المعبّر عنه بالمنافيات العمديّة، كالتكلّم، فلا بدّ من الاعتناء به، لأنّ التكلّم- مع العلم بأنّه لم يسلّم لا يكون بمطلق وجوده منافيا للصلاة، و المفروض أنّه تكلّم غافلا عن كونه في الصلاة و عدمه، فيحتمل أن يكون الآن غير فارغ عن الصلاة و أن يكون هذا الكلام من الكلام السهوي في أثناء الصلاة، الّذي لا يكون مبطلا لها و لا موجبا لمضيّها و خروجه عنها، و التمسّك بقاعدة التجاوز مع الشكّ في تحقّق موضوعها- و هو الفراغ و التجاوز- تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

المسألة السابعة: أنّ الشكّ في صحّة المأتيّ به يتصوّر على وجوه:

الأوّل:

أن يكون احتمال الصحّة لأجل تصادف أمر قهري غير مستند إلى اختيار الفاعل كما إذا علم بأنّه كان حين العمل غافلا و لكن يحتمل- لغلبة الماء-

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 257‌

وصول الماء إلى ما تحت خاتمه عند الغسل أو الوضوء، فإنّ غلبة الماء أمر خارجي قهري غير مستند إلى اختياره.

و الظاهر عدم شمول الروايات لهذه الصورة بناء على ما اخترناه من كون حجّيّة القاعدة من باب الكاشفيّة، و أنّ الشارع أمضى تلك الكاشفيّة النوعيّة بمقتضى قوله عليه السّلام: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» «1» و «كان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك» «2» و من المعلوم أنّ الغافل المحض لا يكون مشمولا للرواية، و وصول الماء قهرا و صدفة إلى ما تحت خاتمه من دون اختياره غير مستند إلى أذكريّته، إذ الفرض أنّه كان غافلا حين العمل.

الثاني:

أن يكون الشكّ في صحّة العمل من جهة الشكّ في كون المأتيّ به هل وقع في الخارج مطابقا للمأمور به، و أنّه عمل بوظيفته أم لا؟ و بعبارة أخرى: يحتمل غفلته حال العمل عن الإتيان بما هو وظيفته.

و لا فرق في هذه الصورة بين أن يكون الشكّ لأجل الشبهة الموضوعيّة- كما إذا شكّ في أنّه صلّى بلا سورة أو معها، أو صلّى بلا ركوع أو معه مع العلم بأنّ الركوع و السورة جزءان من الصلاة- أو لأجل الشبهة الحكميّة، كما إذا علم بأنّه صلّى بلا سورة و يشكّ في أنّ السورة جزء أو لا، لكن يحتمل أن يكون عمله مستندا إلى فتوى من لا يرى وجوب السورة، فإنّ الشكّ في كلّ منهما راجع إلى الشكّ في انطباق المأمور به على المأتيّ به بذاته أو بلونه و عدمه.

و هذه الصورة بكلا قسميها هي القدر المتيقّن من روايات الباب، فإنّ احتمال الأذكريّة و الأقربيّة إلى الحقّ موجود في كلا القسمين، غاية الأمر أنّه‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 101- 265، الوسائل 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(2) الفقيه 1: 231- 1027، الوسائل 8: 246، الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 258‌

بالقياس إلى ذات العمل في القسم الأوّل، و بالقياس إلى وصف العمل و لونه- ككونه عن تقليد صحيح- في القسم الثاني.

و من ذلك ظهر أنّه لو عمل عملا بلا اجتهاد و لا تقليد لكن يحتمل مطابقته للواقع من جهة احتمال أنّه احتاط فيه، يكون مشمولا لقاعدة الفراغ أيضا.

الثالث:

أن يكون الشكّ في صحّة المأتيّ به لأجل أمر خارج عن اختياره، بمعنى أنّه يعلم بما أتى به بجميع خصوصيّاته لكن يحتمل صحّته لاحتمال تطابق المأمور به معه قهرا. و هذا هو الّذي يعبّر عنه بما كانت صورة العمل محفوظة عند العامل، كما إذا علم بأنّه توضّأ بمائع خارجي خاصّ و شكّ في أنّ ما توضّأ به ماء أو غير ماء، أو صلّى إلى طرف و بعد فراغه شكّ في أنّ القبلة كانت في هذا الطرف الّذي صلّى إليه أو كانت في خلافه أو يمينه أو يساره. و الظاهر عدم شمول الروايات لهذه الصورة أيضا، فإنّ القطع حال الصلاة بأنّ هذا الطرف قبلة لا يفيد شيئا فضلا عن احتمال كونه ملتفتا حال العمل و احتمال كونه قاطعا بكون القبلة في هذا الطرف.

و بالجملة، احتمال الأذكريّة يفيد في مقام يكون القطع بها فيه موجبا لبراءة الذمّة يقينا، و القطع بها في المقام لا يفيد ذلك فضلا عن احتمالها.

و هذا القسم أيضا لا فرق فيه بين الشبهة الموضوعيّة، كالمثالين المذكورين، و بين الشبهة الحكميّة، كما إذا توضّأ بماء الورد- مثلا- ثمّ شكّ في أنّ الوضوء معه صحيح أم لا، فإنّ القطع بصحّة الوضوء معه حال العمل لا يفيد مع الشكّ في صحّته معه بعده فضلا عن احتمال كونه قاطعا بصحّة الوضوء معه.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ جريان قاعدة الفراغ منحصر بما إذا كان الشكّ في‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 259‌

انطباق المأمور به الواقعي أو الظاهري على المأتيّ به من جهة الجهل بنفس المأتيّ به أو صفته مع احتمال الأذكريّة حال العمل، و أنّه لا مورد لها في غير هذه الصورة.

و ظهر أنّ ما أفاده قدّس سرّه- من جريان القاعدة فيما إذا علم بغفلته حين العمل و كانت صورة العمل غير محفوظة مع إصراره على أماريّة القاعدة- من الجمع بين المتناقضين، إذ أيّ كاشفيّة لعمل الغافل المحض عن كونه مطابقا للمأمور به؟ و قد حمل قدّس سرّه قوله عليه السّلام: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» «1» على كونه حكمة دون علّة «2». و قد أطال الكلام في بحث اللباس المشكوك «3» في ضابطة تميز حكمة التشريع عن علّته بما لا يمكن المساعدة عليه، بل الميزان هو الظهور العرفي و عدمه، و من المعلوم أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «هو حين يتوضّأ» إلى آخره بمقتضى الفهم العرفي هو التعليل، و أنّ ملاك عدم الاعتناء هو الأذكريّة حال العمل، فلا يجري في حقّ الغافل المحض.

المسألة الثامنة: لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ فيما إذا شكّ بعد الصلاة

- مثلا- في أنّه صلّى مستقبلا أو متطهّرا، و بالجملة واجدا للشرائط المعتبرة في الصلاة أم لا.

لكن هذا إذا كان الشكّ في الصحّة ناشئا من الشكّ في تحقّق شرط من شرائط المأمور به و عدمه، كالاستقبال و الطهور و الموالاة و غير ذلك، أمّا إذا كان ناشئا من الشكّ في تحقّق شرط من شرائط التكليف، كما إذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه أتى بها قبل طلوع الفجر أو بعده، ففيه تفصيل، فإنّ المصلّي إمّا يعلم‌

______________________________
(1) تقدّم تخريجه في ص 257، الهامش (1).

(2) أجود التقريرات 2: 480- 481.

(3) رسالة الصلاة في المشكوك: 17 و ما بعدها.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 260‌

بدخول الوقت حال الشكّ أو لا.

فإن كان عالما بحصول الشرط حال شكّه في عمله الماضي، فلا مانع من جريان القاعدة، إذ المكلّف يعلم بأنّه صار مكلّفا بصلاة الصبح يقينا و إنّما أتى بصلاة لا يعلم بوقوعها قبل الوقت أو بعده، فمقتضى الأذكريّة أنّه أتى بها بعد دخول الوقت، فإنّ إيقاع الصلاة قبل الوقت و بعده فعل اختياري للمكلّف، فإذا كان أذكر بمقتضى التعبّد، يوقعها بعد الوقت.

و إن كان حال شكّه في عمله الماضي أيضا في شكّ بحيث لو أراد أن يحتاط بإعادة العمل لا يفيده و لا يعلم ببراءة ذمّته، فلا معنى لجريان القاعدة، فإنّها ناظرة إلى مقام الامتثال و متكفّلة للتعبّد بانطباق المأمور به اليقيني على المأتيّ به لا للتعبّد بوجود الأمر، و المفروض أنّ المكلّف بعد في شكّ من وجود الأمر، و القاعدة أجنبيّة عن إثبات ذلك.

فما أفاده في العروة «1» من التفصيل في هذا الفرع- أي الشكّ في وقوع الصلاة قبل الوقت أو بعده- متين جدّاً و إن كان تعليله يوهم خلاف مراده لكن مراده ما ذكرنا، فلا يرد عليه ما أورده بعض الأكابر في حاشيته.

هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ بعد الفراغ،

و أمّا في الأثناء: ففيه تفصيل، فإنّ الشرائط على ثلاثة أقسام:

منها: الشرائط المتقدّمة،

كشرطيّة الإقامة لصحّة الصلاة على قول. و من هذا القبيل: الطهارات الثلاث على القول بأنّ الشرط نفس الغسلتين و المسحتين في الوضوء، و نفس تلك الأفعال في الغسل و التيمّم، و أمّا على ما استظهرناه ممّا ورد في أنّ كذا ينقض الوضوء، و كذا لا ينقض الوضوء، و هكذا من لفظ‌

______________________________
(1) العروة الوثقى، فصل في أحكام الأوقات، المسألة 7.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 261‌

«النقض» الوارد في رواية زرارة «1» في باب الاستصحاب من أنّه عبارة عن أمر مستمرّ حاصل من تلك الأفعال، لا نفسها، فإنّها توجد و تنعدم، و لا معنى لكون شي‌ء ناقضا لها، فالطهارات تكون من الشرائط المقارنة، و شرط صلاة الصبح مثلا- كما أشرنا إليه- هو تلك الحصّة المقارنة لصلاة الصبح من ذلك الأمر المستمرّ، و أمّا الطهارة الموجودة قبلها و بعدها فهي خارجة عن الصلاة، أجنبيّة عن كونها شرطا لها.

و منها: الشرائط المقارنة، و هي على قسمين:

الأوّل: ما يكون شرطا لمجموع الصلاة مثلا،

بحيث يكون شرطا حتى في السكونات المتخلّلة، كالاستقبال.

الثاني: ما يكون شرطا لخصوص الأجزاء لا للعمل، كالاستقرار و النيّة.

أمّا الأوّل: فلا إشكال في جريان قاعدة الفراغ فيه إذا كان محرزا للشرط بالنسبة إلى ما بيده، مثلا: إذا شكّ حينما يكون ساجدا مستقبل القبلة في أنّ ركوعه هل كان عن استقبال أو لا؟ تشمله قاعدة الفراغ بلا إشكال، لصدق «المضيّ» و «التجاوز» أمّا إذا كان شاكّا حتى بالنسبة إلى ما في يده من الجزء، فلا وجه لجريان القاعدة لا بالنسبة إلى الشرط، لأنّ وجوده مشكوك و لم يمض محلّه الشرعي بالنسبة إلى ما بيده، و بدونه لا يفيد جريانها بالقياس إلى الأجزاء السابقة، و لا بالنسبة إلى المشروط و هي الصلاة مثلا، إذ المفروض أنّه لم يفرغ منها.

و من هذا القبيل الطهارة بناء على ما اخترناه من كونها من الشرائط‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 8- 11، الوسائل 1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 262‌

المقارنة، فلا تجري قاعدة الفراغ إذا شكّ فيها، لعدم صدق المضيّ، فلا وجه لما قيل من أنّه إذا كان الماء عنده، يتوضّأ و يتمّ صلاته، لما عرفت من أنّها شرط للعمل حتى في السكونات المتخلّلة، فلا يفيد إحراز الشرط بقاعدة الفراغ فيما مضى من الأجزاء، و بالوجدان فيما يأتي، للزوم إحرازه في هذا السكون المتخلّل بينهما.

و ربما يقال بأنّ الطهارة و إن كانت من الشرائط المقارنة إلاّ أنّها مسبّبة شرعا عن الغسلات و المسحات، فلا مانع من جريان القاعدة بالنسبة إلى سببها، فإنّ محلّه الشرعي قبل الصلاة، كما يستفاد من قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ «1» إلى آخر الآية.

لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ سببها ليس له محلّ شرعي، بل حيث لا يمكن عقلا إتيان الصلاة مع الطهارة بدون إيجاد سببها قبل الصلاة، فلا بدّ من تحصيله قبل الصلاة فليس له محلّ شرعي بل محلّه عقلي و لا اعتبار به و لا بالمحلّ العادي، و إلاّ يلزم تأسيس فقه جديد كما قيل.

و توهّم أنّ مقتضى التعليل بالأذكريّة اعتبار المحلّ العادي و العقلي أيضا مدفوع بأنّ التعدّي عن مورد العلّة إنّما يكون فيما يناسبه و يسانخه لا مطلقا، ضرورة أنّه لا يتعدّى عن تعليل «لا تأكل الرمّان» بأنّه حامض إلى مطلق استعمال الحامض بل يتعدّى إلى أكل كلّ حامض، و التعليل في المقام لعدم الاعتناء تعليل بالشكّ فيما مضى من أجزاء الوضوء و غيرها من المقدّمات الداخليّة، فلا بدّ من التعدّي عنه إلى الشكّ فيما مضى من الأجزاء أو المقدّمات الداخليّة في كلّ مركّب وضوءا كان أو غيره، و لا يجوز التعدّي حتى إلى ما هو خارج عن‌

______________________________
(1) المائدة: 6.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 263‌

المركّب من المقدّمات.

و أمّا القسم الثاني- و هو ما يكون شرطا لخصوص أجزاء العمل،

كالاستقرار و الموالاة و النيّة، سواء كانت بمعنى قصد القربة أو قصد عنوان العمل، فإنّه لا يعتبر في غير الأجزاء، و لذا لو نوى الخلاف في السكونات المتخلّلة، لا يضرّ بصحّة صلاته- فلا مانع في خصوص الشكّ في الاستقرار من جريان قاعدة الفراغ بالقياس إلى ما مضى من الأجزاء، فإذا انضمّ الباقي من الشرائط إلى الماضي، تصحّ الصلاة، و هذا بلا فرق بين أن يكون محرزا للشرط بالنسبة إلى ما بيده أو لا إذا أتى به و بما بعده صحيحا.

و أمّا الموالاة: فتارة يراد منها الموالاة بين الأجزاء المستقلّة، كالتكبير و القراءة و الركوع و السجود، و اعتبارها بهذا المعنى شرعي كما اعتبرت في الصلاة و الوضوء دون الغسل الترتيبي. و أخرى يراد منها الموالاة بين أجزاء كلمة واحدة أو كلمات كلام واحد مرتبط بعضها ببعض.

و الشكّ فيها بالمعنى الأوّل مورد لقاعدة الفراغ إذا أحرز تحقّقها فيما بيده، مثلا: إذا شكّ في السجود بعد إحراز تحقّق الموالاة بينه و بين الركوع في أنّه هل تحقّقت الموالاة بين الركوع و ما قبله من الأجزاء أو لا؟ تجري قاعدة الفراغ، و أمّا إذا كان حال السجود شاكّا في أنّ سجوده كان عن موالاة بينه و بين ما قبله، فلا يكون موردا لقاعدة الفراغ، لعدم صدق المضيّ و التجاوز.

نعم، بما أنّ اعتبار الموالاة ليس مدلولا لدليل لفظي أخذ فيه عنوان وجودي بل مدركه الإجماع، و أنّ حقيقة الموالاة هي عدم الفصل الطويل، يمكن استصحاب هذا العدم المتحقّق سابقا.

و أمّا الموالاة بالمعنى الثاني: فحيث إنّها عقليّة، بمعنى أنّها من مقوّمات تحقّق الكلمة، و بدونها لا تتحقّق، فالشكّ فيها يرجع إلى الشكّ في وجود‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 264‌

أصل الكلمة أو الكلام، و تجري قاعدة الفراغ بعد الدخول في «الغير» المترتّب، و لا تجري بدونه.

و أمّا النيّة: فإن كانت بمعنى قصد القربة، فاعتبارها شرعيّ على ما اخترناه في محلّه، و الشكّ في تحقّقها بعد إتيان الجزء مورد لقاعدة الفراغ و لو لم يدخل في «الغير» المترتّب، لصدق عنوان المضيّ، بخلاف الشكّ فيها حال إتيان الجزء، فإنّه لا يكون كذلك، لعدم صدق المضيّ.

و إن كانت بمعنى قصد عنوان الفعل، فاعتبارها عقليّ، و الشكّ فيها راجع إلى الشكّ في أصل وجود المشكوكة صحّته من هذه الجهة، فلو شكّ في صحّة جزء من هذه الجهة بأنّ شكّ مثلا في صحّة الركوع من جهة أنّه أتى به بقصد صلاة الظهر أو لا، فإن دخل في «الغير» المترتّب بأن كان شكّه في المثال المذكور في حال السجدة، تجري قاعدة التجاوز، و إن كان شكّه في صحّة الركوع بعد الفراغ منه، لا يكون موردا لقاعدة التجاوز، لعدم صدق المضيّ و التجاوز.

المسألة التاسعة:

أنّ إطلاق الروايات و إن كان يشمل صورة الشكّ في الصحّة مع احتمال الإخلال عمدا إلاّ أنّ مقتضى التعليل بالأذكريّة و الأقربيّة إلى الواقع عدم جريان القاعدة في هذه الصورة، كما لا تجري في صورة الغفلة المحضة و احتمال تحقّق الجزء أو الشرط قهرا و صدفة مع شمول الإطلاق لها أيضا، لصدق الشكّ في الشي‌ء الماضي في كلتا الصورتين.

و الحاصل: أنّ مقتضى قوله عليه السّلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى» «1» إلى آخره، و إن كان التعميم و جريان القاعدة حتى مع احتمال الإخلال‌

______________________________
(1) التهذيب 2: 344- 1426، الوسائل 8: 237- 238، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 265‌

عمدا أو مع العلم بالغفلة حين العمل إلاّ أنّ التعليل يخصّص العموم بغير هذين الموردين، فإذا شكّ في صحّة ما أتى به و احتمل أنّه لم يأت بركوع صلاته عمدا، لا تجري القاعدة، فلا بدّ من الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال، فإنّ الشكّ في مقام الامتثال، و هو مورد للاشتغال.

نعم، لو شكّ في ذلك بعد خروج الوقت، فليس عليه القضاء، لأنّ القضاء تكليف جديد، و هو مشكوك على الفرض، ففرق بين الوقت و خارج الوقت، إذ نتيجة عدم جريان قاعدة الفراغ في الوقت هي الاشتغال، لكون الشكّ في امتثال التكليف المعلوم، و في خارج الوقت هي البراءة عن القضاء، لكون الشكّ في أصل التكليف بالقضاء.

و استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت لا يثبت به عنوان «الفوت» الّذي هو موضوع القضاء، إذ الفوت- سواء كان أمرا وجوديّا أو عدميّا- عنوان ملازم لعدم الإتيان لا أنّه عينه.

بقي الكلام في عموم القاعدة للشكّ في أجزاء الطهارات الثلاث،

و عدمه، و على تقدير عدم عمومها لها هل يعمّ غير الموارد المنصوصة في الوضوء بالخصوص، كالشكّ في صحّة الجزء الماضي، أو لا؟ مثل ما إذا شكّ في حال غسل اليد في أنّه غسل الوجه نكسا و من الأسفل إلى الأعلى أو من الأعلى إلى الأسفل.

و قد اتّفقت الروايات و الفتاوى على لزوم الاعتبار بالشكّ في أجزاء الوضوء في الجملة، و قد اختلفت كلماتهم في كون الغسل و التيمّم ملحقين به في ذلك أم لا، و قد ذكر للإلحاق وجهان:

الأوّل: ما أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ المجعول بالأصالة هو قاعدة الفراغ، و قاعدة التجاوز ملحقة بها بالحكومة و بالتعبّد المولوي، فلا بدّ من‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 266‌

الاقتصار في الإلحاق على مورد التعبّد، و لم يثبت التعبّد في الطهارات الثلاث مطلقا، فلا بدّ من الاعتناء بالشكّ فيها قبل الفراغ منها «1».

و قد عرفت عدم تماميّة مبناه قدّس سرّه، و أنّ القاعدتين مجعولتان بجعل واحد، فلا إشكال في دخولها تحت الكبرى المجعولة، فلا يتمّ ما أفاده من أنّه متى كان داخلا حتى يحتاج خروجه إلى دليل؟ «2».

و الثاني: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ الشارع اعتبر كلاّ منها شيئا واحدا باعتبار وحدة أثره، فغسل الوجه و اليدين و مسح الرّأس و القدمين و إن كانت أمورا متعدّدة حقيقة إلاّ أنّها أمر واحد في اعتبار الشارع و نظره، فمن هذه الجهة لا تجري القاعدة في الشكّ في أجزائها «3».

و هذا الّذي أفاده نظير ما ذكرنا في الشكّ في صحّة كلمة واحدة أو كلام واحد مربوط بعضها ببعض قبل تماميته، لاحتمال الإخلال بالحرف الأوّل أو الكلمة الأولى، فإنّ الشكّ و إن كان في الشي‌ء الماضي حقيقة إلاّ أنّ حروف الكلمة الواحدة أو كلمات كلام واحد، مرتبط بعضها ببعض عند العرف شي‌ء واحد، فلا يصدق المضيّ عرفا.

و لكن لا يخفى ما فيه، إذ لازمه عدم جريان القاعدة في شي‌ء من المركّبات الارتباطيّة، فإنّ الصلاة أيضا في نظر الشارع و اعتباره أمر واحد، لوحدة الغرض المتعلّق بها، و لا يلتزم به أحد، فلا يصلح هذان الوجهان للمانعيّة عن عموم القاعدة و لا إجماع محقّقا في البين، بل ذهب صاحب الجواهر قدّس سرّه إلى عموم القاعدة لغير الموارد المنصوصة من الوضوء مدّعيا عدم‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 466.

(2) أجود التقريرات 2: 468.

(3) فرائد الأصول: 412- 413.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 267‌

تعرّض الأصحاب لتخصيص القاعدة بالقياس إلى غير الموارد المنصوصة من الوضوء «1»، و إن ذكر الشيخ قدّس سرّه في طهارته «2» جملة من الفقهاء المتعرّضين لذلك لكن غايته هي الشهرة الفتوائية، و هي لا تفيد، فالصحيح ما ذهب أو مال إليه صاحب الجواهر قدّس سرّه من تعميم قاعدة الفراغ و التجاوز لغير الوضوء من الغسل و التيمّم، و خروج خصوص الوضوء عنه لكن مطلقا لا خصوص الشكّ في أصل وجود الجزء السابق الّذي هو المنصوص، كما توهّمه صاحب الجواهر، و ذلك لأنّ قوله عليه السّلام مضمونا: «إذا شككت في شي‌ء ممّا أوجبه اللّه و سمّاه في كتابه من وضوئك فكذا» «3» و إن كان ظاهره هو الشكّ في أصل الوجود إلاّ أنّك عرفت سابقا أنّ الشكّ في صحّة الشي‌ء بعينه هو الشكّ في أصل وجود المأمور به و تحقّقه، إذ الفاسد من غسل الوجه مثلا ليس بمأمور به، فلا وجه للتفصيل في الوضوء، بل لا بدّ من التفصيل بين الوضوء و غيره من الغسل و التيمّم، و الالتزام بعدم الجريان في الوضوء مطلقا. هذا تمام الكلام في قاعدة الفراغ.

______________________________
(1) جواهر الكلام 2: 362.

(2) كتاب الطهارة: 164.

(3) الكافي 3: 33- 1، التهذيب 1: 100- 261، الوسائل 1: 469، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net