فصل في المياه 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 282

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 9‌

[كتاب الطهارة]

فصل في المياه أقسام المياه:

الماء المطلق الماء المضاف الماء المتغيّر.

الماء الجاري الماء الراكد بلا مادّة- الماء الكر، الماء القليل ماء المطر ماء الحمام ماء البئر الماء المستعمل الماء المشكوك نجاسته‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 10‌

أقسام الماء، طهورية الماء المطلق، الماء المضاف، الماء المضاف لا يرفع الحدث، الشك في الإضافة و الإطلاق، صور تحقق الإضافة و الاستهلاك، الماء المتغير، التغير التقديري، تغير بعض الماء، زوال التغير، أقسام التغير.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 11‌

[فصل في المياه]

فصل في المياه الماء إما مطلق (1) أو مضاف كالمعتصر من الأجسام، أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء.

______________________________
كتاب الطهارة

(1) للمائع أقسام ثلاثة:

(الأول): ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه و لو مجازا، كالحليب، و الدهن المائع، و الزيت، و نحوها، فإن إطلاق الماء على المذكورات يعد من الأغلاط، لعدم مصحح للاستعمال حتى المجاز، كإطلاق الفرس على الكتاب.

(الثاني): ما لا يصح إطلاقه عليه من دون إضافته إلى المتخذ منه، أو المختلط به، إلا على سبيل المجاز، كماء الرمان، و ماء الورد، فإن إطلاق الماء عليهما يكون مجازا، و هذا هو المراد بالماء المضاف.

(الثالث): ما يصح إطلاقه عليه حقيقة بلا إضافة شي‌ء، و هو الماء المطلق.

و من هنا يعلم أن تقسيم الماء إلى المطلق و المضاف إنما هو تقسيم للمعنى الجامع بين الحقيقي و المجازي، نظير تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة، بناء على وضعها لخصوص الصحيحة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 12‌

..........

______________________________
أما القسم الأول: (و هو المائع الذي لا يطلق عليه الماء بوجه) فلا خلاف في أنه لا يكون مطهرا لغيره، لا من الخبث و لا من الحدث، و إن كان طاهرا في نفسه.

و أما القسم الثاني: (و هو المضاف) فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى و المشهور على أنه ليس بمطهر مطلقا، كالقسم الأول، و ذهب الصدوق إلى جواز الوضوء، و غسل الجنابة بماء الورد.

و أما القسم الثالث: و هو «الماء المطلق» [1] فمن ضروريات الدين أنه طاهر في نفسه، و مطهر لغيره من الخبث و الحدث، و نسب إلى عبد اللّه بن عمر: أن التيمم أحب إليه من الوضوء بماء البحر، إلّا أنه شاذ لا يعبأ به كما في الجواهر. و فيه عن سعيد بن المسيب عدم جواز الوضوء بماء البحر.

و يستدل على ذلك- مضافا إلى الإجماع و الضرورة- بالآيات و الأخبار المتواترة.

______________________________
[1] ما ذكره دام ظله يرجع إلى حكم الماء، و أما مفهومه فهو و إن كان من المفاهيم العرفية الواضحة في الجملة، إلا أنه مع ذلك ربما يشك في بعض مصاديقه، إما لأجل الشك في المصداق، و إما لأجل الشك في الصدق، و الشك في المصداق ينشأ عن الشك في ماهية الفرد، و اشتباه الأمور الخارجية، كما إذا شك في مقدار الملح الموجود في ماء إناء معين، بين كمية لا تمنع عن صدق الماء عليه، و بين كمية تمنع عن صدقة عليه. و الشك في الصدق ينشأ عن الشك في سعة المفهوم و ضيقه عرفا، كما إذا شك في صدق مفهوم الماء على ماء إناء معين إذا امتزج بمثقالين من التراب مثلا، للشك في شمول المفهوم لهذا الفرد في نظر العرف مع العلم بشموله للماء القراح، أو الماء الممتزج بقليل من التراب، و مع العلم بعدم شموله للماء الممتزج بتراب كثير كالوحل. و ربما يدعي ان هذا هو الشأن في أغلب المفاهيم العرفية، لعدم انكشاف مناط صدقها على وجه التفصيل، بحيث لا يبقى له مورد اشتباه.

و من هنا أوكلوا ذلك إلى العرف، و قالوا في تعريفه: (هو ما يستحق عرفا إطلاق اسم الماء عليه من غير إضافة) و عليه فلو شك في صدق مفهوم الماء على مصداق بنظر العرف فلا بد من الرجوع إلى الأصول العملية بالنسبة إلى رفع الحدث و الخبث و بالنسبة إلى طهارته و نجاسته بالملاقاة، و هكذا الحال في الشك في المصداق.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 13‌

..........

______________________________
أما الآيات فمنها قوله تعالى في مقام الامتنان على الخلق
وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً «1» و الظاهر أن المراد من الطهور [1] هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، كما ذكره جمع من الفقهاء و اللغويين في تفسير معنى الطهور، لأن‌

______________________________
[1] قد استعمل لفظ الطهور في معان كثيرة.

(أحدها): المصدر، كقولهم تطهرت طهورا حسنا، كما عن سيبويه، و في القاموس:

الطهور المصدر.

(ثانيها): الصفة المشبهة بمعنى الطاهر، و جعلوا منه قوله تعالى شَرٰاباً طَهُوراً.

و عن أبي حنيفة و غيره، إن طهورا بمعنى الطاهر لا غير، مستدلين بان فعولا للمبالغة لا يكون متعديا، و الفاعل منه غير متعد.

(ثالثها): المبالغة في الطاهر بالمعنى اللازم و في الكشاف الجزء الثالث ص 224 في تفسير الآية (طهورا بليغا في طهارته) ثم أنكر على من جعله متعديا.

(رابعها): المطهر أو الطاهر المطهر كما في تعبير بعضهم، و هم بين قائل بدلالته على المبالغة أيضا و بين ناف لذلك، و من القائلين بدلالته على المبالغة مع التعدية الشهيد الثاني في اللمعة. قال: (و الطهور مبالغة في الطاهر و المراد هنا الطاهر في نفسه المطهر لغيره جعل بحسب الاستعمال متعديا، و إن كان بحسب الوضع لازما كالأكول) و حاصل مراده (قده) أن فعولا بحسب الوضع و إن لم يكن متعديا و مأخوذا من التفعيل- كما صرح به الزمخشري و غيره- إلا أنه بحسب الاستعمال قد يكون مأخوذا منه، كما في الطهور فيدل على كونه مطهرا، فهو على خلاف القياس، فإن قياس فعول في المبالغة هو عدم ملاحظة المفعول، و إن كان الفعل متعديا كالأكول، فإنه بمعنى كثير الأكل من غير ملاحظة المأكول، و ضروب بمعنى كثير الضرب و هكذا الودود، و الحسود و نحوهما. و صرح بذلك جملة من أهل الفن، و يكفى ذلك ردا على أبي حنيفة و غيره ممن منع عن استعمال طهور في المتعدي. و ممن فسر الطهور بالمطهر- من دون إضافة المبالغة- صاحب الجواهر، و نسبه إلى جملة من الفقهاء و اللغويين، و المفسرين بنقل عبائرهم، و استشهد على ذلك بروايات كثيرة فراجع (ص 62- 70 الجواهر الطبعة السادسة) و في القاموس: الطهور المصدر و اسم ما يتطهر به أو الطاهر المطهر.

(خامسها): ما يتطهر به، كما يقال الوقود لما يوقد به، و السحور لما يتسحر به، و الفطور لما يفطر به، و الوضوء- بالفتح لما يتوضأ به. و نص على ذلك جملة من اللغويين كالصحاح،

______________________________
(1) الفرقان: 48.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 14‌

..........

______________________________
الظاهر أن فعولا بهيئته في الآية الشريفة اسم لما يتطهر به، كما يقال الوقود لما يوقد به، فيدل بالالتزام على كونه طاهرا في نفسه، لأنه لازم كون الماء ما يحصل به الطهارة.

و ربما يناقش في دلالتها على ذلك تارة بأن أحد معاني الطهور هو الطاهر، و يحتمل إرادته من الآية الشريفة، و أخرى بأن طهورا مبالغة في الطاهر، كصبور، و حسود، و نحوهما، فإن هيئة فعول تكون من صيغ المبالغة أيضا. و عليه فلا تدل على مطهرية الماء، بل على شدة الطهارة فيه.

و يندفع الأول: بأن الطهور بمعنى الطاهر لا يختص بالماء، بل جميع الموجودات عدا النجاسات طاهرة، فلا خصيصة في الماء، حتى يستحق الذكر بخصوصه في مقام الامتنان.

______________________________
و فسر به الآية الشريفة أيضا قال: الطهور ما يتطهر به كالفطور و السحور و الوقود قال اللّه تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً. و كالقاموس و قد تقدم عبارته، و غيرهما، بل عن الذخيرة أنه قد جاء طهور لما يتطهر به باتفاق من وصل إلى كلامه من أهل اللغة، و هو بالفتح لا غير و قد فسر الآية الشريفة بذلك العلامة في التذكرة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن الأنسب بالآية الشريفة هو المعنى الخامس، لأن توصيف الماء بالمصدر خلاف الظاهر، و إرادة الطاهر لا تناسب كون الآية في مقام الامتنان. و إرادة الطاهر- و كذلك المطهر مع المبالغة فيهما- لا تناسب الطهارة الشرعية على ما أفيد في المتن.

و إرادة المطهر بالمعنى المتعدي بدون مبالغة لا تناسب اللغة، لأن فعولا ليس من التفعيل لغة كما صرح به بعضهم على ما عرفت فيتعين المعنى الخامس أي (ما يتطهر به).

و أما من فسره بالمطهر فالظاهر أنه أراد التفسير باللازم، كما يظهر ذلك من عبارة العلامة في التذكرة. قال: (و الطهور هو المطهر لغيره، و هو فعول بمعنى ما يفعل به أي يتطهر به كغسول، و هو الماء الذي يغتسل به لقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً ثم قال:

وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ- الأنفال: 8- لأنهم فرقوا بين ضارب و ضروب و جعلوا الثاني للمبالغة. و أما ما استشهد به من الروايات على إرادة المطهر من الطهور كقوله (عليه السلام) و قد سئل عن الوضوء بماء البحر «هو الطهور ماؤه و الحل ميتته». الوسائل ج 1 ص 102 ب 2 من أبواب الماء المطلق ح 4) فقابلة للحمل على ما يتطهر به.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 15‌

..........

______________________________
و يندفع الثاني: بما ذكرناه في الأصول من أن الأحكام الشرعية- و منها الطهارة و النجاسة- هي أمور اعتبارية كالملكية، و الزوجية، و نحوهما، فلا تكون قابلة للشدة و الضعف، فلا يصح أن يقال: إن ملكية الدار أشد و أقوى من ملكية الكتاب مثلا، أو إن زوجية فلان أشد من زوجية آخر، لأن الأمر الاعتباري فعل من أفعال النفس، يقوم بها قياما صدوريا، فيكون أمره دائرا بين الوجود و العدم، لا الشدة و الضعف.

نعم بعض الأمور الواقعية يكون قابلا لذلك، و هو ما يقع فيه الحركة، كمقولة الكيف مثل الألوان فإن سواد جسم يمكن أن يكون أشد من سواد جسم آخر، إلا أنا قد برهنا في محله: أن الطهارة و النجاسة الشرعيتين ليستا من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع كما زعم، بل هما من الأحكام الشرعية، و الأمور الاعتبارية التي لا تكون قابلة للشدة و الضعف.

نعم يمكن أن يكون الاعتبار متعلقا بالمرتبة الشديدة من الشي‌ء، كما يمكن أن يتعلق بالمرتبة الضعيفة منه، فتكون الشدة أو الضعف ملحوظة في المعتبر لا في الاعتبار، و بهذه الملاحظة لا مانع عقلا من اعتبار الطهارة الشديدة في الماء، إلّا أنه مع ذلك لا يصح القول بأن طهارة الماء أشد من طهارة غيره، فإن الطهارة الشرعية لم يتحصل للشدة فيها معنى معقول.

نعم النجاسة قابلة لذلك، فتكون النجاسة في بعض النجاسات أقوى و أشد من النجاسة في غيره، كما ورد التعبير بالأنجس في الكلب في بعض الروايات.

فإن قيل: لعل شدة الطهارة في الماء من جهة عدم انفعاله بملاقاة النجاسة، و هذا بخلاف غيره من الأجسام الطاهرة.

فإنه يقال إنه لو تم لاختص ببعض المياه، و ظاهر الآية المباركة الواردة في مقام الامتنان و صريح بعض الروايات، إن الماء طهور بجميع أفراده، على أن عدم انفعال الجسم الطاهر بملاقاة النجاسة لو صحح صدق الطهور عليه، لصح‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 16‌

..........

______________________________
صدقه على البواطن بل على ظاهر الحيوان أيضا على وجه غير بعيد.

فعليه لا يمكن دعوى إرادة المبالغة من هيئة (طهور) في الآية الشريفة، مع إرادة الطهارة الشرعية، فيتعين إرادة ما يتطهر به، كما يقال الوقود لما يوقد به، و السحور لما يتسحر به، و الفطور، لما يفطر به، فحينئذ تدل بالمطابقة على مطهريته للغير، و بالالتزام على طهارته في نفسه، لأن النجس لا يكون مطهرا للغير.

و مما يدلنا على أن لفظ الطّهور ليس بمعنى الطاهر، و لا بمعنى المبالغة في الطهارة مضافا إلى ما ذكرناه- توصيف التراب و الأرض في بعض الأخبار بالطهور.

كقوله (عليه السلام) في حديث «إنّ اللّه عز و جل جعل التراب طهورا، كما جعل الماء طهورا» «1».

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» «2».

إذ لا معنى لإرادة الطاهر منه، لأن إرادته لا تناسب مواردها كما أنه لا موجب لاختصاص الطاهر بالتراب و الأرض، لأن بقية الأجسام تكون طاهرة أيضا، و لا وجه متحصل لإرادة المبالغة فيها. و أظهر من ذلك توصيف التيمم بالطهور في بعض آخر من الروايات.

كقوله (عليه السلام) «التيمم أحد الطهورين» «3»، إذ التيمم ليس إلّا الضرب و المسح، و لا معنى لكونه طهورا إلا كونه رافعا للحدث. و بالجملة المستفاد من هيئة طهور- و لو بمعونة الروايات- كون الماء مطهرا للغير بالدلالة المطابقية، و طاهرا في نفسه بالالتزام كما أشرنا اليه، و لعل هذا هو مراد من فسره من الأعلام بأنه الطاهر في نفسه و المطهر لغيره، لا أن المجموع من حيث‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ ص 994/ ب 23 من أبواب التيمم ح 1، ب 24 ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 2/ ص 969/ ب 7 من أبواب التيمم ح 2، 3، 4.

(3) وسائل الشيعة ج 2/ ص 991) ب 21 من أبواب التيمم ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 17‌

..........

______________________________
المجموع هو معنى الطهور.

و ربما يناقش في دلالة الآية الشريفة بأنها تختص بماء المطر، فلا تعم غيره من المياه.

و يندفع: بأن المراد من إنزال الماء من السماء أما الانزال الخارجي، و إما إنزال خلقه و تقديره، كما في قوله تعالى وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ «1» و قوله تعالى يٰا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبٰاسُ التَّقْوىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ «2» و قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ «3» إذا لم ينزل الحديد من السماء خارجا و إنما أنزل من السماء أو العالم العلوي قضاؤه و خلقه، و كذلك نزول اللباس و الريش بل نزول كل شي‌ء يكون من عند اللّه تعالى كما في الآية الثالثة.

و الجواب: أما بناء على إرادة الإنزال الخارجي، فيقال: إن مبدأ جميع مياه الأرض، كالآبار، و العيون، و الأنهار يكون من السماء، لأن مياه الأمطار تدخل جوف الأرض و الجبال فيتكون منها العيون التي هي مبدأ للأنهار و الآبار كما قال تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ «4» و قال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ «5» و قال تعالى أيضا أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا «6».

و وجه دلالتها ظاهر، لأنها وردت في مقام الامتنان مع التخويف، و لا يحصل كمال ذلك إلّا بأن يكون جميع مياه الأرض من السماء، بل مياه البحار أيضا‌

______________________________
(1) الحديد: 25.

(2) الأعراف: 26.

(3) الحجر: 21.

(4) المؤمنون: 18.

(5) الزمر: 21.

(6) الرعد: 17.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 18‌

..........

______________________________
تكون من السماء على ما في بعض الروايات الدالة على وجود مياه في السماء نزلت إلى الأرض و تكونت منها البحار، و إن أبيت عن ذلك، فلا يضرنا خروج ماء البحر عن عموم الآية الشريفة، بعد عدم القول بالفصل بينه و بين سائر المياه.

و اما بناء على المعنى الثاني، أي التقدير و الخلق كما في آية الحديد و غيرها فالجواب أظهر، لأن نزول جميع المياه يكون من السماء بهذا المعنى لكون جميعها مخلوقا له تعالى.

و قد يناقش في عموم الآية بأن كلمة الماء فيها نكرة في سياق الإثبات فلا تفيد العموم.

و يندفع: بأن قرينة الامتنان تقتضي الشمول لعدم حصول المنّة بطهوريّة ماء مجهول، فإن الآية الشريفة وردت في مقام الامتنان على جميع البشر كما أشرنا إليه، و هو قرينة على عدم اختصاص الطهور بصنف خاص، فهذه المناقشات كلها مندفعة.

إلّا أنه مع ذلك يشكل [1] الاستدلال بها على طهورية الماء بالمعنى الشرعي، لأن الظاهر من الآية الشريفة أنها في مقام الامتنان على البشر بجعل الماء رافعا للقذارات و الأوساخ العرفية، لا النجاسة الشرعية التي هي من الأمور الاعتبارية كما قدمنا.

______________________________
[1] و مما يؤيد الإشكال التعليل المذكور في الآية التي بعد هذه الآية لإنزال الماء الطهور من السماء، بقوله تعالى لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً- الفرقان: 49.

فإن إحياء البلد الميت، أي الأرض اليابسة بإنبات الزرع فيها بسبب نزول المطر و كذلك سقي الأنعام و الأناسي بالماء لتعلق حياتهم به لا يتوقف على كونه طاهرا بالطهارة الشرعية المصطلحة كما هو واضح، و إنما يتوقف على كون الماء نقيا عما يضر بحياة النبات و الحيوان من الأمور التكوينية التي ترجع إلى الخالق الحكيم دون الأحكام الاعتبارية الراجعة إلى الشارع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 19‌

..........

______________________________
و وجه الامتنان هو أن البشر لا يستطيع أن يعيش بغير الماء حتى من غير جهة شربه، لأنه معرض للاوساخ و القذارات، فيحتاج إلى شي‌ء يرفعها عنه، و يزيلها به، فخلق اللّه تعالى الماء لذلك، و جعله مزيلا لأوساخه تفضلا منه تعالى عليه، إذ ليس هناك شي‌ء آخر مثل الماء مزيلا لها، بل ربما يوجب مزيد الوساخة كالغسل بماء الرمان و ماء الرقي مثلا، نعم سائر الحيوانات لا تحتاج إلى الماء بقدر احتياج الإنسان إليه في إزالة أوساخه كما هو المشاهد في جملة من الحيوانات التي تزيل أوساخ بدنها باللطع و نحوه.

و إن شئت فقل، إنه لم يثبت معروفية الطهارة الشرعية المصطلحة في عصر نزول هذه الآية الشريفة عند المسلمين في بدء الإسلام، كما صارت معروفة في عصور الأئمة الأطهار (عليهم السلام) عند المتشرعة حتى الآن، فلا بد من حملها على إرادة المعنى اللغوي للطهارة، و هي النظافة بل يكفينا الاحتمال في بطلان الاستدلال.

و منها قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ «1». و هذه الآية الشريفة صريحة في المطهرية، فيكون الاستدلال بها سالما عن جملة من المناقشات السابقة.

نعم يمكن المناقشة فيها بما نوقش في الأولى أيضا من جهة وقوع النكرة في سياق الإثبات فلا تدل على العموم، و يندفع بما تقدم من أن قرينة الامتنان توجب رفع احتمال ارادة الفرد الخاص الذي لا فائدة في جعله مطهرا.

نعم تختص هذه الآية بإشكال، و هو إنها نزلت في وقعة بدر [1] فتكون خطابا‌

______________________________
[1] وقعة بدر على ما في مجمع البيان و غيره، هي أن الكفار قد سبقوا المسلمين إلى الماء، فاضطر المسلمون و نزلوا على كثيب رمل سيال لا تثبت به الأقدام، و أكثرهم خائفون لقتلهم و كثرة الكفار، لأن أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، و كان المشركون ألفا فبات أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تلك الليلة على غير

______________________________
(1) الأنفال: 11.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 20‌

..........

______________________________
إلى أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حيث أنهم احتاجوا إلى غسل الجنابة و الوضوء و لم يكن عندهم ماء، فانزل اللّه تعالى المطر فاغتسلوا و توضأوا، فلا تدل على مطهرية مطلق المياه و لو غير المطر و لا على مطهرية المطر في غير موردها، بل مدلولها مطهرية خصوص ماء المطر، في خصوص وقعة بدر.

و يندفع: بما ورد في الأخبار الكثيرة (ذكرها في مقدمة تفسير البرهان) «1» من أن القرآن يجري مجرى الشمس و القمر، فيكون شاملا للأمة الحاضرة، و الأجيال المستقبلة، فلا يختص القرآن بمن نزل فيهم، لاستلزام القول بالاختصاص بهم ذهاب القرآن بذهاب من نزل فيهم، فلا يكون مورد النزول موجبا للاقتصار على المورد.

و توهم اختصاص الحكم بماء المطر مندفع بأن الغالب هو الاستفادة من مياه الأمطار في الغسل و الوضوء و الشرب بعد نزولها و اجتماعها في الأرض، فتكون كبقية المياه التي في الأرض، و تخرج عن عنوان ماء المطر الذي هو موضوع لأحكام خاصة به كما سيأتي ذكره، و عليه تكون الآية مفيدة لمطهرية الماء النازل‌

______________________________
ماء فاحتلم أكثرهم فأصبحوا محدثين و مجنبين و أصابهم الظمأ، و وسوس إليهم الشيطان، فقال:

تزعمون أنكم على الحق و أنتم تصلّون بالجنابة و على غير وضوء، و قد اشتد عطشكم، و تسوخ أقدامكم في الرمل و لو كنتم على الحق ما سبقوكم إلى الماء، و إذا أضعفكم العطش قتلوكم كيف شاؤا. فأنزل اللّه تعالى عليهم المطر حتى اغتسلوا من الجنابة، و تطهروا به من الحدث، و تلبدت به أرضهم و أوحلت أرض عدوهم، و أذهب عنهم رجس الشيطان أي وسوسته، و نزلت الآية الشريفة إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ- الأنفال: 11.

و من المحتمل أن يكون المراد من رجز الشيطان الاحتلام فتدل على أن الاحتلام من الشيطان كما في بعض الأخبار و المراد بربط القلوب اشتدادها و تشجعها و زيادة وثوقها بما وعد اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و يحتمل أن يكون هذا هو المراد بثبت الأقدام أو تثبيتها في الرمل كما ذكرنا.

______________________________
(1) مقدّمة تفسير البرهان/ ص 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 21‌

..........

______________________________
من السماء بعد نزوله و اجتماعه في الأرض فلا يختص الحكم بماء المطر. و انتفاع أهل بدر به كان بعد نزوله و اجتماعه في الأرض لا حال تساقطه، و هذا هو الغالب في الانتفاع بماء المطر، فتدل الآية الشريفة على مطهرية الماء بما هو ما، لا بما هو نازل من السماء، و الانزال من السماء إنما يكون مقدمة للانتفاع بالماء لا قيدا للانتفاع به.

هذا و لكن الاستدلال بها على ما نحن بصدده من رافعية الماء حتى للنجاسة المصطلحة لا يخلو عن الإشكال، و ذلك لما ذكرناه من أنّ الطهارة و النجاسة الشرعيتين من الاعتبارات المستحدثة في لسان الأئمة الأطهار (عليه السلام) بحيث لم يكن منهما عين و لا أثر في صدر الإسلام، بل ليس في القرآن ذكر (النجس) إلا في قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا «1» و الظاهر إرادة نجاسة الكفر و هي خبث باطن المشركين، و سوء اعتقادهم، بقرينة النهي عن دخولهم في المسجد الحرام، فإن النجاسة الشرعية لا مانع من إدخالها المسجد، و عليه فلا بد من حمل الطهارة في الآية الشريفة على معناها اللغوي، أي النظافة من الأوساخ و القذارات الخارجية التي يبتلى بها الإنسان في كل يوم عادة أكثر من سائر الحيوانات لممارسته ما لا تمارسه في المأكل و المشرب و غيرهما، و لا يتمكن من رفع تلك الأوساخ غالبا إلا بالماء، بخلاف بقية الحيوانات، كما هو المشاهد، فالإنسان أشد حاجة إلى الماء فمنّ اللّه تعالى عليه بإنزال الماء من السماء، فهذه الآية الشريفة انما تكون في مقام الامتنان بأمر تكويني لا في مقام تشريع حكم وضعي فتكون أجنبية عن المقام، نعم لا بد من الالتزام بشمولها لرفع الحدث، و مطهرية الماء عنه، بقرينة تطبيقها على موردها (أعني وقعة بدر) فإن أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا يحتاجون إلى الماء، لغسل الجنابة و الوضوء كما أشرنا إليه، و بقرينة قوله تعالى:

______________________________
(1) التوبة: 28.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 22‌

..........

______________________________
وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «1» فان المراد به الغسل بالماء، و لا منع في ذلك بعد أن كانت الصلاة مشروطة بالطهارة عن الحدث الأكبر و الأصغر من أول تشريعها.

و أما ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» «2».

فلا دلالة فيها على أنها تكون ناظرة لتفسير الآيات الشريفة- مضافا إلى ضعف سندها- لأنها من طرق العامة، فتحصل من جميع ما ذكرنا إنه لا يمكن الاستدلال بالآيات الشريفة على رافعية الماء للخبث.

و أما الأخبار فقد بلغت حد التواتر معنى و هي على طوائف، منها ما تدل على طهارته في نفسه.

كرواية المشايخ الثلاثة (قدس سرهم) بأسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: «الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر» «3».

و هذه الرواية تدل على طهارة الماء في نفسه، و دلالتها على ذلك- بناء على أن صدرها مسوق لبيان الحكم الواقعي، و ذيلها مسوق لبيان الحكم الظاهري بجعل قاعدة الطهارة أو استصحابها- فظاهرة، لصراحة الصدر حينئذ في المطلوب. و أما بناء على أنها صدرا و ذيلا، مسوق لبيان الحكم الظاهري فقط فدلالتها على ثبوت الطهارة الواقعية للماء حينئذ تكون بالالتزام، لأن الحكم بالطهارة الظاهرية عند الشك في الطهارة الواقعية يلازم الحكم بطهارة الماء في نفسه لتكون الطهارة متعلقة للشك من جهة احتمال عروض النجاسة لأمر خارجي، كما هو واضح و مثلها في الدلالة على طهارة الماء جميع أخبار الكر.

______________________________
(1) المائدة: 6.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 101/ ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 100/ ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 23‌

..........

______________________________
كقوله (عليه السلام) «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‌ء»
«1» فإنها تدل على طهارة الماء في نفسه، و انه لا ينفعل بملاقاة النجس إذا كان كرا و ينفعل بها إذا كان أقل، و مثلها في الدلالة الأخبار الواردة في ماء البئر من أن «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء» «2» فإن المراد إنه لا ينجسه شي‌ء من النجاسات إلا إذا تغير، فتدل على كونه طاهرا في نفسه.

و منها الأخبار الدالة على كون الماء مطهرا عن الخبث كصحيحة داود ابن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون» «3» و دلالتها على كون الماء طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره عن الخبث ظاهرة.

و كرواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «الماء يطهّر و لا يطهّر» «4» و موضع الاستشهاد قوله (صلّى اللّه عليه و آله) الماء يطهّر (بالكسر) و أما قوله و لا يطهّر (بالفتح) فالظاهر أن المراد انه لا يطهره غيره لا أنه لا يقبل التطهير لو تنجس كالماء القليل. و مثلها في الدلالة على كون الماء رافعا للخبث جميع الأخبار الإمرة بغسل الأواني و الثياب و الفرش و نحوها عن النجاسات بالماء فإنها تدل على كون الماء طاهرا في نفسه و مزيلا للنجاسة.

و منها الأخبار الدالة على كون الماء رافعا للحدث و هي الأخبار الآمرة بالوضوء و الغسل بالماء فإنها تدل على طهارة الماء في نفسه فإن النجس لا يتطهر به بل تدل على رافعيته للخبث لبطلانهما بالماء النجس، و يكون مفاد هذه الأخبار‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 117/ ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 125/ ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 100/ ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(4) وسائل الشيعة ج 1/ 100/ ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 6.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 24‌

و المطلق أقسام (1): الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكر، و القليل.

______________________________
مفاد آية الوضوء.

ثم إنه لا يمكن الاستدلال بالآيات و الأخبار الدالة على مطهرية الماء، على كيفية الغسل [1] لعدم كونها في مقام بيان هذه الجهة، بل في مقام بيان أصل الطهورية. نعم الأخبار الآمرة بغسل المتنجس يمكن الاستدلال بها على كفاية غسلة واحدة للإطلاق إلّا أن يدل دليل على اعتبار التعدد كما ستعرف تفصيله.

أقسام المياه

(1) قسم جملة من الفقهاء، منهم المحقق في الشرائع مياه الأرض باعتبار تأثير النجاسة بوقوعها فيها و عدمه إلى ثلاثة أقسام (جار و محقون و ماء بئر). و أما المطر فخارج عن المقسم، ثم قسموا الماء المحقون إلى القليل و الكر. و أما العيون فقد يقال بدخولها في الجاري، بتوهم عدم اعتبار وصف الجريان الفعلي فيه، و كفاية مجرد النبع ما لم يصدق عليه عنوان البئر، حتى أن بعضهم عرفها بالنابع غير البئر.

و يشكل بعدم صدق الجاري عليها عرفا و لا لغة، لاعتبار وصف الجريان الفعلي في مفهومه و ربما يقال بدخولها في البئر. و يشكل بعدم الصدق أيضا، و ألحقوا ماء الحمام بالجاري كما في عبارة الشرائع (و يلحق بحكمه «يعني بالجاري» ماء الحمام إذا كانت له مادة) «2». و فرارا من هذه الإشكالات صرح المصنف (قده)

______________________________
[1] بل لا يمكن الاستدلال بها على مطهرية الماء لجميع المتنجسات، لعين الوجه المذكور، و لكفاية لكونه مطهرا لبعض الأشياء في صدق أنه مطهر، فلو شك في قابلية شي‌ء للطهارة به كان مقتضى الأصل بقاؤه على النجاسة، و عليه لا فائدة مهمة في الاستدلال بهذه الآيات و الأخبار بعد عدم إمكان الرجوع إليها في شي‌ء من الجهتين، أي كيفية التطهير، و قابلية الشي‌ء للطهارة به.

______________________________
(2) شرائع الإسلام ج 1/ 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 25‌

..........

______________________________
بذكر جميع الأقسام من دون إدخال بعضها في بعض آخر موضوعا أو حكما. و كان عليه إضافة ماء الحمام إليها، لأنه يختص بمباحث سيأتي ذكرها في محله إن شاء اللّه تعالى. و لا يدخل في الجاري موضوعا لعدم صدقه عليه، إذ المراد به ماء الحياض الصغار، و هي إن كانت متصلة بالمادة لكنها مادة جعلية، و لا يصدق مفهوم الماء الجاري على مثل ذلك، كما أنه لا يلحق بالجاري حكما، لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من اختلاف الأقوال في ماء الحمام، فإن بعضهم قد اعتبر كرية المادة فيه، و بعضهم اكتفى بكون مجموع ما في الحوض الصغير و ما في المادة كرا، و بعضهم لا يعتبر الكرية أصلا، و يكتفي بمجرد الاتصال بالمادة و لو كانت أقل من الكر.

و أما الجاري فلا يعتبر فيه الكرية إجماعا و المخالف شاذ، فظهر أن ذكر جميع الأقسام- كما صنع المصنف (قده) بإضافة ماء الحمام إليها- أولى من حصرها في الثلاثة.

ثم إنّ كان حصر الأقسام في الثلاثة: (الجاري و المحقون و ماء البئر) بلحاظ اختصاص كل قسم منها بأحكام خاصة و إلحاق الباقي بأحد هذه الأقسام حكما و إن لم يكن داخلا فيها موضوعا.

ففيه إن ماء العين لا يلحق بشي‌ء من هذه الأقسام في الحكم، أما عدم لحوقه بالجاري فلعدم اعتبار التعدد في غسل الثوب المتنجس بالبول فيه بلا إشكال، بخلاف ماء العين فإن الأظهر اعتباره في الغسل فيه كما ستعرف. و أما عدم لحوقه بالبئر فلاعتبارهم النزح في طهارته إذا وقع فيه النجس، كما عليه القدماء، أو في رفع الكراهة. كما عليه المتأخرون، أو محض التعبد، كما قال به بعضهم، و لم يعتبروا ذلك في ماء العيون بوجه، و أما عدم لحوقه بالمحقون، فلانفعال القليل منه بخلاف العيون فإنها لا تنفعل بملاقاة النجاسة و إن كانت أقل من الكر لأن لها مادة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 26‌

و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر (1) من الحدث، و الخبث.

[ (مسألة 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر]

(مسألة 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر، لكنه غير مطهر (2) لا من الحدث و لا من الخبث

______________________________
و إن كان بلحاظ الانفعال بالنجاسة و عدمه- كما أشير إليه في صدر البحث- فالأولى تقسيمه بوجه آخر لئلا يبقى ماء الحمام و العين خارجا عنها، فيحتاج إلى تكلف في إلحاقهما بأحدها موضوعا أو حكما و هو أن يقال: الماء إما قليل أو كثير، و على الأول إما أن يكون له مادة أو لا.

أما الكثير- و هو الكر- فلا ينفعل بالملاقاة و إن لم يكن له مادة.

و أما القليل فإن كان له مادة فلا ينفعل أيضا سواء أ كانت مادته أصلية- كالماء الجاري، و البئر، و العين- أم جعلية، كماء الحمام، فيقابل الكر من هذه الجهة، و إن لم يكن له مادة، فينفعل بالملاقاة فيقابل القسمين الآخرين، من جهة عدم الكرية و عدم المادة.

ثم إن كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة، طاهر مطهر من الحدث و الخبث، و لو لم يكن، نازلا من السماء حتى باعتبار أصله، كمخلوق الساعة لصدق الماء عليه، فلا مانع من الوضوء أو الغسل، أو ازالة النجاسة بالمصعد من الأجسام، أو المتقاطر من تصعيد الأبخرة إذا صدق عليه الماء.

(1) تقدم الكلام فيه و فيما يدل عليه من الآيات و الأخبار و الإجماع بل الضرورة، مع المناقشة في دلالة بعضها فراجع.

الماء المضاف

(2) و قد تقدم تعريفه بأنه ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه حقيقة إلا بإضافته إلى المتخذ منه أو المختلط به، على وجه يسلبه الإطلاق.

ثم إنه لا خلاف و لا إشكال في أن الماء المضاف طاهر في نفسه إذا كان‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 27‌

..........

______________________________
المأخوذ منه أو المختلط به طاهرا، مع عدم ملاقاته النجاسة، و إنما وقع الكلام في حكمه في مسائل ثلاث: (الأولى) في رافعيته للحدث، (الثانية) في رافعيته للخبث، (الثالثة) في انفعال كثيرة.

الماء المضاف لا يرفع الحدث أما المسألة الأولى و هي رافعيته للحدث فالمشهور بل ادعي الإجماع في كلمات كثير من الأصحاب على عدم رافعيته له، و خالف في ذلك الصدوق في الفقيه، و قال: لا بأس بالوضوء و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد. و نقل عن ظاهر ابن أبي عقيل إنه جوز الوضوء بل مطلق الطهارة بمطلق المضاف عند الضرورة، و عدم وجود الماء [1].

و يستدل للمشهور بالإجماع و الآيات و الأخبار.

أما الإجماع فهو و ان تكرر دعواه في كلمات جملة من الأصحاب حتى إنهم دفعوا قول الصدوق بانعقاد الإجماع على خلافه قبله و بعده، و لكن لم يحرز كونه إجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام) لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الوجوه لو لم ندّع القطع بذلك.

و أما الآيات فمنها قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً «2» بدعوى أنها واردة في مقام الامتنان على العباد، و لو كان غير الماء محصلا للطهارة أيضا لكان الامتنان بالأعم أولى، فالاختصاص بالماء يدل على عدم حصول الطهارة‌

______________________________
[1] المنقول عن ابن أبي عقيل، انه قال: (ما سقط في الماء مما ليس بنجس و لا محرم، فغير لونه، أو طعمه، أو رائحته، حتى أضيف إليه مثل ماء الورد، و ماء الزعفران، و ماء الخلوق، و ماء الحمص، و ماء العصفر فلا يجوز استعماله عند وجود غيره و جاز في حال الضرورة عند عدم غيره) و مقتضى إطلاق قوله: بجواز الاستعمال حال الضرورة، الشمول لرفع الحدث و الخبث، و لذا أسند النقل إلى ظاهره و عن بعض ان خلافه مختص برفع الخبث.

______________________________
(2) الفرقان: 48.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 28‌

..........

______________________________
بغيره.

و فيه (أولا) أنه قد ذكرنا، أن ظاهر الطهارة في الآيات الشريفة، النظافة من القذارات العرفية، و الأوساخ الخارجية لأن الطهارة الشرعية اصطلاح متأخر، و لا أقل من احتمال ذلك و عدم الظهور فيها.

و (ثانيا) لو سلم شمولها للطهارة الشرعية، يحتمل أن يكون تخصيص الماء بالذكر، مع أن غيره محصل للطهارة أيضا. لأجل أنه أكثر وجودا و أعمّ نفعا و أسهل تناولا من غيره، فالتخصيص بالذكر، لا يلازم التخصيص بالحكم، إذا كان هناك ما يوجب التخصيص بالذكر.

و منها قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا «1»، فان تعالى أمر بالتيمم عند فقدان الماء، و لو كان الوضوء أو الغسل بغير الماء من المائعات المضافة جائزا لم تصل النوبة إلى التيمم، مع أن الآية الشريفة في مقام بيان ما يحصل به الطهارة فدلالتها على سقوط الواسطة بين الماء و التيمم تامة.

و أما الأخبار فمنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منها للصلاة؟ قال: لا، انما هو الماء و الصعيد» «2».

و مورد الرواية، (و هو اللبن) و ان لم يكن من المضاف، فالنهي عن الوضوء به لا يشمل المقام، إلا أن حصر الطهور للصلاة في الماء و الصعيد في ذيل الرواية بقوله (عليه السلام) (إنما هو الماء و الصعيد) يدل على نفي غيرهما و من الظاهر عدم صدق الماء بإطلاقه على الماء المضاف.

و منها رواية عبد اللّه بن مغيرة عن بعض الصادقين قال: «إذا كان الرجل لا يقدر على الماء، و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء أو التيمم‌

______________________________
(1) النساء: 43، المائدة: 6.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 146/ ب 1 من أبواب الماء المضاف ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 29‌

..........

______________________________
الحديث»
«1» و هذه كسابقتها من جهة الصدر و الذيل [1].

و أما قول الصدوق فمستنده رواية محمد بن عيسى عن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك».

هذا و لكن يشكل الاستدلال بها على مذهبه لضعف سندها بسهل بن زياد الواقع في طريقه، و لم تثبت وثاقته، و بمحمد بن عيسى الذي حكى الصدوق فيه عن شيخه ابن الوليد (ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا أعتمد عليه) و قال الشيخ في التهذيب «3». «انه خبر شاذ شديد الشذوذ و ان تكرر في الكتب و الأصول، فإنما أصله يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) و لم يروه‌

______________________________
[1] و يدل أيضا على عدم رافعية المضاف للحدث، الأخبار الكثيرة الآمرة بطلب الماء مع الإمكان، و مع عدمه يتيمم كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصل الحديث (الوسائل ج 2 ص 963 ب 1 من أبواب التيمم ح 1).

فلو كان الوضوء بغير الماء جائزا، لم يجب طلب الماء، و مع عدمه لم تصل النوبة إلى التيمم، بل يتعين الوضوء بالماء المضاف. و نحوها الأخبار الآمرة بالتيمم عند عدم الوصلة إلى الماء كصحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية، و ليس معه دلو، قال: ليس عليه أن يدخل الركية، لأن رب الماء هو رب الصعيد فليتيمم (الوسائل ب 3 من أبواب التيمم ح 1).

و كذلك الأخبار الدالة على وجوب التيمم على من معه ماء نجس أو مشتبه بالنجس.

كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل معه إنائان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر، و هو لا يدري أيهما هو و حضرت الصلاة، و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمم (الوسائل ج 1 ص 116 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 14).

هذا كله مضافا إلى استصحاب بقاء الحدث مع الشك في رافعية المضاف.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 146- 147 ب 1 من أبواب الماء المضاف ح 2 و ب 2 ح 1.

(3) ج 1 ص 218- 219.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 30‌

..........

______________________________
غيره، و قد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره».

و أما دلالتها فقد أوّلها الشيخ (قده) في التهذيب «1» باحتمال أن يكون المراد من الوضوء، التحسين للصلاة أي التطيب لها بماء الورد، كما سمي ذلك بالوضوء في بعض الأخبار [1] لا الوضوء الشرعي، و هكذا يكون المراد من الغسل اللغوي، أي النظافة للصلاة، لا غسل الجنابة.

و فيه انه حمل على خلاف الظهور لأن ذكر الصلاة يكون قرينة على ارادة المعنى المصطلح من الاغتسال و الوضوء مضافا إلى أن التطيب بماء الورد لا يحتمل مانعيته عن صحة الصلاة، حتى يقع تحت السؤال.

و ربما يناقش فيها باحتمال [1] قراءة (الورد) بكسر الواو أي الماء الذي يرده الدواب و غيرها، و هو مظنة السؤال لاحتمال مانعيته عن الوضوء بالماء المذكور، أو لاحتمال نجاسة الماء، لأنه يكون حينئذ معرضا لبول الدواب فيه،

______________________________
[1] كموثقة عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به؟ قال لا بأس يتوضأ به و ينتفع به (الوسائل ج 2 ص 971 ب 7 من أبواب التيمم ح 7)- قال الشيخ- قده- في التهذيب ج 1 ص 219 «معناه أنه يجوز التمسح به، و التوضؤ الذي هو التحسين دون الوضوء للصلاة».

و قد وردت روايات كثيرة في جواز الدلك بالدقيق بعد الطلي بالنورة، لقطع ريحها، و في بعضها انه لا يكون إسرافا إنما الإسراف فيما أتلف المال.

كرواية إسحاق بن عبد العزيز، قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن التدلك بالدقيق بعد النورة، فقال لا بأس. قلت يزعمون أنه إسراف، فقال ليس فيما أصلح البدن إسراف، و إني ربما أمرت بالنقي، فيلت لي بالزيت، فأتدلك به، إنما الإسراف فيما أتلف المال، و أضر بالبدن (الوسائل ج 1 ص 397 ب 38 من أبواب آداب الحمام ح 4).

و نحوها غيرها و هي متعددة مذكورة في نفس الباب.

[2] كما في الجواهر قال- قده- و يحتمل أن يقال الورد- بكسر الواو- أي ما يورد منه الدواب، و هو مظنة للسؤال، لاحتمال ان الوضوء يحتاج إلى ماء خال عن ذلك (جواهر ج 1 ص 314 الطبعة السادسة).

______________________________
(1) ج 1 ص 219.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 31‌

..........

______________________________
و هو نجس عند العامة [1].

و يندفع بأن قراءة الصدوق و الشيخ و غيرهما له (بالفتح) تنفي هذا الاحتمال، و لم تكن كيفية نقل الروايات بعضهم عن بعض بالكتابة، حتى يحتمل فيه الوجهان، بل كانت بقراءة بعضهم على بعض، و قراءة (الورد) في هذه الرواية كانت عند الرواة (بالفتح) و يشهد لذلك فتوى الصدوق الذي هو الراوي إلينا بمضمونها، و كذلك حمل الشيخ (قده) التوضي به على التحسين و التطيب، و هذا أقوى شاهد على عدم قرائتهم له (بالكسر) و فتح باب هذه الاحتمالات في الروايات يوجب تأسيس فقه جديد.

و التحقيق أن يقال إن ماء الورد، على ثلاثة أقسام:

(الأول) الماء المعتصر من الورد، كالمعتصر من بقية الأجسام، كماء الرمان، و ماء العنب، و هذا القسم لو وجد يكون مضافا قطعا، لعدم صدق الماء المطلق عليه، لكن لم يتعارف أخذ ماء الورد بهذا النحو في الخارج.

(الثاني) الماء المجاور للورد بحيث اكتسب منه رائحة بسبب المجاورة، كما إذا ألقي مقدار من الورد في حب من الماء، فإنه يصدق عليه ماء الورد، لكن لا يصير مضافا بذلك قطعا، لأن مجرد اكتساب الرائحة من مجاورة الورد- لا يوجب سلب الإطلاق عنه.

(الثالث) الماء المصعد من قدر يغلي فيه الورد، و هو المسمى- بالجلاب- و في الفارسية يسمى- بگلاب- و كيفيته أن يلقي مقدار من الورد في الماء و يغلي بالنار، فيتصاعد منه البخار فيتقاطر من غطاء يكون على القدر على وجه‌

______________________________
[1] في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (ج 1 ص 16) في مقام عد النجاسات (و منها فضلة ما لا يؤكل لحمه مما له دم يسيل كالحمار و البغل) ثم ذكر في ذيل الصحيفة خلاف الحنفية، و قال (الحنفية قالوا فضلات غير مأكول اللحم فيها تفصيل، فان كانت مما يطير في الهواء فنجاستها مخففة، و إلّا فمغلظة غير انه يعفى عما يكثر منها في الطرق من روث البغال و الحمير دفعا للحرج).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 32‌

..........

______________________________
مخصوص، فيجمع ذلك الماء و يسمى بماء الورد و له رائحة طيبة.

و الظاهر أن هذا القسم أيضا يكون باقيا على إطلاقه، و يكون اضافة الماء إلى الورد حينئذ إضافة لا تقتضي تغيرا في المعنى، كماء البئر، و ماء الحوض، و ماء المطر، و هذه الإضافة لا توجب خروجه عن الماء المطلق بخلاف ما إذا كانت الإضافة مقتضية لتغير في المعنى كماء الرمان و ماء العنب، و السر في ذلك، هو أن الماء المصعد من القدر الذي يغلي فيه الورد. انما هو نفس الماء المطلق المتحول إلى البخار بإصابة النار ثم يتحول البخار إلى الماء ثانيا لاصابة البرودة.

نعم قد اكتسب هذا الماء رائحة طيبة لمجاورته مع الورد، و ذلك لا يوجب خروجه عن كونه ماء مطلقا، كما إذا ألقي فيه قطرة أو أكثر من- العطر- و الحاصل أن المصعد من الماء المطلق مطلق.

و توهم خلط الماء المصعد من القدر باجزاء غير مائية من الورد، و إلا لم يكتسب رائحة منه، و ذلك يوجب خروجه عن الإطلاق.

مندفع بمنع تصاعد تلك الأجزاء مع البخار، و يكفي في كسب الرائحة مجرد المجاورة، و لم سلم فإنما هو بالدقة العقلية و النظر الفلسفي، لا العرف العام المعول عليه في أمثال المقام، فلا يكون مثل ماء الكر حيث أن اختلاطه بالماء يوجب سلب الإطلاق عنه في نظر العرف.

و مما يشهد لما ذكرناه أنه لو بقي ماء الورد- هذا- مدة من الزمن، و زالت عنه رائحة الورد، فلا يشك في صدق الماء عليه حينئذ. و هذا أقوى شاهد على كونه ماء قبل ذلك أيضا، لأن مجرد وجود الرائحة في الماء لا يوجب أن يكون مضافا و عليه لا مانع من حمل الرواية على هذا القسم، بل هو حمل على الفرد المتعارف من ماء الورد، أو هو مع القسم الثاني فلا تكون الرواية على خلاف القاعدة في الوضوء و الغسل بالماء. فظهر أن فتوى الصدوق (ره) ليست على خلاف الإجماع كما توهم، و لا على خلاف القاعدة حتى يحتاج فيها إلى دليل خاص. لخروج ماء الورد عن المضاف الذي هو معقد الإجماع على المنع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 33‌

..........

______________________________
فالأقوى [1] جواز الوضوء و الغسل بهذا القسم من ماء الورد، و إن كان الأحوط تركه خروجا عن توهم خلاف المشهور أو الإجماع و لو سلم أنه مضاف وقعت حينئذ المعارضة- بين هذه الرواية و آية التيمم الدالة على انحصار المطهر في الماء و الصعيد- بالعموم من وجه، فتطرح الرواية، لأنها مخالفة للكتاب، و لا داعي إلى تأويلها بما تقدم عن الشيخ و غيره.

هذا مضافا إلى ضعف سندها في نفسها كما تقدم.

و أما قول ابن أبي عقيل فإنه و إن لم يظهر له مستند، إلّا أنه ربما يستدل له بذيل رواية عبد اللّه بن المغيرة المتقدمة فإنه ذكر فيها بعد ذلك «فإن لم يقدر على الماء، و كان نبيذ فإني سمعت حريزا يذكر في حديث، إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد توضأ بنبيذ، و لم يقدر على الماء» «2» بدعوى عدم الفرق بين النبيذ و غيره من المياه المضافة، فذكر النبيذ يكون من باب عدم حصول القدرة إلا عليه اتفاقا، و لا ينبغي احتمال إرادة النبيذ المسكر النجس لبطلان الوضوء به قطعا لنجاسته، و خروجه عن الماء رأسا، لأنه حقيقة أخرى غير الماء، فالمراد ما ينبذ فيه التمر بحيث يصير مضافا.

و قد تصدى بعض الفقهاء [2] لتوجيه الرواية باحتمال أن يكون المراد من النبيذ- الماء الذي ينبذ فيه بعض التميرات و لم تغير اسمه، كما ورد أن النبيذ‌

______________________________
[1] و عن الشيخ في الخلاف ان قوما من أصحاب الحديث قالوا بجواز الوضوء بماء الورد و عن المحدث الكاشاني في المفاتيح (و يحتمل قويا الجواز- لصدق الماء على ماء الورد) و عنه في الوافية بعد نقل رواية يونس و فتوى الصدوق بها، و معارضة الشيخ- قده- معه و تأويله في الرواية- (ان هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد).

[2] كصاحب الجواهر- قده- (ج 1 ص 314 الطبعة السادسة) و في الوسائل بعد ذكر الحديث (و حمل على ما سيأتي في بيان النبيذ المذكور) و مراده مما سيأتي رواية الكلبي ح 3 في نفس الباب و رواية محمد بن علي بن الحسين ح 4.

______________________________
(2) وسائل الشيعة ج 1/ 147/ ب 2 من أبواب الماء المضاف ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 34‌

..........

______________________________
- بهذا المعنى- حلال، و أن أهل المدينة لما شكوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فساد طبائعهم أمرهم (صلّى اللّه عليه و آله) بأن ينبذوا، و كانوا يضعون الكف من التمر فيلقوه في الشن الذي يسع ما بين الأربعين إلى الثمانين رطلا من أرطال العراق، فكان شربهم منه و طهرهم منه. و أشار بذلك إلى رواية الكلبي النسابة، أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال: حلال، فقال: إنا ننبذ فنطرح فيه العكر و ما سوى ذلك؟ فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة. قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تغير الماء، و فساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، و كان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن، فمنه شربه، و منه طهوره فقلت: و كم كان عدد التمر الذي في الكف؟ قال: ما حمل الكف. قلت واحدة أو اثنتين؟ فقال: ربما كانت واحدة، و ربما كانت اثنتين. فقلت: و كم كان يسع الشن ماء؟ فقال ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك. فقلت: بأي الأرطال؟

فقال: أرطال مكيال العراق «1».

و هذه صريحة في أن النبيذ- الذي يكون حلالا و مطهرا هو ما لا تبلغ حد الإضافة. و مثلها:

مرسلة الصدوق، قال: لا بأس بالنبيذ، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد توضأ به و كان ذلك ماء قد نبذت فيه تميرات، و كان صافيا فوقها فتوضأ به «2».

(و لا يخفى) أن هذا التوجيه خلاف ظاهر الرواية، لأنها تدل على جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم القدرة على الماء. و النبيذ- بالمعنى المذكور- ماء يجوز الوضوء به، حتى مع وجود ماء غيره.

نعم يشكل الاستدلال بالرواية من وجوه أخر:

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 147/ ب 2 من أبواب الماء المضاف ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 148/ ب 2 من أبواب الماء المضاف ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 35‌

..........

______________________________
أحدها- إن التعبير عن الإمام (عليه السلام) ببعض الصادقين- بصيغة الجمع لم يكن مألوفا في الروايات، و لم نعثر على غير هذه الرواية بهذا التعبير.

نعم قد جاء التعبير بأحد الصادقين بصيغة التثنية و المراد بها الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و لكن التعبير بالبعض مضافا إلى صيغة الجمع لم يذكر في غير هذه الرواية، فمن المحتمل إرادة غير الإمام (عليه السلام).

ثانيها- احتمال أن يكون ذيل الرواية من كلام عبد اللّه بن المغيرة، لا الإمام (عليه السلام) لبعد إسناد الإمام الحكم إلى السماع من شخص آخر ينقل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

ثالثها- احتمال التقية فيها لموافقتها لأشهر مذاهب العامة على ما في الوسائل [1] و إن لم نجد ذلك في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة [2] فلم يتم مستند لقول ابن أبي عقيل.

______________________________
[1] قال في الوسائل بعد ذكر الحديث: أقول: و يأتي في النجاسات و الأطعمة ما يدل على نجاسة النبيذ، و تحريمه، و وجوب اجتنابه، فيجب حمل هذا على التقية لمعارضة الأحاديث المتواترة، و الإجماع، و لموافقته لأشهر مذاهب العامة.

[2] في بدائع الصنائع لعلاء الدين الكاساني الحنفي (ج 1 ص 17) نبيذ التمر هو أن يطرح في الماء تمرات، ليخرج من الملوحة إلى الحلاوة. فإن كان رقيقا يتوضأ به عند أبي حنيفة، و إن كان غليظا كالرب فلا يجوز التوضي به بلا خلاف، و كذا إن كان رقيقا لكنه غلا و اشتد و قذف الزبد لأنه صار مسكرا و المسكر حرام فلا يجوز التوضّي به. هذا إذا كان التمر نيا.

و إن كان مطبوخا أدنى طبخة و إن غلا و اشتد و قذف الزبد فعند الكرخي يجوز الوضوء به، لأن اسم النبيذ كما يقع على الني يقع على المطبوخ، فيدخل تحت النص (هو رواية ابن مسعود إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) توضأ بالنبيذ). و عند أبي طاهر الدباس لا يجوز. و هذا القول أقرب إلى الصواب. و في مختصر الطحاوي عند أبي حنيفة يجوز الوضوء به كما يجوز شربه.

و عند محمد لا يجوز شربه، و لا الوضوء، و عند أبي يوسف يجوز شربه و لا يجوز الوضوء به. و أما نبيذ الزبيب و سائر الأنبذة فلا يجوز الوضوء به عند عامة العلماء. و قال الأوزاعي يجوز الوضوء بالأنبذة كلها نيا كان النبيذ أو مطبوخا حلوا كان أو مرا قياسا على نبيذ التمر ه‍.

و في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي (ج 1 ص 136) النبيذ هو أن يلقى في الماء تميرات،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 36‌

..........

______________________________
الماء المضاف لا يرفع الخبث و أما المسألة الثانية و هي رافعية المضاف للخبث فالكلام فيها يقع في مقامين:

(الأول)- أنه هل يعتبر الغسل في تطهير المتنجس، أو يكفي مجرد زوال عين النجاسة- و لو بغير الماء كالمسح بخرقة.

(الثاني)- أنه بناء على اعتبار الغسل هل يعتبر الغسل بخصوص الماء المطلق، أو يكتفي، بمطلق الماء و لو كان مضافا.

أما المقام الأول فالمشهور بل المجمع عليه اعتبار الغسل، و عدم كفاية مجرد زوال العين، إلا في جسم الحيوان غير الإنسان و بواطن الإنسان. نعم عن المحدث الكاشاني الاكتفاء بمجرد زوال العين، إلّا فيما ورد النص فيه بالغسل كالثوب و البدن، و نسب ذلك إلى السيد المرتضى (قده) في تطهير الأجسام الصقيلة. قال في كتاب المفاتيح- على ما حكي عنه-:

(يشترط في الإزالة إطلاق الماء على المشهور، خلافا للسيد و المفيد، و جوزا بالمضاف، بل جوز السيد تطهير الأجسام الصقيلة بالمسح، بحيث تزول العين‌

______________________________
فيصير رقيقا يسيل على الأعضاء غير مسكر و لا مطبوخ. و إنما قلنا حلوا لأنه لو توضأ قبل خروجه إلى الحلاوة يجوز الوضوء به بلا خلاف، و إذا كان مسكرا لا يجوز الوضوء به بلا خلاف، و إذا طبخ فالصحيح أنه لا يتوضأ به. و سائر الأنبذة لا يجوز الوضوء به عند عامة العلماء. و عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات.

الأولى- يتوضأ به و يضيف إليه التيمم استحبابا.

الثانية- يجمع بينه و بين التيمم.

الثالثة- يتيمم و لا يتوضأ به، و إليه رجع، و هو الصحيح و به قال أبو يوسف، و الشافعي، و مالك، و أحمد، و أكثر العلماء و اختاره الطحاوي. و المذهب الصحيح المعتمد عندنا عدم جواز الوضوء به موافقة للأئمة الثلاث، و إذا لم يجز الوضوء به- لا يجوز به الغسل ه‍.

هذه كلماتهم في هذا الباب و تراهم اختلفوا في الجواز و عدمه و يكفي في الحمل على التقية موافقة بعض العامة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 37‌

..........

______________________________
لزوال العلة، و لا يخلو من قوة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات، أما وجوب غسلها بالماء عن كل جسم فلا، فكلما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا ما خرج بدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب و البدن. و من هنا يظهر طهارة البواطن كلها بزوال العين مضافا إلى نفي الحرج، و يدل على الموثق، و كذا أعضاء الحيوان المتنجسة غير الآدمي كما يستفاد من الصحاح).

و المتحصل من كلامه (قده) عدم انفعال المتنجس بملاقاة النجس مع الرطوبة، فيكون زوال العين كافيا في طهارته، لزوال العلة، و هي عين النجاسة.

- و فيه:- أولا: إن ظاهر الأمر بالغسل الوارد في الروايات في مقام بيان كيفية تطهير كثير من المتنجسات. حتى غير الثوب و البدن، كالأواني، و الفرش، و البسط، و الأرض التي لم تصبها الشمس و نحو ذلك- هو الإرشاد إلى أن المعتبر في طهارتها شرعا إنما هو الغسل و عدم كفاية زوال عين النجاسة، بل في بعضها التصريح بالغسل بالماء، كالروايات الآمرة بغسل إناء ولوغ الكلب، و الخنزير، و الخمر، و موت الفارة، و غير ذلك مع إمكان زوال العين بالمسح و التعفير بالتراب و نحو ذلك، بل في إناء الولوغ التصريح بالغسل بالماء بعد تعفيره، مع زوال أثر لعاب الكلب بالتعفير، خصوصا فيما إذا كان الإناء صيقليا كالزجاج، فالمستفاد من مجموع الروايات- الواردة في كيفية التطهير في مقامات مختلفة- عدم الاكتفاء بزوال العين، و اعتبار الغسل في جميع الموارد، للقطع بعدم خصوصية لموارد النصوص، من حيث المورد، و من حيث النجاسة. و أما الاكتفاء بزوال العين في بواطن الإنسان و جسم الحيوان، فهو لدليل خاص لا يجوز قياس بقية الموارد عليهما.

و (ثانيا) إن عموم موثقة عمار الدالة على وجوب غسل كل ما اصابه الماء الذي وقعت فيه ميتة الفارة يشمل غير الثوب و البدن أيضا، مع عدم وجود عين النجس فيما أصابه ذلك الماء.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 38‌

..........

______________________________
و هي ما عن عمار بن موسى الساباطي، إنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فارة، و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلخة، فقال: إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل، أو يتوضأ، أو يغسل ثيابه، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شي‌ء، لأنه لا يعلم متى سقطت فيه. ثم قال: لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها»
«1» و هي صريحة في اعتبار الغسل و عدم كفاية زوال العين. فإن ما أصابه الماء الذي وقعت فيه ميتة الفأرة، لم يكن فيه عين النجس [1].

اعتبار الغسل بالماء و أما المقام الثاني، فالمشهور أيضا، بل في الجواهر دعوى الإجماع على عدم‌

______________________________
[1] و يرد على المحدث الكاشاني أيضا، إن الطهارة و النجاسة من الأحكام الشرعية، و هي أمور اعتبارية يكون وضعها و رفعها بيد الشارع، فإذا حكم الشارع بتنجس الملاقي للنجس مع الرطوبة، يثبت الحكم فيه إلى أن يتحقق الرافع، و لا بد في ارتفاعه من مطهر شرعي، و لم يثبت في الشرع ان مجرد زوال العين يكون مطهرا إلا في موردين فمقتضى الاستصحاب هو الحكم بالنجاسة و لو بعد زوال العين، فالقاعدة الأولية تقتضي عكس ما أفاده المحدث المذكور- قده- و انه يعتبر الغسل بالماء للشك في رافعية غيره للنجاسة. هذا مضافا إلى قيام الدليل على اعتباره كما أفيد في المتن. ثم لا يخفى أن ورود هذا الإشكال و كذا ما أورده سيدنا الأستاذ دام ظله على المحدث المذكور إنما يبتنى على القول بانفعال الشي‌ء بملاقاة النجس كما هو الصحيح، لأنه بناء عليه يصح النزاع في أن المطهر له هل هو زوال العين. أو الغسل بالماء، و لكن قد عرفت أن ظاهر كلامه عدم الالتزام بذلك، لأنه لا يرى إلا وجوب الاجتناب عن أعيان النجاسات، فإذا زالت العين لا يجب الاجتناب عن ملاقيها، إلا ما خرج بالنص كالثوب و البدن، فالمهم إنما هو تصحيح المبني المذكور، و هو موكول إلى بحث السراية فانتظر.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 106/ ب 4 من أبواب الماء المطلق ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 39‌

..........

______________________________
رافعية الماء المضاف للخبث. و ذهب السيد المرتضى (ره) إلى الجواز، و حكاه عن الشيخ المفيد (قده) و عن ابن أبي عقيل التفصيل بين حال الضرورة و غيرها، فيجوز في الأول دون الثاني كما في رفع الحدث به. احتج السيد (قده)- على ما حكي عنه- بوجوه:

(أحدها)- و هو عمدتها- إطلاق الأمر بالغسل من النجاسة من غير تقييد بالماء المطلق في جملة من الأخبار، و هي كثيرة مذكورة في أبواب النجاسات منها:- صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن البول يصيب الثوب؟ قال اغسله مرتين» «1».

و صحيحة إبراهيم بن أبي محمود. قال قلت للرضا (عليه السلام): الطنفسة، و الفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما و هو ثخين كثير الحشو؟ قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه» «2».

و صحيحة زرارة- و هي مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر- قال قلت: أصاب ثوبي دم رعاف، أو غيره،- أو شي‌ء من مني- إلى أن قال قلت:- فإني قد علمت أنه قد أصابه، و لم أدر أين هو فاغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك «3».

و نحوها غيرها.

و ربما يورد عليه: بأن المنصرف من إطلاق الأمر بالغسل هو الغسل بما جرت العادة عليه، و لم تقض العادة بالغسل بغير الماء، لعدم معهودية الغسل بالماء المضاف، بل ادعى بعضهم أن الغسل حقيقة في الغسل بالماء، و بعض أطلق لفظ الحقيقة، و بعض قيدها بالشرعية.

و يندفع بأنه انصراف بدوي ناشئ من غلبة الفرد الخارجي، و مجرد جريان‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ 1001/ ب 1 من أبواب النجاسات ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 2/ 1004/ ب 5 من أبواب النجاسات ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج 2/ 1006/ ب 7 من أبواب النجاسات ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 40‌

..........

______________________________
العادة على استعمال فرد أكثر من غيره لا يوجب اختصاصه به لغة، أو انصرافه إليه عرفا، بعد فرض شمول اللفظ لكليهما في اللغة. (و بعبارة أخرى) إن لفظ الغسل صادق على الغسل بالماء المضاف حقيقة. و لم يقيد في الروايات بالماء المطلق. فحذف المتعلق يفيد العموم في المغسول به، و لا موجب للخروج عنه إلا توهم الانصراف البدوي.

نعم يرد عليه أن مقتضى الجمع بين هذه المطلقات- و ما ورد من الروايات المقيدة للغسل بالماء في موارد كثيرة- هو حمل المطلق على المقيد و إن كانا مثبتين لورود القيد في مقام بيان ما يغسل به، فيثبت له المفهوم و إن كان لقبا بل في بعضها حصر المطهر في الماء بأداة الحصر: كقوله (عليه السلام) في رواية بريد ابن معاوية [1]: «و لا يجزي من البول إلا الماء» «2» و لا فرق بين البول و سائر النجاسات من هذه الجهة، و إن اعتبر فيه التعدد دون غيره.

و في بعضها الآخر بمفهوم الشرط: كقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر: «إن وجد ماء غسله، و إن لم يجد ماء صلى فيه، و لم يصل عريانا» «3» فإنه لو كان الماء المضاف مطهرا لم تجز الصلاة في الثوب النجس مع إمكان التطهير به. و في بعضها بقرينة الامتنان كصحيحة داود بن فرقد المتقدّمة ص.

و أما الروايات المقيدة فهي كثيرة:

(منها) صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره (آخر)؟ قال: يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله» «4».

______________________________
[1] ضعيفة بقاسم بن محمد الظاهر في انه الجوهري بقرينة رواية بن سعيد عنه، و لم يصرح أحد بتوثيقه و لا مدحه.

______________________________
(2) وسائل الشيعة ج 1/ 223/ ب 9 من أبواب أحكام الخلوة ح 6.

(3) وسائل الشيعة ج 2/ 1067/ ب 45 من أبواب النجاسات ح 5.

(4) وسائل الشيعة ج 2/ 1066/ ب 45 من أبواب النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 41‌

..........

______________________________
و (منها): صحيحة فضل أبي العباس (في حديث) «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب؟ فقال: رجس نجس لا يتوضأ بفضله، و أصبب ذلك الماء، و أغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء»
«1».

و (منها) حسنة حسين بن أبي العلاء (في حديث) قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره» «2».

و (منها) موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب و لا تحل الصلاة فيه، و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال:

يتيمم و يصلي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة» «3».

إلى غير ذلك من الروايات الآمرة بالغسل بالماء، بحيث إذا لم يجد الماء، يبقى الثوب على نجاسته، و تجوز الصلاة فيه مع النجاسة إلى أن يتمكن من الماء.

ثانيها- الإجماع، كما حكاه عنه العلامة في المختلف، و استظهره صاحب الحدائق (قده) من كلامه في المسائل الناصرية. و لم يوافق السيد المرتضى (قده) في هذه الدعوى إلا الشيخ المفيد (ره) بل عن المحقق (ره) في بعض مصنفاته:

أنهما أضافا ذلك إلى مذهبنا.

و لا يخفى أن مرادهما الإجماع على القاعدة، و هي حكم العقل بعدم المنع عما لم يرد فيه نهي من الشارع، ثم تطبيقها على المقام بزعم أنه لم يرد في الشرع نهي عن الغسل بالماء المضاف. و أما الإجماع التعبدي في خصوص المقام- فمقطوع العدم، لأنه لم ينسب الخلاف- في هذه المسألة- إلا إلى السيد و المفيد (ره) فكيف بانعقاد الإجماع على رافعية الماء المضاف للخبث.

و فيه: أن الأصل المذكور محكوم باستصحاب نجاسة المحل ما لم يعلم‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ 1015/ ب 12 من أبواب النجاسات ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 2/ 1002/ ب 3 من أبواب النجاسات ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج 2/ 1067/ ب 45 من أبواب النجاسات ح 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 42‌

..........

______________________________
رافعها. فإذا شككنا في رافعية الماء المضاف للخبث، نستصحب نجاسة المغسول به، لعدم قيام الدليل على كونه رافعا له. هذا بناء على المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. و أما بناء على المختار- من عدم جريانه- فيصح التمسك بالأصل المذكور لو لم يقم دليل على المنع، لأن مقتضى قاعدة الطهارة هو طهارة المحل بعد الغسل بالمضاف، و مقتضى أصالة الحل جواز أكله و شربه كما أن مقتضى أصالة البراءة جواز الصلاة فيه، بناء على جريانها في الأقل و الأكثر- كما هو المختار- لكنك قد عرفت قيام الدليل على اعتبار خصوص الماء في رفع الخبث.

ثالثها- قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ «1» حيث أنه أمر تعالى بتطهير الثوب من دون تقييده بالماء. و فيه:

(أولا) أن الظاهر إرادة الطهارة اللغوية- أي النظافة- في القرآن الكريم كما تقدم.

و (ثانيا): سلمنا إرادة المعنى المصطلح في الكتاب العزيز. لكن وردت روايات [1] عديدة- في تفسير هذه الآية الشريفة- بأن المراد بالتطهير فيها إنما هو رفع الثياب و تشميرها- كما في بعض الأخبار- أو تقصيرها- كما في بعض آخر- أي اتخاذها قصيرة لا تسحل على الأرض، من باب «ضيق فم الركية»، أو أن المراد نفسك فطهر من الرذائل.

و (ثالثا): سلمنا إرادة المعنى المصطلح حتى من هذه الآية الشريفة، و أغمضنا عن جميع ما ذكر. لكن المأمور به فيها إنما هو أصل التطهير، و أما كيفيته‌

______________________________
[1] في الكافي «ج 2 ص 207» عن الصادق (عليه السلام) قال: «أي فشمّر» و في رواية يقول: ارفعها و لا تجرها، و في أخرى عن الكاظم (عليه السلام) إن اللّه عز و جل قال لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ. و كانت ثيابه طاهرة. و إنّما أمره بالتشمير- و في التفاسير ما يقرب من ذلك فراجع.

______________________________
(1) المدثر 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 43‌

..........

______________________________
فلم تذكر فيها، و أنها هل تكون بخصوص الماء أم يكتفي بغيره؟ فلا بد من مراجعة دليل آخر يدلنا على ذلك.

(رابعها) أن الغرض من التطهير إزالة عين النجاسة، و هو حاصل بالمائعات غير الماء وجدانا. و تدلنا على أن الغرض منها مجرد زوال العين روايات.

(منها) رواية حكم بن حكيم الصيرفي أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: أبول فلا أصيب الماء، و قد أصاب يدي شي‌ء من البول، فأمسحه بالحائط و بالتراب، ثم تعرق يدي فامسح به وجهي، أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي؟ قال: لا بأس به «1».

و (منها) رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق «2» بدعوى أن البصاق من المضاف، و لا قائل بالفصل بينه و بين غيره.

و (منها) رواية أخرى لغياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يغسل بالبصاق غير الدم «3».

و (منها) مرسلة الكليني قال روي أنه لا يغسل بالريق شي‌ء إلا الدم «4».

و عن المفيد (ره) الاستدلال على دعواه بالرواية عن الأئمة (عليهم السلام) فهي أيضا في حكم المرسلة، لعدم تصريحه بالسند. و يحتمل أن يريد ما ذكرناه من الروايات.

(و فيه) إنه لا يمكن الاستدلال بشي‌ء من هذه الروايات على ذلك، أما رواية، حكم بن حكيم، فهي أجنبية عن المقام، لعدم دلالتها على طهارة اليد بالمسح بالحائط و التراب. و الخصم أيضا لا يدعي ذلك، بل اعتبر الغسل و لو‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ 1005/ ب 6 من أبواب النجاسات ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 149/ ب 4 من أبواب النجاسات ح 2.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 148/ ب 4 من أبواب النجاسات ح 1.

(4) وسائل الشيعة ج 1/ 149/ ب 4 من أبواب النجاسات ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 44‌

و لو في حال الاضطرار

______________________________
بالمضاف، حتى أن المحدث الكاشاني- القائل بكفاية زوال العين- لا يقول به في البدن، فلا يزول البول عن الجسد بالتراب، باتفاق منا و من الخصم. نعم تدل الرواية، على عدم تنجيس المتنجس، لو تم سندها [1].

و أما رواية غياث بن إبراهيم، فهي ضعيفة- سندا- بغياث، لأنه منسوب إلى البطرية [2] و دلالة- لأنها واردة في خصوص البصاق، فلو قلنا بأنه من المضاف، لكانت أخص من المدعي، و دعوى التعميم- إلى غيره من المائعات بعدم القول بالفصل- مندفعة بمعارضتها بمرسلة الكافي المتقدمة الدالة على عدم رافعية الريق إلا الدم.

و أما مرسلة المفيد فهي- مع احتمال إرادته الروايات المذكورة التي عرفت ما فيها- لا يصح الاعتماد عليها، للإرسال. و من هنا نقل عن المحقّق [3] أنه قال:

نمنع من دعواه- أي من دعوى المفيد (ره)- و نطالبه بنقل ما ادعاه.

و أما ما عن ابن أبي عقيل من جواز رفع الخبث بالمضاف في حال الضرورة- فلم نعثر على مستند له سوى رواية عبد اللّه بن المغيرة الواردة في وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالنبيذ عند عدم القدرة على الماء. بدعوى دلالتها على جواز استعمال المضاف بدلا من الماء في حال الضرورة مطلقا- سواء في رفع‌

______________________________
[1] و لا إشكال في سندها إلا من جهة حكم بن حكيم الذي قال النجاشي في ترجمته:

«كوفي مولى ثقة روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكر ذلك أبو العباس في- كتاب الرجال، و قد نوقش في توثيقه من جهة إسناده إلى أبي العباس، و هو مشترك بين الثقة و غيره، هذا و لكن ربما يستظهر رجوع الإشارة إلى خصوص روايته عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا إلى جميع ما ذكره.

[2] و يمكن توثيقه فإن النجاشي وثقه من غير غمز في مذهبه و ذلك لا ينافي ضعف عقيدته كما في غيره. نعم هي ضعيفة بموسى بن الحسن الواقع في طريقها فإنه مجهول إلا أنه واقع في طريق الرواية الأولى لغياث دون الثانية.

[3] كما في الحدائق ص 402.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 45‌

و إن لاقى نجسا تنجس و إن كان كثيرا. بل و إن كان مقدار ألف كر، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس إبرة في أحد أطرافه فينجس كله

______________________________
الحدث و الخبث- لكن قد عرفت الإشكال في سندها و دلالتها.

انفعال كثير المضاف و أما المسألة الثالثة- و هي في انفعال الماء المضاف و إن كان كرا- فيقع البحث عنها في مقامين (الأول) أصل انفعال الماء المضاف بملاقاة النجس (الثاني) عدم الفرق بين قليله و كثيره في ذلك.

أما المقام الأول: و هو أصل انفعاله بالنجس- فيدل عليه مضافا إلى الإجماع المستفيض نقله- جملة من الروايات.

منها الروايات الكثيرة الدالة على نجاسة سؤر الحيوانات النجسة، كالكلب، و الخنزير، و على نجاسة سؤر اليهود و النصارى و النواصب، و إطلاق السؤر يشمل المضاف و لا موجب لاختصاصه بالماء، إذ المراد من السؤر هو مطلق ما باشره جسم الحيوان- على ما يظهر من جملة من الروايات- و إن لم تكن المباشرة بأكل أو شرب، فلا اختصاص له ببقية الشي‌ء، أو بقية الأكل و الشرب، فيشمل المضاف، بل كل مائع و إن لم يكن من المشروب و المأكول و نجاسة السؤر تدل بالالتزام على نجاسة الحيوان الذي باشره، لأن نجاسته من أحكام نجاسته.

كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال ليس بفضل السنور بأس ان يتوضأ منه و يشرب، و لا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقي منه «1» و نحوها ما دل على نجاسة ما شرب منه الكلب أو الخنزير فإن إطلاق المشروب يشمل المضاف كصحيحة علي بن جعفر عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 163/ ب 1 من أبواب الأسئار ح 7.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 46‌

..........

______________________________
قال: يغسل سبع مرات»
«1».

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: اغسل الإناء. الحديث» «2».

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به. و الزيت مثل ذلك» «3».

و موردها. و إن كان السمن و الزيت- لكن المستفاد منها- بقرينة المقابلة بين الجمود و الذوبان- ان علة التنجس هي الذوبان فتسري العلة إلى مطلق المائع كالمضاف. فظهر أنه لا وجه لتضعيف بعضهم الاستدلال بهذه الصحيحة على انفعال المضاف. بدعوى أن مورد الرواية ليس مما نحن فيه. وجه الاندفاع ظهور الرواية بقرينة المقابلة في أن ملاك التنجس هو الميعان.

و منها رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة؟ قال: يهرق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل «4».

و رواية زكريا بن آدم المروية بطرق ثلاثة. قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير، و مرق كثير؟

قال يهراق المرق، أو يطعم أهل الذمة، أو الكلب، و اللحم اغسله و كله، الحديث» «5».

فإن المرق، إما من المضاف لأنه ماء فيه اللحم المطبوخ، و إما أن يكون‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 162/ ب 1 من أبواب الأسئار ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 162/ ب 1 من أبواب الأسئار ح 3.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 149/ ب 5 من أبواب الماء المضاف ح 1.

(4) وسائل الشيعة ج 1/ 150/ ب 5 من أبواب الماء المضاف ح 3.

(5) وسائل الشيعة ج 2/ 1056/ ب 38 من أبواب النجاسات ح 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 47‌

..........

______________________________
تنجسه بلحاظ ميعانه الساري في المضاف أيضا.

و احتمال أن يكون الأمر بإراقة المرق في الرواية الثانية لأجل اشتماله على المحرم من النبيذ، و الخمر، لا لأجل تنجسه بملاقاتهما- مندفع بأن القطرة منهما يستهلك في القدر- خصوصا إذا كان القدر كبيرا كما هو مورد الرواية- فلا موضوع- للمحرم-، مضافا إلى دلالة الأمر بغسل اللحم ثم أكله على أن المنع إنما هو لأجل النجاسة لا الحرمة. هذا و لكن ضعف سند الروايتين يسقطهما عن الاستدلال بهما فلا تصلحان إلا للتأييد.

و منها: موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء، و الذباب، و الجراد، و النملة، و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس «1».

فإن لفظ «شبهه» يشمل المضاف و لم نجد من استدل بهذه الموثقة على انفعال الماء المضاف. و لعله غفلة منهم.

و أما المقام الثاني و هو انفعال كثير المضاف بملاقاة النجس فيدل عليه إطلاق السؤر في الروايات الكثيرة فإنه يشمل الكثير لما ذكرناه من أن المراد بالسؤر هو مطلق ما باشره جسم الحيوان لا خصوص بقية أكله أو شربه كي يقال: إنه مختص بالقليل. بل رواية أبي بصير المتقدمة «2» كالصريحة في انفعال المضاف الكثير و ذلك لأن المستثني فيها هو حوض كبير يستقي منه، فيعتبر في الخارج عن عموم المنع- أمران:

أحدهما، أن يكون ماء بقرينة الاستقاء.

الثاني: أن يكون كرا فإذا انتفى أحد الأمرين لا يجوز شرب سؤر الكلب لتنجسه بملاقاته. فإذا كان سؤره من المضاف يتنجس و إن كان كرا، لانتفاء أحد‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ 1051/ ب 35 من أبواب النجاسات ح 1.

(2) ص 45

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 48‌

نعم إذا كان جاريا من العالي (1) إلى السافل، و لاقى سافله النجاسة

______________________________
القيدين «و هو المائية» عنه. و لا موجب لاختصاص السؤر بالماء بعد شمول إطلاقه لغيره. و لا يكون استثناء خصوص الماء دليلا على اختصاص المستثنى منه به، لأن خصوص المستثني لا ينافي عموم المستثني منه لغير جنس المستثني.

و مثل إطلاق السؤر إطلاق التعليل بالذوبان المستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة «1». فإن التعليل المذكور يشمل الكثير. و لا موجب للترديد في شموله- كما عن بعض- و كذلك إطلاق رواية السكوني. و رواية زكريا بن آدم، فإن بعض القدور يسع الكر كالقدور المستعملة في الأعراس و نحوها خصوصا على مسلكنا من الاكتفاء بسبعة و عشرين شبرا في مقدار الكر. و يؤيده التعبير بلحم كثير. و مرق كثير في رواية زكريا. و نحو ما ذكر إطلاق «شبهه» في موثقة عمار الساباطي. فإذا شملت هذه الروايات بإطلاقها الكر فلا وجه للتفصيل بين كر واحد و أكرار كثيرة، لأن المانع الشرعي عن الانفعال لو كان إنما هو الكر فإن لم يمنع الكر الواحد لم يمنع الأكرار.

هذا مضافا إلى أن المنع عن انفعال المضاف الكثير إذا بلغ أكرارا- كما قيل- لا يرجع إلى ضابط معين يمكن الاعتماد عليه. بحيث يرجع إليه في تشخيص ذلك المقدار، فهو إحالة إلى أمر مجهول.

و بالجملة مقتضى إطلاق الروايات المعتبرة و معاقد الإجماعات المستفيضة بل المتواترة نجاسة المضاف بالملاقاة و إن بلغ أكرارا. و لا دليل للقائل سوى مجرد الاستبعاد المندفع بالدليل، فعيون النفط يحكم بنجاستها إذا علم بمباشرة يد الكافر لها برطوبة مسرية. و أما أدلة مانعية الكر عن الانفعال فهي مختصة بالماء فلا تشمل المضاف كما لا يخفى على من راجع رواياتها فلا تصلح لتقييد هذه الإطلاقات.

(1) جاء في تعليقته- دام ظله- على قول المصنف «قده» «جاريا من‌

______________________________
(1) ص 46

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 49‌

لا ينجس العالي منه كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد كافر فلا ينجس ما في الإبريق و إن كان متصلا بما في يده

______________________________
العالي»: (المناط في عدم التنجس أن يكون الجريان عن دفع و قوة من دون فرق بين العالي و غيره).

بيانه: أن ملاقاة المضاف مع النجس تكون على أنحاء ثلاثة:

(الأول) أن يكون المضاف و النجس في سطح واحد، بأن لا يكون أحدهما أعلى من الآخر.

(الثاني): أن يكون النجس عاليا و المضاف في الأسفل مع عدم تدافع السافل إلى العالي، كما إذا صب الماء النجس على مائع مضاف أو أدخل اليد النجسة في المضاف، و لا إشكال في تنجس المضاف في الفرضين، لتنجس جزء المضاف الملاقي مع النجس، و اتحاده مع الباقي. فيتنجس الكل.

و السر في ذلك هو أن كل جسم من الأجسام المائعة يكون مجموع أجزائه المجتمعة في الوجود موضوعا واحدا للانفعال في نظر العرف، بخلاف الجوامد فإن النجاسة فيها تختص- في نظرهم- بموضع الملاقاة.

(الثالث) عكس الثاني و هو أن يكون المضاف عاليا و النجس في الأسفل مع جريان المضاف عليه بدفع كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد الكافر و لا يتنجس العالي حينئذ و ذلك لعدم اتحاد ما في الإبريق مع الجزء الملاقي للنجس، لعدم اتحاد العالي مع السافل- في نظرهم- إذا كان العالي جاريا عليه بدفع و قوة.

و ليس في الروايات ما يدل على حكم هذه الصورة، لأن مورد جميعها إنما هو غير فرض الجريان، لأن السؤال فيها إما عن وقوع النجس في المائع كرواية زرارة و السكوني و غيرهما المتقدم ذكرها، و إما عن إصابة النجس له كروايات السؤر.

فحينئذ يدور الحكم بالنجاسة و عدمها مدار وحدة الجزء الملاقي للنجس مع الباقي و عدمها. و المرجع في ذلك إنّما هو نظر العرف. و لا إشكال في عدم اتحادهما في نظرهم في الصورة المذكورة. و هذا لا يختص بالمضاف بل يعم مطلق‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 50‌

[ (مسألة 2) الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه]

(مسألة 2) الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه نعم لو مزج معه غيره و صعد كماء الورد يصير مضافا (1) [1].

______________________________
المائعات، الماء و غيره.

و من هنا ورد السؤال عن حكم ماء الحمام من حيث اعتصامه بالعالي الجاري عليه، و عدمه. و سبب السؤال إنما هو عدم اتحاد مياه الحياض الصغار مع الماء الذي يجري عليها من المادة «أي الخزانة» في نظرهم، فسألوا الإمام (عليه السلام) عن اعتصام مياه الحياض بها و عدمه فيما إذا لاقاها النجس كيد اليهودي و النصراني فكما أن نجاسة السافل لا يسري إلى العالي الجاري عليه لعدم اتحادهما، كذلك اعتصام العالي لا يكون موجبا لاعتصام السافل، لنفس الملاك و عدم الملازمة بين طهارة أحدهما أو نجاسته مع طهارة الآخر و نجاسته.

و عليه يكون الحكم بعدم انفعال ماء الحمام لأجل اتصاله بالمادة حكما تعبديا. و من هنا يعلم أنه لا ينفعل السافل- إذا كان خارجا مع الدفع و القوة كالفوارة- بملاقاة العالي للنجس، لعدم الاتحاد أيضا.

(1) أقول: المذكور في هذه المسألة فرعان:

(الفرع الأول): في خروج المطلق بالتصعيد عن الإطلاق و عدمه و الصحيح هو الثاني لصدق الماء عليه بعد التصعيد أيضا. و لكنه ربما يستشكل في بقائه على صفة الطهورية حينئذ بأنها إنما ثبتت لخصوص الماء النازل من السماء- أي المطر- كما هو المستفاد من الآيات الشريفة كقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ- أي مٰاءً طَهُوراً «2» و المصعّد يخرج بالتصعيد عن كونه ماء السماء لاستحالته إلى البخار ثم استحالته إلى الماء ثانيا، و لا دليل على طهورية مطلق المياه.

و قد يجاب بأن التصعيد لا يوجب خروجه عن كونه ماء السماء. بل هو ذلك‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «يصير مضافا» في إطلاقه منع ظاهر و المدار على الصدق العرفي، و منه تظهر حال المسألة الآتية.

______________________________
(2) الفرقان: 48.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 51‌

[ (مسألة 3) المضاف المصعد مضاف]

(مسألة 3) المضاف المصعد مضاف (1)

[ (مسألة 4) المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

(مسألة 4) المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد (2) لاستحالته بخارا ثم ماء.

______________________________
الماء إلا أنه صار بخارا في زمان ثم تحول إلى أصله ثانيا، كالغبار المصعد إلى السماء فإنه نفس التراب ثم يرجع و يجتمع ثانيا.

(و فيه) أن التصعيد يوجب الاستحالة، و من هنا قال المصنف (قده) في المسألة الرابعة «إن المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد، لاستحالته بخارا ثم ماء» و لو لا ذلك لم يكن وجه لطهارته بعد ما كان نجسا. و قياس البخار على الغبار مع الفارق، لأن البخار شي‌ء آخر غير الماء وجدانا بخلاف الغبار، فإنه نفس التراب المنتشر في الهواء. بل الصحيح في الجواب هو وجود الدليل على طهورية مطلق المياه في العالم كما تقدم.

(الفرع الثاني) في تصعيد المطلق بعد مزجه بغيره. ذكر المصنف (قده) أنه لو مزج معه غيره و صعد كماء الورد يصير مضافا، و هذا على إطلاقه غير صحيح، لأنه قد يصدق الماء على المصعد أيضا، كما لو مزج بالتراب و صعد فإنه يكون المصعد أيضا ماء، لعدم صعود التراب معه. و في مزجه بالورد يجري الكلام المتقدم في أن ماء الورد هل هو مضاف أو مطلق. نعم لا نضايق أن يصير في بعض الموارد بالمزج و التصعيد مضافا، فالمدار إنما هو على الصدق العرفي لا غير.

(1) لا يتم هذا على إطلاقه كما عرفت في المسألة السابقة، إذ قد يصير بالتصعيد ماء مطلقا- كما في العرقات- فإنها في الحقيقة ماء ذو رائحة كما ذكرنا في ماء الورد.

(2) جاء في تعليقه (دام ظله) على قول المصنف: «يطهر بالتصعيد»: «بل الحكم كذلك في الأعيان النجسة فيما إذا لم يكن المصعد بنفسه من إفرادها كما في المسكرات».

و ذلك لأنه يطهر المطلق أو المضاف المتنجس بالتصعيد، لاستحالته إلى‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 52‌

[ (مسألة 5) إذا شكّ في مائع أنه مضاف أو مطلق]

(مسألة 5) إذا شكّ في مائع أنه مضاف أو مطلق، فإن علم حالته السابقة أخذ بها [1]، و إلّا فلا يحكم عليه بالإطلاق و لا بالإضافة. لكن لا يرفع الحدث و الخبث، و ينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلا. و إن كان بقدر الكر لا ينجس لاحتمال [2] كونه مطلقا (1) و الأصل الطهارة.

______________________________
البخار ثم إلى الماء. و الاستحالة من جملة المطهرات، لانعدام الموضوع السابق، و تجدد موضوع آخر، فيكون المرجع قاعدة الطهارة، فالقطرات النازلة من سقف الحمام المتصاعدة من أبخرة سطح الحمام النجس طاهرة، و لازم ذلك طهارة عرق الأعيان النجسة المتحول من أبخرتها، كالعرق الحاصل من صعود بخار البول، أو الدم، و نحوهما. و لا بأس بالالتزام به لما ذكر إلا أن يصدق عليه عنوان آخر هو موضوع للنجاسة- كعرق الخمر- فإنه مسكر. و كل مسكر حرام و نجس.

(1) أقول: إن الشك في الإطلاق و الإضافة يكون تارة من حيث الشبهة المصداقية، و أخرى من حيث الشبهة المفهومية.

أما الشبهة المصداقية التي هي مفروض المتن على الظاهر فلها صور أربع لأنه إما أن يعلم بالحالة السابقة أم لا. و على الأول إما أن تكون حالته السابقة الإطلاق أو الإضافة، و على الثاني إما أن تكون حالته السابقة مجهولة رأسا، أو تكون من باب توارد الحالتين.

الصورة الأولى: أن يشك في الإطلاق و الإضافة مع كون الحالة السابقة الإطلاق كما إذا ألقى مقدار من الملح في مقدار معين من الماء و شك في أن الملح كان حقة مثلا حتى يجعله مضافا أو نصف حقة، فيكون باقيا على إطلاقه، و لا‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «أخذ بها»: (هذا إذا كان الشك لأمر خارجي كما لعلّه المراد في المسألة و أما إذا كانت الشبهة مفهوميّة فلا يجري الاستصحاب).

[2] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «لا ينجس لاحتمال كونه مطلقا» (الظاهر أنه ينجس و لا أثر للاحتمال المزبور).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 53‌

..........

______________________________
إشكال حينئذ في جريان استصحاب الإطلاق، و ترتيب آثار الماء المطلق عليه.

الصورة الثانية: هي عين الفرض مع كون الحالة السابقة الإضافة كما إذا كان الماء مضافا كماء الرمان مثلا، فألقي عليه مقدار من الماء و شك في بقائه على كونه ماء رمان، و انقلابه إلى الإطلاق، و المرجع فيه استصحاب الإضافة بلا كلام.

الصورة الثالثة: هي أن يشك في الإطلاق و الإضافة مع الجهل بالحالة السابقة رأسا كما إذا شك في ماء إنه ماء مطلق أو ماء الورد بناء على أنه من المضاف. و لا يجري فيه الاستصحاب الموضوعي، و لا الحكمي، لعدم العلم بالحالة السابقة فلا يجري استصحاب كونه ماء، و لا كونه مضافا، كما لا يجري فيه استصحاب أحكام الماء، و لا أحكام المضاف للشك في تحقق موضوعها. فالمرجع حينئذ بقية الأصول العلمية و هي استصحاب الحدث و الخبث إذا استعمل في رفعهما لعدم ارتفاعهما إلا بالماء و لم يحرز، كما أن مقتضى عموم دليل الانفعال نجاسة هذا المائع بالملاقاة مع النجس إذا كان قليلا.

و أما إذا كان كرا فبناء على مسلك شيخنا المحقق النائيني (قده) من اعتبار إحراز المخصص الترخيصي للعام الإلزامي أو ما بحكمه، يتمسك بعموم دليل الانفعال، لأن الخارج منه هو ما أحرز أنه كر من الماء. و في المقام لم يحرز ذلك على الفرض. و قد مثل لذلك بقول المولى لعبده: لا تدخل علي أحدا إلا أصدقائي، فإنه لا يجوز له إدخال أحد إلا من أحرز أنه صديق للمولى.

و أما المشكوك فيكون باقيا تحت عموم المنع. و فيه نظر لأن ظاهر الكلام خروج نفس العنوان الواقعي، و دعوى الفهم العرفي على ذلك ممنوعة، فيكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيرجع إلى قاعدة الطهارة كما في المتن.

نعم بناء على ما هو المختار عندنا في الأصول من جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية يحرز دخول الفرد المشتبه في أفراد العام فيشمله عموم دليل‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 54‌

..........

______________________________
الانفعال [1]، لاستصحاب عدم كونه ماء قبل وجوده و لا يعارضه استصحاب عدم كونه مضافا، لعدم إثباته أنه ماء.

الصورة الرابعة: هي أن يكون الشك في الإطلاق و الإضافة من جهة توارد الحالتين. و لا يجري فيها استصحاب الإطلاق و لا الإضافة، إما للمعارضة على ما هو المختار، و إما لعدم جريانه رأسا، لعدم إحراز اتصال زمان اليقين بالشك على رأي صاحب الكفاية (قده). و لا يجري استصحاب أحكام الماء، و لا أحكام المضاف من جهة أنه لم يحرز الموضوع، و مع التنزل عن ذلك فمن جهة المعارضة أو عدم إحراز اتصال زمان اليقين بالشك، فيرجع إلى استصحاب بقاء الحدث و الخبث إذا استعمل في رفعهما. و يحكم بنجاسته بالملاقاة إذا كان قليلا. و أما إذا كان كرا فلا بد من الحكم بالنجاسة على مسلك شيخنا الأستاذ (قده) و على مسلكنا يحكم بالطهارة، و لا يجري فيه استصحاب العدم الأزلي للعلم بانتقاض الحالة السابقة.

و أما الشبهة المفهومية: مثل ما إذا مزج مضاف أو مائع آخر بماء مطلق معلومي المقدار، و شك في صدق مفهوم الماء على هذا الممزوج، لأجل الشك في سعة مفهوم الماء و ضيقه كما إذا ألقى نصف كر من الحليب على كر من الماء مثلا و شك في أنه ماء للشك في سعة المفهوم و ضيقه فلا يجري فيه الاستصحاب الموضوعي- أي استصحاب الإطلاق و الإضافة- لعدم الاشتباه في الموجود الخارجي، للعلم بأن مقدارا منه كان ماء و مقدارا منه كان حليبا. و إنما الشك في صدق مفهوم الماء على هذا المركب المعلوم حقيقته. و يكون الاستصحاب في المقام من قبيل استصحاب النهار، أو عدم الليل، لو شك في ان المغرب الشرعي هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية. و قد أوضحنا في محله أن‌

______________________________
[1] و هذا هو الوجه لما في تعليقته دام ظله على المتن من الحكم بالنجاسة و لو كان الماء كرا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 55‌

[ (مسألة 6) المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

(مسألة 6) المضاف النجس يطهر بالتصعيد- كما مر- و بالاستهلاك في الكر أو الجاري (1).

______________________________
الاستصحاب لا يجري في أمثال المقام. و لا يجري استصحاب أحكام الماء و لا أحكام غير الماء للشك في بقاء موضوعه، فيكون من الشبهة المصداقية لدليل الاستصحاب- و تفصيل الكلام في الأصول- فالمرجع حينئذ بقية الأصول.

و يجري فيها ما تقدم في الصورة السابقة، فلا يرفع حدثا و لا خبثا و ينجس بالملاقاة إذا كان قليلا. و أما إذا كان كرا فينجس إيضا بناء على مسلك الأستاذ النائيني (قده) من جواز التمسك بعموم دليل الانفعال في المقام إلّا أنه قد عرفت ضعفه.

(1) تقدم في المسألة الرابعة طهارة الماء النجس بالتصعيد سواء أ كان مضافا أم مطلقا. و وجه التطهير به هو الاستحالة فلم يبق الموضوع السابق حتى يجري فيه استصحاب النجاسة. و قد أضاف المصنف (قده) في هذه المسألة التطهير بالاستهلاك في الكر أو الجاري و هما من باب المثال. إذ لا اختصاص بهما، لأنه يطهر بالاستهلاك في كل عاصم، كالمطر و ماء البئر، و ماء الحمام حال اتصاله بالمادة و استهلاك شي‌ء في شي‌ء هو انعدامه فيه عرفا بحيث يتفرق أجزاؤه فيه على نحو لا يبقى له وجود مستقل في نظر العرف، و لو كان باقيا بالدقة العقلية، فإذا انعدم المضاف في المطلق العاصم يكون بقاؤه على الطهارة هو مقتضى عموم ما دل على اعتصامه قبل استهلاك شي‌ء فيه.

ثم إن مزج المضاف النجس بالمطلق العاصم، يكون على أنحاء ثلاثة:

أحدها: استهلاكه في المطلق على نحو لا يتغير المطلق بشي‌ء من أوصاف المضاف، كما إذا وقعت قطرة من ماء الرمان في حوض الماء. لا إشكال و لا خلاف في بقاء المطلق حينئذ على طهارته. و التعبير بتطهير المضاف بذلك لا يخلو من مسامحة لعدم بقاء موضوعه.

ثانيها: استهلاكه فيه مع تغير المطلق بصفات المضاف من لون أو طعم أو‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 56‌

..........

______________________________
رائحة، كما إذا ألقي مقدار كثير من ماء الرمان النجس في الحوض بحيث صار لون الماء أحمر، و فيه أيضا يطهر المضاف و لا يتنجس الكر، أما الأول فللاستهلاك، و أما الثاني فلأن التغير بأوصاف المتنجس لا يوجب النجاسة على الأصح كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و على تقديره فالنجاسة لأجل التغير لا الإضافة.

ثالثها: استهلاك المطلق في المضاف النجس بحيث يخرج عن الإطلاق إلى الإضافة، و فيه يحكم بالنجاسة كما يأتي في المسألة الآتية.

ثم إن ظاهر المصنف انحصار مطهر المضاف في الأمرين، الاستحالة و الاستهلاك، و يجمعهما انعدام المضاف. النجس اما بنفسه، أو في المطلق. و نسب إلى العلامة (قده) [1] القول بطهارة المضاف بمجرد الاتصال بالعاصم كما في الماء المطلق، و لم نر من وافقه على ذلك، و لم ينقل عنه الاستدلال على ذلك بشي‌ء. و لا دليل يساعده، لأن الآيات و الأخبار الدالة على طهورية الماء التي تقدم ذكرها إنما تكون في مقام بيان أصل تشريع مطهرية الماء، فلا إطلاق لها من حيث كيفية التطهير، و لا من حيث ما يقبل التطهير و ما لا يقبله فلا عموم لها يشمل كل متنجس، سلمنا و لكن لا إطلاق لها بالنسبة إلى كيفية التطهير قطعا. نعم هناك روايتان ربما يقال بإمكان الاستدلال بهما لقول العلامة، و إن لم يستدل هو بهما.

إحداهما: مرسلته في المختلف عن أبي جعفر (عليه السلام) إنه قال «إن‌

______________________________
[1] نسبة إليه الشهيد في الذكرى و لم ينقل التصريح بذلك عن العلامة في شي‌ء من كتبه نعم قال في القواعد و المنتهى: «إذا اختلط مقدار الكر بالمضاف، و سلبه الإطلاق تحصل الطهارة، و تذهب الطهورية» و يحتمل أن يكون الوجه في حصول الطهارة للمضاف حينئذ هو مجرد ملاقاته مع الكر، كما يحتمل أن يكون الامتزاج و استهلاك المضاف في الكر مقارنا مع حصول الإضافة أو قبله، و ان كان هذا قابلا للمنع، فتصح النسبة المذكورة إليه بناء على الاحتمال الأول دون الثاني إن تم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 57‌

..........

______________________________
هذا (مشيرا إلى غدير الماء) لا يصيب شيئا إلى طهره»
«1».

ثانيهما: مرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر» «2».

بدعوى أن مقتضى الإطلاق فيهما كفاية مجرد إصابة الماء في طهارة المصاب و لو في تطهير المضاف.

و فيه: مضافا إلى إرسال الروايتين و إن كان ظاهر العلامة الاعتماد على الاولى، لأنه أرسلها إرسال المسلمات و لكنه لا يفيد بالنسبة إلينا- إن مقتضى الجمود على ظاهرهما كفاية مجرد إصابة الماء لبعض الجسم المتنجس في طهارة جميعه، و هذا معلوم البطلان في غير الماء المتنجس، فإنه لا يطهر جميع الثوب المتنجس مثلا بإصابة المطر لبعضه، بل مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع هو اعتبار وصول الماء لجميع أجزاء الجسم المتنجس، لأن إصابة الماء له إنما هي لأجل إزالة النجاسة عنه، و لا تزول النجاسة إلى بوصول الماء إلى جميع أجزاء المتنجس. فعليه لا بد في تطهير المضاف النجس من القول باعتبار وصول الماء إلى جميع أجزاء المضاف، و هو مساوق لانقلابه إلى الإطلاق و استهلاكه في الماء المطلق، إذ بدونه لا يصل الماء إلى جميع أجزائه. بل لو لا الدليل الخاص لقلنا بذلك في المياه المتنجسة أيضا، و كان مقتضاه القول باعتبار المزج و المنع عن كفاية إصابة المطر و نحوه لسطح الماء المتنجس في طهارة جميعه.

و لكن ورد الدليل الخاص على كفاية مجرد اتصال الماء المتنجس بالماء العاصم في طهارة جميع أجزاء الماء المتنجس، و عمدته التعليل المذكور في صحيحة ابن بزيع لطهارة ماء البئر إذا زال تغيره بقوله (عليه السلام)-: «لأن له مادة» «3»

______________________________
(1) مستدرك الوسائل ج 1/ 198/ ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- الطبعة الجديدة.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 109/ ب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 105/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 12.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 58‌

..........

______________________________
إذ يدل على أن مجرد الاتصال بالمادة كاف في طهارة ماء البئر، و من المقطوع به أنه لا خصوصية لمادة البئر، و ان الملاك في مطهريتها هو اعتصامها الموجود في الكر و الجاري و المطر. و نحوها الروايات الواردة في ماء الحمام، فإنها دلت على أن مجرد اتصال مياه الحياض الصغار بالمادة الجارية عليها من الخزانة كاف في طهارتها و أنه لا يعتبر الامتزاج بها. هذا مضافا إلى دعوى الإجماع على كفاية مجرد الاتصال في خصوص الماء المتنجس، و لا يتأتى شي‌ء من هذه الوجوه في المضاف كما هو ظاهر.

و لا يقاس طهارة جميع المضاف بطهارة بعضه باتصال ذاك البعض بالعاصم على نجاسة جميع بنجاسة بعضه الملاقي للنجس، فإنه إذا لاقى النجس طرفا من المضاف يحكم بنجاسة جميعه و لو كان كثيرا كما تقدم.

و وجه عدم القياس أمران أحدهما: دلالة الروايات الواردة في مقامات مختلفة على نجاسة جميع أجزاء المائع بملاقاة النجس لبعضه، كالروايات الدالة على تنجس المرق و الدهن الذائب و الزيت و ما أشبه ذلك إذا وقع فيها النجس، و قد تقدمت «1» فإنها دلت على وجوب الاجتناب عن الجميع لا خصوص موضع الملاقاة.

الثاني: مساعدة الارتكاز العرفي في طرف النجاسة دون الطهارة، فإن الناس يستقذرون جميع الماء أو مائع آخر بوقوع قذر في طرف منه، كما إذا امتخط أحد في حب من الماء، فإنهم يستقذرون جميع هذا الماء و يمتنعون عن شربه، و هذا بخلاف جانب النظافة فإنهم يعتبرون في نظافة الشي‌ء رفع القذارة عن جميعه بالغسل بالماء إذا كان القذر ثوبا و نحوه، أو بوصول الماء إلى جميع أجزائه إذا كان القذر مائعا، نعم قام الدليل التعبدي على كفاية مجرد الاتصال بالعاصم في خصوص المياه المتنجسة.

______________________________
(1) ص 45- 47

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 59‌

[ (مسألة 7) إذا ألقى المضاف النجس في الكر]

(مسألة 7) إذا ألقى المضاف النجس في الكر، فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة، تنجّس إن صار مضافا قبل الاستهلاك، و إن حصل الاستهلاك و الإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه، لكنه مشكل (1) [1].

______________________________
(1) قد عرفت أنّ عد استهلاك المضاف في الكر مطهرا للمضاف لا يخلو عن مسامحة واضحة، لانعدامه بالاستهلاك، فلا مضاف كي يحكم بطهارته أو نجاسته، فيرجع البحث في الحقيقة إلى طهارة الماء المستهلك فيه و نجاسته.

فنقول: المتحصل من كلام المصنف هو أن فروض المسألة ثلاثة.

الأول: استهلاك المضاف في الكر قبل حصول الإضافة للكر بحيث يبقى زمانا مّا على إطلاقه ثم ينقلب مضافا بمرور الزمان أو بعلاج، و هو محكوم بالطهارة، لعدم حصول صفة الإضافة للماء بالملاقاة مع المضاف النجس، و انقلابه إلى المضاف بعد الملاقاة لا يوجب نجاسته، لأنه انقلاب من طاهر إلى طاهر.

و هذا الفرض لوضوحه لم يتعرض له المصنف.

الثاني: استهلاك المضاف في الكر بعد حصول الإضافة له بحيث ينقلب الكر مضافا بمجرد إلقاء المضاف النجس عليه ثم يستهلك المضاف فيه و يعود ماء مطلقا، و حكمه النجاسة، لأنه بالملاقاة صار الجميع مضافا ملاقيا لمضاف نجس لفرض بقاء المضاف النجس على إضافته و قلبه المطلق إلى الإضافة أيضا لغلبته عليه، و عوده ماء مطلقا باستهلاك المضاف فيه بعد ذلك لا أثر له في رفع نجاسته السابقة.

الثالث: حصول الاستهلاك و الإضافة دفعة و قال المصنف: لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه و هو أنه حين الملاقاة مع المضاف النجس يكون الكر باقيا على إطلاقه و اعتصامه، فلم يتنجس بالملاقاة و حين حصول الإضافة لا ملاقاة مع المضاف النجس كي يتنجس بها لفرض استهلاكه فيه في هذا الحال، فيبقى‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «لكنه مشكل» (الظاهر أن يحكم بنجاسته على تقدير إمكان الفرض لكن الأظهر استحالته، كما يستحيل الفرض الأول).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 60‌

..........

______________________________
الكر على طهارته السابقة. و الظاهر أن هذا الفرض كسابقه غير معقول و لو سلم تعقلهما فهما محكومان بالنجاسة. فيقع البحث في مقامين.

و ليعلم قبل ذلك أن محل الكلام هو ما إذا كان الملاقي للمضاف بمقدار كر واحد أو أكثر و حصلت صفة الإضافة لجميع أجزاء الماء، و أما إذا كان الماء أكثر من كر واحد و انقلب بعضه مضافا بالملاقاة فلا يحكم بنجاسته إذا كان الباقي بمقدار الكر كما هو ظاهر، و يطهر المقدار المضاف أيضا إذا زالت إضافته بالمزج و نحوه، لأن الاتصال بالكر مطهر له.

أما المقام الأول: و هو في إمكان حصول الإضافة و الاستهلاك معا، أو حصول الاستهلاك بعد الإضافة.

فنقول: صور امتزاج المضاف بالماء ثلاثة: إحداها: ما يوجب استهلاك المضاف في الماء بغلبة الماء عليه. و حقيقة الاستهلاك انعدام شي‌ء في شي‌ء آخر عرفا و إن لم ينعدم عقلا، لبقاء الأجزاء الصغار بالدقة العقلية، كما إذا ألقى قطرة من ماء الرمان في حوض كبير من الماء فإن هذه القطرة تنعدم بنظر العرف في الحوض و ليس لها وجود مستقل، إذ لا يقال الموجود في الحوض ماء مع قطرة من ماء الرمان بل يقال إن جميعه ماء مطلق، و ليس هذا من باب المسامحات العرفية.

بل هو من التوسعة في المفاهيم، فإن مفهوم الماء مثلا أعم من الماء الساذج كماء المطر و مما اختلط به شي‌ء يسير من غير الماء كأغلب مياه الأرض بل كلها.

ثانيها ما يوجب استهلاك الماء في المضاف كما لو امتزج قليل من الماء بمضاف كثير، فإنه لا يسلبه الإضافة فالظرف المملوء من ماء الرمّان إذا اختلط بماء قليل يقال عرفا فيه ماء الرمّان، و من هنا قلنا بصحّة بيع الحليب الممزوج بقليل من إماء بحيث لا يخرجه عن صدق اسم الحليب عليه، و إن كان للمشتري الخيار إذا جهل ذلك.

ثالثها: ما لا يوجب الاستهلاك، لعدم غلبة أحدهما على الآخر، كما إذا كان كل من الممتزجين بقدر الآخر أو مع الاختلاف في الزيادة و النقيصة بقليل، و ربما‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 61‌

..........

______________________________
يحصل من تركيبهما شي‌ء ثالث، فإذا اختلط الماء بقدره من ماء الرمان مثلا يصير المجموع مضافا، و ربما يصدق عليه اسم آخر غير ما كان لكل منهما. فتحصّل أن الوجود الاستقلالي في فروض الامتزاج، أما للمطلق أو للمضاف أو للمجموع المركب منهما. فالإضافة و الاستهلاك نقيضان لا يجتمعان لاستحالة اجتماع وجود الشي‌ء و عدمه [1] و ظهر من ذلك أن تحقق الاستهلاك بعد حصول الإضافة في الماء أيضا غير معقول، لعدم حصول الإضافة فيه إلا مع غلبة أجزاء المضاف عليه و عدم اندكاكه فيه، و لا يتحقق ذلك إلا مع كثرة المضاف بمقدار يغلب على الماء، و في الفرض كيف يمكن حصول استهلاك المضاف في الماء بعد ذلك.

______________________________
[1] ربما يقال: إن استهلاك المضاف و إن كان مساوقا لانعدامه عرفا، و لكنه مع ذلك لا يلازم بقاء المطلق الممزوج به على إطلاقه، لإمكان انقلاب المطلق إلى مضاف آخر مقارنا لانعدام المضاف الأول بسبب الامتزاج بحيث يكون مغايرا مع الأول في نظر العرف، نظير الاستحالة، فلا يجري استصحاب النجاسة، لعدم بقاء الموضوع الأول، و لا موجب لفرض الكلام في استهلاك المضاف في المطلق كي يقال باعتبار بقاء المستهلك فيه على إطلاقه، بدعوى أن استهلاك شي‌ء في شي‌ء يساوق انعدامه فيه، فلا بد من بقاء المستهلك فيه على عنوانه السابق، لأنه يكفي في صدق استهلاك المضاف بسبب مزجه مع المطلق مجرد انعدامه عرفا و لو كان بوجوده الواقعي العقلي مؤثرا في تحقق عنوان آخر مضاف بسبب الامتزاج الحقيقي مع المطلق، فاستهلاك المضاف بالامتزاج مع المطلق لا يساوق مع بقاء المطلق على إطلاقه، بل يمكن فرضه و لو بتحقق مضاف آخر مغاير للمضاف الأول عرفا، و لا إشكال في إمكان هذا الفرض كما يقال بتحققه في التركيبات الكيمياوية. و الجواب: أن استهلاك المضاف النجس في الماء المطلق إن كان بمعنى بقاء إطلاق الماء على حاله كما هو مفروض المتن ففرض الاستهلال بعد الإضافة أو معها فرض غير معقول و إن كان بمعنى بقاء الإضافة و لكنه انقلب المجموع إلى مضاف آخر فالفرض معقول إلا أنه لا موجب لتوهم الحكم بالطهارة حينئذ فيما إذا حصلا معا، إذ الانقلاب لا يكون مطهرا إلّا في مورد النص، و لو فرض الحكم بالطهارة بالانقلاب لحكم بها من دون فرض الامتزاج بالماء المطلق أيضا. و إن كان بمعنى الاستحالة فالحكم بالطهارة صحيح إلا أنه يجري في جميع الفروض و لا يختص بصورة دون صورة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 62‌

..........

______________________________
نعم انقلاب المضاف إلى المطلق بتفرق أجزائهما عن الآخر و إن كان أمرا معقولا كما إذا امتزج مقدار من الماء بالتراب بحيث سلبه الإطلاق ثم رسب التراب تحت الماء و بقي الماء الصافي فوقه إلّا أنّ ذلك ليس من تحقق الاستهلاك بعد الإضافة، بل هو من انقلاب المضاف إلى المطلق بتفرق الأجزاء المائية عن غيرها. و أيضا حصول الإضافة بعد الاستهلاك بمرور الزمان أو غيره أمر معقول، و ذلك كما في الماء المختلط بالنشاء، فإنه إذا كان قليلا لا يوجب سلب الإطلاق عن الماء و لكن إذا غلى بالنار يصير مضافا.

أما المقام الثاني: و هو في حكم الفرضين على تقدير إمكانهما فقد عرفت أن المصنف حكم بنجاسة الماء فيما إذا حصل الاستهلاك بعد الإضافة، و بطهارته فيما إذا حصلا معا، و قدمنا ذكر وجه الحكم بالطهارة فيه. و لكن الظاهر هو الحكم بالنجاسة في كلا الفرضين على تقدير إمكانهما، و ذلك لما ذكرنا من أن مفروض الكلام إنما هو كر واحد، أو أن يكون الباقي بعد حصول الإضافة أقل من الكر.

و عليه إذا ألقى المضاف النجس على الماء يتنجس الجميع لاستحالة الاستهلاك الدفعي، لأن المضاف يسري إلى الماء تدريجا، إذ لا بد في استهلاك المضاف في الماء من تفرق أجزائه فيه و امتزاجه به، و لا يتحقق ذلك في الخارج إلا بمرور زمان ما. و يشهد لما ذكرنا أنه إذا ألقى مقدار من الصبغ في حوض الماء ثم يلحظ كيفية وصول الصبغ إلى تمام الحوض شيئا فشيئا و أنه لا يصل إلى جميع أجزاء الماء دفعة واحدة، نعم الإحاطة الدفعية و إن كانت ممكنة في نفسها في بعض الموارد كإحاطة القوة الكهربائية لما تتصل به من الأجسام ماء كان أو غيره إلا أن مثلها خارجة عن محل الكلام، لأن النزاع إنما هو في إلقاء ماء على ماء و إمكان استهلاكه فيه دفعة و عدمه.

و مما يتفرع على ما ذكرنا أنه لو لم يقم دليل خاص على كفاية مجرد اتصال الماء القليل المتنجس بالكر في تطهيره لاعتبرنا المزج بجميع أجزائه.

و بالجملة: بعد ما اتضح أنه لا يمكن امتزاج المضاف بالماء إلا تدريجا، و أنه‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 63‌

[ (مسألة 8) إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين]

(مسألة 8) إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو و يصير الطين إلى الأسفل، ثم يتوضأ على الأحوط (1) [1] و في ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة، دون الضيق.

______________________________
يحتاج المزج إلى مضي آنات من الزمان لا يمكن الحكم بطهارة الماء، لأنه في الزمان الأول و هو زمان الملاقاة ينقلب قسم من الماء إلى الإضافة لا محالة، لمزج المضاف به، و يبقى قسم آخر منه على إطلاقه و هو الجزء الذي لم يصل المضاف إليه و يبقى مقدار من المضاف باقيا على إضافته و هو الجزء الذي لم يصل إليه الماء بعد، فيتشكل في هذا الزمان ثلاثة أقسام من الماء قسم مضاف محض و قسم مطلق محض و قسم مخلوط منهما، و في هذا الآن يتنجس الجميع، لملاقاة الباقي من المطلق مع المضاف النجس، لإن المفروض أن الباقي منه لا يبلغ الكر لما ذكرناه من أن محل الكلام إنما هو الكر الواحد أو ان يكون الباقي أقل منه، و إلا فلا يحكم بنجاسة الماء حتى في فرض حصول الاستهلاك بعد الإضافة مع أنه حكم المصنف بنجاسته من دون ترديد فيه.

فتحصّل أن الأظهر هو الحكم بالنجاسة في كلا الفرضين على تقدير إمكانهما، لاشتراكهما في وجه الحكم بالنجاسة، و أنّ الحكم بالطهارة في فرض حصول الاستهلاك و الإضافة معا مبنى على إمكان حصول الاستهلاك و الإضافة دفعة و هو محال في محال، لاستحالة الإضافة الدفعية كما يستحيل الاستهلاك الدفعي لعين الوجه فالحكم بالطهارة في هذا الفرض مبني على فرض محال في محال.

(1) بيان ذلك: أنه إذا كان موضوع جواز التيمم و سقوط الطهارة المائية عدم وجدان الماء في مجموع الوقت بأن لا يكون متمكنا من الماء من أول الوقت‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته- دام ظله- على قول المصنف «قده» «ثم يتوضأ على الأحوط» (بل على الأظهر).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 64‌

..........

______________________________
إلى آخره، فلا يصح التيمم في سعة الوقت فيما إذا كان عند المكلف ماء مخلوط بالطين يصفو مع الصبر، لدخوله حينئذ في موضوع وجوب الطهارة المائية، و هو الواجد للماء في مجموع الوقت، للمقابلة بين الموضوعين و أما إذا كان موضوع جواز التيمم هو عدم وجدان الماء حين العمل، أي حين إرادة الصلاة، كما هو ظاهر قوله تعالى
إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. «1» فإن ظاهر الآية الشريفة هو مراعاة حال إرادة الصلاة و القيام إليها، كما هو الحال في بقية الموضوعات كالسفر و الحضر في وجوب القصر و التمام و التقية و الاختيار في تطبيق العمل على طبقهما حين إتيانه، لصح التيمم في الفرض، لعدم وجدان الماء حال إرادة الصلاة، فالمدار في صحة التيمم و عدمها لذوي الأعذار هو أن يكون موضوعه عدم الوجدان حين العمل أو في تمام الوقت من دون فرق في ذلك بين أن يكون المراد من عدم الوجدان في الآية المباركة عدم القدرة على الماء، أو عدم وجوده في الخارج. فتوهم ابتناء عدم صحة التيمم على أنّ المسقط للطهارة المائية عدم القدرة على الماء لا عدم وجوده، و أنّ من كان عنده ماء مخلوط بالطين يكون قادرا على الطهارة المائية بالصبر إلى أن يصفو الماء و إن لم يجد الماء بالفعل فاسد.

وجه الفساد هو أنه لا فرق بين عدم القدرة على الماء و عدم وجوده في بطلان التيمم إذا كانت العبرة بمجموع الوقت، لأنه كما يكون قادرا على الماء في بعض الوقت كذلك يكون واجدا له في بعضه، فيكون واجدا للماء بكلا معنيي الوجدان في مجموع الوقت بما هو مجموع، كما أنه لا فرق بين الأمرين في صحة التيمم إذا كانت العبرة بحين العمل، لأنه في هذا الحين كما أنه ليس عنده الماء كذلك ليس قادرا على استعماله.

و بالجملة: احتمال جواز البدار في المقام مبني على اعتبار عدم وجدان الماء حين العمل، كما هو ظاهر الآية الشريفة في نفسها سواء أ كان عدم وجدانه بمعنى‌

______________________________
(1) المائدة: 6.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 65‌

[ (مسألة 9) الماء المطلق بأقسامه- حتى الجاري منه- ينجس]

(مسألة 9) الماء المطلق بأقسامه- حتى الجاري منه- ينجس إذا تغير (1) بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم، و الرائحة، و اللّون.

______________________________
عدم القدرة عليه أو عدم وجوده في الخارج. و لكن الأظهر هو وجوب الصبر إلى أن يصفو الماء ثم يتوضأ به، للروايات الآمرة بتأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يحتمل وجدان الماء قبل خروج الوقت معللا بأنه إذا فاته الماء لم تفته الأرض.

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: إذا لم تجد ماء و أردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض» «1».

و نحوها غيرها، و بها نخرج عن ظاهر الآية الشريفة الدالة على جواز البدار. و أما عدم جزم المصنف بوجوب التأخير في هذه المسألة فلاحتمال جواز البدار لذوي الأعذار، و إن علم بزوال العذر قبل خروج الوقت مع أنه يجزم بلزوم التأخير إذا علم بزوال العذر قبل خروج الوقت في بحث التيمم «2» فلا يخلو كلامه هنا عن شبه تناف مع ما ذكره هناك.

هذا كله في سعة الوقت، و أما في الضيق فيتعين التيمم لحصول شرطه و هو عدم الوجدان سواء أ كانت العبرة بعدم الوجدان في مجموع الوقت أو بعدمه حال القيام إلى الصلاة، و كان الأنسب ذكر هذه المسألة في أحكام التيمم.

الماء المتغير

(1) تقدّم أنّ أقسام المياه بلحاظ الاعتصام و عدمه ثلاثة، لأنه إما أن يكون له مادة أو لا، و على الثاني إما أن يكون كرا أو لا، و لا يتنجس المتصل بالمادة و الكر بملاقاة النجس، و يتنجس الماء القليل إذا لم يكن له مادة بالملاقاة. و لكن جميع هذه الأقسام تتنجس إذا تغيرت بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة على‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2/ 993/ ب 22 من أبواب التيمم ح 1.

(2) في فصل أحكام التيمم في المسألة الثالثة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 66‌

..........

______________________________
المشهور المختار، و إن خالف بعضهم في التغير باللون كما تعرف.

و يدل على ما ذكرناه الروايات الكثيرة التي لا تبعد دعوى تواترها، و فيها الصحاح و الموثقات. و هي على طوائف ثلاث، منها ما وردت في مطلق المياه، و منها ما وردت في خصوص ماله مادة، و منها ما وردت في خصوص ما ليس له مادة.

أما الطائفة الأولى: فمنها صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب» «1».

و منها: موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يمر بالماء. و فيه دابة ميتة و قد أنتنت؟ قال: إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ و لا تشرب» «2».

و أما الطائفة الثانية: فمنها صحيحة ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح، و يطيب طعمه لأن له مادة» «3».

و أما الطائفة الثالثة: فمنها صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا كان الماء أكثر من راوية لمن ينجسه شي‌ء، تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن تجي‌ء ريح تغلب على ريح الماء» «4».

و منها: رواية عبد اللّه بن سنان قال: «سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عن غدير أتوه و فيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهرا و لا توجد فيه الريح فتوضأ» «5».

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 102/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 104/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 6.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 105/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 12.

(4) وسائل الشيعة ج 1/ 104/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(5) وسائل الشيعة ج 1/ 105/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 11.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 67‌

..........

______________________________
و منها: صحيح أبي خالد القماط، «إنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه، و إن لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب و توضأ»
«1».

و منها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: إن تغيّر الماء فلا يتوضأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» «2».

و مورد الاستدلال بها قوله (عليه السلام) و كذلك الدم و أشباهه من النجاسات و أما صدرها فإما محمول على التقية، لقول العامة بنجاسة أبوال الدواب، و إما على إرادة الأعم من الكلب و الخنزير.

هذه جملة من روايات الباب، و نحوها غيرها، و معها لا حاجة إلى الاستدلال ببعض الروايات الضعاف الواردة في المقام، كما صنعه جمع من المتأخرين، إذ لا تصح دعوى انجبارها بعمل المشهور لمنعه صغرى، لاحتمال استنادهم إلى بقية الروايات، و كبرى لعدم انجبار ضعف السند بعملهم- كما هو المختار عندنا- و من تلك الضعاف النبوي المرسل إنه قال (صلّى اللّه عليه و آله): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» «3» و لم ينقل هذا الحديث في شي‌ء من كتب الأخبار و إنما ذكره بعضهم في الكتب الفقهية.

و اعترف بضعفه صاحب الحدائق (قده) «4» إذ قال: فأنّا لم نقف عليه في شي‌ء من كتب أخبارنا بعد الفحص التامّ. و قال: و بذلك صرّح أيضا جمع ممن تقدّمنا، و من‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 103/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(2) وسائل الشيعة ج 1/ 103/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(3) وسائل الشيعة ج 1/ 101/ ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

نقله عن المحقق في المعتبر، و عن ابن إدريس في أول السرائر مرسلا.

(4) ج 1 ص 180 الطبع الحديث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 68‌

..........

______________________________
جملة من تقدّم عليه السيّد في المدارك في بحث نجاسة البئر بالملاقاة للنجس، و الشيخ البهائي في حبل المتين. و مع هذا لا وجه لدعوى السيّد المذكور في بحث تغيّر الماء بالنجاسة إنه من الأخبار المستفيضة، مع أنه مناقض لما ذكره في بحث نجاسة البئر بالملاقاة [1].

و منها: رواية دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين قال: «في الماء الجاري يمر بالجيف و العذرة و الدم يتوضأ منه و يشرب منه ما لم يتغير أوصافه طعمه و لونه و ريحه» «2».

فان مؤلف هذا الكتاب- و هو أبو حنيفة القاضي نعمان المصري- لو سلم أنه من أجلة علماء الشيعة و ثقاتهم لما أمكن الاعتماد على رواياته في الكتاب المذكور، لإرسالها و عدم ذكر أسنادها. و قد فصّلنا الكلام فيه و في كتابه في بحث المكاسب عند تعرض شيخنا الأنصاري (قده) لروايته في أول الكتاب فراجع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌1، ص: 68

التغير باللون لا خلاف و لا إشكال في أن التغير بريح النجاسة و طعمها يوجب نجاسة الماء، و إنما وقع الإشكال و الخلاف عن بعضهم في تأثير التغير باللون في نجاسة الماء كالسيد في المدارك، و الشيخ البهائي في حبل المتين- على ما حكي عنهما- زعما منهما عدم ورود رواية يمكن الاعتماد عليها في التغير باللون. و يرده- مضافا إلى دعوى الإجماع بل الضرورة كما في الجواهر على تأثيره النجاسة في الماء- الروايات الخاصة و فيها الصحيحة الدالة على أن التغير باللون أيضا يوجب‌

______________________________
[1] و يظهر بذلك أيضا ضعف ما عن السرائر من أنه متفق على روايته، و ما عن ابن أبي عقيل من أنه تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عليهم السلام خلق اللّه الماء طهورا. كما يظهر ضعف ما عن الذخيرة من أنه عمل الأمة بمدلوله و قبلوه، إذ لم يثبت استنادهم إلى هذا الحديث مع وجود روايات أخرى معتبرة في المقام.

______________________________
(2) مستدرك الوسائل ج 1/ 188/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1 الطبعة الجديدة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 69‌

..........

______________________________
النجاسة.

منها: صحيحة شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها، و جئت تسأل عن الماء الراكد من الكر، فما لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة، قلت:

فما التغير؟ قال: الصفرة، فتوضأ منه» [1].

و ذكر خصوص الصفرة إنما هو بلحاظ وقوع الجيفة في الماء التي هي مورد الرواية، و إلّا خصوصية لها.

و منها: رواية العلاء بن الفضيل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» «2».

و منها: ما عن الفقه الرضوي: «كل غدير فيه من الماء أكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات إلا أن تكون فيه الجيف، فتغير لونه و طعمه و رائحته، فإذا غيرته لم يشرب منه و لم يتطهر منه.» «3».

و منها: رواية دعائم الإسلام المتقدمة «4» و سند بعض هذه الروايات و إن كان ضعيفا إلا أنه لا بأس بها تأكيدا للحكم. و أما من حيث الدلالة فلا قصور في شي‌ء منها.

هذا مضافا إلى وجود الملازمة بين التغير بالطعم أو الريح مع التغير باللون‌

______________________________
[1] و تمام الحديث هو ما رواه في كتاب بصائر الدرجات، عن محمد بن إسماعيل يعني البرمكي، عن علي بن الحكم، عن شهاب بن عبد ربه قال: أتيت أبا عبد اللّه أسأله فابتدأني فقال: إن شئت فسل يا شهاب و إن شئت أخبرناك بما جئت له قلت: أخبرني قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة، أتوضأ منه أم لا؟ قال: نعم قال: توضأ من الجانب الأخر إلا أن يغلب الماء الريح فينتن، و جئت تسأل عن الماء الراكد من الكر فما لم يكن فيه تغيير أو ريح غالبه، قلت: فما التغير؟ قال: الصفرة فتوضأ منه و كلما غلب كثرة الماء فهو طاهر.

وسائل الشيعة ج 1/ 119/ ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11.

______________________________
(2) وسائل الشيعة ج 1/ 104/ ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(3) كتاب الفقه الرضوي ص 5.

(4) ص 68

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 70‌

بشرط أن يكون التغير بملاقاة النجاسة فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة (1) كما إذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا

______________________________
في النجاسات، كما ذكر ذلك صاحب الحدائق أيضا، بل احتمال أن يكون تغير الطعم أو الريح أسرع من تغير اللون. و لعلّ هذا أو ذاك هو السر في عدم ذكر التغير باللون في أكثر روايات الباب، لعدم ثمرة في ذكره حينئذ. و كيف كان فلا ينبغي التشكيك في أن التغير اللوني أيضا يوجب النجاسة لو انفرد عن التغيرين الآخرين، لدلالة هذه الروايات المشتملة على الصحيحة عليه.

التغير بالمجاورة

(1) إذا تغير الماء بأحد أوصاف النجس بمجاورته له لا بوقوعه فيه، كما إذا وقعت ميتة قريبة من الماء فجاف الماء لا يحكم عليه بالنجاسة، و عن بعض نفي الخلاف في ذلك. و ربما يتوهم تنجسه به، لإطلاق قوله (عليه السلام): «إلا أن يتغير ريحه أو طعمه» في صحيحة ابن بزيع، فإن التغير أعم من أن يكون بالملاقاة أو بالمجاورة. و يندفع بأن القرينة تمنع من الأخذ بالإطلاق، لأن المراد من (الشي‌ء) ليس مطلقه بل خصوص ما يترقب منه التنجيس، و من الظاهر أنه لا يترقب إلا بالملاقاة، ففي الماء القليل نفس الملاقاة كافية في نجاسته، و أما غيره من الكر أو ماله مادة فمجرد الملاقاة لا تكفي في نجاسته، بل يعتبر فيه تغيّره بأحد أوصاف النجس بحيث يغلب عليه النجاسة، فالملاقاة مفروضة الوجود لا محالة. و عليه فمفاد الصحيحة أن ما ينجّس القليل لا ينجس البئر، لأنه واسع إلا إذا غير أحد أوصافه و غلب عليه، فلا إطلاق في الصحيحة ليصح التمسك به. و أما بقية الروايات فهي صريحة في وقوع النجس كالميتة و الجيفة و غيرهما من النجاسات في الماء فراجع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 71‌

و أن يكون التغير بأوصاف النجاسة دون أوصاف المتنجس (1) فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر، أو أصفر، لا ينجس إلا إذا صيّره مضافا.

نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه، بل لو وقع فيه متنجس حامل لأوصاف النجس فغيّره بوصف النجس تنجس أيضا.

______________________________
التغير بأوصاف المتنجس

(1) التغير بأوصاف المتنجس يكون على أنحاء أربعة:

أحدها: أن يكون المتنجس حاملا لأجزاء النجس فيقع في الماء فيحصل التغير بنفس أجزاء النجس، كما إذا مزج مقدار من الماء بالدم فألقي في الكر فتغير بلون الدم، و هذا محكوم بالنجاسة لتغير الماء بالنجس و إن كان محمولا لغيره.

ثانيها: أن يكون المتنجس موجبا لإضافة الماء، كما إذا ألقى دبس متنجس في الكر فصار مضافا، و هذا أيضا محكوم بالنجاسة، لأنه ماء مضاف بالمتنجس، و هذان لا كلام فيهما.

ثالثها: أن يكون المتنجس موجبا لتغير أوصاف الماء بأوصاف نفسه لا بوصف النجس، كما إذا ألقى الصبغ الأحمر المتنجس بإصابة البول مثلا في الماء فصار لون الماء أحمر. و المشهور فيه هو الحكم بالطهارة لعدم الدليل على نجاسته بذلك، و لم ينقل فيه خلاف إلا عن الشيخ (قده) في المبسوط فإنه ربما يستظهر من عبارته [1] القول بنجاسة الماء إذا تغير بأوصاف المتنجس. و لا يخفى أن مورد‌

______________________________
[1] قال الشيخ في المبسوط (ج 1 ص 5 الطبعة الثانية عام 1387 ه‍. ق) في كيفية تطهير المضاف: و لا طريق إلى تطهيرها «يعني المياه المضافة» بحال إلا أن يختلط بما زاد على الكر من المياه الطاهرة المطلقة ثم تنظر فيه، فان سلبه إطلاق اسم الماء لم يجز استعماله بحال، و ان لم يسلبه إطلاق اسم الماء و غير أحد أوصافه إما لونه أو طعمه أو رائحته فلا يجوز أيضا استعماله بحال، و إن لم يتغير أحد أوصافه و لم يسلبه إطلاق اسم الماء جاز استعماله في جميع ما يجوز استعمال المياه المطلقة فيه ا ه‍.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 72‌

..........

______________________________
أكثر روايات الباب هو التغير بأوصاف النجس، لأن المفروض فيها وقوع عين النجس كالميتة و الجيفة و الدم و نحوها في الماء. نعم ربما يستدل للقول بالنجاسة بإطلاق قوله (عليه السلام): ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغير. في صحيحة ابن بزيع، فان لفظ (الشي‌ء) مطلق يشمل المتنجس، و هو ينجس الماء القليل بالملاقاة فينجس الكثير بالتغيير (و فيه) أن القرينة في نفس الصحيحة تمنع من الأخذ بالإطلاق و هي قوله (عليه السلام) في ذيلها: «فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه»، و التطيب لا يكون إلا من عين النجاسة، و أما المتنجس الطاهر بالذات فلا نفورة في ريحه أو طعمه غالبا، كما في الصبغ المتنجس أو العطر الملاقي ليد الكافر مثلا و نحو ذلك، فان ريحه في نفسه طيب لا كراهة فيه حتى يذهب و يطيب الماء.

و أما الاستدلال بإطلاق الموصول في النبوي «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» «1» بدعوى شموله للمتنجس، و انه لا قرينة على التقييد بالنجس فيه.

(فيرده) ضعف المستند و لا جابر لضعفه لو سلم الانجبار بعمل المشهور، لذهابهم في محل الكلام إلى القول بالطهارة، فالمرجع حينئذ أصالة الطهارة لعدم الدليل على النجاسة.

رابعها: أن يكون المتنجس مكتسبا أوصاف النجاسة فيتغير الماء بوقوعه فيه بتلك الأوصاف، كالماء المكتسب رائحة الميتة فألقي في كر فتغير ريح الماء بريح‌

______________________________
و عبارته هذه كالصريحة في أن التغير بأوصاف المضاف المتنجس فموجب لتنجس المطلق فان قوله: و ان لم يسلبه إطلاق اسم الماء إلخ ظاهره الدلالة على ذلك. و العجب من صاحب الجواهر (قده) انه استظهر منها عدم حكمه بالنجاسة، و كأنه لم يلاحظ كتاب المبسوط و أخذ عبارته من غيره على نحو لا يؤدي مقصود الشيخ، فراجع المجلد الأول ص 84 من كتاب الجواهر الطبعة السادسة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1/ 101 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 73‌

..........

______________________________
الميتة، و الأقوى فيها النجاسة.

و يستدل لها بوجوه:

الأول: ما ذكره المحقق الهمداني (قده) من أن الغالب أن ملاقاة عين النجس لا توجب التغير، بل الموجب له هو ملاقاة المتغير بأوصاف النجس، فإن الميتة الواقعة في الماء بنفسها لا تغيّر إلا الماء المجاور لها ثم بقية الماء البعيدة عن الميتة تتغير بذاك الماء المجاور المتغير بها، فالغالب لو لا الدائم أن التغير إنما يكون بملاقاة المتنجس الحامل لأوصاف النجس لا بعين النجس، فإذا شملت الروايات هذا المورد تشمل المقام أيضا. لأنه من مصاديقه، فإن التغير يكون بالمتنجس الحامل لأوصاف النجس، و الجمود على اعتبار التغير بعين النجس يوجب حمل الروايات على الفرد النادر.

و يرده: انه إذا كان الظاهر من أخبار الباب- كما ذكرنا- هو حصول التغير بملاقاة النجس، بأن تكون عين النجس واقعة في الماء فلا بد و ان تكون الملاقاة مع النجس مفروضة الوجود، إلا أنه في القليل توجب النجاسة بنفسها، و في الكثير لا توجبها إلا مع التغير. و عليه فلا أثر للتغير فيما إذا لم يحصل بملاقاة عين النجس. و الحاصل أنه لو كان مطلق التغير كافيا في الحكم بالنجاسة لزم الحكم بها في صورة التغير بالمجاورة أيضا، و إن اعتبرنا الملاقاة مع النجس فلا يكفي التغير بالمتنجس الحامل لأوصاف النجس.

الوجه الثاني: هو أنه لو فرضنا امتزاج ماء حامل لأوصاف النجس بكر من الماء المطلق فحصل التغير في المجموع بوصف النجس، فلا يخلو حكم هذا الممتزج عن أحد ثلاث، إما الحكم بنجاسة المجموع و هو المطلوب، و إما الحكم بطهارته كذلك و هو خلاف النص و الإجماع على اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير. و إما الحكم ببقاء كل ماء على حكمه قبل الامتزاج فيبقى الكر على طهارته و ذاك الماء المتنجس على نجاسته، و هذا أيضا خلاف الإجماع على أن الماء الواحد له حكم واحد.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 74‌

..........

______________________________
و يرده: ان صور هذا الامتزاج ثلاثة، لأنه إما أن يستهلك المتنجس في الكر أو بالعكس أو لا هذا و لا ذاك بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر، فيحصل من المجموع ماء متغير بأوصاف النجس.

أما الأولى: فلا ينبغي التأمل فيها في طهارة المجموع، لاستهلاك المتغير في الكر الطاهر، كما إذا ألقي أوقية من الماء المتغير بأوصاف النجس في أكرار من الماء.

و أما الثانية: فلا ينبغي الشك في نجاسة المجموع فيها. و ذلك لاستهلاك الكر في المتغير و ليس الحكم بالنجاسة فيها لأجل اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير بل لأجل انعدام الكر في المتغير.

و أما الثالثة: فيتعارض فيها دليل نجاسة المتغير مع دليل مطهرية الكر، لأن المفروض فيها عدم زوال أوصاف المتنجس و عدم استهلاكه في الكر، فمقتضى دليله البقاء على نجاسته، كما أن مقتضى دليل عاصمية الكر البقاء على الطهارة، و بما أن الماء الواحد لا يحكم بحكمين فله حكم واحد إما الطهارة و إما النجاسة، فيتعارض الدليلان و بعد التساقط يرجع إلى قاعدة الطهارة، و إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، لأن المرجع أيضا قاعدة الطهارة، لسقوط استصحاب كل من الطهارة و النجاسة بالمعارضة. فإن كان مراد المستدل بهذا الوجه الذي هو أشبه بوجه عقلي هذه الصورة فمقتضى القاعدة فيها هو الحكم بالطهارة، و لكن يأتي في الوجه الرابع ما يدل على نجاسته من إطلاق النص.

الوجه الثالث: أن المستفاد من قوله (عليه السلام): فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأن له مادة- في صحيحة ابن بزيع المتقدمة «1»- أنه ليس سبب طهارة ماء البئر المتغير مجرد النزح، لأن النزح لا يوجب إلا قلة الماء، و مجرد القلة لا يوجب الطهارة، كما في الماء الراكد بلا مادة، بل السبب الاتصال بالمادة‌

______________________________
(1) ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 75‌

و أن يكون التغير حسيا فالتقديري لا يضر (1).

فلو كان لون الماء أحمر، أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدّم كان يغيره لو لم يكن كذلك، لم ينجس [1] و كذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث

______________________________
و تجدد الماء إلى أن يزول الريح و يطيب طعم الماء، فقبل زوال التغير يتنجس الماء الخارج عن المادة بالملاقاة مع الماء المتغير، لحصول التغير في المجموع فدلت الصحيحة على أن المتغير بأوصاف النجس أيضا يوجب تنجس ما غيره من الماء و إن كان عاصما في نفسه.

و يرده: أن الماء المتجدد الذي يخرج تدريجا عن مادة البئر يستهلك في المتغير، فلا بقاء له عرفا حتى يقال بتنجسه بالتغير.

الوجه الرابع: و هو الصحيح إطلاق (الشي‌ء) في قوله (عليه السلام) ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلى أن يتغير- في الصحيحة المزبورة- فإنه يشمل النجس و المتنجس الحامل لأوصاف النجس، و غير الحامل لها، بل يشمل الأعيان الطاهرة و لكن مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع الاختصاص ما يترقب منه التنجيس- كما ذكرنا- كما أن قوله (عليه السلام) حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، قرينة على خروج المتنجس إذا لم يكن حاملا لأوصاف عين النجس، لعدم التنفّر من طعمه أو ريحه، فيسقط الإطلاق من هاتين الجهتين.

و أما المتنجس الحامل لأوصاف النجس فلا قرينة على خروجه، لتنفر الطبع من وصفه المكتسب من النجس، كتنفره من وصف عين النجس فيبقى تحت الإطلاق. و نحو الصحيح إطلاق الموصول في النبوي و لكن ضعف سنده أسقطه عن الاستدلال به و إن صلح للتأييد.

التغير التقديري

(1) المشهور عدم كفاية التغيّر التقديري في الحكم بنجاسة الماء. بل‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظلّه على قول المصنّف «قده» «لم ينجس»: (الحكم بالنجاسة

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 76‌

لو كان له لون غيره، و كذا لو كان جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيّره لو لم يكن جائفا، و هكذا ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الإطلاق محكوم بالطهارة على الأقوى.

______________________________
اعتبروا أن يكون التغير محسوسا بأحد الحواس الظاهرة، ففي تغير الطعم يعتبر دركه بالذائقة، و في اللون بالباصرة. و في الريح بالشامة، فلا يكفي التغير الواقعي الغير المحسوس من جهة قلة النجاسة، كما إذا وقعت قطرة من الدم في كر من الماء، فإنه يحصل بها تغيّر واقعي في الماء، لانتشار أجزائها فيه و يتغير بها لون الماء واقعا، و إن لم يظهر للحس. و ذلك لأن موضوع الحكم هو التغير في نظر العرف المنزل عليه الخطابات الشرعيّة، و في مورد قلة النجاسة لا يرى العرف تغيرا في الماء. و لا يكفي التغير التقديري أيضا فيما إذا كانت النجاسة مسلوبة الصفات أو ضعيفها، كدم ضعيف اللون، فلا يحكم بنجاسة الماء إذا وقع فيه مثل هذا النجس، لعدم حصول التغير في الماء و ان فرض تغيّره به لو كان النجس على صفته المتعارفة، و لم ينقل الخلاف في ذلك إلا عن العلامة (قده) و بعض من تأخر عنه، فقالوا بكفاية التغير التقديري فيما إذا كان الماء متصفا بصفات النجاسة بحيث يمنع عن ظهور وصف النجاسة في الماء، كما لو كان الماء مصبوغا بطاهر أحمر فوقع فيه الدم (و دعوى) [1] ان الملاك في الحكم بنجاسة الماء بالتغير إنما هو غلبة النجاسة على الماء بوجود كمية كثيرة من النجس فيه بحيث تغلب على الماء و تغيره، فيكون التغير أمارة عليها، فمع فرض بلوغ النجاسة إلى تلك الكميّة يتنجس الماء و إن لم يكن تغير فعلي. و حاصل الدعوى إن التغير طريق إلى معرفة غلبة النجاسة على الماء لا أنه بنفسه موضوع للحكم (مندفعة): أولا‌

______________________________
فيه و في الفرض الثالث لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط).

[1] قرّب هذه الدّعوى صاحب الحدائق، و بنى عليها الحكم بالنجاسة فيما إذا كانت النجاسة مسلوبة الصّفات، و حكاها عن العلّامة أيضا، فإنّه ذهب إلى كفاية التقدير في هذه الصورة أيضا مبنيّا على الوجه فراجع ص 181- 184 ج 1 من الطبع الحديث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 77‌

..........

______________________________
بأنه إحالة إلى المجهول. فلا ينبغي جعله طريقا إلى معرفة كمية النجاسة، إذ لا تنضبط الكمية، لاختلاف مقادير المياه و مقادير النجاسات الواقعة فيها.

و ثانيا بأنه أشبه بالاستحسان و تنقيح المناط الظني، لأن ظاهر النصوص هو اعتبار حصول التغير الفعلي الظاهر في الحسي، لا أنه يكون أمارة على كمية النجاسة في الماء.

ثم إنه يظهر من صاحب الحدائق (قده) أن الأصحاب فرّقوا بين ما إذا كانت النجاسة مسلوبة الصفات، فاختلفوا فيه على قولين، و ذهب المشهور إلى الطهارة نظرا إلى أن التغير يكون حقيقة في الحسي، و خالف بعضهم كالعلامة (قده) و غيره، و حكموا فيه بالنجاسة نظرا إلى كفاية التقدير، و بين ما إذا اشتمل الماء على صفة توافق صفات النجاسة بحيث تمنع من ظهور التغير فيه مع بقاء النجس على صفاته الأصلية، فادعى الاتفاق على نجاسته.

أقول: عدم التغير الفعلي في الماء إنما هو لأحد أمور ثلاثة.

أحدها: عدم المقتضي في النجاسة، كما إذا فرض خفة لون الدم.

ثانيها: عدم الشرط، كعدم حرارة الهواء، فإن الحرارة تكون شرطا لتعفن الميتة الواقعة في الماء فمع برودة الهواء لا يتغير الماء بالميتة الواقعة فيه.

ثالثها: وجود المانع عن الحس في الماء، كما إذا كان لون الماء أحمر، فوقع عليه الدم و لم يظهر أثره للباصرة.

و لا ينبغي الإشكال في عدم تنجس الماء في الصورة الأولى و الثانية، لعدم حصول التغير في الماء لا حسا و لا واقعا، و انما هو التقدير فقط، و قد عرفت أنه لا أثر لكمية النجاسة لظهور الأدلة في دخل التغير الفعلي في موضوع الحكم بالنجاسة.

و أما الصورة الثالثة: فيحكم فيها بالنجاسة لحصول التغير في الماء واقعا، لتماميّة المقتضى و الشرط على الفرض إلا أنه منع عن دركه بالحس، فالمانع إنما‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 78‌

[ (مسألة 10) لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة]

(مسألة 10) لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة مثل الحرارة، و البرودة، و الرقّة، و الغلظة، و الخفة، و الثقل، لم ينجس

______________________________
منع عن رؤية لون الدم مثلا لا عن حصول التغير في الماء [1] نظير ما إذا كان لون جدار الحوض أحمر بحيث يتخيل للحس أن الماء الموجود فيه أحمر، فصب فيه كمية من الدم، و لم يظهر لونه في الماء لحمرة لون الحوض.

(و توهّم) استحالة اجتماع المثلين فإذا كان الماء متلوّنا بمثل لون النجاسة كيف يتلوّن بلونها ثانيا، فلا يتغيّر حتى واقعا، كما عن بعض مصرّا على عدم النجاسة حتى في هذه الصورة.

(مندفع) بأن حقيقة الصبغ هو وصول كل جزء من أجزاء اللون إلى أجزاء الماء لما حققه أهله من أن نفس أجزاء الماء لا تتحمل لونا، و إنما التلون عبارة عن وصول كل جزء من أجزاء اللون إلى كل جزء من أجزاء الماء، فيرى الماء أحمر مثلا، و هذا المعنى حاصل في الماء الأحمر الممتزج بالدم.

ثم إن المصنف ذكر أمثلة ثلاثة، اثنتان من قبيل وجود المانع، و هما الأول و الثالث، و أحدها من قبيل عدم المقتضى، و هو الثاني، و حكم بعدم النجاسة في الجميع.

و لكن قد عرفت أن التحقيق هو الحكم بالنجاسة في الفرض الأول و الثالث، و بالطهارة في الثاني، و قد ظهر وجه ذلك مما قدمنا.

______________________________
[1] نعم إذا كان المانع مانعا عن التغير لا عن دركه، فلا يحكم عليه بالنجاسة، كما إذا فرضنا اشتمال الماء على الأجزاء الكبريتية- أو الملحية و نحوها- المانعة عن تعفّن الماء بالميتة و تأثيرها فيه، لعدم حصول التغيير واقعا لا أنّه حصل و لم يظهر للحسّ.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 79‌

ما لم يصر مضافا (1).

[ (مسألة 11) لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس بعينه]

(مسألة 11) لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس بعينه، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس، كما لو أصفر الماء مثلا بوقوع الدم تنجس. و كذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما، فالمناط تغير أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة

______________________________
التغير بما عدا الثلاثة

(1) إذا تغيّر الماء بالنجاسة في غير الأوصاف الثلاثة- كالأمثلة المذكورة- لا يحكم عليه بالنجاسة، للأصل إذ لا دليل على التنجس بمطلق التغير، لأن الأخبار المتقدمة ظاهرة بل بعضها صريحة في حصر النجاسة في التغير بالريح و الطعم، كقوله (عليه السلام): لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، في صحيحة ابن بزيع المتقدمة «1» و ألحقنا بهما التغير باللّون، لورود النص الخاص فيه، فالمطلقات الواردة في الباب.

كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال إن تغير الماء فلا تتوضأ منه.» «2».

لا بد من حملها على المقيدات. و أما الاستدلال على ذلك بالإجماع- كما عن بعض- فمخدوش بأنه لم يثبت إجماع تعبدي في المقام، لاحتمال استناد المجمعين إلى الأخبار المذكورة المستفاد منها الحصر في الثلاثة لو لم نقل بالاطمئنان بذلك.

و أضعف منه الاستدلال بالنبوي: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» لأنه عامي مرسل كما تقدّم «3».

______________________________
(1) ص 66

(2) الوسائل ج 1 ص 103 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(3) ص 67

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 80‌

و إن كان من غير سنخ وصف النجس (1).

______________________________
التغير بغير وصف النجس

(1) هل يعتبر في تنجس الماء التغير بوصف النجس و لو بمرتبة ضعيفة كالصفرة بوقوع الدم أو يكفي تغير الماء بوقوعه فيه و لو بحدوث وصف آخر مغاير لوصف النجس، كما إذا حدث للماء بوقوع العذرة فيه رائحة غير رائحة العذرة، وجهان، بل قولان. و قوى في الجواهر [1] الأول. و لكن الأقوى هو الثاني كما في المتن.

ثم إنه هل يعتبر أن يكون الوصف الزائل عن الماء خصوص أوصافه الأولية الطبيعية أو يكفي زوال مطلق وصفه و لو كان وصفا عرضيا بحيث يرجع الماء إلى وصفه الأصلي بوقوع النجس فيه، كما إذا كان لون الماء أحمر فوقع فيه البول فصار أبيض، و هذا ما تعرّض له المصنف في المسألة الآتية.

و الفرق بين المسألتين هو أن الكلام في الأولى من حيث المتغير إليه أي الوصف الحادث في الماء و أنه هل يعتبر أن يكون وصف النجس أو يكفي مطلق الوصف، و في الثانية من حيث المتغير عنه أي الوصف الزائل عن الماء فالأولى من تقسيمات التغير و الثانية من تقسيمات الماء، فهما من بابين، و من الممكن التفصيل بينهما بدعوى انصراف التغير في الأخبار إلى خصوص التغير بوصف النجس، و لا يدعي ذلك بالنسبة إلى خصوص الأوصاف الأولية للماء. أو بالعكس، فهناك إطلاقان أحدهما بالنسبة إلى التغير و الآخر بالنسبة إلى الماء و من الجائز تسليم أحدهما دون الآخر، فلا وجه لجعلهما مبنيين على أساس واحد‌

______________________________
[1] قال في الجواهر (ج 1 ص 77) الطبعة السادسة: و لعلّ الأوّل (يعني التغير إلى أوصاف النجس) هو الأقوى استصحابا للطهارة مع الاقتصار على المتيقّن، و فيه أنّ إطلاق الروايات المذكورة في المتن تكون حاكمة على الاستصحاب، و لا إجمال فيها حتى يؤخذ بالمتيقّن، و دعوى انصرافها إلى خصوص وصف النجس ممنوعة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 81‌

..........

______________________________
كما عن بعض.

و كيف كان فالظاهر في المسألة الأولى هو كفاية التغيّر و لو إلى غير وصف النجس، لإطلاق قوله (عليه السلام) في.

صحيحة أبي خالد القماط: «إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب، و لا تتوضأ، و ان لم يتغير ريحه و طعمه فأشرب منه و توضأ» «1» و قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع التي هي العمدة في الباب: إلّا أن يتغير ريحه أو طعمه- الشامل للتغير بريح غير النجس و طعمه و قوله (عليه السلام) في ذيلها: فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه- لا يصلح للقرينية على إرادة خصوص ريح النجس أو طعمه في الصدر بدعوى أن التطيب إنما يكون من ريح النجس أو طعمه، لأنه النتن غالبا، و ذلك لحمله على ما هو الغالب في مياه الآبار التي هي مورد الصحيحة من وقوع الميتة فيها، و التغيّر بأوصافها، فقوله (عليه السلام) هذا محمول على الغالب لا أنه قرينة على الاختصاص.

فما عن الجواهر من دعوى الانصراف إلى خصوص أوصاف النجس و لو كانت من سنخها مندفع بثبوت الإطلاق في الصحيحتين و غيرهما، و بتأيده بقوله (عليه السلام): لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول- في رواية العلاء بن الفضيل المتقدمة «2» فإن مفهومه أنه إذا لم يغلب لون الماء لون البول ففيه بأس، سواء غلب لون البول على لون الماء أو لا بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر.

و لعل منشأ توهم الانصراف هو غلبة الموجود في المياه المتغيرة بالتركيب المزجي مع النجاسات، و هو انصراف بدوي زائل بالتأمل.

توضيحه: أن التغير الحاصل في الماء بوقوع النجس فيه قد يكون بالتركيب المزجي بين الماء و النجس بتفرق أجزاء النجس في الماء، كتفرق أجزاء العذرة أو‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 103 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(2) ص 69

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 82‌

..........

______________________________
البول أو الدم في الماء و امتزاج أحدهما بالآخر، و قد يكون بالتركيب بالخاصية بأن يحصل التغير في الماء من دون تفرق أجزاء الميتة في الماء.

و الغالب في الأول هو تغير الماء بأوصاف النجس قبل الملاقاة، لشيوع أجزاء النجس فيه، و لكن هذا لا يوجب إلا الانصراف البدوي، لأن غيره ليس من الفرد النادر.

و أما الثاني فليس فيه الغلبة المذكورة، إذ قد يحصل من اجتماعهما صفة في الماء لم تكن في النجس قبل الملاقاة، كما هو الشأن في التركيب بالخاصية، نظير تركيب النورة مع الماء، فإنه يحدث في الماء حرارة لم تكن قبل الاختلاط في أحدهما، و مقتضى إطلاق الروايات هو شمول كلا القسمين، بل مورد أغلبها هو وقوع الميتة أو الجيفة في الماء. نعم الغالب في التغير بالريح هو التغير بريح الجيفة قبل الملاقاة، و أما الطعم و اللون فلا. بل لا سبيل إلى معرفة طعم الجيفة غالبا.

و مما ذكرنا ظهر فساد توهم دلالة بعض الروايات على التخصيص بأوصاف النجس، كصحيحة شهاب الواردة في الماء الذي وقع فيه الجيفة لقوله (عليه السلام) فيها: «إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن إلى قوله قلت: فما التغير؟ قال:

الصفرة» «1» الدال على اعتبار غلبة ريح الميتة على الماء حتى يصير نتنا و غلبة لونها عليه حتى يصير أصفر.

وجه الفساد هو ورودها مورد الغالب، لأن الجيفة إذا وقعت في الماء أثرت فيه ريحها، و أوجبت فيه الصفرة، لأن اللّحم إذ وقع فيه الماء يؤثر فيه الصفرة. بل يمكن أن يستفاد من هذه الرواية أن العبرة بمطلق التغير فإن الصفرة ليست من أوصاف الميتة غالبا. و نحوها في الحمل على الغالب قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة: «إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ و لا يشرب» «2» لأن‌

______________________________
(1) تقدّمت ص

(2) الوسائل ج 1 ص 104 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 6.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 83‌

[ (مسألة 12) لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العارضي]

(مسألة 12) لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العارضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتى صار أبيض تنجس، و كذا إذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي (1).

______________________________
موردها وقوع الدّابة الميتة في الماء.

فتحصل: أن العمدة في المقام هو التمسك بإطلاق الروايات الصحيحة الشامل لغير أوصاف النجس من دون موجب لتقييدها، و عدم صحة دعوى الانصراف فلاحظ و تدبر.

زوال الوصف الأصلي و العرضي

(1) قدّمنا الإشارة إلى هذه في ضمن المسألة المتقدمة، و قد ذكرنا أنه لا ملازمة بينهما، لجواز التعميم في إحديهما دون الأخرى، لاختلاف الإطلاقين- أعني إطلاق التغير و إطلاق الماء المتغير- في الرّوايات إلا أنه مع ذلك يكون مقتضى إطلاق صحيحة ابن بزيع (أي إطلاق ماء البئر فيها) عدم الفرق بين أن يكون الماء باقيا على أوصافه الذاتية، أو يكون متصفا بصفة عرضية، فيتنجس و لو تغير وصفه العرضي بوقوع النجس فيه، كالمثال المذكور في المتن. بل الغالب في ماء البئر الذي هو مورد الصحيحة زوال الوصف العرضي، لعروض الملوحة و المرارة أو طعم آخر لمياه الآبار حسب تأثير الأراضي المختلفة، أو عوامل طبيعية أخرى في ذلك مع أن الماء النازل من السماء الذي هو منشأ تكون الآبار طبيعة واحدة ذات صفة واحدة، و لكنه يتأثر من صفات الأراضي المختلفة التي ينزل عليها المطر بالمجاورة، كما في آبار بلدتنا المقدسة النجف الأشرف، فإنها مالحة بسبب ملوحة الأرض. و بما أن الحكم بالنجاسة بسبب التغير في الصحيحة يكون على نحو القضية الحقيقية يثبت لجميع أفراد موضوعها المقدر وجودها في الخارج، لشمول الموضوع لجميع أفراد الآبار المختلفة مياهها من حيث اللون و الطعم و العذوبة و الملوحة و غيرها من الصفات، و معه لا مجال لدعوى الانصراف إلى‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 84‌

[ (مسألة 13) لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس]

(مسألة 13) لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس، فإن كان الباقي أقل من الكر، تنجس الجميع، و إن كان بقدر الكر، بقي على الطهارة، و إذا زال تغير ذلك البعض، طهر الجميع و لو لم يحصل الامتزاج على الأقوى (1).

______________________________
خصوص الوصف الذاتي، فإن كان ثمة انصراف فإنما هو انصراف بدوي زائل بالتأمل.

تغير بعض الماء

(1) إذا تغير طرف من الحوض مثلا و كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع، لانفعال الباقي بملاقاة المتغير، و إن كان كرا بقي على طهارته، و هذا كسابقه ظاهر. و إنما الكلام في أنه إذا زال تغير ذاك البعض فهل يطهر، بمجرد الملاقاة مع الكر أو يعتبر الامتزاج معه، و هذا من مصاديق البحث المعروف في ان الماء المتنجس هل يطهر بمجرد الاتصال بالعاصم أو يعتبر فيه المزج. و المشهور على كفاية مجرد الاتصال، و لم ينسب الخلاف إلى من قبل المحقق (ره) و القول الآخر هو اعتباره كما نسب إليه، و حكي عن آخرين أيضا. و الأصح ما عليه المشهور.

و يستدل له بوجوه:

الأول: الإجماع على أن الماء الواحد ليس له إلا حكم واحد، و هذا الماء لا يمكن أن يحكم على مجموعه بالنجاسة، لأن الطرف الآخر كر لا ينفعل بالملاقاة، فلا محالة يحكم عليه بالطهارة، و أما الحكم بنجاسة ما زال تغيره و طهارة الكر فهو خلاف الإجماع.

و فيه أولا: إن الإجماع التعبدي غير محتمل في المقام، لوجود مدارك أخر استند إليها القائلون بعدم اعتبار الامتزاج، فلم يحصل لنا القطع بعدم جواز حكمين مختلفين للماء الواحد، فمن الجائز أن يحكم على بعضه بالنجاسة و على البعض الآخر بالطهارة، كما كان قبل زوال تغير ذاك البعض.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 85‌

..........

______________________________
الوجه الثاني: ما هو بمنزلة التعليل الوارد في أخبار ماء الحمام لطهارة ماء الحياض كقوله (عليه السلام): أ ليس هو جار- في موثقة حنان قال: «سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني أدخل الحمام في السحر و فيه الجنب و غير ذلك، فأقوم فأغتسل فينتضح على بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال: أ ليس هو جار؟ قلت: بلى قال: لا بأس»
«1».

إذ الحكم بطهارة مياه الحياض الصغار- و هي المراد من ماء الحمام- في حال الجريان شامل بإطلاقه لصورتي الدفع و الرفع، و جريانها إنما هو باعتبار اتصالها بالمادة و هي الخزانة الكبيرة المتصلة بها بواسطة أنبوب جار عليها يفتح عند الحاجة، و إطلاق الحكم بطهارتها أعم من زوال النجاسة عنها، بحيث كانت قبل اتصال المادة بها متنجسة، فترتفع النجاسة عنها بالاتصال بالمادة، و من دفعها عنها، فلا تتنجس بملاقاة النجس، و يتعدى عن مورد الموثقة إلى مطلق الماء المتنجس المتصل بالعاصم، إما للقطع بعدم خصوصية للحمام، أو لعموم التعليل المذكور فيها. بل ربما يقال إن طهارة الماء المتنجس بالاتصال بالكر أولى من طهارة ماء الحمام المتصل بالخزانة بواسطة أنبوب و نحوه.

و أما توهم حصول الامتزاج القهري في مياه الحياض الصغار، لاستلزام جريان المادة عليها تموجها، و اختلاط بعض أجزاء الماء فيها ببعض، و إشاعة الماء الطاهر في سائر الأجزاء خصوصا حال الاستعمال.

(فمندفع) أولا: بأن التعليل في الموثقة إنما هو بنفس الجريان الحاصل من الاتصال بالمادة لا به و بالامتزاج معا.

و ثانيا: بأنا لا نسلم حصوله قهرا كما يظهر بصب جوهر أحمر مثلا في حوض الماء، فإنه لا يمتزج بجميع الماء إلا بالعلاج و الخلط.

و أما رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ماء الحمام لا‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 154 باب 9 من أبواب الماء المضاف ح 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 86‌

..........

______________________________
بأس به إذا كانت له مادة»
«1».

فدلالتها على المطلوب و إن كانت واضحة، لتعليق عدم البأس فيها على وجود المادة لماء الحمام، و بإطلاقها تشمل الدفع و الرفع إلا أن ضعف سندها يسقطها عن الاستدلال بها و إن صلحت للتأييد.

و أما صحيحة داود بن سرحان قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمام؟ قالت: هو بمنزلة الماء الجاري» «2».

فسندها و إن كان قويا إلا أنها قاصرة الدلالة، لأن تنزيل ماء الحمام بمنزلة الجاري لا يدل إلا على ثبوت حكمه له في الجملة، فلا دلالة للتنزيل المذكور على حكم الجاري، و انه إذا تنجس بعضه فهل يعتبر في طهارته امتزاجه بما يخرج من المادة أو لا، فلا بد في إثبات ذلك من دليل خارج. نعم تدل على اعتصام ماء الحمام عن الانفعال بملاقاة النجس كالماء الجاري.

الوجه الثالث: التعليل الوارد في صحيحة ابن بزيع لطهارة ماء البئر بعد زوال تغيره بالنزح (بأن له مادة) مع عدم احتمال اختصاصه بخصوص ماء البئر بمناسبة الحكم و الموضوع، و عدم احتمال اختصاص المادة بالنابع. لأن ملاكها العصمة الثابتة في الكر أيضا. و هي ما تقدم ذكرها «3» عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأن له مادة. و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة الشريفة التي هي العمدة في المقام هو أن يقال إن الظاهر أن المراد من الواسع شرعا- أي واسع الحكم- في مقابل ما ينفعل بالملاقاة، كالماء القليل، فيكون قوله (عليه السلام): لا يفسده شي‌ء تفسيرا للواسع. و أما إرادة الوسعة الخارجية بمعنى الكثرة فبعيدة عن لسان الشارع المتصدي لبيان الأحكام.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 111 باب 7 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(2) الوسائل ج 1 ص 110 باب 7 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 87‌

..........

______________________________
ثم إن التعليل المذكور في الصحيحة فيه احتمالات ثلاثة بل أربعة.

(الأول): التعليل لخصوص قوله (عليه السلام) واسع فالمعنى أنه لا يتنجس ماء البئر بملاقاة النجس لاتصاله بالمادة، فلا تدل حينئذ على رفع النجاسة عنه بمجرد الاتصال بها الذي هو المطلوب. بل غايته الدلالة على دفعها عنه لذلك. و هذا الاحتمال و إن كان صحيحا في نفسه إلا أن تخصيص التعليل به مع بعده لفظا، و إمكان رجوعه إلى أقرب منه وحده، أو رجوعه إليهما معا خلاف الظاهر.

(الاحتمال الثاني): رجوعه إلى ترتب زوال الريح و طيب الطعم على النزح، نظير قول القائل: (لازم غريمك حتى يوفيك حقك فإنه يكره ملازمتك) فإنه تعليل لترتب وفاء الحق على ملازمة الغريم. و هذا و إن كان صحيحا في نفسه إلا أنه تعليل لأمر تكويني خارج عن وظيفة الشارع بما هو شارع مبين للأحكام و علل تشريعها.

(الاحتمال الثالث): رجوعه إلى خصوص طهارة الماء بعد زوال تغيره المستفادة من قوله (عليه السلام): فينزح حتى يذهب الريح و يطيب الطعم، لأن المستفاد منه هو طهارة الماء بذلك، لأن النزح لا يكون واجبا نفسيا. بل هو مقدمة لزوال التغير الذي هو شرط طهارة الماء. و عليه يكون تعليلا لخصوص رفع النجاسة، كما أنه على الاحتمال الأول تعليل لخصوص دفعها، و هذا الاحتمال صحيح في نفسه، و ليس له أي مبعد خصوصا مع ملاحظة القرب اللفظي، فالقدر المتيقن إرادته من التعليل المذكور.

(الاحتمال الرابع): هو الجمع بين الاحتمال الأخير و الأول، فيكون تعليلا للدفع و الرفع معا. و هذا هو الظاهر و المتعين من بين الاحتمالات المذكورة، و إن لم يتوقف عليه الاستدلال، لما ذكرناه في الأصول في بحث الاستثناء المتعقب للجمل من أن القدر المتيقن هو رجوعه إلى الأخير، و إذا أمكن الرجوع إلى جميع ما سبق تعين ذلك، لعدم الترجيح، فرجوعه إلى الجميع أولى من تخصيصه بالأخير.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 88‌

[ (مسألة 14) إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، ثم تغير بعد مدة]

(مسألة 14) إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، ثم تغير بعد مدة، فإن علم استناده إلى ذلك النجس تنجس، و إلا فلا (1).

______________________________
و هذا البحث لا يختص بالاستثناء. بل يجري في كل قيد مذكور في الكلام، كما إذا قال القائل: لا تسافر و لا تصم يوم الجمعة، فإن الظرف مردد بين رجوعه إلى خصوص الصوم أو رجوعه إليه و إلى السفر معا، و الثاني أولى، إذا لم يكن ترجيح في الاختصاص بالأخير، و إن كان إرادته متيقنا على كل حال.

و مما ذكرنا يندفع ما عن شيخنا البهائي (قده) في حبل المتين من إجمال التعليل، لاحتمال رجوعه إلى ترتب زوال التغير على النزح، مع احتمال رجوعه إلى الأول أو الأخير.

وجه الاندفاع أن رجوعه إلى أمر تكويني ليس من وظيفة الشارع و رجوعه إلى الأول و الثالث معا هو الظاهر، لعدم مرجح للاختصاص بأحدهما كما قدمنا.

ثم إنه ربما يشكل على الاستدلال بهذه الصحيحة بأن موردها البئر و فيه يحصل الامتزاج القهري بالنزح و تجدد الماء من منابع البئر، لأن خروجه تدريجا يوجب خلطه بالباقي فيحصل الامتزاج لا محالة.

و يندفع: بأن موردها و إن كان كذلك إلا أن تعليل طهارة ماء البئر فيها إنما هو بخصوص وجود المادة له، لا به و بالامتزاج معا، فيعلم أنه لا دخل له في الحكم بالطهارة و إلا لوجب التعليل بالمجموع.

و بالجملة المتحصل من الصحيحة هو أنه يعتبر في طهارة ماء البئر المتغير بالنجاسة أمران، أحدهما: زوال التغير إذ بدونه لا يحكم بطهارة الماء و إن كان متصلا بالمادة، سواء حصل بالنزح كما في مفروض الرواية لأنه المجعول غاية للنزح أم بغيره من علاج أو صفق الرياح و نحو ذلك، لعدم خصوصية للنزح قطعا. الثاني: الاتصال بالمادة فالنزح علة لزوال تغير الماء و الاتصال بالمادة علة لطهارته فكأنه قال (عليه السلام) فينزح حتى يزول التغير فيطهر لأن له مادة.

(1) إذا وقع النجس في الماء الكر، فإن لم يتغير به فلا إشكال في الطهارة،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 89‌

..........

______________________________
و إن تغير به فإن علم استناد التغير إلى النجس- كما إذا وقع دم كثير فيه فتغير لونه- فلا إشكال في النجاسة سواء أ كان حصول التغير بمجرد الملاقاة، كما في المثال، أم بعدها و لو بعد خروج النجس من الماء أيضا، لكن بشرط العلم باستناد التغير إلى النجس السابق، لصدق التغير بالنجاسة في كلا الفرضين، نظير استناد الموت إلى أكل السم و لو مع تأخر الموت عنه بأيام، و لم يقيد الدليل بحصول التغير بمجرد الملاقاة أو ببقاء النجس في الماء حال التغير، فمقتضى إطلاقه شمول كلا الفرضين.

و أما إذا شك في استناد التغير إلى النجس- كما إذا فرضنا وجود ميتة سمكة في الماء و شككنا في استناد تغير ريحه مثلا بميتتها الطاهرة أو بميتة الشاة التي كانت في الماء قبل ذلك- فلا يحكم حينئذ بالنجاسة، لاستصحاب عدم تغير هذا الماء بالنجس، فالتغير و الملاقاة مع النجس و إن كانا مفروضين و محرزين بالوجدان إلا أن استناد التغير إلى ملاقاة النجس مشكوك فيه على الفرض، فيستصحب عدمه. و معه لا مجال لاستصحاب طهارة الماء و لا لقاعدتها، لحكومة الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي.

فإن قيل: إن موضوع الاستصحاب هو التغير و لا حالة سابقة لعدم استناده إلى النجس كي يستصحب، لأنه حينما وجد وجد مستندا إما إلى النجس و إما إلى الطاهر.

قلت أولا: ليس الموضوع التغير. بل هو الماء، لأنه المتنجس بسبب حصول التغير، كما هو المستفاد من أخبار الباب، فيقال هذا الماء لم يكن متغيرا بالنجاسة سابقا و الآن كما كان.

و ثانيا: سلمنا ذلك إلا أنه لا مانع معه من استصحاب العدم الأزلي، و لا يحتاج فيه إلى تحقق وجود الموضوع خارجا، كما في المرأة المستصحب عدم كونها قرشية بالعدم الأزلي السابق على وجودها في الخارج، و لا يعارض ذلك باستصحاب عدم استناده إلى الطاهر، لأنه لا أثر له إلا بالملازمة العقلية، لأن‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 90‌

[ (مسألة 15) إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء]

(مسألة 15) إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء، و تغيّر بسبب المجموع من الداخل و الخارج تنجس (1) بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

______________________________
موضوعه هو الاستناد إلى النجس الملازم عقلا لعدم استناده إلى الطاهر، و هو من الأصل المثبت الذي تحقق عدم حجيته. و لو سلم فيتساقطان بالمعارضة و يرجع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها.

التغير بالداخل و الخارج

(1) تقدم أن التغير إنما يوجب نجاسة الماء إذا كان حاصلا عما من شأنه تنجيس الماء القليل. و من الظاهر أنه لا يتنجس القليل إلا بملاقاة النجس معه لا بالأعم منه و من المجاورة، فالملاقاة وحدها كافية في تنجس القليل.

و أما في الكثير فيحتاج في الحكم بنجاسته إلى غلبة النجاسة عليه و تغير أحد أوصافه، و لا تكفي الملاقاة وحدها. و من هنا قد ذكرنا أنه لا يصح التمسك بإطلاق صحيحة ابن بزيع للتنجس بالمجاورة باعتبار أن (الشي‌ء) المذكور فيها أعم من أن يكون ملاقيا للماء أو مجاورا له فيما إذا أوجب تغيره.

و بالجملة: لا بد من استناد التغير إلى الملاقاة محضا، فإذا وقع بعض الميتة في الماء و بعضها الآخر خارج الماء، و تغير بالمجموع لا يمكن الحكم بالنجاسة لعدم شمول الدليل له، و إلا لزم الحكم بها في صورة التغير بالمجاورة أيضا لصدق التغير بالنجاسة و لكن قد عرفت عدم صحته، و ان المعتبر إنما هو صدق التغير بملاقاة النجس و من هنا يعلم عدم وجود إطلاق لنصوص الباب كما توهم، لأن موضوعها الملاقاة كما عرفت.

و أما توهم أن الغالب في الجيفة التي تكون في الماء بروز بعضها فإذا حكم فيها بالنجاسة مع استناد التغير إلى مجموع الداخل و الخارج فلا بد من الحكم بها في المقام، لعدم الفرق بينهما في نظر العرف.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 91‌

[ (مسألة 16) إذا شك في التغير و عدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة]

(مسألة 16) إذا شك في التغير و عدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر لم يحكم بالنجاسة (1).

[ (مسألة 17) إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فأحمر بالمجموع]

(مسألة 17) إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فأحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته (2).

______________________________
(فمندفع): بأن بعضها و إن كان بارزا خارج الماء إلا أن التغير مستند إلى الجزء الداخل في الماء الملاقي له لا إلى المجموع، فلا وجه لتفصيل المصنف بين التغير بالمجاورة و بين التغير بمجموع الداخل و الخارج.

التغير بالخارج دون الداخل إذا لاقى الماء بعض جسد الميتة مما لا يغيره و تغير بالبعض الأخر- كما إذا وقعت جيفة بجنب الماء و وقع شعرها أو صوفها فيه، و تغير بريح الجيفة الخارجة من الماء- لا يحكم عليه بالنجاسة، لأن الملاقي للماء لم يكن مغيرا له، و ما أوجب تغيره لم يكن ملاقيا معه. و قد عرفت لزوم استناد التغير إلى ملاقاة النجس.

(1) لأن المرجع في جميع الفروض الثلاثة الأصل. و هو أصالة عدم التغير في الأول. و أصالة عدم الملاقاة مع النجس في الثاني. و أصالة عدم التغير بالنجاسة في الثالث. و الفرض الأخير هو ما تقدم في (مسألة 14). و معه لا مجال للأصل الحكمي لحكومة الأصل الموضوعي عليه، كما تقدم. و موضوع الحكم في المقام هو الماء المتغير بملاقاة النجس، فهو مركب من قيود ثلاثة، فإذا شك في قيد من قيوده يكون مقتضى الأصل عدمه.

التغير بالنجس و الطاهر

(2) إذا تغير الماء بالمجموع من الطاهر و النجس ففيه صورتان:

الأولى: أن يكون النجس وحده كافيا في التغيير لو انفرد عن الطاهر، و لو بمرتبة ضعيفة، إلا أنه مع ذلك انضم إليه الطاهر، فتغير بالمجموع على نحو أشد‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 92‌

[ (مسألة 18) الماء المتغير إذا زال تغيّره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر]

(مسألة 18) الماء المتغير إذا زال تغيّره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر. نعم الجاري و النابع إذا زال تغيره بنفسه طهر، لاتصاله بالمادة. و كذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر (1).

______________________________
كما في مثال المتن. و فيها يحكم بالنجاسة، لصحة استناد التغير إلى النجس و إن لم يكن محسوسا، لأن المانع إنما يمنع عن الرؤية و الحس لا عن تغير الماء بالنجس كما تقدم في (مسألة 9). و قد تقدم أيضا توهم اجتماع المثلين حينئذ مع جوابه.

الثانية: أن لا يكون النجس وحده كافيا في ذلك. بل المجموع المركب منه و من الطاهر كان مؤثرا في تغير الماء بحيث كان كل منهما جزء العلة. و فيها يحكم بالطهارة، لعدم استناد التغير إلى النجس وحده. نعم لو كان غير النجس دخيلا في حصول التغير بالنجس حكم بنجاسته. لاستناد الأثر إلى المقتضي و إن أنيط تأثيره بوجود الشرط. و ظاهر المصنف إرادة الصورة الثانية، لحكمه بالطهارة، و يحتمل إرادة الأولى أيضا بدعوى أن التغير فيها تقديري لا حسي، و هو لا يكفي في الحكم بالنجاسة، كما تقدم تفصيله في (مسألة 9).

زوال التغير

(1) إذا زال تغير الماء بنفسه لا بالمزج مع الكثير سواء أ كان بعلاج أم بغيره كتصفيق الريح و أشعة الشمس و نحو ذلك لم يطهر من غير اتصاله بالكر أو الجاري و إن كان كثيرا، فالمراد من قوله: (بنفسه) ما يقابل الاتصال بالكر أو الجاري. و الكلام تارة في الماء القليل و أخرى في الكثير.

أما القليل: فقد يستند في الحكم بنجاسته إلى الإجماع، فإن تم و إلا فيشترك مع الكثير في وجه الحكم بالنجاسة من الاستصحاب و الأخبار.

و أما الكثير: فيقع الكلام فيه في مقامين:

(الأول) فيما يقتضيه الأصل العملي.

و (الثاني) فيما هو مقتضى الدليل الاجتهادي من حيث دلالته على الطهارة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 93‌

..........

______________________________
أو النجاسة.

أما المقام الأول: فالمعروف فيه هو التمسك باستصحاب النجاسة. و لا يرد عليه الإشكال بتعدد الموضوع بتوهم أن المحكوم بالنجاسة سابقا هو الماء المتغير، و ما يشك في بقاء النجاسة له غير المتغير، لاندفاعه بأن الموضوع في نظر العرف هو الماء. و التغير من حالاته، و إنما الشك من جهة أن التغير هل هو علة للنجاسة حدوثا و بقاء أو حدوثا فقط، كما حقق في محله. نعم يرد عليه ما ذكرناه في مباحثنا الأصولية من الإشكال على الاستصحاب في الشبهات الحكمية من جهة معارضته دائما باستصحاب عدم الجعل أزلا بالنسبة إلى الزمان المشكوك فيه.

ففي المقام يكون استصحاب النجاسة إلى ما بعد زوال التغير معارضا باستصحاب عدمها في هذا الحال، فالمرجع بعد التساقط بالمعارضة قاعدة الطهارة.

و أما المقام الثاني: فقد يستدل فيه على طهارة الماء بعد زوال تغيره- و قد حكي القول بها عن بعض- [1] بوجوه، الأول: ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» «2».

بدعوى دلالتها على أن بلوغ الماء كرا لا يجتمع مع حمله الخبث، و هو عام يشمل الدفع و الرفع، خرج منه حال التغير بالنص، فيبقى ما بعد زواله تحت العموم بناء على ما هو التحقيق من لزوم الرجوع إلى عموم العام لا استصحاب حكم المخصص فيما إذا لم يكن لدليل التخصيص إطلاق يشمل ما بعد زمان التخصيص.

______________________________
[1] كما في الجواهر: أنّه لم ينقل عن أحد الخلاف في عدم الطهارة إلّا عن يحيى ابن سعيد في الجامع، و عن العلّامة في نهاية الأحكام أنّه تردّد في حصول الطهارة بزوال التغير من قبل نفسه خاصة، و في المنتهى نقل لخلاف فيه عن الشافعي و أحمد، و لم ينسبه لأحد من أصحابنا ص 166 ج 1 الطبعة السادسة.

______________________________
(2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 27 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 6.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 94‌

..........

______________________________
و فيه أولا: ضعف السند [1] و ثانيا: قصور الدلالة، لأن الظاهر من قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لم يحمل خبثا دفع النجاسة لا الأعم منه و من الرفع، فيكون مفاده مفاد بقية الروايات الدالة على عدم تنجس الكر بملاقاة النجس، كقوله (عليه السلام) في عدة روايات: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء»
«2».

الثاني: قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع المتقدمة «3» «حتى يذهب الريح و يطيب طعمه» بناء على كون (حتى) تعليلا للنزح لا أنه غاية لاستمراره، فيدل على أن مجرد زوال التغير كاف في طهارة الماء، لأن المعنى أنه ينزح لكي يذهب ريح الماء و يطيب طعمه فيطهر بذلك.

و فيه: أن الاستدلال به يبتني على أمرين ممنوعين.

(الأول): كون (حتى) تعليلية نظير قولك: «أسلم حتى تدخل الجنة: و لازم غريمك حتى يوافيك» مع أن ظاهره أنه لبيان الغاية كما في قولك «سر حتى تدخل الكوفة» فلو أمكن في الكلام ذلك وجب الحمل عليه إلا أن تقوم قرينة على الخلاف، كما في الأمثلة، فلا موجب لصرفه عن ظهوره. و بما أن النزح مقدمة‌

______________________________
[1] لأنّها لم ينقل في كتب الحديث عن الأئمة عليهم السلام، و إنّما رواها ابن إدريس في السرائر مرسلا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك المرتضى و الشيخ في الخلاف على ما حكى عنهم. و المرسل لا يكون حجّة. فدعوى ابن إدريس أنّها مجمع عليها بين المخالف و المؤالف ظاهرة المنع، كدعوى صاحب الجواهر من أن إرسالها لا يمنع عن العمل بها، لأنّه رواها من لا يطعن في روايته كالمرتضى و الشيخ مع عملهما بها مع أنّ المرتضى لا يعمل بأخبار الآحاد، بل ادّعى انجبارها بنقل ابن إدريس إجماع الأصحاب على طهارة القليل بإتمامه كرا مع استدلاله بهذه الرواية على الطهارة أيضا. وجه الضعف انّ جلالة شأن المرسل لا يخرج الرواية عن الإرسال بالنسبة إلينا و إن عمل به المرسل مع عدم إحراز عملهما بها، و أمّا الانجبار بمجرّد نقل الإجماع على ما دلّ عليه الرواية فأظهر منعا، لعدم ثبوت استناد المجمعين إليها أوّلا، و عدم الانجبار بعملهم ثانيا، كما مرّ مرارا.

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 117 و 118 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 5 و 6.

(3) ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 95‌

..........

______________________________
إعدادية للحكم بالطهارة و لم يعلم مقداره و أنه عشرة دلاء أو عشرين أو أكثر فبيّن الإمام (عليه السلام) أن حده زوال التغير.

هذا مضافا إلى استلزامه رجوع التعليل بقوله: «لأن له مادة» إلى أمر عرفي خارج عن وظيفة الشارع، و هو ترتب زوال التغير على النزح لا إلى طهارته، كما تقدم استظهاره.

(الثاني): عموم التعليل كي يشمل ماء البئر و غيره و منه المقام، مع أن الظاهر من اللام في قوله (عليه السلام) «حتى يذهب الريح» أنه للعهد، فيكون إشارة إلى ماء البئر، كما أن مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) «و يطيب طعمه» أيضا ذلك، فيحتمل خصوصية المورد، فلا عموم في التعليل. و عليه لا يمكن التعدي إلا إلى مثل البئر مما له مادة كالجاري و لو سلم كون «حتى» تعليلية. و لو منع عن الظهور فيما ذكرناه فلا أقل من الإجمال.

(الثالث): دلالة الأخبار على دوران النجاسة مدار التغير حدوثا و بقاء، فإذا زال التغير ارتفع الحكم بالنجاسة، كما هو شأن كل عنوان أخذ موضوعا للحكم، كجواز الاقتداء بالعادل و التقليد للمجتهد.

و فيه: أنه لا دلالة للأخبار إلا على حدوث النجاسة بحدوث التغير في الماء و لا دلالة فيها على الدوران المذكور، كما لا يخفى على من راجعها. بل ربما يستظهر منها بقاء النجاسة حتى بعد زوال التغير. فتحصل مما ذكرناه أنه لا يتم شي‌ء من أدلة القول بالطهارة.

و الأقوى هو القول بالنجاسة، كما هو المشهور، و يدل عليه إطلاق الأخبار الناهية عن الوضوء و الشرب عن الماء إذا تغير، كقوله (عليه السلام) في صحيحة حريز: «إذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب» «1» فإن الموضوع فيه نفس الماء، و حكم عليه بالنجاسة بشرط حدوث التغير فيه، و مقتضى إطلاقه‌

______________________________
(1) تقدّمت ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 96‌

..........

______________________________
شمول الحكم لما بعد التغير أيضا، و ليس الموضوع فيه الماء المتغير حتى يشكل بانتفائه عند زوال قيده، فتكون هذه الروايات نظير ما دل على عدم جواز شرب الماء إذا لاقاه البول، فإنه يشمل بإطلاقه لما بعد الملاقاة. بل يمكن استفادة الإطلاق مما دل على الحكم الوضعي- أي النجاسة- كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع: «إلا أن يتغير» لدلالته على الحكم بنجاسة الماء بمجرد حدوث التغير. و لو نوقش في ذلك فيكفينا إطلاق ما دل على الحكم التكليفي.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net