قاعدة اليد‌ 

الكتاب : القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول) - ج4   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 596

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 287‌

الكلام في قاعدة اليد

لا إشكال في أنّ الاستيلاء على شي‌ء- بمعنى كونه تحت اليد و تحت التصرّف- أمارة غالبيّة عند العقلاء على ملك ذي اليد و المتصرّف، و أنّهم لا يعتنون باحتمال كونه ملكا للغير.

و لا إشكال أيضا في أنّ الشارع أمضى هذه السيرة، فتقدّم قاعدة اليد على الاستصحابات الحكميّة الجارية في موردها بالحكومة، و لو كانت أصولا محرزة أو غير محرزة، تقدّم عليها أيضا، لما مرّ في أصالة الصحّة من أنّه لولاه لزم تخصيصها بالفرد النادر.

و الروايات الدالّة على اعتبار اليد كثيرة:

منها: رواية حفص، الواردة فيمن سأل عن جواز الشهادة باليد، فإنّه بعد ما أجاب عليه السّلام بالجواز قال السائل ما مضمونه: إنّي أشهد بأنّه في يده و لا أشهد بأنّه ملك له، فأجاب الإمام عليه السّلام ما مضمونه قريبا: «إنّك إذا اشتريت منه أما تحلف أنّه ملك له؟» قال: نعم، فقال: «لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» «1».

و هذه الرواية و إن لم يعمل بها في موردها، فإنّ المشهور على عدم جواز الشهادة باليد إلاّ أنّها تدلّ على اعتبار اليد و أنّه لو لا الحكم بملكيّة ذي اليد لما في يده، لما قام للمسلمين سوق، و من هذه الجهة تكون معمولا بها، فلا مانع من التمسّك بها.

______________________________
(1) الكافي 7: 387- 1، الفقيه 3: 31- 92، التهذيب 6: 261- 262- 695، الوسائل 27: 292- 293، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 288‌

و المناقشة فيها بأنّها لا تدلّ إلاّ على كون اليد أصلا تعبّديّا اعتبره الشارع حفظا لنظام المسلمين تكون في محلّها لو لم يكن للرواية هذا الصدر، فإنّ صدرها دالّ على أنّه عليه السّلام أمضى ما كان مرتكزا للسائل من الاشتراء بلا تحقيق عن كونه ملكا لمن في يده، و من المعلوم أنّه إمضاء لما عليه العقلاء من كاشفيّة اليد عن الملك.

و منها: ما ورد فيمن اشترى من السوق عبدا، فادّعى أنّه كان حرّا قهر فبيع، فحكم عليه السّلام بجواز شرائه ما لم يقم بيّنة على كونه حرّا «1». و مثل هذه الرواية ورد في الجارية «2» أيضا.

و منها: رواية مسعدة بن صدقة، و مضمونها أو لفظها أنّ «كلّ شي‌ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه، و ذلك مثل الثوب يكون عليك و لعلّه سرقة، و الحرّ يكون عندك و لعلّه عبد قهر فبيع» «3» إلى آخرها، فإنّ الظاهر أنّها لبيان قاعدة الحلّ، و الأمثلة المذكورة تنظير لها، فالإمام عليه السّلام على هذا في مقام بيان أنّك لا تكون مأمورا بالواقعيّات، ما شككت في كونه حلالا حلال لك، و هذا نظير أنّك لا تفتّش في حال اليد و تشتري من ذي اليد الثوب و من يدّعي كونه عبدا مع احتمال أنّ ما اشتريت لم يكن ملكا له واقعا.

و احتمال كون «حلال» خبرا لمجموع قوله: «كلّ شي‌ء لك» على أن يكون المعنى كلّ شي‌ء عندك و تحت تصرّفك مثل ثوبك و عبدك و امرأتك فهو‌

______________________________
(1) الفقيه 3: 140- 614، التهذيب 7: 74- 317، الوسائل 18: 250، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

(2) الكافي 5: 211- 13، الفقيه 3: 140- 613، التهذيب 7: 74- 318، الوسائل 18:

250، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

(3) الكافي 5: 313- 40، التهذيب 7: 226- 989، الوسائل 17: 89، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 289‌

حلال لك، ساقط لا يعتنى به، فإنّه خلاف الظاهر جدّاً.

و منها: ما ورد في محاجّة أمير المؤمنين عليه السّلام مع أبي بكر في أمر فدك من أنّه قال لأبي بكر: «تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟» قال: لا، قال عليه السّلام: «فإن كان في يد المسلمين شي‌ء يملكونه فادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟» قال: إيّاك كنت أسأل على ما تدّعيه، قال عليه السّلام: «فإذا كان في يدي شي‌ء فادّعى المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بعده و لم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم؟» «1» إلى آخره، فتمسّك عليه السّلام باليد، و أنّها أمارة على الملك ما لم تقم بيّنة على خلافه.

و دعوى أنّها تدلّ على أنّ من ادّعى ملكيّته لما في يد الغير تطلب منه البيّنة لا أنّه يحكم بملكيّة ذي اليد لما في يده، مدفوعة بأنّه عليه السّلام في مقام أنّه ملك لي بمقتضى اليد و من ادّعى خلافه فعليه البيّنة، و لو لم يحكم بملكيّة ذي اليد فلما ذا لا تطلب منه البيّنة و تطلب من غيره؟

و منها: ما ورد من أنّ «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» «2» فإنّه لا وجه لطلب البيّنة من غير ذي اليد إلاّ كون ذيها مالكا لما في يده بمقتضاها ما لم يعلم خلافها بالبيّنة.

و منها: ما ورد موثّقا من أنّ «من استولى على شي‌ء فهو له» «3» و لو لا صدر‌

______________________________
(1) علل الشرائع: 191، الباب 151، الحديث 1، تفسير القمّي 2: 156، الوسائل 27:

293، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 3.

(2) سنن البيهقي 10: 252، كنز العمّال 6: 187- 15282، تفسير القمّي 2: 156، الوسائل 27: 293، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 3. و في الأخيرين بتفاوت يسير.

(3) التهذيب 9: 302- 1079، الوسائل 26: 216، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 290‌

هذه الرواية لأمكنت المناقشة فيها بأنّ مساقها مساق «من حاز ملك» و أنّ مفادها أنّ من استولى على شي‌ء من ماء الشطّ أو غيره من المباحات الأصليّة فهو له.

و بعبارة أخرى: مفادها هو الملكيّة الواقعيّة بالاستيلاء و الحيازة لا الظاهريّة المستكشفة بكونه تحت يده، فمعنى «له» أنّه له واقعا لا أنّه له ظاهرا، و لكن صدرها قرينة على المطلوب، فإنّه في امرأة ماتت عن زوجها أو رجل مات عن زوجته فلا يعلم أنّ أثاث البيت لأيّ منهما، فحكم عليه السّلام بأنّ ما كان من مختصّات المرأة أو الرّجل فهو له أو لها، و ما كان مشتركا بينهما فمشترك بينهما.

وجه القرينيّة: أنّه عليه السّلام حكم بأنّ ما كان من مختصّات المرأة- من الزينة و الثياب و غيرها- و كانت هي تتصرّف فيه فقط و كان تحت يدها لا تحت يد زوجها فهو لها، لكونها مستولية عليه و كان تحت تصرّفها، و ما كان مشتركا بينهما و تحت تصرّف كليهما كان لهما، لكون اليد و الاستيلاء مشتركا بينهما.

هذه مجموع روايات الباب، و لا إطلاق لغير الأخيرة منها يمكن أن يتمسّك به في موارد الشكّ ممّا لم تقم سيرة عليه، لكونها ناظرة إلى الأيادي المتعارفة الموافقة للسيرة، و بهذا المقدار يحصل النظام و لا يعطّل سوق المسلمين.

نعم، الرواية الأخيرة يمكن القول بكونها مطلقة قابلة لذلك.

و الأولى صرف عنان الكلام إلى تنقيح موارد الشكّ، و نقتصر على الكلام في جهتين:

الأولى: في أنّ اليد إذا كانت لها حالة سابقة معلومة

من كونها يد غصب أو أمانة و عارية أو إجارة و احتمل انقلابها إلى يد الملك بسبب من الأسباب هل‌

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 291‌

تكون حجّة أم لا؟ لا شكّ في عدم جريان السيرة في هذه الموارد، و الظاهر أنّ عدم الاعتبار ممّا هو متسالم عليه بين الفقهاء أيضا.

إنّما الإشكال في وجه علمي محض، و أنّه لما ذا لا يكون ما ذكر مشمولا لقوله عليه السّلام: «من استولى على شي‌ء فهو له» «1»؟

و يمكن الجواب بوجهين:

أحدهما: إنكار الإطلاق فيه، فإنّ ظاهره أنّ من استولى على شي‌ء فهو له من حين استيلائه، و في هذه الموارد نعلم أنّه ليس له من حين استيلائه.

ثانيهما: أنّ استصحاب حال اليد من كونها بد غصب مثلا يعارض اليد لو سلّم شمول إطلاق الدليل لهذه الموارد، فتسقط اليد بالتعارض و يرجع إلى الأصل الحكمي، و هو أصالة عدم انتقال الملك إلى ذي اليد.

و لكن هذا التقريب غير تامّ، إذ بعد تسليم إطلاق الرواية لحال الحدوث و البقاء فهو بمنزلة أن يقال: الاستيلاء أمارة للملك في الحدوث و البقاء، و معه لا مجال للتمسّك بالاستصحاب، فإنّ إطلاق الدليل رافع للشكّ، فيرتفع موضوع الاستصحاب، فلا معنى لمعارضته لقاعدة اليد، كما أنّ الوجه الّذي أفاده شيخنا الأستاذ «2» قدّس سرّه أيضا غير تامّ، و هو أنّ استصحاب حال اليد مقدّم على اليد لو سلّم شمول إطلاق دليلها لهذه الموارد، و ذلك لأنّ ما ذكرنا من تقدّم القاعدة على الاستصحاب هو في الاستصحاب الحكمي النافي لما تثبته اليد من الملكيّة، و أمّا الاستصحاب الموضوعي- مثل أصالة بقاء اليد على ما كانت عليه من كونها يد غصب أو إجارة أو أمانة- فهو يثبت حال اليد و يخرجها عن موضوع دليل اليد، ضرورة أنّ موضوعه هو اليد المشكوكة الحال التي لا يعلم‌

______________________________
(1) تقدّم تخريجه في ص 289، الهامش (3).

(2) أجود التقريرات 2: 456- 457.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 292‌

أنّها يد ملك أو غيرها لا ما هو معلوم أنّها يد غصب، فإذا تعبّدنا الشارع بالتعبّد الاستصحابي أنّها يد غصب مثلا، يرتفع موضوع دليل اليد، فيتقدّم الاستصحاب على دليل اليد بالحكومة.

و وجه عدم التماميّة: أنّ دليل اليد لم يؤخذ الشكّ في موضوعه، كدليل الاستصحاب، فإنّ قوله: «من استولى على شي‌ء فهو له» «1» شامل حتى لصورة العلم بالخلاف، و لكن خرجت هذه الصورة عقلا، فلا يفرق بين الاستصحاب الموضوعي و الحكمي في كون كلّ منهما محكوما بدليل اليد.

فالأولى هو الاقتصار في الجواب على الوجه الأوّل و وجه آخر، و هو: أنّ قوله عليه السّلام مضمونا: «أ لست تشتريه منه و تحلف على أنّه لك؟» في رواية حفص «2» يدلّ على أنّ العمل باليد و كاشفيّتها عن الملك قضيّة ارتكازيّة أمضاها الشارع.

و شمول «من استولى» و عمومه لهذه الموارد بعد ما ثبت أنّ مجعوليّة قاعدة اليد ليست لمجرّد التعبّد بل لأنّ لها كاشفيّة عند العقلاء بعيد جدّاً، لضرورة عدم كاشفيّة عند العقلاء لليد المعلوم كونها يد غصب سابقا.

الجهة الثانية: في أنّه هل يعتبر في جريان القاعدة إحراز قابليّة ما في اليد للتملّك

أو يكفي عدم العلم بكونه غير قابل للتملّك أو تجري و لو في صورة العلم بكونه غير قابل للتملّك في الزمان السابق و احتمل طروّ القابليّة بعد ذلك كما في الأوقاف؟

و الظاهر عدم لزوم إحراز القابليّة، بل يكفي احتمالها لكن فيما لم يكن‌

______________________________
(1) تقدّم تخريجه في ص 289، الهامش (3).

(2) الكافي 7: 387- 1، الفقيه 3: 31- 92، التهذيب 6: 261- 695، الوسائل 27:

292- 293، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 293‌

مسبوقا بالعلم بعدم القابليّة، كالأوقاف التي احتملت قابليّتها للتملّك بقاء.

أمّا في غير الأوقاف: فلصريح الروايتين المتقدّمتين «1» إحداهما واردة في رجل يدخل السوق فيشتري عبدا ثمّ يدّعي العبد أنّه كان حرّا قهر فبيع، فحكم عليه السّلام بجواز الشراء ما لم يقم البيّنة على كونه حرّا. و الأخرى أيضا واردة في حادثة بهذا المضمون، فمقتضاهما أنّ مجرّد اليد أمارة على الملك و كون ما في اليد قابلا للتملّك.

و لأنّ اليد حيث إنّها أمارة على الملك فبالدلالة الالتزاميّة تدلّ على كون ما في اليد قابلا للتملّك.

و أمّا عدم جريانها فيما كان مسبوقا بالعلم بعدم القابليّة: فلعدم كاشفيّة لمثل هذه اليد عند العقلاء و عدم شمول الروايات له.

أمّا غير رواية «من استولى على شي‌ء فهو له» فظاهر.

و أمّا هي فلا تشمل أيضا بقرينة صدرها الوارد في أثاث البيت، المانع عن ظهور الذيل في الإطلاق بالإضافة إلى غير ما هو من سنخ أثاث البيت ممّا لا يكون مسبوقا بالعلم بوقفيّتها.

هذا، و لكنّه فرق بين الأوقاف و الأراضي المفتوحة عنوة، فإنّها و إن كانت ملكا لجميع المسلمين و لا يجوز لهم بيعها و شراؤها إلاّ أنّ وليّ الأمر أو نائبه، له أن يملّكها و يبيعها لمصلحة عامّة راجعة إلى المسلمين، فإذا احتمل انتقالها- و لو بعشرين واسطة- إلى ذي اليد، يحكم بملكيّته.

تذييل:

قد ذكرنا أنّ اليد المشكوكة الحال من حين الاستيلاء أمارة للملكيّة بمقتضى سيرة العقلاء و الروايات، و ذكرنا أن لا سيرة في الأيادي‌

______________________________
(1) تقدّمتا في ص 288.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 294‌

المعلومة حالها سابقا، و لا تكون مشمولة للروايات أيضا، فهل يلحق بالعلم بحال اليد سابقا العلم بحال المال بأن علمنا أو قام دليل آخر على أنّه كان قبل ذلك لغير ذي اليد يقينا و احتملنا انتقاله إليه حين حدوث اليد؟

صور المسألة تسع، فإنّ ملكيّة غير ذي اليد للمال إمّا أن يعلم بالعلم الوجداني أو البيّنة أو الإقرار، و كلّ من هذه الثلاث إمّا أن يكون في مورد الدعوى و المرافعة أو لا، و في مورد الدعوى إمّا أن يكون العلم أو البيّنة أو الإقرار متعلّقا بملكيّة المدّعي أو شخص آخر أجنبيّ عن الدعوى.

أمّا ما لم يكن في مورد الدعوى من الصور الثلاث: فلا إشكال في كون اليد أمارة للملكيّة الفعليّة، و لا يضرّها ثبوت كون المال سابقا للغير، فإنّ الملكيّة السابقة لغير ذي اليد لا تنافي ملكيّته فعلا بمقتضى اليد.

و أمّا ما كان في مورد الدعوى و كان المدّعي للملكيّة أجنبيّا من الصور الثلاث: فلا إشكال فيه أيضا، إذ لا ربط له بالمال، فإنّ المفروض أنّ العلم أو البيّنة أو الإقرار لم يتعلّق بكون المال له بل تعلّق بكون المال لشخص آخر لا يدّعي شيئا.

و أمّا الصور الثلاث التي ثبت بالعلم أو البيّنة أو الإقرار أنّ المدّعي هو الّذي كان سابقا مالكا للمال: فلا إشكال في الصورة الأولى منها، و هي صورة علم الحاكم بذلك، سواء قلنا بأنّ الحكم يحكم بالأيمان و البيّنات و لها موضوعيّة بالإضافة إلى الحكم لا بعلمه على ما يستفاد من قوله عليه السّلام: «إنّما أقضي بينكم بالأيمان و البيّنات» «1» أو قلنا بأنّه يحكم بعلمه الوجداني أيضا، إذ على كلّ حال لا يعلم الحاكم بالملكيّة الفعليّة للمدّعي، فيحتاج إلى‌

______________________________
(1) الكافي 7: 414- 1، التهذيب 6: 229- 552، الوسائل 27: 232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 295‌

الاستصحاب، و قد عرفت أنّه محكوم باليد كما هو المفروض.

و أمّا الصورة الثانية منها- و هي صورة الثبوت بالبيّنة- فذهب جماعة، منهم: شيخنا الأستاذ قدّس سرّه إلى أنّها كالصورة السابقة و أنّ البيّنة لا تزيد عن العلم الوجداني، بل ذكر أنّ البيّنة لو شهدت بالملكيّة الفعليّة، و علمنا بأنّ مدركها هو الاستصحاب، لا تنقلب الدعوى، إذ نعلم بشهادتهما بالاستصحاب المحكوم باليد في نظر الشارع «1».

و ذهب جماعة أخرى إلى انقلاب الدعوى و صيرورة ذي اليد مدّعيا و المدّعي منكرا، نظرا إلى جواز الشهادة بالاستصحاب. و هو الحقّ الحقيق بالتصديق، للروايات الكثيرة الدالّة على ذلك.

منها: ما ورد في قضاء ابن أبي ليلى الملعون ما مضمونه: أنّ رجلا غاب عن أهله و أولاده ثلاثين سنة فهل يجوز لنا الشهادة عند ابن أبي ليلى بأنّ هذه الدار له، و أنّه لم يتزوّج ثانيا و لم تكن له أولاد غير هذه مع أنّا نحتمل أنّه نقل داره إلى غيره و تزوّج بزوجة أخرى و صار له أولاد اخر؟ فقال عليه السّلام: «نعم» «2» و غير ذلك من الروايات.

مضافا إلى كفاية نفس ما دلّ على أنّ القضاء لا بدّ أن يكون بالأيمان و البيّنات، ضرورة أنّ الشهادة بالملكيّة الفعليّة تحتاج إلى العلم بالغيب، و أنّ كلّ بيّنة يشهد بمقتضى الاستصحاب، فإنّ غايته أنّه يعلم بملكيّة المدّعي قبل يوم أو يومين و يحتمل انتقاله إلى غيره بعد ذلك، فلولاه لزم تعطيل باب القضاء رأسا.

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 459- 460.

(2) انظر الكافي 7: 387- 2 و 4، و التهذيب 6: 262- 696 و 698، و الوسائل 27: 336، الباب 17 من أبواب الشهادات، الحديث 1 و 2.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 296‌

و أمّا الصورة الثالثة منها- و هي صورة الثبوت بإقرار ذي اليد- فالصحيح فيها انقلاب الدعوى، فعلى ذي اليد أن يثبت انتقاله إليه بسبب من الأسباب، فإنّ إقرار متضمّن لدعوى الانتقال إليه.

و هل يلحق الإقرار للمورّث بالإقرار لنفس المدّعي؟ الظاهر لا، لثبوت السيرة على الأخذ بمقتضى اليد في ذلك و مطالبة المدّعي بالإثبات، ضرورة أنّه لا تسمع عند العقلاء دعوى من يقول: إنّ هذه الدار التي بيد زيد إرث لي من جدّي الأعلى بعشرين واسطة.

و الوجه الاعتباري- الّذي أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ الملكيّة كخيط اعتباري اتّصل أحد طرفيه بالمالك و الآخر بالمال، و في البيع يتبدّل الطرف المتّصل بالمال و في الإرث الطرف المتّصل بالمالك، فيكون الوارث بمنزلة المورّث، و الإقرار له بمنزلة الإقرار للوارث «1»- لا يفيد و لا يمكن إثبات الحكم الشرعي به.

و بذلك ظهر شأن أبي بكر في مطالبة البيّنة عن فاطمة عليها السّلام في أمر فدك التي أقرّت- سلام اللّه عليها- أنّها كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ادّعت- بأبي و أمّي فداها- أنّه صلّى اللّه عليه و آله ملّكها إيّاها عليها السلام، فإنّه لو سلّمت بفرض المحال- و كيف المحال- ولاية أبي بكر على المسلمين، و فرض أنّ ما ابتدعه و اختلقه كذبا على اللّه و رسوله- من أنّه قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضّة، و إنّما نورّث العلم و الحكمة، و أنّ ما تركناه صدقة و في‌ء للمسلمين»- صدر من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، لا تصحّ مطالبة البيّنة، ضرورة أنّها مخالفة لما هو كالضروري و يعرفه أدنى مسلم من «أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من‌

______________________________
(1) أجود التقريرات 2: 461- 462.

القواعد الفقهية و الاجتهاد و التقليد (الهداية في الأصول)، ج‌4، ص: 297‌

أنكر» و ذلك لأنّ غايته بعد التنزيل و التنزيل أنّ أبا بكر ادّعى من قبل المسلمين أنّ فدك في‌ء للمسلمين و صدقة و لم يدّع أحد أنّ المسلمين وارثون للنبي صلّى اللّه عليه و آله دون ابنته و بضعة منه. و الإلحاق لو تمّ إنّما يتمّ في الإرث لا في الوصيّة و الصدقة و نحوهما.

و ليعلم أنّ هذه الرواية مرويّة عن طرقنا «1» أيضا، و ما قلنا: إنّه كذب و افتراء هو ذيلها، و هو: «ما تركناه صدقة و في‌ء للمسلمين» و معنى الرواية بدون هذا الذيل المجعول ظاهر، و لا يكاد يخفى عدم دلالتها على أنّ الأنبياء لا يورّثون حتى ثيابهم، إذ لا أقلّ من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله عند موته، له ثوب لابسه، فالمقصود أنّ الأنبياء ليس همّهم كسائر الناس في جمع المال و الذهب و الفضّة و توريثهم ذلك، بل همّهم هو تعليم العلوم الإلهيّة، و عمدة توريثهم هو العلم و الحكمة.

هذا تمام الكلام في قاعدة اليد و أصالة الصحّة. و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و الصلاة على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

______________________________
(1) انظر: الكافي 1: 34- 1، و بصائر الدرجات: 3- 2، و ثواب الأعمال: 159- 160- 1، و أمالي الصدوق: 58- 9، و عمّا عدا الأوّل في البحار 1: 164- 2.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net