فصل في الماء الرّاكد‌ 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 307

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌1، ص: 131

[فصل في الماء الرّاكد]

فصل في الماء الرّاكد

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 132‌

..........

______________________________
الماء الرّاكد بلا مادّة، انفعال الماء القليل بالنجاسة، أقوال العامّة في تحديد الماء الكثير، انفعال الماء القليل بالمتنجّس مع الواسطة، لا فرق بين الوارد و المورود، حدّ الكرّ بالوزن، حدّ الكرّ بالمساحة، الماء المشكوك كرّيّته، القليل المتمّم كرّا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 133‌

فصل الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة (1).

______________________________
فصل في الماء الراكد

(1) اعلم أنه لا إشكال و لا خلاف في أن الكر و ما فوقه لا يتنجس بملاقاة النجس، و نطقت بذلك الروايات الصحيحة، و إنما يتنجس بخصوص التغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، كما أنه لا إشكال في نجاسة ما دون الكر بالتغير.

و إنما الكلام في أنه هل يتنجس بمجرد ملاقاة النجس أو لا.

المشهور بل ادعى الإجماع في كلمات كثير من الأعلام على انفعاله بها، و لم ينسب الخلاف إلا إلى ابن أبي عقيل و تبعه الفيض الكاشاني. و قد رأيت رسالة للسيد نور الدين الجزائري ذهب فيها إلى القول بعدم الانفعال أيضا. و لعل هناك من الأعلام نفرا معدودين أيضا ذهبوا إلى هذا القول [1].

______________________________
[1] كالشيخ الفتوني، و السيد عبد اللّه الشوشتري- المصدر مفتاح الكرامة ص 73.

و اما المخالفون فعن المالكية أن القليل لا يتنجس بملاقاة النجس إلا أنه يكره استعماله، و عن الشافعية التفصيل بين ما إذا كانت النجاسة معفوا عنها كميتة ما لا دم له، و كان وقوعها بغير اختيار فلا يتنجس، و في غيره يتنجس،- المصدر: الفقه على المذاهب الأربعة ص 6- (و في مفتاح الكرامة ص 74) حكاية هذا القول عن كثير منهم، و منهم مالك،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 134‌

..........

______________________________
و البحث في هذه المسألة يقع عن جهات:

(الأولى): في أصل الانفعال و عدمه في الجملة في مقابل السلب الكلي إذ لسنا- فعلا- في مقام إثبات تنجسه مطلقا و لو بالمتنجس أو بما لا يدركه الطرف و إن خالف فيهما بعضهم، و إنما نريد إثبات دلالة الأخبار على نجاسته في الجملة في مقابل المخالف رأسا كابن أبي عقيل إذ يكفي في رفعه الإيجاب الجزئي.

و يقع الكلام فيها في مقامين.

(الأول): في ذكر ما دل من الأخبار على الانفعال.

(الثاني): في بيان ما توهم دلالتها على عدمه، و العلاج بينهما.

أما المقام الأول: ففي ذكر الأخبار الدالة على مذهب المشهور المنصور عندنا. و هي تبلغ حد التواتر الإجمالي بمعنى أنا نقطع بصدور بعضها من الإمام (عليه السلام) إذ لا نحتمل كذب جميعها، كيف و قد ادعى بلوغها إلى ثلاثمائة رواية [1] و إن لم تصل إلينا جميعها. على أن فيها الصحاح و الموثقات فلا مجال للتشكيك في سند هذه الروايات.

و هي على طوائف:

(الطائفة الأولى): الأخبار الناهية عن الوضوء و الشرب من الإناء الذي وقع فيه قطرة دم أو شرب منه طير على منقاره دم أو قذر، فإن النهي فيها إرشاد إلى النجاسة، لعدم احتمال الحرمة التعبدية في الوضوء بالنجس، و حرمة الشرب إنما هي لنجاسة الماء لا لغيرها.

(منها): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال:

______________________________
إلى أن قال: بل نسب القول بالطهارة إلى مشهور قدمائهم.

[1] في مفتاح الكرامة ص 73 عن أستاذه في أثناء تدريسه في الوافي ان الروايات الواردة في ذلك مما تزيد على ثلاثمائة رواية. و عن الرياض أنه قد جمع بعض الأصحاب منها مائتي حديث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 135‌

..........

______________________________
لا»
«1».

و (منها): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال:

لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من الماء» «2».

و (منها): موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «و سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب» «3».

و (منها): موثقته أيضا عنه (عليه السلام) «و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه و لم يشرب، و إن لم يعلم أن في منقارها قذر توضأ منه و اشرب» «4».

(الطائفة الثانية): الأخبار الدالة بمفهومها على انفعال ما نقص عن الكر أو الرواية، إما بمفهوم الشرط، أو بمفهوم القيد الوارد في مقام البيان.

(منها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «و سئل عن الماء تبول فيه الدواب، و تلغ فيه الكلاب، و يغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» «5».

و (منها): صحيحة زرارة قال: «و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن يجي‌ء له ريح‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 112 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1 و ص 125 باب 13 ح 1.

(2) الوسائل ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(3) الوسائل ج 1 ص 166 باب 4 من أبواب الأسئار ح 2.

(4) الوسائل ج 1 ص 166 باب 4 من أبواب الأسئار ح 3.

(5) الوسائل ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 136‌

..........

______________________________
تغلب على ريح الماء»
«1».

و (منها): صحيحة إسماعيل بن جابر قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» «2».

و (منها): صحيحته الأخرى قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ فقال: كر. الحديث «3».

و في الحدائق [1] إنها صحيحة عبد اللّه بن سنان و الظاهر أنه سهو من قلمه الشريف و الصحيح أن الرواية لإسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) نعم في طريقها ابن سنان [2].

و هاتان صريحتان في الدلالة، لأنهما في مقام التحديد و إعطاء الضابط لعدم تنجس الماء بالملاقاة.

(الطائفة الثالثة): الأخبار الآمرة بإراقة الإناء الذي أدخل فيه اليد القذرة من نجاسة البول أو المني أو غيرهما أو وقع فيه قذر، و في بعضها الأمر بالتيمم بعد الأمر بالإهراق، و ليس ذلك إلا للنجاسة كي لا يستعمل الماء الموجود في الإناء فيما يشترط فيه الطهارة- كالشرب و الوضوء و نحوهما- لعدم احتمال وجوب الإراقة تعبدا.

(منها): صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة؟ قال: يكفي الإناء» «6».

______________________________
[1] ج 1 ص 281- الطبع الحديث و أسند نفس الرواية إلى إسماعيل بن جابر في ص 262 فما وقع منه هنا سهو.

[2] سيأتي الكلام في بحث تحديد الكرّ في أن ابن سنان هذا الواقع في طريق هذه الرواية هل هو عبد اللّه أو محمد و رجّح صاحب الحدائق (قده) إنّه عبد اللّه.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 104 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(2) الوسائل ج 1 ص 121 باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) الوسائل ج 1 ص 118 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(6) الوسائل ج 1 ص 114 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 7.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 137‌

..........

______________________________
و (منها): موثقة سماعة قال: «سألته عن رجل يمس الطست، أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفيه؟ قال: يهريق من الماء ثلاث جفنات و إن لم يفعل فلا بأس، و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني، و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله»
«1».

و (منها): موثقته أيضا قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمم» «2».

(الطائفة الرابعة): الأخبار الآمرة بغسل الأواني التي شرب منها حيوان نجس العين- كالكلب و الخنزير- و من الظاهر عدم مباشرة الحيوان لنفس الإناء عند شربه منه، و إنما يباشر الماء الموجود فيه بالولوغ، فيتنجس الإناء بملاقاته مع الماء المتنجس الموجود في الإناء، و الأمر بالغسل في مثل المقام إرشاد إلى النجاسة لعدم احتمال الوجوب التعبدي.

(منها) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: أغسل الإناء. الحديث» «3».

و (منها): صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «أنه سأله عن الكلب؟ فقال: رجس نجس لا يتوضأ بفضله، و أصبب ذلك الماء و أغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» «4» «5».

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 114 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 10.

(2) الوسائل ج 1 ص 113 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2.

(3) الوسائل ج 1 ص 162 باب 1 من أبواب الأسئار ح 3.

(4) الوسائل ج 2 ص 1091 باب 70 من أبواب النجاسات ح 1.

(5) و هذه الصحيحة قطعت في الوسائل في أبواب متفرقة منها باب 1 من أبواب الأسئار ح 1 و 4 و باب 11 من أبواب النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 138‌

..........

______________________________
و (منها): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات»
«1».

و هناك روايات أخر وردت على المضامين السابقة و أعرضنا عنها خوف الإطالة و إن شئت فراجع الأبواب المذكورة و غيرها و في هذه غنى و كفاية في الدلالة على المطلوب.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و أما المقام الثاني: ففي ذكر ما توهم دلالته من الاخبار على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس.

و هي أيضا على طوائف:

(الأولى): ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» «2».

مدعيا استفاضته عنه (صلّى اللّه عليه و آله) كما عن الفيض الكاشاني و دلالته على حصر منجس الماء في التغير بأحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، فمجرد الملاقاة مع النجس لا يكون موجبا لنجاسته و إن كان قليلا.

و الجواب عنها انها ضعيفة السند لأنها عامي مرسل، إذ لم تنقل في شي‌ء من كتب أحاديثنا لا مسندا و لا مرسلا، فكيف بالاستفاضة. و الظاهر أنها لم تكن مستفيضة حتى عند العامة. و مما يقضى منه العجب دعوى الكاشاني استفاضته مع إحاطته التامة بالأخبار، و كيف كان فهي ساقطة سندا.

مضافا إلى ما ستعرف من ضعف دلالتها عند الجواب عن الطائفة الثانية.

(الثانية): الأخبار الكثيرة الواردة من طرقنا المعتبرة الدالة على حصر ما يوجب نجاسة الماء في التغير و إن كان الماء قليلا.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1017 باب 13 من أبواب النجاسات ح 1.

(2) الوسائل ج 1 ص 101 باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 139‌

..........

______________________________
(منها): صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب. فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب»
«1».

و (منها): صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عن غدير أتوه و فيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهرا و لا توجد منه الريح فتوضأ» «2».

و (منها): رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يمر بالماء و فيه دابة ميتة قد أنتنت؟ قال: إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ و لا تشرب» «3» [1].

و (منها): رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، و إن لم تغيره أبوالها فتوضأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» «5».

و (منها): صحيحة أبي خالد القماط أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول «في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه، و إن لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب و توضأ» «6» [2].

______________________________
[1] كالضّعيف بوقوع عثمان بن عيسى في طريقها و لو ثبت وثاقته كما عن بعض فهي موثّقة.

[2] عبّر عنها في الحدائق (ج 1 ص 179) بالصحيحة و في (ص 291) بالرواية، و يمكن الإشكال فيها تارة من جهة إبراهيم بن عمر اليماني الواقع في طريقها فقد ضعفه

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 102 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) الوسائل ج 1 ص 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 11.

(3) الوسائل ج 1 ص 104 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 6.

(5) الوسائل ج 1 ص 103 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(6) الوسائل ج 1 ص 103 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 140‌

..........

______________________________
و نحوها غيرها، و هذه الروايات تدل على أن الماء إذا لم يتغير أوصافه بالنجاسة يبقى على طهارته و إن كان قليلا، لأن المستفاد منها إناطة انفعال الماء قليلا كان أو كثيرا- كما هو مقتضى إطلاقها- بحصول التغير في أحد أوصافه، و ان مناط اعتصام الماء قاهريته على النتن، أو الجيفة، و غلبته على النجاسة، فلا ينفعل بشي‌ء آخر و إن كان هو ملاقاة النجس.

(و الجواب عنها) أولا: أن مورد السؤال في أغلب هذه الروايات المياه الكثيرة الواقعة في الطرقات، و هي تبلغ الأكرار فضلا عن كر أو كرين، لأن مياه الغدران و الأنقعة الواقعة في الطرق مياه مجتمعة في الحفرات الكبيرة من السيول، و الأمطار، أو من نزح الآبار إليها فكانت المارة تستفيد منها، و تشرب منها دوابهم، و تكون معرضا لبول الدواب فيها بطبيعة الحال، لأنها تردها لتشرب فتبول فيها، و معرضا لرمي الجيفة و ميتة الحيوانات فيها، و مثل هذه المياه تكون كثيرة لا محالة.

و الحاصل: إن القرائن الخارجية و الداخلية في نفس الروايات- كالتعبير بالغدير و النقيع و نحو ذلك- تدلنا على أن مورد السؤال و الجواب فيها المياه الكثيرة.

و يؤيد ذلك: صحيحة صفوان الجمال قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، و تلغ فيها الكلاب، و تشرب منها الحمير، و يغتسل فيها الجنب، و يتوضأ منها؟ قال: و كم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق، و إلى الركبة، فقال: توضأ منه» «1».

فإنه (عليه السلام) سأل عن عمق الماء دون مساحته لعلمه بسعة تلك الحياض الواقعة بين الحرمين فلما عرف عليه السلام بلوغه الكثرة التي لا ينفعل معها الماء بمجرد ملاقاة النجس أمره بالوضوء منها.

______________________________
ابن الغضائري إلا أنه وثقه النجاشي و غيره، و أخرى من جهة أبي خالد القماط المشترك بين الثقة و غيره، و لكن الأظهر أنه الثقة بقرينة رواية إبراهيم بن عمر اليماني عنه بناء على كونه راويا عن يزيد أبي خالد القماط.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 120 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 141‌

..........

______________________________
و ثانيا: لو سلم عدم اختصاصها بالكثير فلا يحتمل اختصاصها بالقليل. بل غاية ما يدعي فيها الإطلاق الشامل للقليل، فتقيد بالطائفة الأولى من الروايات المتقدمة الدالة على انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة و إن لم يتغير، فإن مورد تلك الروايات عدم التغير قطعا، لأن وقوع قطرة من الدم في الإناء- كما في صحيحة علي بن جعفر- و كذا دخول الدجاجة و الحمامة التي و أوطأت النجس في الماء- كما في صحيحته الأخرى- و كذا شرب الطير الذي في منقاره الدم- كما في موثقة عمّار- و غيرها من الروايات التي موردها من هذا القبيل لا يوجب تغير الماء بالنجس لقلة النجاسة المفروضة فيها.

و إن شئت فقل: إن هذه الأخبار التي استدل بها الخصم على عدم انفعال القليل بالملاقاة- و هي ما دلت على اعتبار التغير في النجاسة- لا بد من تقييدها بمفهوم أخبار الكر، فإن المراد من النجاسة في قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء» ليس النجاسة بالتغير، لأن الكر يتنجس بالتغير. بل المراد النجاسة بالملاقاة، و مفهوم الشرط هو نجاسة ما دون الكر بها، فيقيد إطلاق هذه الأخبار بمفهوم أخبار الكر جمعا بينهما، فتنقلب النسبة حينئذ بينها و بين ما دلت من الأخبار الكثيرة على انفعال القليل بوقوع قطرة الدم أو ولوغ الكلب أو إصابة اليد القذرة للماء و نحوها مما لا يوجب التغير في الماء من الإطلاق و التقييد إلى التباين، لأنه بعد تقييد إطلاقها بمفهوم أخبار الكر يكون الباقي تحتها خصوص الماء الكثير. و هذه طريقة أخرى للجمع فتفطن.

و يلحق بها استدلالا و جوابا المطلقات الواردة في مياه الطرق من دون تعرض فيها للتغير.

(منها): رواية عثمان بن زياد قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أكون في السفر فآتي الماء النقيع و يدي قذرة فأغمسها في الماء؟ قال: لا بأس» «1».

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 121 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 16.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 142‌

..........

______________________________
(و منها): موثقة أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فتكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و تبول فيه الدابة، و تروث؟ فقال: إن عرض في قلبك منه شي‌ء فقل هكذا يعني أفرج الماء بيدك ثم توضأ، فإن الدين ليس بمضيق فان اللّه يقول:

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» «1».

(الثالثة): ما توهم ورودها في خصوص الماء القليل كحسنة محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان؟ قال:

يضع يده و يتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال اللّه تعالى: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» «2».

(و الجواب عنها) أولا: انه لو سلمنا دلالة هذه الرواية على عدم انفعال الماء القليل كانت معارضة للروايات السابقة الدالة على الانفعال، و لا بد من ترجيحها على هذه، لشهرتها و وضوح صدورها عن المعصوم (عليه السلام)، فتكون مما لا ريب فيه، كيف و هي بالغة حد التواتر، فيكون معارضها من الشاذ النادر الذي لا بد من طرحه.

و ثانيا: إن منشأ «التوهّم» وقوع لفظ القليل فيها، فتوهم إرادة ما دون الكر «و يدفعه» ان الظاهر إرادة القليل العرفي لا المصطلح في مقابل الكر، لعدم ثبوت اصطلاح في ذلك في عهد ورود الروايات، كيف و هو اصطلاح مستحدث في ألسنة الفقهاء، بل لم يثبت الاصطلاح المذكور حتى عند الفقهاء المتقدمين، فالقليل في الرواية هو القليل العرفي بالإضافة إلى المياه الكثيرة الواقعة في الطرقات، لأنها كثيرة تبلغ الأكرار غالبا، فما زاد على الكر يسيرا قليل بالنسبة إليها، و لعل منشأ‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 120 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 14.

(2) الوسائل ج 1 ص 113 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 143‌

..........

______________________________
السؤال عن الغسل بهذا الماء البالغ حد الكر هو ما ذهب إليه جماعة من العامة من نجاسة الماء بغسل الجنب فيه إذا لم يكن كثيرا [1].

و اختلفوا في حد الكثرة فعن أبي حنيفة أنه عشرة أذرع في عشرة [2] فإن‌

______________________________
[1] في البحر الرائق لابن نجم الحنفي (ج 1 ص 99) أن عن أبي حنيفة روايتين، في رواية محمد عنه أنه (يعني الماء المستعمل في الحدث) طاهر غير طهور. إلى أن قال: و في رواية أبي يوسف و الحسن بن زياد: إنه نجس، غير أن الحسن روى عن التغليظ، و أبا يوسف روى عنه التخفيف. إلى أن قال: و ذكر النووي أن الصحيح من مذهب الشافعي أنه طاهر غير طهور، و به قال أحمد، و هو رواية عن مالك،. إلى أن قال: وجه رواية النجاسة قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، و لا يغتسلن فيه من الجنابة ه‍» ثم أخذ في تقريب الاستدلال به. فظهر أن القائل بنجاسة الماء القليل المستعمل في رفع الحدث من المذاهب الأربعة هو أبو حنيفة فقط، و الباقون يقولون بطهارته و إن لم يكن مطهرا، و الخدشة في سند الرواية عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و دلالتها ليس هذا محلها.

[2] اختلف أقوال العامة في تحديد الكثير الذي لا ينفعل بملاقاة النجس، و أكثر التقادير ما عليه الحنفية- كما تعرف ذلك فيما يلي-:

في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي (ج 1 ص 72) أنه عند أبي حنيفة إذا تحرك أحد أطراف الماء بتحريك الطرف الآخر فهو قليل، و إلا فهو كثير، و معرفة ذلك، إما بالاغتسال فيه من غير عنف، أو الوضوء منه، أو بتحريكه باليد من غير غسل و لا وضوء.

ثم ذكر اختلاف مشايخ الحنفية فعند أبي حفص البخاري اعتبار الخلوص بالصبغ. فإن ظهر الصبغ قليل، و إلّا فكثير.

و عند الجوزجاني إن كان عشرة أذرع في عشرة فهو كثير و إلا فقليل.

و عند أبي مطيع البلخي إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أنه يجوز الوضوء به، و إن كان عشرين في عشرين فلا أجد في قلبي منه شيئا.

و روى عن محمد إنه قدره بمسجده و كان داخله ثمانيا في ثمانية، و خارجه عشرا في عشر انتهى ملخصا.

فإن كان مرادهم من التحديد بالمساحة تعيين مساحة المجموع فعلى الأول تبلغ (100) ذراع، لأنها مضروب (10 في 10) و (400) شبر مضروب (20 في 20) لأن كل ذراع من ذراع الآدمي شبران، و على الثاني تبلغ مساحة المجموع (225) ذراعا و (900) شبر، و زيادة هذه المقادير على الكر المعتبر عندنا بمراتب مما لا يخفى لأنّه إمّا (43) شبرا إلّا 18 شبر كما

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 144‌

..........

______________________________
كان مراده مساحة المجموع فيبلغ مائة ذراع و إن كان مضروب بعدية و إيكال البعد الثالث على وضوحه قياسا على البعدين كما هو مقتضى التحديد في الأجسام فيبلغ ألف ذراع، و هذا الحد كما ترى يتجاوز الكر المعتبر عندنا بكثير‌

______________________________
هو المشهور أو (27) شبرا كما هو مختار سيدنا الأستاذ دام ظله و إن كان المراد تحديد البعدين فقط و إيكال البعد الثالث عليهما بأن يكون العمق بمقدار الطول و العرض، كما احتمله في بدائع الصنائع (ص 73) فيبلغ الكثير عندهم بحيرة صغيرة لأنه على الأول يكون (1000) ذراع مضروب (10 في 10 في 10) و (8000) شبر مضروب (20 في 20 في 20)، و على الثاني يكون (3375) ذراعا مضروب (15 في 15 في 15) و (27000) شبر مضروب (30 في 30 في 30).

- و لمّا رأوا قبح هذا المعنى في تحديد الماء الكثير فذهبوا في تحديد العمق إلى أقوال مختلفة فعن بعضهم أن يكون العمق زيادة على عرض الدرهم الكبير و قيل أن يكون شبرا، و قيل أن يكون ذراعا، و قيل أن يكون بحيث لو رفع إنسان الماء بكفيه لا ينحسر أسفل الماء (بدائع الصنائع ج 1 ص 73).

و كل ذلك تخرص بالغيب، لعدم الدليل على شي‌ء من ذلك لا من الشرع و لا من العقل و من هنا قال في فتح القدير لابن همام (ج 1 ص 48) الصحيح عدم الحكم بتقدير معين و الكل تحكمات، و قال الفخر الرازي في تفسيره (ج 6 ص 487) في ذيل الكلام في قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً. و أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم.

(أقول) و ما ذاك إلا من جهة أنّهم اتكلوا على الظن بوصول النجاسة إلى جميع أطراف الماء، و عدم وصولها إليها في تعيين القلة و الكثرة، كما صرح بذلك في البحر الرائق لابن نجم الحنفي (ج 1 ص 78) قال: أجمع العلماء على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلا كان أو كثيرا جاريا أو غير جار، و إن لم يتغير بها فالقليل عند مالك ان تغير أوصافه بالنجاسة فهو قليل لا يجوز الوضوء به و إلا فهو كثير. إلى أن قال: و قال أبو حنيفة يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى به، فان غلب على ظنه انه لا تصل النجاسة إلى الجانب الآخر يجوز الوضوء به و إلا فلا ه‍. و لا يخفى عدم تمامية هذا أيضا، لاختلاف المياه و النجاسات كثرة و قلة فربما يكون الماء كثيرا و النجاسة قليلة و ربما ينعكس الأمر، فلا ضابطة يعول عليها في حد القلة و الكثرة بل هو إحالة إلى مجهول كما أنه لا يتم التحديد بحركة الماء بتحريك طرف منه، لاختلاف المياه في الكثرة و القلة و اختلاف ما به التحريك من حيث الكبر و الصغر و شدة الحركة و خفتها، كما أشكل عليهم ذلك في كتاب المحلى لابن حزم (ج 1 ص 147).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 145‌

..........

______________________________
فيحمل القليل في السؤال في مقابل الكثير بهذا المقدار، فأجاب (عليه السلام) بعدم المنع في الغسل منه و إن لم يبلغ إلى هذا الحد. و كيف كان فلسنا في مقام إثبات أن المراد من القليل أكثر من الكر، إذ يكفينا في تفنيد الاستدلال بها للخصم‌

______________________________
- و أمّا الشافعية: فقالوا إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير و إلا فقليل. في (بدائع الصنائع ج 1 ص 71) و قال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، و القلتان عنده خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين و خمسين منا. إلى أن قال: و احتج الشافعي بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا، و في رواية (نجسا) أي يدفع الخبث عن نفسه.

قال الشافعي: قال ابن جريح المراد بالقلتين قلال هجر كل قلة يسع فيها قربتين و شي‌ء. و قال الشافعي: و هو شي‌ء مجهول فقدرته بالنصف احتياطا ه‍. و في كتاب الأم لابن دريس الشافعي (ج 1 ص 3 و 4 ما يصرح بذلك كله).

و في كتاب المحلّى لابن حزم (ص 150) الرواية هكذا: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شي‌ء و لم يقبل الخبث» و حكي التصريح عن الشافعي بتحديد القلتين بخمسمائة رطل بالبغدادي، و في الفقه على المذاهب الأربعة (ص 5 ج 1) تحديدهما ب‍ (73- 446) بالرطل المصري.

و ضعف الحنفية حديث القلتين سندا و دلالة و إن شئت الإحاطة بذلك فراجع البحر الرائق (ج 1 ص 81) و الحلي (ج 1 ص 154) و بدائع الصنائع (ج 1 ص 72) و تفسير الرازي (ج 6 ص 487).

و أما الحنابلة فقد وافقوا الشافعية في التحديد بالقلتين و ذهبوا إلى انفعال ما كان دون القلتين، و عدم انفعال ما زاد عليهما. في المغني لابن قدامة الحنبلي (ج 1 ص 24) إذا لاقت النجاسة ما دون القلتين و لم يتغير بها فالمشهور في المذهب النجاسة و في رواية أخرى عن أحمد: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلا كان أو كثيرا، و ما زاد على القلتين و لم يتغير بها و لم تكن النجاسة بولا أو عذرة فلا خلاف بين الحنابلة في طهارته (و اختلف) أصحابهم فمنهم من قال: إن ذلك الحد تقريب، و منهم من قال: انه تحديد و فائدة الخلاف تظهر فيما لو نقص عن الحد شيئا يسيرا فعلى التحديد يتنجس الماء بملاقاة النجس و على التقريب لا يتنجس (كما في المغني ص 27).

و أما المالكية فذهبوا إلى عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس إلا أن يتغير، كما قدمنا في التعليقة ص 126 نقلا عن الفقه على المذاهب الأربعة) و هو خيرة الفخر الرازي في تفسيره (ج 6 ص 485- 489) مستدلا عليه باثني عشر وجها.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 146‌

..........

______________________________
عدم ثبوت اصطلاح في تلك الأعصار للفظ القليل في ما دون الكر. و عليه كان لفظ القليل مطلقا، فيقيد بالأخبار المتقدمة الدالة على انفعال القليل- أي ما دون الكر- و أما ما يظهر من السؤال من أن السائل كان قد توهم تنجس الماء بوضع يده القذرة في الماء، و ليس ذلك إلا من جهة أن الماء كان أقل من الكر، إذ مع فرض الكرية لا موجب للسؤال فلا دلالة له على أن الماء دون الكر، إذ من الممكن في حقه توهم ذلك حتى بالنسبة إلى ما زاد على الكر بيسير، لعدم وضوح حد الكر عند الجميع بحيث لا يحتاج إلى السؤال كوجوب الصلاة الذي هو من الضروريات. و قد حملها بعض الأصحاب منهم المحقق الهمداني على التقية، لأن جملة من العامة لا يقولون بنجاسة الماء القليل بالملاقاة مستشهدا على ذلك بمقارنة الوضوء مع غسل الجنابة فيها، مع أن مذهبنا الاجتراء بغسل الجنابة عن الوضوء هذا، و لكن يمكن أن يراد بالوضوء معناه اللغوي- أي التنظيف من القذارات و الأوساخ- كما تنبه له المحقق المزبور بعد أن استقرب الحمل على التقية، فيكون أمره (عليه السلام) بوضع يده في الماء و التوضي به لكونه مقدمة للغسل.

و من جملة ما يستدل به للقول بعدم الانفعال ما ورد في خصوص الماء القليل.

(منها): صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقي به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟

قال: لا بأس» «1».

______________________________
و هناك مذاهب أخر للعامة في تحديد الكثير. ففي تفسير الفخر الرازي (ج 6 ص 485) عن ابن عباس أنه قال: لا يغتسل الجنب في الحوض إلا أن يكون فيه أربعون قربة قال:

و هو قول محمد بن كعب القرضي، و عن ابن عمر أنه قال إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شي‌ء، و عن سعيد بن جبير أن الراكد إذا كان قدر ثلاث قلال لم ينجسه شي‌ء، و حكى أيضا عن ابن سيرين و مسروق اعتبار الكثرة و القلة من غير تحديد لهما.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 125 باب 14 من أبواب الماء المطلق ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 147‌

..........

______________________________
وجه الدلالة أن الاستقاء بالحبل المذكور لا ينفك غالبا عن تقاطر الماء من الحبل في الدلو، و احتمال كون الدلو كرا في غاية البعد، فجواز الوضوء بماء الدلو- مع أنه قليل- يدل على عدم انفعاله بملاقاة النجس.

(و الجواب عنها) أنه لم يعلم أن جهة السؤال فيها هي تنجس ماء الدلو بتقاطر الشعر فيه، إذ يحتمل أن تكون توهم حرمة استعمال أجزاء نجس العين حتى فيما لا يشترط فيه الطهارة، لأنه لم يفرض فيها تقاطر الماء من الحبل على الدلو، إذ من الممكن جعل فاصل بينهما بقطعة حبل آخر بحيث لا يدخل الحبل الذي من شعر الخنزير في ماء البئر، و لو سلم فغايته الإطلاق، إذ لم تكن الرواية مختصة بصورة لتقاطر، و لا بد من تقيدها بما دل على انفعال القليل. على أنه يمكن أن تكون الصحيحة ناظرة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير، كما ذهب إليه السيد المرتضى و استدل له بهذه الصحيحة، و عليه فلا بد من حملها على التقية، لموافقتها فتاوي جماعة من العامة.

و (منها) رواية أبي مريم الأنصاري قال: «كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة، فنزح دلوا للوضوء ممن زكي له، فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة، فأكفأ رأسه، و توضأ بالباقي» «1».

و هذا الرواية صريحة الدلالة على عدم الانفعال، لأن وقوع العذرة في ماء الدلو منجس له قطعا، إلا أن الشيخ (قده) حملها على عذرة ما يؤكل لحمه، و لا يخفى ضعفه، لأن العذرة تطلق على ما فيه رائحة نتنة أي خبيثة كعذرة الإنسان و السنور و الكلب، فلا تطلق على ما ليس كذلك كروث الحمير و البغال. و في الوسائل الحمل على إرادة باقي ماء البئر، لا باقي ماء الدلو، أو على أن الدلو كان كرا و كلا الحملين بعيدان غايته، و ليسا مما خفي عليه (قده) إلا أن رأيه الجمع بين الاخبار مهما أمكن، و لو بمحامل بعيدة. و كيف كان فلا يمكن الاعتماد على‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 115 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 12.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 148‌

..........

______________________________
هذه الرواية و إن فرض صراحة دلالتها على دعوى الخصم، لضعف سندها من جهة وقوع (بشير) فيه [1] و لو سلم صحة سندها، و وضوح دلالتها فهي معارضة بالروايات المتقدمة و الترجيح مع تلك الروايات، لشهرتها- كما تقدم.

و (منها): رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قالت له: «راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة؟ قال (عليه السلام): إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها، و لا تتوضأ، و صبها، و إذا كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و إطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء و قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء» «2».

وجه الدلالة جواز الوضوء و الشرب من ماء الراوية و الجرة و الحب و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء التي سقطت فيها ميتة الفارة و الجرذ و الصعوة، و هي تقل عن الكر.

(و الجواب عنها): إنها ضعيفة سندا، من جهة وقوع علي بن حديد في طريقها، و دلالة، لعدم عمل أحد من الأصحاب بمضمونها، لأن القائلين بالنجاسة لم يفرقوا بين صورة تفسخ الميتة و عدمه في الحكم بالنجاسة.

كما أن القائل بالطهارة- كابن أبي عقيل- لا يفرق بينهما في الحكم بالطهارة، فالتفصيل الواقع في الرواية بين صورة تفسخ الميتة و عدمه فيما إذا كان الماء بمقدار الرواية أو أقل مما لم يقل به أحد. و الحمل على حصول التغير بالتفسخ فعدم جواز الوضوء و الشرب من الراوية إذا تفسخت فيها الميتة إنما هو لأجل تغيرها بها لا بالملاقاة لا وجه له، لعدم الفرق بين الراوية و ما يزيد عليها‌

______________________________
[1] فإنه مجهول تمييزا و ضعيف أيضا بأبي القاسم عبد الرحمن بن حمّاد أو ابن عبد الرّحمن على كلام.

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 104 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8 و 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 149‌

..........

______________________________
بقليل في حصول التغير فيهما بالتفسخ، كما أن تحديد اعتصام الماء بما إذا كان أكثر من الراوية إلا أن يتغير ليس بصحيح، إذ لا خصوصية للراوية، فإنّها أقل من الكر بمراتب، بل لا بد إما من التفصيل بين الكر و القليل- كما هو الصحيح- أو بين التغير و عدمه- كما عليه ابن أبي عقيل- هذا مع شدة اختلاف ميتة الفارة و الجرذ في اقتضاء التغير، فإن الفأرة و الصعوة لصغرهما قد لا توجبان تغيرا في الراوية، و الجرذ لكبرها توجب تغير ما زاد عليها بيسير، فلا ضابطة كلية في التغير بالميتة كي يفصل بين ما زاد على الراوية و ما كان بمقدارها أو أقل هذا و لو سلم صحتها سندا و وضوحها دلالة فلا تصلح لمعارضة تلك الروايات الراجحة عليها سندا.

الكلام مع المحدث الكاشاني.

و ذكر بقية الوجوه التي استدل بها المحدث المذكور على عدم انفعال الماء القليل.

قد تقدم (الوجه الأول) و هو الأخبار المتقدمة التي توهم دلالتها على عدم الانفعال، و قد عرفت الجواب عنها بالخدشة في سندها أو في دلالتها أو فيهما معا، و لو كانت سالمة عن ذلك كله فهي قابلة للجمع مع الأخبار الدالة عي انفعال الماء القليل. و قد تصدى المحدث المزبور لحمل الأخبار الدالة على الانفعال على وجوه بعيدة تثبيتا لمذهبه، فحمل الأخبار الناهية عن الوضوء و الشرب من الإناء التي وقع فيها قطرة من الدم أو البول، و الأخبار الآمرة بغسل الأواني التي شرب منها نجس العين، أو التي أمر بإهراقها، لوقوع النجس فيها على التنزيه، و الاستحباب، و عقد لها بابا في كتاب الوافي و سماها ب‍ (باب ما يستحب التنزه عنه في رفع الحدث و الشرب و ما لا بأس به) «1» ثم أورد فيه الأخبار التي ذكرناها.

و حمل الأخبار الدالة على اشتراط الكرية على أنها مناط و معيار للمقدار الذي‌

______________________________
(1) الجزء الرابع ص 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 150‌

..........

______________________________
لا يتغير من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات و عقد لها أيضا بابا و سماها ب‍ (باب قدر الماء الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات)
«1» ثم أورد أخبار الكر فيه هذا، و قد عرفت ظهور هذه الأخبار في ما ذهب إليه المشهور و لا نعيد.

(الوجه الثاني): إنه لو كان معيار نجاسة الماء و طهارته نقصانه عن الكر، و بلوغه إليه لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه مع انه جائز اتفاقا.

و تقريبه: بتوضيح منا من وجهين:

(الأول): إن كل جزء من أجزاء الماء الملاقي للثوب المتنجس- مثلا- يتنجس في أول زمان الملاقاة للمحل المتنجس، فيسقط عن قابلية التطهير به، إذ ما لم يلاقه لا يكون مطهرا، لو كانت الملاقاة مناط التنجس لزم تنجس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير. (و توهم) ان الانفعال يحصل بعد الانفصال (و توهّم) أن الانفعال يحصل بعد الانفصال- كما عن بعضهم.

(فاسد) لعدم معقولية طهارة الماء حال الملاقاة مع النجس بل طهوريته و نجاسته بعد المفارقة.

(التقريب الثاني): إن نجاسة الماء الملاقي للمحل النجس توجب نجاسته ثانيا، و هكذا كلما صب عليه الماء لتطهيره فلا يمكن تطهيره أبدا، و هذان التقريبان و إن لم يكونا في صريح كلامه إلا أنه يمكن تقريب هذا الدليل بهما.

(و يرد على الأول) أنه ممنوع صغري و كبري.

(أما الصغرى) و هي تنجس الماء القليل بوروده على المتنجس- فلابتنائها على انفعال الماء القليل من دون فرق بين ورود الماء على النجاسة و ورودها عليه، و على انفعاله من دون فرق بين ملاقاته النجس و المتنجس، و أما إذا منعنا المبنى الأول، و قلنا بعدم تنجس الماء إذا ورد على النجس و اختصاص انفعال الماء القليل بما إذا وردت النجاسة على الماء كما هو مورد أغلب روايات الباب أو‌

______________________________
(1) الجزء الرابع ص 7

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 151‌

..........

______________________________
جميعها و عليه السيد المرتضى (قده) فلا يتم الدليل المذكور، و هكذا إذا منعنا المبنى الثاني، و قلنا بعدم انفعال القليل بملاقاة المتنجس، و التزمنا باختصاص الانفعال بملاقاة الأعيان النجسة التي هي القدر المتيقن من روايات الباب، لأن مفاد أخبار الكر انفعال القليل في الجملة في مقابل السلب الكلي. و هذا غير بحث تنجيس المتنجس، إذ يمكن الالتزام بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس كما اختاره المحقق الخراساني (قده) و لو بنينا على تنجيس المتنجس، فيمكن منع الصغرى بأحد هذين الوجهين، و لو بنينا على عدم الفرق- كما هو الصحيح- أمكن المنع عن نجاسة خصوص الغسالة- كما سيأتي في محله- فيكون ما دل على طهارة المحل المتنجس بالماء- كالأخبار الآمرة بصب الماء على المتنجس لأجل تطهيره و غيرها- مخصصا لما دل على انفعال الماء القليل.

(و أما الكبرى) فلأنا لو سلمنا نجاسة الغسالة فلا نسلم عدم طهارة المحل بها، إذ غاية ما ثبت بالدليل هو اعتبار طهارة الماء قبل الملاقاة للمحل النجس، و أما بعدها فلا، فبملاقاته للمحل يحمل النجاسة و يزيلها عنه.

(و بعبارة أخرى) أن أقصى ما يستفاد من الأخبار هو عدم جواز التطهير بما تنجس قبل التطهير، لا بما تنجس به، و لا استبعاد في ذلك لوقوع نظيره في العرف و الشرع، فإن العرف يستعملون الماء في رفع القذارات، و الأوساخ العرفية. و يرون نظافة المحل و إن صار الماء قذرا بالغسل، و جاز في الشرع الاستنجاء بالأحجار مع تصريحهم باشتراط طهارتها قبل الاستعمال، و أن النجس منها لا يكون مطهرا مع أنها حين الاستعمال تتنجس بملاقاة النجاسة و له نظائر أخرى ذكرها الفقهاء (قدس سرهم) في مقام النقض عليه (منها: الماء المستعمل في الطهارة الكبرى، فإنه يخرج به عن الطهورية- على تقدير القول به- فإنه بسبب استعماله، و ملاقاته لبدن الجنب وقت الغسل يصير كذلك (و منها) الأرض التي تطهر باطن النعل.

(و أما التقريب الثاني) فيدفعه أنا لو قلنا بطهارة الغسالة فلا إشكال، و إن‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 152‌

..........

______________________________
قلنا بنجاستها فنلتزم بعدم تنجس المحل بها ثانيا، و ذلك من جهة التخصيص فإن ما دل على جواز التطهير بالماء القليل يخصص به ما دل على تنجيس المتنجس.

(الوجه الثالث): إن ما يدل على المشهور- أي انفعال الماء القليل- إنما هو مفهوم أخبار الكر و المفهوم لا يعارض المنطوق، لأقوائيته عنه.

(و يرد عليه) أن مجرد كون الدلالة بالمنطوق لا يوجب التقديم، لأن المفهوم أيضا من الدلالات اللفظية. بل لا بد من الجمع إذا أمكن، و إلا فيؤل الأمر إلى المعارضة، و اعمال قواعدها (و بعبارة أخرى) مناط تقديم أحد الدليلين على الآخر إنما هو أقوائية الظهور، و لا خصوصية للمنطوق بما هو منطوق في مقام الترجيح، فإذا كان المفهوم أخص من المنطوق يتقدم المفهوم، للجمع العرفي بين العام و الخاص- كما في المقام- فإن مفهوم أخبار الكر إنما هو نجاسة الماء القليل، و ما دل على عدم انفعال الماء عام يشمل الكر و القليل، فيتقدم الأول على الثاني. بل قد ذكرنا في بحث الأصول أن التعارض في الحقيقة بين المنطوقين، لأن المفهوم تابع لخصوصيات المنطوق، و لا استقلال له في نفسه، فإذا دل المنطوق على الحصر يثبت له المفهوم، فعدم معارضة المفهوم للمنطوق كلام لا يبتني على أساس صحيح. على أنك قد عرفت أن جملة من الروايات كانت دلالتها بالمنطوق.

(الوجه الرابع): إن وقوع الاختلاف في روايات الكر من حيث تعيينه مساحة و وزنا يؤيد أن التحديد به مبني على التخمين و المقايسة بين قدري الماء و النجاسة من جهة تغير الماء بها و عدمه، إذ لو كان أمرا مضبوطا واحدا محدودا لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره، لا مساحة، و لا وزنا، فيظهر أنه ليس مناط الاعتصام إلا عدم التغير بالنجاسة.

(و يرد عليه): ان الاختلاف في الروايات ليس بعزيز في أبواب الفقه، و لا يدل ذلك على عدم اهتمام الشارع بمورد الاختلاف، بل لا بد من العلاج، و إلا لزم تأسيس فقه جديد، لندرة باب من أبواب الفقه لم تقع المعارضة في رواياته، و مقتضى الجمع بين روايات الكر هو كفاية الأقل- و هو سبعة و عشرون شبرا‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 153‌

..........

______________________________
على المختار عندنا- و حمل الزائد على الرجحان كما سيأتي توضيحه.

(الوجه الخامس): إنه لو كان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجس لوقع السؤال عن كيفية حفظه عن ذلك في الروايات، و لم ينقل واقعة تتضمن السؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات، هذا مع أنه لو كان القليل منفعلا لكان أولى المواضع بتعذر الطهارة مكة و المدينة المشرفتين، إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية، و لا الراكدة الكثيرة، و كانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان، و الإماء.

و الذين لا يتحرزون عن النجاسات، بل الكفار كما هو معلوم لمن تتبع.

(و يرد عليه): أما قضية عدم السؤال عن كيفية الحفظ فبأنه ليس من شأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة عليهم السلام بيان ذلك، إذ بعد معلومية الحكم عند الناس يوكل أمر الحفظ إليهم، فبطبيعة الحال يتحفظون على ما عندهم من المياه و غيرها عن النجاسات، كما يتحفظون على أموالهم عن التلف، و لا حاجة إلى سؤال الإمام (عليه السلام) عن ذلك، إذ هو أمر خارج غير مربوط بالأحكام الشرعية و أما حديث تعذر طهارة المياه في الحرمين فغير مسموع، لجريان قاعدة الطهارة مع الشك في النجاسة و لو باحتمال ضعيف، هذا (و لكن) دعوى القطع، أو الاطمئنان بملاقاتها للمتنجس و لو لم نقل بملاقاتها لعين النجاسة أمر لا يقبل الإنكار، لأن الغالب في البلدين أنهم يحفظون المياه في الدور في أماكن مثبتة في البناء لا تسع الكر، و الأغلب أنها في بيت الخلاء تحت السقف لا تراه الشمس و لا المطر. و يغترفون الماء عنها بآنية للاستنجاء و غيره من الاستعمالات- كما لا يخفى ذلك كله على من سافر إلى الحرمين المكرمين- و من المقطوع به لو لا المكابرة، و مخالفة الوجدان أن هذه المياه تتنجس لا محالة في مثل هذه الأمكنة، و لو مرة واحدة في طول الزمان، و تبقى على النجاسة، لعدم طر و مطهر عليها، و تسري النجاسة منها إلى سائر مياه البلد و لو بوسائط عديدة، لمعاشرة أهل البلد بعضهم مع بعض، خصوصا في المجامع العمومية كالحمامات و المقاهي و نحوها، هذا (و لا يخفى) أن القطع بنجاستها بهذا التقريب مبني على‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 154‌

..........

______________________________
أمرين قابلين للمناقشة:

(أحدهما) انفعال الماء القليل بالمتنجس، لعدم العلم بملاقاتها لعين النجس، كما أشرنا، و إنما المقطوع به حسب العادة ملاقاتها للمتنجس من يد و إناء و نحو ذلك.

(الثاني) تنجيس المتنجس مع الواسطة. فلو منعنا (الأمر الأول) و قلنا بعدم انفعال الماء بالمتنجس- كما عليه المحقق الخراساني (قده) و تبعه على ذلك بعض مشايخنا المحققين (قدس سرهم) في مجلس درسه- أو قلنا بعدم تنجيس المتنجس مطلقا- كما اختاره المحقق الهمداني (قده)- لم يحصل لنا العلم بنجاسة مياه الحرمين، لأن المقدار المعلوم- و هو ملاقاتها مع المتنجس- لا يوجب نجاستها و ما يوجب نجاستها- و هو الملاقاة مع عين النجس- غير معلوم لنا. و قال «1» المحقق الهمداني في تقريب دعواه عدم تنجيس المتنجس رأسا ما مضمونه: «إن مدعي عدم القطع بملاقاة نحو هذه المياه للمتنجس من يد الصبيان و غيرها لا يليق باستنباط الأحكام الشرعية لقصور فهمه عن درك مثل هذا الأمر الواضح» و قال: «و لو لا وحشة الانفراد لأفتيت بذلك»، و الإنصاف صحة ما ذكره (قده) كما يظهر ذلك من ملاحظة أحوال أهل البوادي الذين يتعاطون غالب الأدهان و الألبان و نحوها. من عدم اجتنابهم عن النجاسات فيباشرون بأيديهم المتنجسة هذه الأدهان، و الألبان، و غيرها، مما يبيعونها على أهل البلدان، فلو كان المتنجس منجسا مطلقا لزم تنجس جميع أهل البلد، كما أنه لو منعنا (الأمر الثاني) و قلنا بعدم تنجيس المتنجس مع الواسطة و إن سلمنا تنجيسه بلا واسطة لم يحصل لنا العلم بنجاسة مياه الحرمين أيضا، لعدم العلم بملاقاتها للمتنجس بلا واسطة كما لا يخفى.

______________________________
(1) كتاب الطهارة من مصباح الفقيه ص 579.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 155‌

..........

______________________________
كلام مع المحقق الخراساني (الجهة الثانية) في انفعال الماء القليل بالمتنجس، و عدمه.

بعد البناء على انفعال الماء القليل في الجملة يقع الكلام: في أنه هل ينفعل بمطلق الملاقي نجسا كان أو متنجسا أو لا ينفعل إلا بعين النجس؟ المشهور: هو الأول، و ذهب المحقق الخراساني (قده) [1] إلى الثاني، و وافقه على ذلك بعض مشايخنا المحققين (قده) في مجلس درسه- كما أشرنا. و تقريب ما أفاده: هو أن الدليل على تنجس الماء القليل، إما الإجماع، و إما مفهوم أخبار الكر. و إما الأخبار الخاصة، و شي‌ء منها لا يدل على انفعال الماء القليل بالمتنجس.

أما الإجماع: فحيث أنه دليل لبّي، فالقدر المتيقن منه هو تنجسه بعين النجس، و لذا عد ابن أبي عقيل، و من تبعه من المخالفين للإجماع، لأنه أنكر انفعال الماء القليل رأسا، و أما تنجسه بالمتنجس فلم يثبت فيه إجماع. و الإنصاف صحة ما أفاده في إنكار الإجماع، إذ مجرد دعوى بعض الإجماع على ذلك لا يوجب القطع برأي المعصوم (عليه السلام).

و أما مفهوم أخبار الكر: فهو تنجس ما دون الكر في الجملة، لأن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، فمفهوم قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» هو أنه إذا لم يكن قدر كر ينجسه شي‌ء ما، لا كل شي‌ء. و حيث أن أخبار الكر قد دلت على تنجس الماء القليل بشي‌ء لا يتنجس به الكر فعلم أنه غير التغير بالنجاسة، فإنه يتنجس به الكر أيضا، فإذا يكون المفهوم هو تنجسه بالملاقاة في الجملة، و مقتضى الاكتفاء به تنجسه و لو بإحدى النجاسات، إلا أنه قام الإجماع القطعي على عدم الفرق بينها، هذا- مضافا إلى ورود أخبار الكر في جملة من النجاسات، كولوغ الكلب، و اغتسال الجنب، و وطي الدجاجة‌

______________________________
[1] في رسالة له في الطهارة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 156‌

..........

______________________________
العذرة، فيعلم منها عدم خصوصية لنجاسة دون أخرى، فلا بد من التعميم لجميع النجاسات، و أما التعميم بالإضافة إلى المتنجسات فلم يدل عليه دليل. و (دعوى) أن المراد من قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء. إلخ» تعليق كل فرد من أفراد العام، لا تعليق عمومها، و أن المراد من الشي‌ء مطلق ما يترقب منه التنجيس، سواء كان عين النجس، أو المتنجس، فيدل على تنجس ما دون الكر بكل من النجس، و المتنجس (فممنوعة) لظهور القضية المذكورة في تعليق العموم، لا كل فرد فرد، و إرادة الأعم من الشي‌ء في المنطوق لا يلازم إرادة العموم في المفهوم إذ يكفي في رفع السلب الكلي الإيجاب الجزئي.

و أما الأخبار الخاصة: فموردها الملاقاة مع عين النجس، كالدم، و البول، و الكلب، و غيرها من النجاسات، فلا تشمل المتنجس، كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة «1» الواردة في الرعاف.

و صحيحته الأخرى في (كتابه) عن أخيه، قال: «سألته عن جرّة ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح» «2».

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: «و لا تشرب من سؤر الكلب، إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقي منه» «3».

و نحوها غيرها.

(و لكن) يدفع هذا القول الروايات الشاملة بإطلاقها لملاقاة الماء مع المتنجس، لأنها قد دلت على انفعال الماء الملاقي لما أصابه النجس سواء كانت العين باقية فيه أم لا.

(منها): موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أصاب‌

______________________________
(1) ص 127

(2) الوسائل ج 1 ص 116 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 16.

(3) الوسائل ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 157‌

..........

______________________________
الرجل جنابة، فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني»
«1».

فإن مفهومها ثبوت البأس إذا أصاب يده المني، و الإصابة أعم من تلوث اليد به.

و (منها): موثقته الأخرى- المتقدمة «2»- و صرح فيها بالمفهوم بقوله (عليه السلام): «و إن كان أصاب يده. إلخ» و إطلاقه يشمل صورة زوال العين- كما ذكرنا.

و (منها): حسنة شهاب بن عبد ربه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل الجنب يسهو، فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ انه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده بشي‌ء» «3» [1].

و (منها): صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر- المتقدمة «5» فإنه (عليه السلام) أمر بإهراق الماء إذا أدخل يده القذرة في الإناء، و القذر يطلق على المتنجس و إن لم يكن متلوثا بعين النجاسة كما يدل عليه.

رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الجنب يحمل (يجعل خ ل) الركوة، أو التور، فيدخل إصبعه فيه؟ قال: إن كانت يده قذرة فأهرقه، و إن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «6».

فإن المستفاد منها: إن القذر هو ما أصابه القذارة بقرينة المقابلة مع قوله‌

______________________________
[1] عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات (و لكن) في طريقها على بن الحكم المشترك بين الموثّق و غيره فيمكن تضعيفها من هذه الجهة.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 114 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(2) ص 130.

(3) الوسائل ج 1 ص 113 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(5) ص 129

(6) الوسائل ج 1 ص 115 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 11.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 158‌

..........

______________________________
(عليه السلام): «و إن كان لم يصبها قذر» فإن التفصيل قاطع للشركة. و بالجملة:

لا ينبغي إنكار وجود إطلاقات في المقام تدل على انفعال الماء القليل بالمتنجس إلا أنه ربما (يتوهم) لزوم تقييدها بخصوص النجس، لرواية أبي بصير، عنهم عليهم السلام قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول، أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء» «1».

بدعوى: أن المستثنى من عدم البأس إنما هو خصوص ما كان فيه قذر البول، أو الجنابة لقوله (عليه السلام): «و فيها شي‌ء من ذلك» فالممنوع إنما هو إدخال اليد في الإناء إذا كان فيه عين البول، أو المني، فالباقي تحت عموم الرخصة هو ما لم يصبه النجس رأسا، أو أصابه و لكن لم يكن متلوثا به.

(و تندفع): بأنه مبني على أن يكون المراد بالقذر (معناه الوصفي) فتكون الإضافة بيانية، و تكون الإشارة بقوله «ذلك» إلى عين النجس لا محالة، إلا أنه من المحتمل إرادة (المعنى المصدري) أي- النجاسة- الناشئة من البول، أو المني، لا نفس البول، و المني. و عليه يكون مرجع الإشارة نجاستهما لأنفسهما، و يكون المراد من الشي‌ء حينئذ فرد من أفراد نجاسة البول، أو المني و لا قرينية لقوله (عليه السلام): «و فيها شي‌ء من ذلك» على إرادة الاحتمال الأول، لصحة إرجاع الإشارة إلى القذر بكلا معنييه (الوصفي، و المصدري) و هكذا لا قرينية له على إرجاع الإشارة إلى المضاف إليه، و مع هذه الاحتمالات تصبح الرواية مجملة ساقطة عن قابلية الاستدلال بها على اعتبار بقاء عين النجس في اليد هذا كله مع ضعف سندها بعبد اللّه بن مغيرة و لم يثبت أنه البجليّ الثقة.

(الجهة الثالثة): في انفعال الماء القليل بالمتنجس مع الواسطة و عدمه.

لم أجد من تعرض للفرق بين المتنجس بدون الواسطة، و المتنجس معها في‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 113 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 159‌

..........

______________________________
انفعال الماء القليل، و الذي يقوى في النظر التفصيل بينهما، لو لا الإجماع على خلافه، و لا نرى بأسا في الالتزام بعدم انفعال الماء القليل بالمتنجس مع الواسطة و إن التزمنا بتنجسه بلا واسطة، خلافا للمحقق الخراساني (قدس سره)- كما تقدم- و ذلك لقصور الأدلة عن التعميم، إذ غاية ما يدل عليه الإطلاقات المتقدمة إنما هي تنجس الماء بخصوص المتنجس بعين النجس- كاليد التي أصابها البول، أو المني، أو غيرها من النجاسات- و أما المتنجس باليد التي أصابها البول- مثلا- فغير مشمولة لتلك الإطلاقات، و لفظ القذر و إن كان يطلق على المتنجس- كما ذكرنا- إلا أن إطلاقه على المتنجس مع الواسطة غير معلوم.

نعم ربما (يتوهم) استفادة الإطلاق من روايتين واردتين في سؤر الكلب.

(إحداهما) صحيحة الفضل أبي العباس- المتقدمة «1»- بدعوى: أن عموم التعليل لمنع الوضوء بسؤر الكلب بقوله (عليه السلام): «رجس نجس» يشمل المتنجس و لو مع الواسطة، لإطلاق النجس على المتنجس [1] لأنه مقابل الطاهر.

(الثانية): رواية معاوية بن شريح قال: سأل عذافر أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده عن سؤر السنور، و الشاة، و البقرة، و البعير، و الحمار، و الفرس، و البغل، و السباع، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه، و توضأ قال:

قلت له الكلب؟ قال: لا. قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و اللّه أنه نجس، لا و اللّه أنه نجس «3».

و هي كالصحيحة في تقريب الاستدلال بها.

(و يندفع) الاستدلال بالصحيحة أولا: بأن الظاهر من (النجس) إذا أردف‌

______________________________
[1] كما في رواية ابن أبي عمير. قال فيها: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل أكل الميتة (الوسائل ب 11 من أبواب الأسئار ح 1).

______________________________
(1) ص 41

(3) الوسائل ج 1 ص 163 باب 1 من أبواب الأسئار ح 6.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 160‌

..........

______________________________
مع (الرجس) إرادة عين النجس، لأنه يتبعه لفظا و معنى فيقرأ بالكسر- كما في المجمع- و (الرجس) هو القذر بالذات الذي لا يقبل التطهير المعبر عنه بالفارسية ب‍ (بليد).

و ثانيا: أن جوابه (عليه السلام) ليس في مقام بيان كل ما يوجب التنجيس، أو العلة التامّة لوجوب الاجتناب عن سؤر الكلب، كي يتمسك بإطلاقها، بل ليس في مقام التعليل رأسا، و إنما هو في مقام بيان الفرق بين الكلب، و سائر الحيوانات التي سئل عن سؤرها- كالهرة، و الشاة، و البقرة- بأن الكلب فيه خصوصية، و هي أنه رجس نجس يجب الاجتناب عن فضله، دون سائر الحيوانات، و من هنا لم يلتزم التعفير في غيره من النجاسات، مع أنه مذكور في ذيلها، و منه يظهر الجواب عن (الرواية الثانية) فإنه (عليه السلام) إنما يكون في مقام دفع توهم السائل عدم الفرق بين الكلب و سائر الحيوانات بأنه نجس لا يقاس على سائر السباع.

هذا مضافا إلى ضعف سندها بمعاوية بن شريح لعدم توثيقه في كتب الرجال و أولى منهما بالاستدلال.

صحيحة زرارة الواردة في الوضوآت البيانية قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقلنا: بلى، فدعا (بقعب) فيه شي‌ء من ماء، فوضعه بين يديه، تم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة.» «1».

إذ هي صحيحة السند، و واضحة الدلالة من حيث شمول إطلاقها للمتنجس مع الواسطة فإنها تدل بالمفهوم على أنه إذا لم تكن الكف طاهرة لا يجوز غمسها في الماء، و ليس ذلك إلا من جهة تنجس الماء بالكف الغير الطاهرة، و المتنجس مع الواسطة لا يصدق عليه الطاهر، هذا.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 272 باب 15 من أبواب الوضوء ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 161‌

..........

______________________________
(و لكن) للمناقشة في دلالتها أيضا مجال، لأن عدم جواز الوضوء بالماء الملاقي للكف الغير الطاهرة أعم من تنجسه بها، لاحتمال أن يكون جهة المنع هي كون الماء مستعملا في رفع الخبث، فإنهم اتفقوا على عدم جواز استعماله في رفع الحدث، و إن اختلفوا في طهارته- كالماء المستعمل في الاستنجاء- مع أنه طاهر بلا كلام، إذ طهارة الماء لا تلازم جواز رفع الحدث به، و سيأتي تفصيل الكلام في ذلك في فصل الماء المستعمل إن شاء اللّه تعالى. و بالجملة: إن تم الإجماع المدعى على تنجيس المتنجس مطلقا فهو، و إلا فالأقوى عدم تنجس الماء القليل بالمتنجس مع الواسطة، و إن قلنا بتنجسه بالمتنجس بلا واسطة، و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، و سيجي‌ء تمام الكلام في بحث تنجيس المتنجس إن شاء اللّه تعالى.

(الجهة الرابعة): في انفعال الماء القليل إذا لم يستقر على النجس.

ذهب بعض المحققين من المتأخرين إلى التفصيل بين ما كان الماء مستقرا على النجس، و ما لم يكن مستقرا عليه. فقال: بنجاسة الأول، و طهارة الثاني فإذا صب الماء على النجس، أو المتنجس تكون القطرات المترشحة محكومة بالطهارة، و استدل على ذلك.

برواية عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أغتسل في مغتسل يبال فيه، و يغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض؟ فقال:

لا بأس به» «1».

و هي ظاهرة الدلالة على المدعي، لظهورها في أن مفروض السؤال (نزو) الماء إلى الإناء من الأرض المتنجسة بالبول، و المني، إذ لا موجب للسؤال إذا كان النزو من الأرض الطاهرة، و لا أقل من شموله للأرض النجسة بترك الاستفصال في الجواب. و الحمل على السؤال عن حكم ملاقي أطراف الشبهة المحصورة‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 154 باب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 7.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 162‌

من غير فرق بين النجاسات حتى برأس إبرة من الدم الذي لا يدركه الطرف (1).

______________________________
- المحكوم بالطهارة- للعلم الإجمالي بنجاسة بعض المكان، أو عن ملاقي الأرض التي تكون معرضا للنجاسة، و إن لم يعلم بنجاستها بالفعل، لتوهم وجوب الاجتناب عنه خلاف الظاهر جدا، خصوصا الاحتمال الثاني، لوضوح جريان قاعدة الطهارة في الأرض. نعم يشكل الاعتماد عليها، لضعف سندها (بمعلى بن محمد) الواقع في طريقها، لعدم توثيقه في كتب الرجال. و منه يظهر ضعف استدلال بعضهم بها على عدم تنجس الماء القليل بالمتنجس كما هو خيرة المحقق الخراساني، أو على عدم تنجيس المتنجس مطلقا كما قواه المحقق الهمداني و يأتي في محله التعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى.

(1) نبّه بذلك على خلاف الشيخ الطوسي (قده) في الاستبصار، و المبسوط [1] حيث ذهب إلى عدم تنجس الماء بما لا يمكن التحرز منه مثل رؤوس الإبر من‌

______________________________
[1] قال الشيخ (قده) في الاستبصار (ج 1 ص 23 ب 10 ح 12)- الطبعة الثانية- في (باب الماء القليل يحصل فيه شي‌ء من النجاسة): «و أما ما رواه محمد بن علي بن محبوب.

- إلى أن ذكر الحديث المذكور مسندا إلى علي بن جعفر- فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنه إذا كان ذلك الدم مثل رأس الإبرة التي لا تحس، و لا تدرك فأن مثل ذلك معفو عنه».

و في المبسوط (ج 1 ص 7) بعد أن ذكر القليل، و تنجسه بأي نجاسة كان استثنى و قال:

«إلا ما لا يمكن التحرز عنه مثل رؤوس الابر من الدم، و غيره، فإنه معفو عنه، لأنه لا يمكن التحرز عنه»، و دعواه في المبسوط صريحة في عدم اختصاص الاستثناء بالدم، كما أن مقتضى استدلاله بعدم إمكان التحرز العموم لسائر النجاسات و كلامه في الاستبصار مقصور على توجيه الرواية الواردة في خصوص الدم- كما عرفت- هذا، و لكن لا يتم شي‌ء من الدليلين، أما الرواية فلما ذكر في المتن من المناقشة في دلالتها باحتمال عدم إصابة الدم للماء الموجود في الإناء، بل لا يبعد دعوى الظهور في ذلك، و أما قضية عدم إمكان التحرز ففيها أولا: أنه لا محذور في التحرّز عن الاجزاء الصغار من النجاسات، كما جرت عليه السيرة، و ثانيا: ان لزوم الحرج في الاجتناب لا يقتضي الحكم بطهارة الملاقي، بل غايته العفو عن الصلاة فيه. إلّا انّه (قده) استثنى ذلك عن النجاسة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 163‌

..........

______________________________
الدم، من النجاسات.

لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل رعف، فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا، فأصاب إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شي‌ء يستبين في الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه. الحديث» «1».

فحملها (قده) على ما بيان للطرف، و ما لا يبان له بحيث يحتاج دركه إلى دقة النظر- كرؤوس الابر من الدم- و ان الثاني لا يوجب تنجس الماء، و تمامية الاستدلال بها على ذلك مبني على أن يكون المراد من الإناء الماء الموجود فيه- كما لا يخفى.

و حملها شيخنا الأنصاري (قده) في كتاب الرسائل [1] على حصول العلم الإجمالي بوقوع الدم في الإناء، أو في خارجه، فيكون المراد من الاستنابة العلم، و من الإناء أعم من الظرف و المظروف فجوابه (عليه السلام) بعدم البأس فيما إذا لم يستبن شي‌ء في الماء مبني على تنجيز العلم الإجمالي، بخروج ظهر الإناء عن محل الابتلاء، فلا مانع من جريان قاعدة الطهارة في الماء، إذ لم يعلم بوقوع النجس فيه تفصيلا.

و حمل الرواية صاحب الوسائل [2] و كان يقويه شيخنا المحقق الشريعة الأصفهاني (قده) في درسه على الشبهة البدوية في الماء، و أن إصابة الدم للإناء- أي الظرف- معلوم تفصيلا، فلا يكون المظروف طرفا للعلم الإجمالي كما هو مفروض كلام العلامة الأنصاري (قده) و لا معلوم الإصابة تفصيلا كما هو مقتضى كلام الشيخ الطوسي (قده) فتجري قاعدة الطهارة في الماء بلا تأمل،

______________________________
[1] في التنبيه الثالث من تنبيهات قاعدة الاشتغال.

[2] قال في الوسائل بعد ذكر الرواية: «الذي يفهم من أول الحديث اصابة الدم الإناء، و الشك في إصابة الماء، كما يظهر من السؤال و الجواب، فلا إشكال فيه».

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 112 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 164‌

..........

______________________________
فأن الظاهر من قوله: «أصاب إنائه» إصابة الظرف فقط، فاستصحاب عدم الإصابة في الماء، أو قاعدة الطهارة فيه محكم.

(أقول) المذكور في بعض نسخ الوسائل بعد قول السائل: «فأصاب إنائه» هذه الجملة «و لم يستبن ذلك في الماء» إلا أن الظاهر أنه غلط، وقعت زائدة، و لأجله حذفت في النسخ المصححة، كما أنها لم تذكر في نسخ الكافي «1» و إلا لكانت الرواية ظاهرة فيما ذكره في الوسائل، إلا أنه مع ذلك لا تخلو من تحمل هذا الوجه. بل لا يبعد دعوى الظهور فيه، لظهور (الإناء) في الظرف، دون المظروف، و لا الأعم، إذ إرادة كل منهما مجاز لا يصار إليه، إلا مع القرينة، و بما أن المفروض في السؤال إصابة الإناء يحمل على معناه الحقيقي، فيكون محصل السؤال أنه لم يعلم إلا إصابة الإناء، و أما الماء الموجود فيه فلم يعلم بوصول الدم إليه و لو لم نقل بظهوره في ذلك فلا أقل من الاحتمال فتكون مجملة لا تصلح دليلا للشيخ (قده). و منه يظهر ضعف ما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) في توجيه الرواية، لتوقفه على إرادة الأعم من الظرف و المظروف من الإناء- كما ذكرنا.

نعم ربما يستظهر ما ذكره الشيخ الطوسي من جواب الإمام (عليه السلام) عن الماء بقوله: «إن لم يكن شي‌ء يستبين في الماء»، لدلالته على أن مفروض السؤال أيضا كان نفس الماء تطابقا للجواب مع السؤال (و يندفع) بأن ذلك لا يوجب الظهور، لأن الجواب عن حكم الماء إنما يكون من جهة التنبيه على أن العلم بإصابة الدم للإناء لا يمنع عن الوضوء بالماء المشكوك إصابة الدم له، لأنها محكومة بالطهارة، و المتوضئ لا حاجة له إلى الإناء و إن علم بإصابة النجس له، و إنما حاجته إلى الماء و لم يعلم بوصول النجس إليه فيكون محكوما بالطهارة.

و أما (توهم) أنه لا مجال لسؤال مثل علي بن جعفر عن حكم الماء المشكوك‌

______________________________
(1) فروع الكافي ج 1 ص 23- و كذلك في الاستبصار ج 1 ص 23 الطبعة الثانية، و التهذيب ج 1 ص 412 الطبعة الثانية.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 165‌

سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي (1) فلو كان هناك حفر

______________________________
طهارته مع وضوح قاعدة الطهارة عند الشك.

(فمندفع) بأن قاعدة الطهارة إنما وضحت بأمثال هذه السؤالات، و ورود أمثال هذه الروايات عنهم عليهم السلام و إلا فمن أين كان يتضح لنا ذلك خصوصا مع ظن النجاسة كما في المقام، لمعرضية الماء الموجود في الإناء لإصابة الدم له، و قد صدر نظير هذا السؤال من زرارة، و أكثر في السؤال مع وضوح الجواب في مسألة انتقاض الوضوء بالخفقة و الخفقتين في حديث الاستصحاب.

فتلخص من جميع ما ذكرنا: أنه لو كان مراد الشيخ (قده) عدم تنجس الماء القليل بالقليل من النجاسة الذي لا يدرك إلا بدقة النظر كرؤوس الإبر فلا دليل عليه بعد شمول إطلاقات أدلة انفعال الماء القليل له.

نعم ربما يحتمل أن يكون مراده (قده) أن القليل من النجاسة ربما يبلغ إلى حد من القلة لا يصدق معه الملاقاة مع النجس، لأنه من المعدوم في نظر العرف، و إن كان موجودا بالدقة العقلية، و لا بأس بذلك، إلا أنه من السالبة بانتفاء الموضوع، لعدم وجود النجس حينئذ، لا أنه قليل لا يدركه البصر، و من هنا لم يلتزم أحد فيما نعلم بنجاسة الغبار المتصاعد من الأراضي المتنجسة بالبول، و العذرة، و غيرهما من النجاسات، و الحكم بتنجس الوجه أو سائر أعضاء بدن الإنسان إذا لاقته مع الرطوبة المسرية، كما يتفق غالبا في أيام الصيف، لعرق بدن الإنسان، و تصاعد الغبار من الطرقات، و الأزقة المتنجسة، إلا أن ذلك لا يختص بالدم و لا ينبغي التعبير عنها بمثل رؤوس الإبر، لأن الأجزاء التي ذكرناها معدومة عرفا و مستهلكة في الغبار قبل الملاقاة مع الطاهر، لا أنه تستهلك بها كما في مثل رؤوس الإبر من الدم الواقعة في الماء.

(1) لأن الاتصال مساق للوحدة عرفا، فإذا كان المجموع قابلا للانفعال- كما إذا كان أقل من الكر- يتنجس المجموع بإصابة النجاسة للبعض لشمول أدلة الانفعال و إن لم يكن قابلا للانفعال- كما إذا كان المجموع كرا- لا يتنجس‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 166‌

متعددة، فيها الماء و اتصلت بالسواقي، و لم يكن المجموع كرا إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع، و إن كان بقدر الكر لا ينجس و إن كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر، و كان المجموع كرا، و لاقى واحدة منها النجس لم تنجس، لاتصالها بالبقية.

[ (مسألة 1) لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة]

(مسألة 1) لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة، أو مورودا (1).

______________________________
شي‌ء منه، لإطلاق أدلة اعتصام الكر، فما عن صاحب المعالم (قده) من اعتبار الاجتماع فلم نعرف له وجها صحيحا، و لعله لتوهم انصراف الإطلاقات إلى صورة الاجتماع، إلا أنه توهم فاسد، لعدم ثبوت الانصراف رأسا، و لو سلم فهو بدوي زائل بالتأمل في ما ذكرناه من أن الاتصال مساوق للوحدة في نظر العرف إذ لا يرون المجموع مياها متعددة. و لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون السطوح متساوية، أو كان بعضها أعلى من بعض من دون جريان من العالي إلى السافل، و إلا فمع الجريان لا ينفعل العالي بملاقاة السافل للنجس لعدم صدق الوحدة حينئذ- كما تقدم.

الفرق بين الوارد و المورود

(1) نبّه بذلك على خلاف السيد المرتضى (قده) للمشهور حيث فصّل بين الماء الوارد على النجس، و المورود عليه، و قال بطهارة الأول، و نجاسة الثاني، و استدل على ذلك في كتاب الناصريات [1] «بأنه لو حكمنا بنجاسة القليل‌

______________________________
[1] قال السيد المرتضى (قده) في كتاب الناصريات بعد قول الناصر: «المسألة الثالثة- و لا فرق بين ورود الماء على النجاسة، و بين ورود النجاسة على الماء» ما لفظه. «و هذه المسألة لا أعرف فيها نصا لأصحابنا، و لا قولا صريحا، و الشافعي يفرق بين ورود الماء على النجاسة، و ورودها عليه، فيعتبر القلتين في ورود النجاسة على الماء، و لا يعتبر في ورود الماء على النجاسة.

و خالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة.

و يقوى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمل لذلك صحة ما ذهب إليه الشافعي و الوجه

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 167‌

..........

______________________________
الوارد على النجاسة، لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد كر من الماء عليه، و ذلك يشق، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و الكثرة، كما يعتبر فيما يرد النجاسة عليه».

(أقول): مقتضى الجمود على مورد الأخبار الخاصة- الدالة على انفعال الماء القليل المتقدم «1» ذكر جملة منها- و إن كان تخصيص الحكم بالنجاسة بصورة ورود النجس على الماء بل و كذلك مفهوم أخبار الكر، لما ذكرنا من عدم دلالتها إلا على تنجس الماء القليل بالنجس في الجملة، فليس له عموم أفرادي فضلا عن العموم الاحوالي، و القدر المتيقن منه هو مورد الأخبار الخاصة- من ورود النجس على الماء- (و لكن) الارتكاز العرفي لا تساعد على التخصيص، إذ الملاك في نظر العرف في تنجس الملاقي للنجس هو مجرد الملاقاة سواء ورد النجس عليه، أو ورد هو على النجس، كما هو المرتكز عندهم في القذارات العرفية إذا لاقت الماء، أو غيره من المائعات، فإنهم يستقذرون الماء إذا وقع على‌

______________________________
فيه أنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة، لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلّا بإيراد كر من الماء عليه، و ذلك يشق، فدل على أن الماء إذا ورد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و الكثرة، كما يعتبر فيما يرد النجاسة عليه» و ظاهر الدعوى- كما ترى- عموم الحكم بعدم الانفعال لمطلق الوارد على النجاسة، إلّا أنّ الدليل المذكور أخص من المدعي، لاختصاصه بما يستعمل في التطهير، و لا يبعد دعوى اختصاص كلام السيد بذلك، و يؤيدها ما عن الحلي- في بحث غسالة الولوغ- الحكم بطهارة الغسالة الثانية و الثالثة ناسبا ذلك إلى المذهب، و مؤيدا ذلك بكلام السيد (قده) حيث قال: «و ما قوى في نفس السيد هو الصحيح المستمر على أصل المذهب و فتاوى الأصحاب» و لو تم هذه النسبة إلى الأصحاب فإنما هي في خصوص الغسالة، لا مطلق الماء الوارد على النجس و لو في غير ما يستعمل في التطهير- كما إذا صبّ الماء على البول أو الدم مثلا- فتأمّل. و قد مال إلى ما هو ظاهر دعوى السيد المرتضى صاحب المدارك- على ما نسب إليه في الحدائق (ص 327 ج 1) الطبع الحديث. بل جنح إليه صاحب الحدائق أيضا في (ص 328) و إن تردد في آخر كلامه.

______________________________
(1) ص 127

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 168‌

..........

______________________________
قذر عرفي، و خالطه بلا تأمل منهم في ذلك، و من هنا لا نشك في أنه إذا قيل لأحد من أهل العرف «إذا وقع الدم على ثوبك يتنجس» لا يفهم من هذا الكلام اختصاص نجاسة الثوب بصورة ورود الدم عليه، بل يفهم أن الملاك مجرد الملاقاة و إن وقع الثوب على الدم. و لا نظن بوقوع تصرف من الشارع في باب النجاسات على خلاف المرتكز العرفي من هذه الجهة، فبضميمة هذا الارتكاز نخرج عن مورد الروايات الخاصة، و نقول بعدم الفرق بين الورودين. بل مقتضى تعليل السيد (قده) طهارة الماء الوارد على النجس بعدم إمكان تطهير الثوب من النجاسة هو ثبوت هذا الارتكاز، و إنما التجأ إلى الخروج عنه لوجود المانع (و لكن) قد عرفت
«1» الجواب عن هذا المانع في دفع الشبهات التي أوردها الفيض الكاشاني على القول بانفعال الماء القليل مطلقا بأنه لا محذور في الالتزام بنجاسة الغسالة، و طهارة المغسول، إذ القدر المسلم هو اعتبار طهارة الماء قبل الملاقاة، لا بعدها.

و مما يؤيد عدم الفرق بين الورودين بعض الروايات التي يستفاد منها إناطة الحكم على مجرد الملاقاة دون ورود النجس على الماء كقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير الواردة في النبيذ: «ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا» «2».

فإن إطلاقه يشمل ما إذا ورد الماء على ما يبل الميل من النبيذ كما إذا كان الإناء ملطخا بالنبيذ و صب فيه الماء. و كقوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل المتقدمة «3» في سؤر الكلب: «رجس نجس» فإن الاقتصار في الجواب عن سؤره على مجرد كونه نجسا من دون تخصيص بوروده على الملاقي يدل على أن الملاك‌

______________________________
(1) في ص 143- 144

(2) الوسائل ج 17 ص 275 باب 20 من أبواب الأشربة المحرمة و ج 2 ص 1056 باب 38 من أبواب النجاسات ح 6.

(3) ص 41

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 169‌

(مسألة 2) الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي (1)

______________________________
في وجوب الاجتناب عن سؤره مجرد الملاقاة من دون فرق بين الورودين [1].

حد الكر بالوزن

(1) ذكر الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) للكر حدين- بالوزن و المساحة- تبعا للروايات الواردة في المقام. و قد وقع الكلام في كل من الحدين، و نتعرض لتطبيق كل منهما على الآخر بعد ذكرهما، و تحقيق الحال فيهما.

أما الحد الأول و هو الوزن: فالمشهور أنه (1200) رطل ب‍ (العراقي) و ذهب الصدوقان، و المرتضى (قدس سرهم) إلى أنه (مدني) و هو يزيد على (العراقي) بالنصف، و عليه يكون وزنه ب‍ (العراقي) (1800) رطل. فلم يقع الخلاف بينهم في العدد و إنما اختلفوا في المراد من الرطل الوارد في مرسلة ابن أبي عمير الآتية.

أما الروايات الواردة في بيان هذا الحد: فهي.

مرسلة محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكر من الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ألف و مأتا رطل» «2».

و صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

«و الكر ستمائة رطل» «3».

فحمل المشهور الرطل في المرسلة على (العراقي) و في الصحيحة على (المكي) الذي هو ضعف (العراقي) و يقع الكلام في الجمع بين هاتين الروايتين تارة: على المسلك المشهور من تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير، و العمل بمراسيله، و انها بمنزلة المسانيد بدعوى: أنه لا يروي إلا عن الثقة، فروايته عن‌

______________________________
[1] لا يخفى أنه لا يتمّ الاستدلال على عدم الفرق بشي‌ء من هذه الروايات، لأنها ليست إلا في مقام بيان نجاسة الشي‌ء، و أما كيفيّة تنجيسه الملاقي فخارجة عن نطاقها رأسا.

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 123 باب 11 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) الوسائل ج 1 ص 124 باب 11 من أبواب الماء المطلق ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 170‌

..........

______________________________
الوسائل توثيق منه لهم، و أخرى: على مسلكنا من عدم الاعتماد على مراسيله، كمراسيل غيره، لما ثبت من روايته عن غير الثقة أيضا، إما غفلة، أو اعتقادا منه بوثاقة من ليس بثقة عندنا، فيحتمل أن تكون الوسائط في مراسيله من هذا القبيل- و من جملتها هذه- و هذا يكفي في إسقاطها عن الحجية.

فإن قلنا بمسلك المشهور فهل هناك معارضة بين الروايتين أولا؟ الصحيح هو الثاني، لا لما قيل «1» من لزوم حمل المرسلة على الرطل (العراقي) لأن المرسل فيها (ابن أبي عمير) و هو من أهل العراق، بضميمة استظهار أن مراده عن (بعض أصحابنا) بعض مشايخه الذين هم عراقيون أيضا و عرف السائل في الكلام مع الحكيم العالم بعرف المخاطب مقدم على المتكلم، أو بلده، فالإمام (عليه السلام) و إن كان في المدينة إلا أن السائل حيث أنه كان من أهل العراق فأجابه على عرفه، و كذلك الكلام في الصحيحة، إذ السائل فيها (محمد بن مسلم) و هو طائفي- كما قيل- و الطائف من قرى مكة، فيحمل الرطل على عرفه- أي الرطل المكي- لما فيه: أولا من عدم ثبوت أن المخاطب في المرسلة من أهل العراق، و إن كان المرسل عراقيا، إذ لا ظهور في أن المراد من (بعض أصحابنا) هم مشايخ ابن أبي عمير، و هكذا لم يثبت: ان (محمد بن مسلم) من أهل الطائف، بل عن جماعة أنه كوفي، و ثانيا: لا نسلم تقديم عرف المخاطب على المتكلم، بل الظاهر جريان المخاطبات على العكس، و ان الملحوظ فيها عرف المتكلم، ما لم يقم دليل على الخلاف. بل للجمع العرفي بينهما برفع إجمال كل منهما بصراحة الأخرى. (بيانه): أن كلا منهما صريح في العدد، و مجمل في المعدود، لإجمال لفظ (الرطل) في كل من الروايتين على الفرض من حيث احتمال إرادة أحد الثلاثة (العراقي، و المدني، و المكي) إلا أن المرسلة صريحة في اعتبار (1200) رطل، و أنه لا يكفي الأقل، لأنها في مقام التحديد و إن كان مجملا من حيث المراد من الرطل،

______________________________
(1) كما في الجواهر ج 1 ص 169- الطبعة السادسة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 171‌

..........

______________________________
و لا يلائم اعتبار هذا العدد، إلا مع إرادة (المكي) في الصحيحة، إذ على تقدير إرادة (العراقي، أو المدني) فيها يلزم جواز الاكتفاء بالأقل من (1200) و هو إما (600) أو (900) بالعراقي- و هذا مناف لصريح المرسلة- كما أن الصحيحة صريحة في الاكتفاء ب‍ (600) رطل، لأنها أيضا في مقام التحديد، و به يرفع إجمال المرسلة في المعدود، إذ لا يلائم الاكتفاء بهذا العدد إلا مع إرادة (العراقي) في المرسلة، لأنه على تقدير إرادة (المدني، أو المكّي) فيها لا يجوز الاكتفاء ب‍ (600) رطل- بأي معنى كان- و ذلك ينافي صريح الصحيحة إذ لو كان المراد من المرسلة (المدني) كان ب‍ (المكي) (900) و إذا كان (المكي) لزم اعتبار (1200) أرطال مكية، و كلاهما مناف لصريح الصحيحة (و بعبارة أخرى) لكل من الروايتين عقد إيجابي مجمل، و عقد سلبي مبين، و يكون المبين في كل منهما رافعا لإجمال المجمل في الآخر- بعد فرض أنهما في مقام بيان حد الكر- فإن المرسلة تدل على اعتبار (1200) رطل، و عدم كفاية الأقل و تدل الصحيحة على اعتبار (600) رطل، و عدم اعتبار الأزيد، و العقد السلبي في الصحيحة يرفع الإجمال عن الإيجابي في المرسلة، لأن عدم اعتبار الأكثر من (600) لا يلائم إلا مع إرادة (العراقي) في المرسلة الدالة على اعتبار (1200) إذ لو كان المراد فيها (المدني، أو المكي) لزم اعتبار الأكثر من (600) ب‍ (المكي) و هذا مناف لصريح الصحيحة، و السلبي في المرسلة يرفع الإجمال عن العقد الإيجابي في الصحيحة، لأن عدم كفاية الأقل من (1200) في المرسلة لا يلائم إلا مع إرادة (المكي) في الصحيحة، لأنه لو كان المراد فيها (المدني، أو العراقي) لزم الاكتفاء بالأقل من (1200) فتدبر، و نظير هذا الجمع شائع في الفقه حيث يرفع اليد عن ظهور إحدى الروايتين بصريح الأخرى. هذا على مسلك المشهور.

و أما على مسلكنا: من عدم اعتبار مراسيل ابن أبي عمير كغيره فينحصر دليل وزن الكر في الصحيحة و لا بد من حملها على (المكي) أيضا لوجوه.

الوجه الأول: الإجماع على عدم الاكتفاء بالأقل من (1200) رطل ب‍‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 172‌

..........

______________________________
(العراقي) فحمل الصحيحة على غير (المكي) خلاف الإجماع.

الوجه الثاني: أنه لو حملت الصحيحة على غير الأرطال (المكّية) لم تنطبق على شي‌ء من أخبار التحديد بالمساحة، فإن أقل التقادير فيها (27) شبرا، و قد وزنا هذه المساحة ثلاث مرات، و كانت (1200) رطل بالعراقي فلو حمل الصحيحة على الرطل (العراقي) لزم التحديد بنصف تلك المساحة أي (13) شبرا كما أنه لو حملت على (المدني) لزم التحديد بثلثيها- اي (18) شبرا- و لم يقل أحد بكفاية الأقل من تلك المساحة، حتى الراوندي المنسوب إليه الاكتفاء بعشرة أشبار و نصف، حملا لما ورد في تحديد كل من الأبعاد الثلاثة بثلاثة أشبار و نصف على الجمع، لا الضرب إذ قد ينطبق على هذه المساحة، و أخرى: على ما ذهب إليه المشهور و هو ما بلغ تكسيره اثنين و أربعين شبرا، و سبعة أثمان شبر (7/ 8- 42) و ثالثة: على الأقل من ذلك و لم يقل باعتبار ثلاثة عشر و نصف المنطبق على (600) رطل ب‍ (العراقي) أو ثمانية عشر شبرا المنطبق على (900).

و يؤيد ما ذكرنا: رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن جرة ماء فيه ألف رطل، وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه، أو الوضوء منه؟

قال: لا يصلح» «1».

فإن أقل التقادير في الرطل هو (العراقي) مع أنه (عليه السلام) منع عن استعمال ما بلغ ألفا، فيظهر أن الأقل من (1200) رطل محكوم بالنجاسة، فهذه تؤيد إرادة (المكي) من الصحيحة، إذ لو كان المراد فيها (المدني، أو العراقي) لم يكن مانع عن التوضؤ و الشرب من مقدار (1000) رطل إذا لاقاه البول، لأن أكثر التقديرين حينئذ (المدني) و هو يبلغ (900) رطل ب‍ (العراقي).

الوجه الثالث: ان حمل الأرطال على (المكية) في الصحيحة هو مقتضى القاعدة عند الشك، إذ مقتضى الإطلاقات، و العمومات الدالة على انفعال المياه‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 116 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 16.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 173‌

..........

______________________________
بملاقاة النجس الحكم بتنجس كل ماء لاقاه النجس قليلا كان، أم كثيرا ما لم يعلم بخروجه عن العموم، و بما أن دليل التخصيص و هو ما دل على أن الماء الكر لا ينفعل بالملاقاة مجمل لدور انه بين الأقل و الأكثر، لشبهة مفهومية يؤخذ بالقدر المتيقن، و يرجع في الباقي إلى عمومات الانفعال، لأنه شك في التخصيص الزائد، و الأصل عدمه و المتيقن من دليل التخصيص هو ما إذا كان الماء بالغا (600) رطل ب‍ (المكي) الموافق مع (1200) رطل ب‍ (العراقي)، دون ما كان أقل من ذلك، و لا عموم فوق يرجع إليه في الحكم بطهارة المياه عند الشك، لما عرفت من المناقشة في سند ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير. الحديث» بل لو سلم صحة سندها لم يجز الرجوع إليه بعد تخصيصها بما دل على الانفعال.

توضيح ذلك: أن جملة الروايات الواردة في المقام على طوائف أربع.

(الأولى): العمومات أو الإطلاقات الدالة على عدم انفعال الماء إلا بالتغير بالنجاسة، فإن مقتضى إطلاقها عدم تنجس مطلق المياه بمجرد الملاقاة و إن كان راكدا أقل من الكر (منها): صحيحة حريز، و موثقة سماعة المتقدمتين «1» فإنهما تدلان على أن غلبة الماء على النجاسة تمنع عن انفعاله بها، و إن كان النجس موجودا فيه.

(الطائفة الثانية): العمومات، أو الإطلاقات الدالة على انفعال الماء مطلقا بملاقاة النجس، و إن لم يتغير، كما يشهد به موردها.

(منها): صحيحة شهاب بن عبد ربه الدالة بمفهومها على تنجس الماء بيد الجنب، إذا أصابها المني (في حديث) قال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «جئت تسألني عن الجنب يسهو فيغمر (فيغمس خ ل) يده في الماء قبل أن يغسلها؟

______________________________
(1) ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 174‌

..........

______________________________
قلت: نعم، قال: إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء فلا بأس. الحديث»
«1».

و (منها): موثقتي عمّار المتقدمتين «2» فإن الأولى قد دلت على أن منقار الطير إذا كان فيه الدم ينجس الماء، كما أن الثانية تدل على تنجسه بمنقار الدجاجة إذا كان فيه القذر، و من الواضح: أن ملاقاة منقار الطيور، أو يد الجنب إذا كان فيها النجس لا توجب تغيرا في الماء، فتكون النجاسة لأجل الملاقاة لا محالة، فتعارض هذه الروايات الطائفة الأولى بالتباين، لدلالتها على انفعال الماء بالملاقاة و دلالة تلك على عدم انفعاله بها، و قد ورد التخصيص على الطائفة الثانية بمخصصين أحدهما مبين و الآخر مجمل.

أما المبين فهي (الطائفة الثالثة) من أخبار المقام الدالة على عدم انفعال ماله مادة بالملاقاة كصحيحة ابن بزيغ المتقدمة «3» لأنها تدل بعموم التعليل: على أن مطلق ماله المادة لا ينفعل بملاقاة النجس، قليلا كان أم كثيرا.

و أما المجمل فهي (الطائفة الرابعة): الدالة على عدم انفعال الكر، إذ هي مجملة على الفرض، لدوران مفهوم الكر بين الأقل و الأكثر. و لا بد من العلاج، و الجمع بين هذه الروايات، و بعد تخصيص الطائفة الثانية بالثالثة تنقلب النسبة بينها و بين الأولى من التباين إلى العموم المطلق، لأن الباقي تحتها- بعد التخصيص- هو ما ليس له مادة، فتقدم على الأولى تقدم الخاص على العام، و تكون هي المرجع في غير ماله مادة لا محالة، فإذا شك في تخصيصه زائدا على المتيقن من الطائفة الرابعة يرجع إليها، لا إلى عمومات الطهارة. و بما ذكرناه يظهر أنه لو كان المروي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صحيحا لكان ملحقا بالطائفة الأولى لمطابقة دلالتها معها- كما لا يخفى- فالمتحصل: انه لا بد من‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 529 باب 45 من أبواب الجنابة ح 2.

(2) ص 128

(3) ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 175‌

و بالمساحة ثلاثة و أربعون شبرا «1» إلا ثمن شبر (1).

______________________________
حمل الصحيحة على إرادة (الأرطال المكية) و لو كان المشتهر، و الأكثر استعمالا في تلك العصور (الرطل العراقي) حتى في المدينة- على ما قيل- لأنه (عليه السلام) لاحظ عرف السائل- و هو محمد بن مسلم- حيث أنه من أهل طائف مكة- على ما قيل.

حد الكر بالمساحة

(1) الحد الثاني للكر مساحته بالأشبار- كما في الروايات-:

و الأقوال في تحديد الكر بالمساحة خمسة.

(أحدها) ما بلغ مجموع تكسير أبعاده (100) مائة شبر كما عن ابن الجنيد، و لم نعثر على مستند له في هذا القول من رواياتنا، و لم يوافقه في ذلك أحد من أصحابنا فيما نعلم. و لعله لم يعثر على ما ورد من الروايات عن طرقنا المعتبرة في حد الكر.

(الثاني): ما بلغ تكسيره (7/ 8- 42) اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر، و هذا هو أشهر الأقوال بل المشهور. بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه.

(الثالث) ما بلغ تكسيره (36) ستة و ثلاثين شبرا كما عن ظاهر المعتبر، و مال إليه السيد في المدارك.

(الرابع) ما بلغ مجموع أبعاده الثلاثة (1/ 2- 10) عشرة أشبار و نصف، من دون اعتبار ضرب بعضها في بعض، كما عن القطب الراوندي، و هذا القول قد ينطبق على القول المشهور و على الأقل- كما نشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

(الخامس) ما بلغ تكسيره (27) سبعة و عشرين شبرا و هو المختار عندنا، كما هو مذهب القميين، و إختاره جملة من المتأخرين، منهم العلامة في المختلف،

______________________________
(1) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنّف «و بالمساحة ثلاثة و أربعون» (على الأحوط. و الأظهر أنه سبعة و عشرون شبرا).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 176‌

..........

______________________________
و الشهيد الثاني في الروضة، و روض الجنان، و المحقق الأردبيلي في المجمع، و المحقق الشيخ علي في حواشي المختلف، و السيد بحر العلوم في المصابيح [1].

و نتكلم في المختار في مقامين: (الأول) فيما يدل عليه (الثاني) فيما يعارضه من الروايات و الجواب عنها.

أما المقام الأول: فيدل على المختار صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر وسعه (سعته خ ل)» «2».

و صحيحته الأخرى قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ فقال: كر، قلت: و ما الكر؟ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار» «3».

و يقع الكلام في هاتين الروايتين. تارة: في سندهما، و أخرى: في دلالتهما.

(أما الأولى) فلا إشكال في سندها [2].

و أما دلالتها على المختار: فمن أجل ظهورها في أن سطح الماء المفروض فيها إنما هو على نحو الدائرة، لأنه (عليه السلام) حدد سعة سطح الماء ببعد واحد- أي ذراع و نصف- و مقتضى إطلاقه أن يكون ذلك سعته من جميع الأطراف، لا بعضها دون بعض، و لا يصح ذلك إلا في الدائرة، إذ هي التي لها سعة واحدة، عدا سائر السطوح، لأن جميع الخطوط الممتدة من محيطها المارة على المركز تكون متساوية، بخلاف بقية السطوح حتى المربع المتساوي الأضلاع،

______________________________
[1] و في مفتاح الكرامة (ص 71 ج 1) إنه عدل عن هذا القول في الهداية.

[2] بل عن المدارك: أنّها أصح رواية وقف عليها إلا أنه حمل السعة على كل من جهتي الطول و العرض فيكون كلّ منهما ذراع و شبر- أي ثلاثة أشبار فتضرب الثلاثة في الثلاثة تبلغ تسعة فتضرب في أربعة العمق فتبلغ ستة و ثلاثين شبرا و من هنا نسب إليه الميل إلى القول بأن الكر (36) شبرا.

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 121 باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) الوسائل ج 1 ص 118 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 177‌

..........

______________________________
فإن أضلاعه و إن كانت متساوية، إلا أن الخط الممتد من إحدى الزاويتين إلى الأخرى تكون أطول من أضلاعها، فالسطح الذي له بعد واحد لا يقبل الزيادة، و النقيصة إنما هي الدائرة فقط هذا مضافا إلى ما قيل من أن الكر هو مكيال أهل العراق، و كان مدورا، و من المعلوم أن المناسب بمساحة المدور أي الجسم الذي يكون على شكل الأسطوانة أن يذكر قطره، و عمقه، إذ يكفي ذلك في معرفة الكر للعوام، و إن لم يعرفوا تكسير المجموع، ثم الذراع ذراع اليد و هو يساوي شبرين كما يدل عليه الاختبار في أغلب الناس المتناسبي الخلقة، و يساعده بعض الأخبار الواردة في المواقيت من تحديد الذراع بشبرين، و لا ينافيه ما ورد في تلك الأخبار من أن الذراع قدمان، إذ القدم أيضا شبر أولا يزيد عليه إلا بيسير لا يلتفت إليه في العرف، و لو سلم الزيادة بمقدار (السدس) كما قيل فهو مختص بالمواقيت و لا يعم المقام، و أما إنكار المحقق الهمداني (قده)
«1» ذلك و دعواه العيان على أن الذراع أطول من شبرين بمقدار يسير فخلاف الوجدان، و من الغريب أنه (قده) أيضا ادعى الوجدان على ذلك. و بالجملة: لا يزيد الذراع على شبرين، و لا ينقص عنه غالبا. و عليه يكون عمق الماء أربعة أشبار و سعة الدائرة- أي قطرها- ثلاثة أشبار.

(و طريق) معرفة مساحة المجموع حينئذ أن يعرف أولا مساحة سطح الدائرة، ثم تضرب في العمق، و يعرف مساحة الدائرة بضرب نصف القطر- و هو الشعاع- في نصف المحيط، و المحيط ثلاثة أمثال القطر تقريبا، و زيادته على هذا المقدار بقليل- كالسبع على ما قيل- مما يتسامح فيها عند العرف. بل لم تتعين تلك الزيادة تحقيقا عند أهل الفن، فسقوطها في المحاورات العرفية مع العوام أمر غير خفي، فإذا كان القطر ثلاثة أشبار يكون المحيط تسعة أشبار، و عليه يضرب نصف القطر- و هو شبر و نصف- في نصف المحيط- و هو أربعة أشبار‌

______________________________
(1) ص 30 من مصباح الفقيه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 178‌

..........

______________________________
و نصف- فتكون النتيجة ستة أشبار و ثلاثة أرباع شبر و يضرب هذا العدد في العمق و هو أربعة أشبار فتكون النتيجة سبعة و عشرين شبرا [1].

و أما الصحيحة الثانية لإسماعيل بن جابر: فهي واضحة الدلالة على المطلوب، إذ عدم ذكر البعد الثالث فيها يدل على مساواته مع البعدين المذكورين إذ إرادة الزيادة، أو النقيصة تحتاج إلى التنبيه فان ما يراد بيان مساحته إنما هو الجسم- أي حجم الماء- و هو ذو أبعاد ثلاثة، لا السطح المشتمل على بعدين فقط، فعدم التعرض لمقدار البعد الثالث كاشف عن مساواته للبعدين المذكورين. هذا مضافا إلى أن إرادة الأقل من ثلاثة أشبار، كالواحد، و الاثنين خلاف الإجماع، و إرادة الزائد عليها لا دليل عليه فيحمل على المساواة، فيبلغ تكسير المجموع حينئذ إلى سبعة و عشرين شبرا لأنها نتيجة ضرب ثلاثة في ثلاثة في ثلاثة [2] و أما سندها: فقد وصفها جملة من الأصحاب بالصحة، منهم صاحب‌

______________________________
[1] و صورته هكذا 5/ 1 في 5/ 4 في 4 27 و هذه الطريقة مبنية على غض النظر عن زيادة المحيط على ثلاثة أضعاف القطر ب‍ (سبع) كما جرى عليه بعض الأصحاب، و أما مع إضافة (السبع) فتبلغ مساحة المجموع (2/ 7- 28) ثمانية و عشرين شبرا و سبعين، و هذه أيضا مبنية على الطريقة القديمة.

و هناك طريقة حديثة في استخراج مساحة الدائرة، و أدرجت فيها مقدار زيادة المحيط على ثلاثة أمثال القطر تحقيقا، و هي أن يضرب شعاع الدائرة في نفسها، ثم يضرب الحاصل في عدد (بي) و هو (14 ر 3) و تكون مساحة الدائرة في مفروض الكلام (065 ر 7) و هذه صورته 5 ر 1 في 5 ر 1 في 14/ 3 065/ 7 هذه مساحة الدائرة.

ثم يضرب الحاصل في العمق و هو (4) أشبار، و يكون الحاصل (26 ر 28) و صورته 065 ر 7 في 4 26 ر 28 شبرا و هذه تزيد على الطريقة الأولى بشبر و ربع تقريبا، إلّا أنّ هذه الزيادة لم تكن ملحوظة، لابتنائها على الدقة، و كشف مقدار زيادة محيط الدائرة على ثلاثة أضعاف قطرها بأربعة عشر جزء من مائة جزء، بل قيل انها أيضا تقريبي، و لم تنكشف الزيادة حتى الآن، و عليه كيف يعرفها العامة، و لم يحدد الكر في الروايات مبنيا على هذه الزيادة، بل تبتني على الإغماض عنها.

[2] و لا يجوز حملها على المدور كما صنعنا في الصحيحة الأولى، لأنه يبلغ مجموع

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 179‌

..........

______________________________
الحدائق (قده) [1] بل عن البهائي في (مشرق الشمسين) أنها توصف بالصحة من زمن العلامة إلى زماننا هذا. و أن الطاعن في سندها بعض الفضلاء الذين عاصروه (و وجه الطعن) في سندها هو أن ابن سنان المتوسط بين البرقي- أي محمد بن خالد- و إسماعيل بن جابر هو (محمد ابن سنان) و هو ضعيف لا عبد اللّه: و الشيخ و إن صرح بأنه (عبد اللّه) في الاستبصار و في موضع من التهذيب، إلا أنه خطأ، و الصحيح أنه (محمد) كما ذكر ذلك في موضع آخر من التهذيب، و ذلك لما تقتضيه ملاحظة طبقات الرواة في التقدم و التأخر، لأن (البرقي و محمد) من طبقة واحدة. فإنهما من أصحاب الرضا (عليه السلام) و أما «عبد اللّه» فليس من طبقة «البرقي» لأنه من أصحاب الصادق (عليه السلام) فرواية «البرقي» عن «عبد اللّه» بغير واسطة مستنكرة. هذا، مضافا إلى أن المناسب «لعبد اللّه» أن يروي عن الصادق (عليه السلام)، مشافهة لا مع الواسطة، لأنه من أصحابه (عليه السلام) بخلاف «محمد»، فإن زمانه متأخر عن الصادق (عليه السلام) هذا مع أن الموجود في نسخ الكافي إنما هو «ابن سنان» من غير تعيين و احتمال أن «عبد اللّه و محمد» هما معا رويا هذه الرواية مستبعد، فالمتعين أنه «محمد» هذا حاصل ما قيل في وجه ضعفها «و يندفع» بأن شيئا من هذه الوجوه لا يصلح لتضعيف الرواية. أما ما في الكافي من التعبير «بابن سنان» من دون تعيين فمحمول على عبد اللّه، لما ذكره صاحب الوافي في إحدى المقدمات «إنا لم نكتف عن عبد اللّه بن سنان بابن سنان، كما في نظرائه من العباد له، مع كثرة ذكره، لئلا يشتبه بمحمد بن سنان. فإنهم قد يعبرون عنه أيضا بذلك كما‌

______________________________
تكسيرها (1/ 4- 20) عشرين شبرا و ربع و هو خلاف الإجماع.

و هذه صورته 5/ 1 في 5/ 4 في 3 1/ 4- 20.

[1] في (ج 1 ص 262) و ذكر في (ص 270) «إنه قد طعن فيها جماعة من متأخري المتأخرين، منهم المحقق الشيخ حسن في المنتقي، و السيد في المدارك» و أول من تصدى للجواب عن التضعيف هو شيخنا البهائي (قده) في كتاب مشرق الشمسين (فراجع).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 180‌

..........

______________________________
نبهنا عليه فيما سلف» انتهى
«1» ثم صرح في باب الكر في سند هذه الرواية بعبد اللّه فعين أن ابن سنان الواقع في عبارة الكافي إنما هو «عبد اللّه» لا «محمد» فلا إجمال في طريق الكافي. و أما الشيخ في التهذيب: فلا استبعاد في أن يكون ما ذكره في موضعين منه روايتين، كما يشهد بذلك اختلاف سندهما في غير ابن سنان.

فراجع، و أما استبعاد أن ينقل البرقي عن عبد اللّه، لاختلاف طبقتهما فأجاب عنه البهائي (قده) في مشرق الشمسين بأن «البرقي» و إن لم يدرك زمان الصادق (عليه السلام) لكنه قد أدرك بعض أصحابه، و نقل عنهم بلا واسطة، فذكر (قده) عدة روايات التي نقلها البرقي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) و قال:

«و كيف لا تنكر روايته عنهم بلا واسطة، و تنكر الواسطة عن عبد اللّه بن سنان» و أيضا فالشيخ عد «البرقي» في أصحاب الكاظم (عليه السلام) و أما استبعاد تخلل الواسطة بين «عبد اللّه» و بين الإمام الصادق (عليه السلام) فأجاب عنه أيضا بأنه إنما يتم فيما إذا لم توجد واسطة في شي‌ء من الأسانيد بينه و بين الصادق (عليه السلام) مع أن الواسطة توجد بينهما، ثم ذكر جملة من الوسائط بينهما بل ذكر أنه «قد يتوسط شخص واحد بعينه بين كل من «عبد اللّه و محمد» و بين الصادق (عليه السلام) كإسحاق ابن عمار هذا كله، مع أن «محمد بن سنان» هذا الواقع في سند هذه الصحيحة هو من الثقات- كما عليه الأكثر- إذ هو «محمد بن سنان أبو جعفر الزاهري» و هو غير أخو عبد اللّه بن سنان الضعيف القليل الرواية، و قد ذكر في مميّزات «محمد» هذا «محمد بن خالد» و كثرة رواياته في الأبواب المختلفة في الفقه وثّقه المفيد، و المجلسي، و ابن طاوس، و الحسن بن علي بن شعبة، و العلامة في المختلف، و الشيخ الحر، و غيرهم، و روي الكشي له مدحا جليلا يدل على جلالته، و أنه كان من أصحاب السر، و ما قيل في تضعيفه إما محمول على غيره، أو لا ينافي وثاقته، كما يظهر من مراجعة ما قيل في قدحه،

______________________________
(1) الوافي ج 1 ص 15 في الهامش.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 181‌

..........

______________________________
و مدحه، مما يوجب الاطمئنان بوثاقته و جواز العمل برواياته.

فالمتحصل من جميع ما ذكرنا: أنه لا مانع من العمل بهذه الصحيحة سندا، و متنا، و احتمال حذف كلمة نصف منها كما عن الهمداني (قده) لا يصغي إليه، فتكون هذه شارحة للصحيحة الأولى، و مفسرة للمراد منها، لو كان فيها إجمال.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و أما المقام الثاني: ففي ذكر ما يتوهم معارضته لما ذكرنا من الروايات و هي روايتان استند إليهما المشهور.

(إحداهما): رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شي‌ء قلت: و كم الكر؟ قال ثلاثة أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» «1».

و هذا نص الكافي، و التهذيب، كما هو المذكور في الوسائل [1] أيضا فهو خال عن ذكر (الطول) إلا أنه في الاستبصار «3» زيادة ذلك. و هذا نصه «قال ثلاثة أشبار و نصف طولها، في ثلاثة أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها، فالمذكور في نص الاستبصار جميع الأبعاد الثلاثة «و لكن» الظاهر أن هذه الزيادة اشتباه من النساخ، إذ في تعليقة الاستبصار «4» «ان هذه الزيادة لم ترد في النسخة المخطوطة بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف». هذا مضافا إلى أن الترجيح مع نسخ الكافي، لأنها أصح و أضبط، كما جرى عليه طريقة الأعلام.

______________________________
[1] كذا في النسخ القديمة و في الطبع الحديث في طهران (ص 118) إضافة هذه الزيادة إلّا أنّه نبّه على ذلك في آخر الجزء الأول من المجلد الثاني.

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 118 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8 و ص 122 باب 10 ح 5.

(3) ج 1 ص 33 من طبع النجف.

(4) ج 1 ص 33 رقم (4) طبع النجف.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 182‌

..........

______________________________
(ثانيهما): رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف، في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض، فذلك الكر من الماء» [1].

و هاتان الروايتان هما مستند المشهور في اعتبار اثنين و أربعين شبرا، و سبعة أثمان الشبر «بدعوى»: عدم ذكر البعد الثالث فيهما، و لا بد من تقديره بمقدار البعدين المذكورين، لدلالة سوق الكلام عليه قياسا للمحذوف على المذكور، إذ إرادة الزيادة أو النقيصة تحتاج إلى قرينة زائدة، و يكون حاصل ضرب الأبعاد الثلاثة بعضها في بعض هو العدد المذكور.

(و الجواب): أما عن الرواية الأولى فبأنها ضعيفة السند، و الدلالة أما ضعف السند فبحسن بن صالح الثوري [2] و انجبار ضعفها بعمل المشهور ممنوع كما مر مرارا، و أما ضعف دلالتها فلأنه لا قرينة في الكلام على حذف البعد الثالث، إذ لا تعين للمسوح في المربع، كي يلتزم بتقدير بعد ثالث. بل مقتضى إطلاقها أنه ليس للمسوح إلا بعدين- العمق، و العرض- و لا ينطبق ذلك إلّا في الشكل الدوري، كما ذكرنا في صحيحتي إسماعيل بن جابر، على أن موردها البئر، و هي في الغالب على نحو الدائرة، هذا مضافا إلى ما ذكرنا من أن الكر هو مكيال العراق، و كان على هذا الشكل، و عليه تكون مساحة المجموع اثنين و ثلاثين شبرا و شي‌ء، لأنها نتيجة ضرب نصف القطر في نصف المحيط في العمق و تزيد على‌

______________________________
[1] الوسائل ج 1 ص 122 باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 6 قوله (عليه السلام):

«في مثله» مرجع الضمير فيه الماء، و قوله: «ثلاثة أشبار و نصف» بدل من مثله، و قوله (عليه السلام): «في عمقه في الأرض» إما صفة لقوله «ثلاثة» و إما حال من مثله، و المعنى واحد و عليه لا يكون المذكور في الرواية إلا مقدار العمق و أحد البعدين.

[2] فإنه زيدي، بتري، متروك العمل بما يختص بروايته و إليه ينسب الصالحية- كذا في جامع الرواة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 183‌

..........

______________________________
(27) خمسة أشبار و شي‌ء [1] و تحمل هذه الزيادة. إما على التنزيه دفعا لتسرع القذارة إلى الماء، أو على أن الغالب في الآبار أن يكون قعرها أعمق من أطرافها، لاجتماع التراب، و الأوساخ في الأطراف غالبا، فاعتبار هذه الزيادة إنما هو لأجل حصول العلم باشتمالها على المقدار المعتبر و هو (27) شبرا و عليه لا تعارض في البين.

و أما الرواية الثانية: فقد طعن في سندها جملة من المتأخرين منهم السيد في المدارك، و الشيخ البهائي في حبل المتين باشتمال طريقها على (أحمد بن محمد ابن يحيى) فإنه مجهول و (عثمان بن عيسى) فإنه واقفي و (أبي بصير) فإنه مشترك بين الثقة و الضعيف. هذا.

و يمكن الجواب: إما من جهة (أحمد بن محمد بن يحيى) فبان هذا اللفظ و إن كان في التهذيب (و لكن) الموجود في الكافي (أحمد بن محمد) من دون زيادة (ابن يحيى) فالمذكور في سند الكافي هكذا «عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير» و الظاهر أن (أحمد بن محمد) هو (أحمد بن محمد بن عيسى)- و هو ثقة جليل- بل في الحدائق «2» «لا ريب أنه أحمد بن محمد بن عيسى، لرواية محمد ابن يحيى العطار عنه، و روايته هو عن عثمان بن عيسى مكررا» و الوجه في ذلك أن من جملة المميزات الراوي عنه، و الراوي إليه، و عليه ما وقع في التهذيب من زيادة كلمة (يحيى) إما‌

______________________________
[1] و هو (5/ 32) خمسة أجزاء من اثنين و ثلاثين جزء- المعبر عنها في الجواهر (ج 1 ص 175- الطبع الحديث في النجف) بثمن و ربع ثمن و بلوغ مساحة المجموع إلى هذا العدد مبني على أن القطر ثلاثة أمثال الدائرة كما صرح به في الجواهر، و أما مع ملاحظة زيادة (السبع) فتبلغ مساحة المجموع (11/ 16- 33) ثلاثة و ثلاثين شبرا، و أحد عشر جزء من ستة عشر جزء من الشبر- المعبر عنها بخمسة أثمان الشبر و نصف ثمنه- و على الطريقة الحديثة التي أشرنا إليها في تعليقة ص تبلغ (11/ 32- 33)

______________________________
(2) ج 1 ص 268.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 184‌

..........

______________________________
غلط من النساخ، أو أنه تصحيف (عيسى) و لأجله لم يطعن جملة من المتأخرين، كالعلامة، و غيره في سند الرواية، إلا بعثمان بن عيسى، و أبي بصير.

و أما من جهة (عثمان بن عيسى) فوقفه لا يضر بوثاقته فعن الشيخ في العدة نقل الاتفاق على العمل بروايته، و رواية أمثاله من ثقاة الواقفية، و الفطحية، و عن الكشي عن بعضهم أن (عثمان بن عيسى) ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و أقروا له بالفقه، و العلم «1» بل عنه أيضا نقل القول بأنه تاب و رجع من الوقف، و ممن وثّقه صاحب الحدائق (قده) «2».

و أما من جهة أبي بصير فربما يقال بأنه الموثق و هو (يحيى بن القاسم) أو (ابن أبي القاسم) ليث المرادي بقرينة رواية (ابن مسكان) الذي هو (عبد اللّه) عنه، قال في الحدائق «3» «الراوي عن أبي بصير هنا هو ابن مسكان، و لا يخفى على الممارس أنه عبد اللّه، و هو قرينة ليث المرادي لتكرر روايته عنه في غير موضع. إلخ» و المستفاد من مجموع كلامه (قده) هذا و ما بعده في (أبي بصير) الواقع في طريق هذه الرواية أنه يحصل الظن: بأن أبا بصير هذا هو الثقة (و لكن) لا يمكننا المساعدة على ذلك، إذ مجرد الظن لا يغني ما لم يثبت بطريق معتبر، فالإنصاف أن الخدشة في سند هذه الرواية من جهة اشتراك أبي بصير بين الثقة، و الضعيف غير قابلة الدفع، فلاحظ.

و أما دلالتها على القول المشهور فمبني على حذف البعد الثالث- و هو الطول- قياسيا للمحذوف على المذكور. و قد ذكرنا عند الخدشة في دلالة رواية الثوري: أنه لا موجب للتقدير في الكلام بعد صحة حمله على المدور الذي ليس فيه إلا بعد ان- العمق و القطر- إذ ليس لسطح الماء حينئذ إلا بعد واحد و هو القطر.

______________________________
(1) كذا في جامع الرواة و كذا رجوعه عن الوقف ص 534 ج 2.

(2) ج 1 ص 270- الطبع الحديث.

(3) ج 1 ص 268- الطبع الحديث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 185‌

..........

______________________________
و قد تكلف شيخنا البهائي (قده) في كتاب حبل المتين
«1» بتوجيه الرواية على نحو يشتمل على جميع الأبعاد الثلاثة من دون حاجة إلى تقدير البعد الثالث بإرجاع الضمير في قوله (عليه السلام) (مثله) إلى المقدار المدلول عليه بقوله «ثلاثة أشبار و نصف» لا إلى الماء، بدعوى أنه لا محصل لرجوعه إليه، فيكون بيانا للبعد الثاني- أي الطول- و كذلك الضمير في قوله (عليه السلام) «في عمقه» أي في عمق ذلك المقدار في الأرض، فيكون المراد أن الكر هو ما كان ثلاثة أشبار و نصف عرضا في مثل هذا المقدار طولا في ثلاثة أشبار و نصف عمقا (و فيه) أن هذا تكلف ظاهر لا موجب لحمل الكلام عليه، إذ تذكير الضمير في «مثله» ينافي رجوعه إلى «ثلاثة أشبار و نصف»، إلا بتأويله إلى المقدار، و هو خلاف الأصل لا يصار إليه، إلا مع الضرورة، و لا محذور في إرجاعه إلى الماء في مقابل غيره، إذ محصل المعنى حينئذ هو لزوم أن يكون تمام العمق ماء، لا مركبا منه و من غيره كالوحل، و التراب، و نحو ذلك، لأنه حينئذ ينقص عن مقدار الكر، لوجود غير الماء في العمق، هذا مضافا إلى عدم تمامية ذلك إلا بتقدير حرف الجر في قوله ثانيا «ثلاثة أشبار و نصف» إذ على هذا التقدير ينقطع عما قبله، لعدم كونه بدلا عن «مثله» حينئذ، إذ هو بيان للعبد الثالث فرضا، فلا يتم الكلام إلا بتقدير «في» و هو خلاف الأصل أيضا، فلا بد من حمل الرواية على ما يشتمل على بعدين فقط و لا يصح ذلك إلا في ذلك الماء المدور على شكل الأسطوانة، إذ يعرف مساحته بمعرفة القطر و العمق. و تكون مساحة المجموع (32) شبرا و جزأ من شبر، و حيث أنه لا قائل بهذا العدد يحمل الزائد عن (27) شبرا على الاستحباب، أو الاحتياط بحملها على مياه الغدران أو الآبار و نحوها مما لا يكون قعر الماء فيه مسطحا. لاجتماع التراب و نحوه في أطراف الماء، جمعا بينها و بين صحيحتي إسماعيل بن جابر كما ذكرنا في رواية الثوري.

______________________________
(1) ص 18.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 186‌

..........

______________________________
و دعوى: أن مساحة المدور مما لا يعرفها العوام، لاختصاص معرفة مساحته بالخواص من علماء الهيئة كما في الجواهر.

مندفعة: بأنها إنما تتم لو كان المراد معرفة نتيجة ضرب الأبعاد بعضها في بعض، و صعوبة معرفتها على العوام لا تختص بالمدور، إذ معرفة مساحة المربع و غيرها من الإشكال أيضا تصعب عليهم. بل المراد ذكر علامة الكر، و هي أن يكون كل من قطر الماء و عمقه ثلاثة أشبار و نصف، و هذا شي‌ء يعرفه عامة الناس. فتحصل: أنه لا يصح الاستدلال بالروايتين لمذهب المشهور، لضعفهما، سندا و دلالة، فلا تصلحان لمعارضة صحيحتي إسماعيل بن جابر، و على تقدير التنزّل و تسليم المعارضة فيكفينا.

صحيحة زرارة- في حديث- قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه، أو لم يتفسخ، إلا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء» «1».

لدلالتها على عدم تنجس الماء إذا كان أكثر من الرواية. و هي القربة الكبيرة و مقتضى إطلاقها الاكتفاء بما زاد عليها و لو بقليل، إلا أنه لا بد من تقييدها بما إذا بلغ الزيادة إلى (27) شبرا للإجماع، و إطباق الروايات الواردة في تحديد الكر على عدم كفاية الأقل، و أما الأزيد فلا دليل عليه فيشمله الإطلاق.

و مما يؤيد المختار مرسلتان لعبد اللّه بن مغيرة.

(الأولى) عنه عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شي‌ء، و القلتان جرتان» «2».

فإن القلة هي الجرة الكبيرة تشبه الحب، و كأنها سميت قلة لأن الرجل القوي يقلها أي يحملها كما عن بعض أهل اللغة إلا أنه مع ذلك يبعد جدا أن‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 104 باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(2) الوسائل ج 1 ص 123 باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 187‌

..........

______________________________
تسع كل واحدة منها نصف ما عليه المشهور أي (21) شبرا و نصف شبر تقريبا كي تكون القلتان كرا، و لكن لا بعد في أن تسع (13) شبرا و نصف إذا كانت كبيرة.

(الثانية) عنه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«الكر من الماء نحو حبّي هذا، و أشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة» «1».

فإن الحب الخابية الكبيرة، و هي مهما بلغت في الكبر لا تسع مقدار (43) شبرا إلا ثمن شبر من الماء. نعم لا بعد في أن تسع مقدار (27) شبرا، بل يوجد مثل هذا الحب في زماننا أيضا.

و مما يؤيد المختار بل يدل عليه انطباق هذه المساحي على الوزن المقدر ب‍ (1200) رطل بالعراقي كما ستعرف.

بقية الأقوال قد ذكرنا أن الأقوال في مساحة الكر خمسة، و اخترنا القول الخامس، و هو ما ذهب إليه القميون، و جملة من المحققين، و قد عرفت الدليل عليه.

و أما القول الأول- و هو ما ذهب إليه ابن جنيد من تحديده ب‍ (100) شبر فقد ذكرنا أنه لم نعثر له على مستند.

و أما القول الثاني- و هو ما ذهب إليه المشهور- فقد عرفت ما فيه من ضعف ما استندوا إليه من الروايات سندا، و دلالة.

و أما القول الثالث- و هو ما عليه المحقق في المعتبر، و مال اليه صاحب المدارك من تحديده ب‍ (36) شبرا- فمستندة صحيحة إسماعيل بن جابر الأولى «2» بحمل (السعة) فيها على كل من جهتي الطول و العرض، فيكون كل‌

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 122 باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(2) تقدمت ص 169

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 188‌

..........

______________________________
منهما ذراعا و نصف أي ثلاثة أشبار فتضرب الثلاثة في ثلاثة تبلغ تسعة فتضرب في أربعة العمق فتبلغ (36) شبرا، إلا انك قد عرفت ان الأظهر حملها على المدور، فتدل على مذهب القميين.

و أما القول الرابع- و هو ما ذهب إليه الراوندي من بلوغ مجموع أبعاده الثلاثة عشرة أشبار و نصف على طريق الجمع- فمستنده هو نفس ما استند إليه المشهور من رواية أبي بصير، و غيرها، إلّا أنه حمل (في) في الروايات على معنى (مع) لا الضرب، و هذا القول بظاهره غير صحيح قطعا، لأنه قد ينطبق على مذهب المشهور، كما إذا كان كل من الأبعاد الثلاثة في الماء، ثلاثة أشبار و نصف، فان جمع الابعاد فيه يكون عشرة أشبار و نصف، و تكسيرها بالضرب تبلغ (43) شبرا إلا ثمن شبر. و قد ينطبق على الأقل و هو ذو مراتب مختلفة جدا، إذ قد يكون تكسيره (40) شبرا و نصف، كما إذا كان طوله ثلاثة أشبار، و عرضه ثلاثة، و عمقه أربعة أشبار و نصف، و قد يكون (12) شبرا، كما إذا كان طوله ستة أشبار، و عرضه أربعة، و عمقه نصف شبر، و قد يكون أربعة أشبار و نصف، كما إذا كان طوله تسعة أشبار، و عرضه شبر، و عمقه نصف شبر، بل قد يكون أقل من شبر، كما لو فرض طوله عشرة، و عرضه ربع شبر و عمقه أيضا ربع، فان تكسيره حينئذ يكون خمسة أثمان شبر و إن كان مجموع الأبعاد عشرة و نصف، و ربما يكون أقل من ذلك أيضا كما لو فرض طوله عشرة و ربع، و كل من عرضه و عمقه ثمن شبر.

و هذا من أفحش الأغلاط، إذ لازمه القول بان مقدار إناء صغير كالفنجان يكون كرا لا ينفعل بالملاقاة فلعله (قده) أراد من التحديد بكون المجموع عشرة و نصف كونه كذلك في صورة تساوي الأبعاد الثلاثة، كما هو مورد الروايات لا مطلقا.

مقايسة الوزن مع المساحة تحصل من جميع ما ذكرنا: أن دقة النظر في روايات المساحة سندا، و دلالة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 189‌

..........

______________________________
تقضي بان الكر (27) شبرا لدلالة صحيحتي إسماعيل بن جابر علي ذلك، و عدم نهوض بقية الروايات الدالة على اعتبار الأكثر لمعارضتهما، لضعفها سندا و قصورها دلالة عما ذهب إليه المشهور، فتحمل الزيادة فيها على الاستحباب، أو الاحتياط دفعا للتنافي.

و قد عرفت أيضا: ان مقتضى الجمع بين روايات الوزن هو اعتبار (1200) رطل بالعراقي، و بذلك رفعنا ما يتراءى من التنافي بين رواياته.

و بقي علينا ملاحظة انطباق أحدهما على الآخر، و انه هل هناك تناف بين نصوص الحدين أو لا؟

فنقول: أشكل على المشهور: بان الوزن على ما اعتبروه [1] لا يبلغ المساحة المشهورة، بل هو دائما أقل منها بكثير، فكيف التوفيق بين التحديدين؟

مع أن التحديد بالأقل و الأكثر في موضوع واحد غير معقول.

و أحسن ما قيل في الجواب في وجه الجمع بين روايات الحدين: هو جعل الوزن حدا واقعيا للكر، و جعل المساحة طريقا لمعرفته، بحمل روايات المساحة على المعرفية، و صرفها عن ظهورها في التحديد جمعا بينها و بين روايات الوزن، لأن الأكثر يمكن أن يكون طريقا لمعرفة الأقل، دون العكس، فالتصرف في روايات المساحة أولى منه في روايات الوزن، بل هو المتعين.

(و لا يخفى): أن هذا الجواب يتم لو كان الاختلاف بينهما يسيرا يغتفر عند العرف، إذ لا بد من المناسبة بين الطريق و ذي الطريق، و اما إذا كان الاختلاف كثيرا فلا معنى لجعل أحدهما معرفا للآخر، فهذا الجواب لا يدفع الاشكال عن المشهور، للاختلاف الشديد بين الحدين على مسلكهم، لأنا قد وزنا (1200) رطل بالعراقي من الماء المتعارف في بلدتنا المقدسة النجف الأشرف ثلاث مرات‌

______________________________
[1] عن الأمين الأسترآبادي انه وزن ماء المدينة فكان يساوي (36) شبرا تقريبا، و عن المجلس في مرآة العقول ان وزنه يساوي (33) شبرا تقريبا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 190‌

..........

______________________________
كان يساوي مساحته ل‍ (27) شبرا، أو يزيد عليها بقليل تبلغ الشبر، فالتفاوت بين الوزن و ما عليه المشهور من المساحة يكون ب‍ (16) شبرا، فيه تزيد على الوزن بما يزيد على الثلث، فكيف يمكن أن تجعل امارة عليه مع هذا الاختلاف الفاحش، فالإنصاف أن التوفيق بين الحدين على المذهب المشهور في غاية الإشكال، بل غير ممكن، و لا يصح الذب عنه بما ذكر.

و أما على المختار في المساحة فينطبق أحد الحدين على الآخر، لتساويهما في الصدق غالبا- كما أشرنا- فنحن في غنى عن الجواب إلا انه مع ذلك قد يتخلف أحدهما عن الآخر، إذ العبرة بأقل الأشبار المتعارفة، و هي قد تتخلف عن الوزن بان يبلغ الماء حد الوزن. دون أن يبلغ المساحة، كما أنه قد ينعكس الأمر، لاختلاف المياه خفة و ثقلا، لأن الأجسام كلما ازداد ثقلها قلّت مساحتها، فلا بد حينئذ من الالتزام بأن الكر هو الجامع بين الحدين فيجزي أسبقهما وجودا، و ان لم يتحقق الثاني.

توضيح ذلك: أن موضوعات الأحكام تكون على نحوين.

(أحدهما): أن يكون الموضوع مختلفا باختلاف الأشخاص، فينحل الحكم تبعا لانحلال موضوعه بالإضافة إلى شخص دون شخص، و هذا كما في وجوب غسل الوجه في الوضوء، فان كل شخص مكلف بغسل وجهه بما له من السعة و الضيق، و لا منع في جعل أصابع كل شخص حدا لوجهه، و كما إذا أمر المولى عبيده بمشي كل واحد منهم مائة خطوة، فان الملحوظ في ذلك خطوات كل واحد منهم قصرا و طولا مع قطع النظر عن الآخر، فلكل مسافة في المشي بلغها الآخر، أو زاد عنها أم نقص.

(ثانيهما): أن يكون الموضوع واحدا بالإضافة إلى جميع المكلفين، بحيث يكون الموضوع أمرا واقعيا لا تقبل الزيادة و النقيصة، و يكون الكل فيه على حد سواء، و هذا كما في المسافة الشرعية لوجوب القصر و الإفطار، فإن حدها أربعة فراسخ، و كل فرسخ ثلاثة أميال، و ذكروا ان الميل كذا مقدار من الاقدام، و كل‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 191‌

..........

______________________________
قدم كذا مقدار من الشعيرات، و ذكرنا هناك أنه لا بد من حمل القدم على أقل المتعارف، إذ الإقدام المتعارفة في الأشخاص المستوي الخلقة أيضا متفاوتة، مع أنه لا يختلف حد المسافة بالإضافة إلى المكلفين بإن يجب القصر على شخص في حد معين لتحقق المسافة بالإضافة إليه لقصر أقدامه، و لا يجب على آخر في نفس ذاك الحد لطول قدمه، فالميزان في مثله أقل الأفراد المتعارفة، لصدق الموضوع عليه، فإذا تحقق الموضوع عم الحكم الجميع، و الكر من قبيل الثاني، لأن الماء إذا بلغ حد الكر لا ينفعل بالنسبة إلى جميع المكلفين، و إذا لم يبلغ إلى هذا الحد ينفعل كذلك، فلا بد من حمل الأشبار في بيان تحديده على أقل المتعارف، و عليه إذا لوحظ النسبة بين الوزن و المساحة لا تخلو عن أحدى صور أربع، لأنه إما أن يتطابقا دائما. أو تزيد الأشبار على الوزن، أو يكون بالعكس، أو تكون النسبة بينهما عموما من وجه، أما على الأولى: فيحملان على المعرف لأمر واقعي يكشف عن وجوده كل منهما، و أما على الثانية: فلا بد من جعل الوزن للتحديد و الأشبار معرفا له، لأن الأكثر يكون معرفا للأقل إذا كانت الزيادة قليلة، و مصلحته التسهيل، و ينعكس الأمر على الثالثة تسهيلا أيضا. و أما على الرابعة فلا بد من جعل كل منهما كافيا في عدم الانفعال بمعنى تحقق الجامع بتحقق أحدهما ثم إذا لا حظنا المياه الخارجية وجدناها على الصورة الرابعة، لأن المياه الصافية المتعارفة ينطبق فيها الحدان، كما وزناها ثلاث مرات، و قد يزيد وزن الماء بواسطة الخليط، كالملح و الجص و الزرنيخ و نحو ذلك. فيتحقق الوزن قبل المساحة، و لا بد من جعله كافيا في عدم الانفعال و ان لم تتحقق المساحة. لأن الخليط كالملح و نحوه قد يمنع عن تسري القذارة إلى الماء، كما هو المشاهد في مياه الآبار المالحة، و قد تزيد مساحته كما في الماء المقطر و ماء المطر قبل أن يصل إلى الأرض فتتحقّق المساحة فيه قبل الوزن، و هي تكفي في اعتصامه.

و بالجملة لا اختلاف في طبيعة الماء بما هي، و إنما يطرأ عليها الاختلاف بواسطة ما يختلط به من الأجزاء الترابية و غيرها، كما هو الغالب و بذلك يحصل‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 192‌

فبالمن الشاهي و هو الف و مأتان و ثمانون مثقالا- أي الصيرفي- يصير أربعة و ستين منا الا عشرين مثقالا.

[ (مسألة 3) الكر بحقة الاسلامبول- و هي مأتان و ثمانون مثقالا]

(مسألة 3) الكر بحقة الاسلامبول- و هي مأتان و ثمانون مثقالا مأتا حقة و اثنتان و تسعون حقة و نصف حقه [1].

[ (مسألة 4) إذا كان الماء أقل من الكر و لو بنصف مثقال يجري عليه حكم القليل]

(مسألة 4) إذا كان الماء أقل من الكر و لو بنصف مثقال يجري عليه حكم القليل.

[ (مسألة 5) إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل]

(مسألة 5) إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل، كالعكس (1) نعم لو كان جاريا من الأعلى (2) [2] إلى الأسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل من غير فرق بين العلو التسنيمي و التسريحي.

______________________________
الاختلاف في أوزانها.

و المتحصل مما ذكرناه: أن الأوفق بالقواعد على المختار في المساحة أن يكون الكر هو الجامع بين الحدين، و أما على المشهور فلا يمكن التوفيق بينهما بوجه.

(1) لصدق الوحدة من جهة الاتصال، فإذا تنجس البعض يتنجس الكل لإطلاق ما دل من الأخبار على انفعال القليل بملاقاة النجس، و لو بمعونة الارتكاز العرفي في ملاقاة القذارات للأجسام المائعة.

(2) أشرنا آنفا إلى أن العبرة في تنجس جميع أجزاء الماء بصدق الوحدة، فمع عدمه لا يتنجس إلا الجزء الملاقي للنجس، و يحصل التعدد بمجرد الدفع و القوة سواء أ كان من العالي أو السافل، فكما ان الماء الموجود في الإبريق لا يتنجس بصبه على النجس، كذلك لا يحكم بنجاسة العالي بملاقاة السافل الخارج بدفع كالفوارة و نحوها، لوحدة الملاك، فلا وجه لتخصيص الحكم‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «و نصف حقه» (و بالكيلوات ثلاثمائة و سبعة و سبعون كيلو تقريبا).

[2] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «جاريا من الأعلى» (تقدم أن المناط في عدم التنجس هو الدفع).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 193‌

[ (مسألة 6) إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ الكر ينجس بالملاقاة]

(مسألة 6) إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ الكر ينجس بالملاقاة و لا يعصمه ما جمد (1) بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا، و كذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فإنه ينجس بالملاقاة و لا يعتصم بما بقي من الثلج.

[ (مسألة 7) الماء المشكوك كريّته مع عدم العلم بحالته السابقة]

(مسألة 7) الماء المشكوك كريّته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط (2) [1].

______________________________
بخصوص الجاري من الأعلى، إذ ليس لهذا العنوان دخل في الحكم لا شرعا و لا عرفا، و عليه لو كان الماء جاريا من العالي لا بدفع و قوة كما إذا صب على الأرض المسرحة قليلا على نحو لا يبلغ العلو التسنيمي أو التسريحي القريب منه، أو جرى الماء بطبعه على الأرض المسطحة و لاقى أسفله النجاسة يحكم بنجاسة الجميع، لصدق الوحدة في هذا الحال.

و لو شك في صدق الوحدة لا يمكن التمسك بعموم أدلة الانفعال، لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فالمرجع قاعدة الطهارة أو استصحابها.

(1) لعدم صدق الماء عليه فلو جمد بعض الكر نقص عنه بهذا المقدار فلا يكون الباقي عاصما، و هكذا إذا جمد الكل ثم ذاب منه أقل من الكر، فإذا تنجس يحكم بنجاسة الجميع و إن بلغ كرا بالذوبان تدريجيا، لأنه من المتمم كرا.

(2) الماء المشكوك كريّته يكون على أقسام ثلاثة:

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌1، ص: 193

«الأول»: ما علم حالته السابقة، و لا إشكال في جريان استصحاب تلك الحالة سواء أ كانت الكرية أو القلة، كما أشار إليه المصنف (قده) في ذيل المسألة.

«الثاني»: ما لا يعلم حالته السابقة، إما لعدم وجودها، كالماء المخلوق ساعة، أو لعدم العلم بها، كما في مياه الغدران و نحوها و قوي المصنف الحكم بعدم تنجسه بملاقاة النجس، مع عدم ترتب آثار الكرية عليه، فلا يحكم بطهارة ما‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته- دام ظله- على قول المصنف «قده» «في حكم القليل على الأحوط»: (بل على الأظهر).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 194‌

..........

______________________________
يحتاج في تطهيره إلى إلقاء الكر عليه، و لا بطهارة المغسول فيه، كالثوب و نحوه، و ذلك لجريان الأصل في كل منهما، فيجري أصالة الطهارة أو استصحابها في الماء، كما أنه يجري استصحاب النجاسة في المغسول فيه، و لا محذور في التفكيك بين المتلازمين في الأحكام الظاهرية ما لم يستلزم مخالفة عملية، و هو ليس بعزيز في الفقه، إلا انه مع ذلك احتاط بالحكم بنجاسة الماء- و هو الأظهر كما جزم به بعضهم- و يمكن أن يكون الوجه فيه أحد الأمور التي تقدمت [1] في نظير الفرع من مسائل الماء الجاري، و لا بأس بالإشارة إليها إجمالا إيكالا على ما تقدم.

(الأول): التمسك بعموم ما دل على انفعال الماء بملاقاة النجس.

(و فيه) أنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنه بعد تخصيصه بالكر يكون الباقي تحت العام هو القليل و المفروض الشك في قلة الماء.

(الثاني): قاعدة المقتضي و المانع، فإن الملاقاة تقتضي النجاسة، و يشك في وجود المانع و هو الكر.

(و فيه) أنه لا دليل عليها لا شرعا و عقلا.

(الثالث): أن الخارج عن العموم الإلزامي أو بحكمه إذا كان عنوانا وجوديا فمقتضى الفهم العرفي فيه هو اعتبار إحراز عنوان الخاص في رفع اليد عن عموم العام، فمع الشك كان المرجع العموم، و بما ان الخارج عن عموم الانفعال هو الكر فمع الشك فيه يرجع إلى العموم.

(و فيه) ما عرفت من عدم الدليل عليه، و لا يساعده الفهم العرفي.

(الرابع): الاستصحاب، و يمكن تقريبة من وجهين.

أحدهما: استصحاب عدم الموضوع رأسا بمعنى استصحاب عدم وجود‌

______________________________
[1] سبق الكلام فيها في ذيل المسألة الثانية من مسائل الماء الجاري، و هي ما إذا شك في وجود المادة للجاري القليل راجع ص 110

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 195‌

..........

______________________________
الكر في المحل الخاص.

و فيه: أنه لا يثبت عدم كرية الماء الموجود إلا على القول بالأصل المثبت، لأن عدم كريته من اللوازم العقلية لعدم وجود الكر في المحل، و هو نظير استصحاب وجود الكر لإثبات كرية الماء الموجود في الحوض الذي منع عنه شيخنا الأنصاري (قده) لعين الوجه.

ثانيهما: و هو المعتمد عندنا استصحاب عدم اتصاف الماء بالكرية على نحو العدم الأزلي، فإن الماء قبل وجوده لم يتصف بالكرية فيستصحب عدم اتصافه بها إلى ما بعد وجوده، و قد أوضحنا تقريبه فيما سبق «1» و لا حاجة إلى الإعادة.

و عليه فيتمسك بعموم ما دل على الانفعال بعد تنقيح موضوعه بالأصل المذكور، فظهر أن الأوفق بالدليل هو الحكم بالنجاسة كما أشرنا في التعليقة.

و ربما يفصل بين عوارض الوجود و عوارض الماهية بجريان استصحاب العدم الأزلي في الأولى دون الثانية. بدعوى: أنه في الأولى يصح استصحاب عدم الوصف على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، إذ الشي‌ء قبل وجوده لم يتصف بعوارض الوجود فيستصحب عدمها إلى ما بعد وجوده، كالبياض للجسم و العدالة لزيد، و الحمرة للماء. و هذا بخلاف الثانية، فإنها ثابتة للماهية قبل وجودها، فلا يصح فيها استصحاب العدم على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، و طبق ذلك على المقام بدعوى: أن الكرية نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح أن نشير إلى كر من الماء، و نقول: هذا قبل وجوده ليس بكر، فكأنه جعل الكرية من عوارض الماهية لا الوجود.

و لا يخفى: أن للمنع عن التفصيل المذكور كبرى و صغرى مجال واسع أما منع الكبرى: فلأنه ان كان المراد بعارض الماهية الخارج المحمول، و هو ما كان تصور نفس الذات كافيا في انتزاع الوصف عنها. كالامكان بالنسبة إلى‌

______________________________
(1) راجع ص 112- 116

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 196‌

..........

______________________________
الإنسان، فإن الماهية بذاتها ممكنة لا بلحاظ وجودها في الخارج، كيف و لا معنى لتساوي نسبة الوجود و العدم بالإضافة إلى الماهية الموجودة، إلا باعتبار وجودها في الآنات المتأخرة، و هذا بخلاف المحمول بالضميمة الملحوظ في صحة حمله شي‌ء آخر وراء الذات، كبياض الجسم، و عدالة زيد- فالمنع عن جريان استصحاب العدم الأزلي فيه و إن كان في محله، إلا انه ليس من جهة عدم سبقه بالعدم الأزلي، بل من جهة عدم العلم بالحالة السابقة الذي هو أحد ركني الاستصحاب، فلو شككنا في مورد في صحة انتزاع وصف عن الماهية، كما لو شككنا في إمكان العنقاء- مثلا- لا يمكن إحراز عدمه باستصحاب العدم الأزلي، لعدم العلم بعدم الاتصاف ازلا، لأن الماهية في صقعها الماهوي اما ان يكون ممكنة أولا، فليس المنع عن جريانه تفصيلا في محل الكلام، لاستناده إلى عدم تحقق أحد ركني الاستصحاب المعتبر في جميع الاستصحابات لا إلى أن الوصف فيه لم يكن مسبوقا بالعدم. و من هذا القبيل باب الملازمات، فإنها أمور واقعية في مقابل الفرض و التقدير، فلو شككنا في ثبوت الملازمة بين شيئين، كوجوب المقدمة و وجوب ذيها لا يمكن إحراز عدمها بالاستصحاب لعدم العلم بالحالة السابقة الأزلية.

و إن كان المراد لازم الوجودين الذهني و الخارجي، فإن من الأعراض ما هو عارض الوجود الذهني و هي المعقولات الثانوية، كالنوع، و ما هو عارض الوجود الخارجي كالإحراق في النار، و ما هو عارض الوجودين المعبر عنه في الاصطلاح بلازم الماهية أيضا، كزوجية الأربعة، إذ هي لازمة لوجود الأربعة في الذهن و الخارج، فانا إذا تصورنا الأربعة تكون قابلة للانقسام الذهني إلى متساويين، كما أنها إذا وجدت في الخارج تقبل القسمة الخارجية، و التعبير بلازم الماهية في هذا القسم محض اصطلاح، و إلا فنفس ماهية الأربعة مع قطع النظر عن الوجودين لا معنى لانقسامها بمتساويين، لأنها في نفسها معدومة، و لا معنى لقابلية انقسام المعدوم إلى متساويين، كيف و الزوجية من مقولة الكيف التي هي‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 197‌

..........

______________________________
إحدى المقولات التسع التي من عوارض الوجود- فلا محذور في جريان استصحاب العدم الأزلي فيه بهذا المعنى، لأنها قبل وجودها لم تكن متصفة بهذا الوصف على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيستصحب عدمه إلى ما بعد وجودها.

فالمتحصل: أنه إن كان المراد بعارض الماهية الخارج المحمول فالمنع في محله إلا أنه ليس من جهة عدم الحالة السابقة بل من جهة عدم العلم بها، و إن كان المراد عارض الوجودين فلا وجه للمنع عن استصحاب العدم الأزلي فيه، فلا فرق بين عارض الوجود و عارض الماهية بالمعنى الثاني من حيث شمول دليل الاستصحاب لهما.

و أما منع الصغرى: فلأجل أن الكرية إنما هي من عوارض وجود الماء خارجا، كيف و هي من مقولة الكم إما المتصل أو المنفصل على التقديرين في الكر- الوزن و المساحة- و مقولة الكم هي إحدى الأعراض التسعة التي هي من عوارض الوجود، و اما طبيعة الماء بما هي فلا تقتضي القلة أو الكثرة، و إنما تعرضها احدى الكميتين إذا وجدت في الخارج. و عليه فلا محذور في استصحاب عدم اتصاف الماء بالكرية من باب السلب بانتفاء الموضوع، فيقال: هذا الماء لم يعرضه الكمية الخاصة- أي الكرية- قبل وجوده فيستصحب عدمها إلى ما بعد وجوده.

و بالجملة: لا محذور في جريان استصحاب العدم الأزلي في الكرية على نحو العدم المحمولي، و لو سلم المنع إما لما ذكر أو لابتناءه على الدقة العقلية التي لا تصلها افهام العامة، و أدلة الاستصحاب منزلة على الفهم العرفي- كان استصحاب العدم النعتي في الماء المشكوك كريته جاريا بلا مانع، لأن جميع المياه مسبوقة بالقلة، و ذلك لما يستفاد من الآيات الشريفة كقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً و الروايات الكثيرة المؤيدة بقول المكتشفين في هذه الأعصار:

من أن مبدأ جميع مياه العالم هي الأمطار النازلة من السماء، و عليه يكون جميع‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 198‌

و ان كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة (1) نعم: لا يجري عليه حكم الكر فلا يطهر (2) ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه.

______________________________
المياه مسبوقة بالقلة، لنزولها من السماء متقاطرا، فهي بعد وجودها تتصف بالقلة، و يشك في انقلابها كرا فيستصحب عدمه، و بضميمة عموم ما دل على انفعال القليل يحكم بنجاسته بالملاقاة، و لو سلم المنع عن الاستصحاب مطلقا كان المرجع في كل من الماء و المغسول فيه الأصول العملية كما هو الحال في.

(القسم الثالث): و هو صورة توارد الحالتين على الماء، لانقطاع استصحاب العدم الأزلي فيه بالعلم بعروض الكرية على الماء، و معارضة استصحاب العدم النعتي باستصحاب الكرية على المختار في أمثال المقام، أو لعدم جريانه رأسا، لعدم اتصال زمان اليقين بالشك على مسلك المحقق صاحب الكفاية (قده) و كيف كان فلا سبيل إلى إثبات الكرية أو عدمها في هذا القسم، فلا بد من الرجوع إلى الأصل العملي كما سنذكر فيما يلي توجيها لكلام المصنف (قده).

(1) إمّا لقاعدة الطهارة أو لاستصحابها، إلا انه قد عرفت ان الأظهر هو الحكم بالنجاسة تمسّكا بعموم ما دل على انفعال القليل بعد تنقيح موضوعه باستصحاب العدم المحمولي أو النعتي.

(2) إمّا لاستصحاب نجاسته بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الجزئية كما هو الظاهر من صحيحة زرارة الواردة في الاستصحاب، أو لاستصحاب عدم ورود المطهر عليه لو منع عنه في الأحكام مطلقا. و الاولى في المقام ان يقال: انه قد يفرض الماءان متصلين بلا امتزاج فعلى القول باعتبار المزج يحكم على الماء المتنجس ببقاء نجاسته و على القول بكفاية الاتصال يجري في كل من المائين الاستصحاب، كما كان هو الحال في الثوب المغسول، اللهم إلا ان يقوم الإجماع على ان الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين و لو ظاهرا، فيقع التعارض بين الاستصحابين، و قد يفرض الماءان ممتزجين. و عليه فيتصور صور ثلاث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 199‌

و لا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه (1) و إن علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة.

[ (مسألة 8) الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة]

(مسألة 8) الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم

______________________________
الأولى: ان يستهلك الماء المتنجس في المشكوك كريته لقلة المتنجس.

الثانية: عكس الأولى.

الثالثة: أن لا يستهلك أحدهما في الآخر بحيث يحصل من امتزاجهما ما هو مركب منهما، كما لو تساوت كمية المائين، أو اختلافا قليلا، و في الأولى: يستصحب طهارة الماء المشكوك كريته، لانعدام المتنجس فيه عرفا، و في الثانية: يستصحب نجاسة الماء المتنجس الملقي عليه، مشكوك الكرية، لانعدامه فيه كذلك، و في الثالثة: يتعارض الاستصحابان- مع بقاء موضوعهما على الفرض- لا من جهة الإجماع على ان الماء الواحد لا يحكم بحكمين و لو ظاهرا، كي ينتقض بالكثير أو الجاري المتغير بعضه، أو بالمتمم كرا كما عن بعضهم، بل من جهة القطع بأن الأجزاء المتداخلة من الماء لا يختلف حكمها من حيث الطهارة و النجاسة، و بعد التعارض و تساقط الأصلين يرجع إلى قاعدة الطهارة في المجموع الحاصل من امتزاج المائين، و يمكن ان يقال: ان استصحاب الطهارة غير جار في نفسه، لعدم ترتب الأثر العملي على طهارة بعض الاجزاء المتداخلة، فإن أثر الطهارة في الماء اما جواز شربه أو رفع الحدث أو الخبث به، و شي‌ء من ذلك لا يترتب على الأجزاء المتداخلة، فاستصحاب النجاسة بلا معارض.

(1) لاستصحاب نجاسة المغسول فيه. كالثوب و نحوه، لاحتمال قلة الماء، و فقدان الشرط المعتبر في التطهير بالماء القليل، و هو ورود الماء على النجس، لما في الروايات من الأمر بصب الماء القليل على اليد و نحوها، و لو منع عن الاستصحاب الحكمي فيكفينا الاستصحاب الموضوعي- أي استصحاب عدم وقوع المطهّر عليه- هذا كله إذا غسل الثوب و نحوه في الماء المشكوك كريته، و أما إذا كان الغسل على نحو الصب على المتنجس فلا إشكال في حصول الطهارة به.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 200‌

السابق من الملاقاة و الكرية إن جهل تاريخهما، أو علم تاريخ الكرية حكم بطهارته، و إن كان الأحوط التجنب (1) [1] و ان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته.

______________________________
(1) ذكر المصنف في هذه المسألة فرعين:

(الأول): ان يكون هناك ماء قليل طاهر ثم يتوارد عليه حالتان الكرية و الملاقاة مع النجس، و يشك في المتقدّم منهما، فان كان هو الكرية فلا يحكم بنجاسته، و ان كان الملاقاة فيحكم بها.

(الثاني): ان يكون الماء كرا ثم يتوارد عليه القلة و الملاقاة، و يجري فيه ما تقدم من احتمالي الحكم بالطهارة أو النجاسة من حيث سبق الملاقاة أو القلة و لكل منهما صور ثلاث بلحاظ الجهل بتاريخ الحادثين معا، و العلم بتاريخ أحدهما دون الآخر.

أما الفرع الأول: «فتارة» يجهل فيه تاريخ كل من عروض الكرية و الملاقاة «و أخرى» يعلم تاريخ الكرية دون الملاقاة «و ثالثة» يعلم تاريخ الملاقاة دون الكرية، فهل يحكم بالطهارة في جميع الصور الثلاث، أو بالنجاسة كذلك، أو يفصل بين الأوليين فيحكم بطهارة الماء فيهما، و الثالثة فيحكم بنجاسته؟ وجوه بل أقوال اختار المصنف (قده) الأخير، و هو مبني على عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ، كما عليه شيخنا الأنصاري (قده).

و عليه ففي الصورة الأولى: يرجع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها بعد تعارض استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية الذي أثره الطهارة مع استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة الذي أثره النجاسة، هذا إذا قلنا بجريان الأصل في مجهولي التاريخ، كما حققنا في الأصول، و أما بناء على ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) من قصور دليل الاستصحاب عن شموله له،

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «الأحوط التجنّب»: (بل الأظهر ذلك).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 201‌

..........

______________________________
لعدم اتصال زمان اليقين بالشك فيرجع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها ابتداء.

و في الصورة الثانية: يجري استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية بلا معارض، و أثره الطهارة.

و في الصورة الثالثة: يجري استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض، و أثره النجاسة، لتحقق موضوعها بضم الوجدان إلى الأصل.

و قد الحق شيخنا الأستاذ المحقق النائيني (قده) في حاشيته على المتن صورة الجهل بتاريخهما بصورة العلم بتاريخ الملاقاة، فحكم فيهما بالنجاسة، و في النسخ المصححة الحكم بنجاسة الماء في جميع الصور الثلاث، إلا انه ليس بملاك واحد في جميعها.

أما في مجهولي التاريخ فيمكن أن يكون الوجه فيه أحد أمرين (الأول):

استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، إذ به يحرز موضوع النجاسة بضم الوجدان إلى الأصل، كما ذكرنا آنفا، و لا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث الكرية، لعدم ترتب الأثر عليه إلا على القول بالأصل المثبت، و ذلك لما افاده (قده) من ان المستفاد من قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» لزوم سبق الكرية على الملاقاة و لو آنا ما في عدم انفعال الماء بملاقاة النجس، فيعتبر ورود الملاقاة على الكر، و على ذلك بني (قده) عدم كفاية تتميم المتنجس كرا، و نجاسة الماء فيما إذا حصلت الملاقاة و الكرية في زمان واحد، و بما ان سبق الكرية على الملاقاة من اللوازم العقلية لعدم تحقق الملاقاة إلى زمان الكرية، فإثباته باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية يكون من الأصل المثبت.

(الثاني): انه لو سلم جريان الاستصحابين معا و تحققت المعارضة بينهما كان المرجع بعد تساقطهما عموم ما دل على انفعال الماء بناء على مسلكه (قده) من لزوم إحراز المخصص الوجودي للعام الإلزامي في رفع اليد عن عموم العام، و بما انه في المقام لم يحرز الكرية على الفرض فيرجع إلى عموم الانفعال، و يحكم‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 202‌

..........

______________________________
بنجاسة الماء، و معه لا مجال للتمسك بأصالة الطهارة، كما هو واضح.

و أما في صورة العلم بتاريخ الكرية دون الملاقاة فما في حاشيته من الحكم بطهارة الماء فيها تبعا للمصنف (قده) مبني على الرجوع إلى قاعدة الطهارة، لعدم جريان الاستصحابين عنده في هذه الصورة، أما استصحاب عدم الكرية فلمعلومية التاريخ، و أما استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث الكرية فلكونه مثبتا- كما ذكرنا- و اما ما في النسخ المصححة من الحكم بنجاسة الماء في هذه الصورة أيضا، و هو عدول عما ذهب إليه أولا من الحكم بطهارة الماء، فيبتني على الرجوع إلى عموم الانفعال بالتقريب المتقدم.

أقول: لا مانع من جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ كما يجري في مجهوله، خلافا لشيخنا الأنصاري و شيخنا الأستاذ (قدس سرهما) و ذلك لما ذكرناه في بحث الاستصحاب من ان الشك في البقاء في معلوم التاريخ و ان كان مرتفعا بالنسبة إلى أجزاء الزمان، لليقين بعدم حدوثه في زمان و بحدوثه في زمان آخر، فلا مجري فيه للاستصحاب من هذه الجهة، إلا أن ذلك لا ينافي الشك في حدوثه في زمان الحادث الآخر بعد العلم بعدم حدوثه فيه قبل ذلك، و لو من باب السلب بانتفاء الموضوع، إذ معلومية الشي‌ء من جهة لا ينافي الشك فيه من جهة أخرى، و بما ان حدوث الكرية- مثلا- في زمان الملاقاة يكون مشكوكا فيجري استصحاب عدمها من هذه الجهة التي هي موضوع الأثر، و إلا فحدوثها في زمان دون آخر لا أثر يترتب عليه، إذ الملاقاة إذا كانت في زمان قلة الماء توجب نجاسته و إذا كانت في زمان كريته لا توجب النجاسة، و عليه تقع المعارضة بين الأصلين في جميع الصور، فيرجع إلى قاعدة الطهارة، فيحكم بطهارة الماء في جميعها، كما في حاشية بعض الأعلام على المتن و التمسك بعموم الانفعال غير صحيح لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) في أمثال المقام لا يمكن الالتزام به، لأن الخارج هو ذات الكر لا ما أحرز كريته، هذا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 203‌

..........

______________________________
و لكن الأقوى- مع ذلك- هو الحكم بالنجاسة في جميع الصور، و ذلك بملاك واحد، و هو إحراز موضوع النجاسة بضم الوجدان إلى الأصل باستصحاب عدم الكرية إلى زمان حدوث الملاقاة، فإن موضوعها الماء القليل الملاقي للنجس، و بما ان الملاقاة محرزة وجدانا فيلتأم كلا جزئي الموضوع باستصحاب عدم الكرية إلى زمانها.

و ذلك لما ذكرناه في بعض تنبيهات الاستصحاب من مباحثنا الأصولية من أن موضوع الحكم أو متعلقة إذا كان عنوانا انتزاعيا من اجتماع أمرين أو أمور، كعنوان المقارنة، و الضم، و الاجتماع، أو من تقدم أحدهما على الآخر، كعنوان السبق و اللحوق لا يمكن إحرازه بضم الوجدان إلى الأصل، لأنه من الأصل المثبت، لأن العنوان الانتزاعي لازم عقلي لوجود منشأ انتزاعه في الخارج، كما قيل بذلك في درك المأموم و ركوع الإمام في صلاة الجماعة بتقريب ان موضوع درك الجماعة مقارنة ركوعه لركوع الإمام، فلو شك المأموم في دركه ركوع الإمام فلا يجديه استصحاب بقاء الإمام راكعا إلى زمان ركوعه، لأنه لا يثبت عنوان المقارنة، فيجري استصحاب عدم وصوله إلى ركوع الإمام، أو عدم مقارنة ركوعه لركوع الامام بلا معارض.

و هذا بخلاف ما إذا كان الموضوع أو المتعلق مركبا من ذات الجزئين أو الأجزاء بحيث يكفي مجرد وجود أحدهما في زمان الآخر في ترتب الحكم، فإنه يحرز الموضوع أو المتعلق باستصحاب أحد الجزئين إلى زمان وجود الآخر، كما في المقام، فإنه يستصحب القلة أو عدم الكرية إلى زمان الملاقاة مع النجس، و لا يعارضه استصحاب عدم مقارنة أحدهما للآخر، لا لما ذكره شيخنا المحقق النائيني (قده) من ان الشك في حصول المقارنة مسبب عن الشك في وجود أحدهما في زمان الآخر و الأصل في السبب حاكم على الأصل في المسبب، لأن السببية و ان كانت تامة إلا انها عقلية لا شرعية، فلا مجال فيها للحكومة، بل لعدم ترتب الأثر على عنوان المقارنة كي ينفى باستصحاب عدمها، كما انه لا‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 204‌

و أما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها فان جهل التاريخان، أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور، و إن علم تاريخ القلة (1) [1] حكم بنجاسته.

______________________________
يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حصول الكرية، لأنه لا يثبت تحقق الملاقاة في زمانها، كي يتم به موضوع الاعتصام. هذا تمام الكلام في الفرع الأول، و يأتي الكلام في الفرع الثاني.

(1) الفرع الثاني- الذي سبق الإشارة إليه- هو ما إذا كان الماء مسبوقا بالكرية ثم توارد عليه حالتان- القلة و الملاقاة للنجس- و شك في التقدم و التأخر، و صوره أيضا ثلاث من حيث الجهل بتاريخهما، و العلم بتاريخ أحدهما دون الآخر، و هل يحكم بالنجاسة في جميعها، أو بالطهارة كذلك، أو يفصّل بين ما إذا جهل تاريخهما و ما علم فيه تاريخ الملاقاة فيحكم فيهما بالطهارة، و بين ما علم فيه تاريخ القلة فيحكم فيه بالنجاسة؟ وجوه.

إختار المصنف (قده) التفصيل المذكور، و هو مبني على عدم جريان الأصل في معلوم التاريخ- كما ذكرنا في الفرع الأول- ففي صورة الجهل بتاريخهما يرجع إلى قاعدة الطهارة بعد تعارض كل من استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة المقتضي للنجاسة، و استصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة المقتضي للطهارة، و في صورة العلم بتاريخ الملاقاة يرجع إلى استصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة من دون معارض، فيحكم بطهارة الماء، و في صورة العلم بتاريخ القلة يرجع إلى استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة و أثره نجاسة الماء، إلا أنه مع ذلك احتاط في الأوليين بالاجتناب، و لم يظهر له وجه صحيح عدا ما سنذكره مع ضعفه.

و في حاشية الأستاذ المحقق النائيني (قده) في النسخ المصححة الحكم بنجاسة الماء في صورة الجهل بتاريخهما أيضا بعد أن كان أصل النسخة تضعيف‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته- دام ظله على قول المصنف (قده) «و ان علم تاريخ القلة» (الأظهر هو الحكم بالطهارة فيه أيضا).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 205‌

..........

______________________________
الاحتياط- الذي قال به المصنف- و هو مبني على مسلكه من التمسك بعموم دليل الانفعال في أمثال المقام. لعدم إحراز الكرية و معه لا مجال للرجوع إلى قاعدة الطهارة بعد تساقط الاستصحابين بالمعارضة، إلا انه قد عرفت ضعف المبنى مما ذكرناه في الفرع الأول.

و الأقوى: هو الحكم بطهارة الماء في جميع الصور الثلاث، لاستصحاب عدم القلة إلى زمان الملاقاة، و أثره عدم انفعال الماء بورود النجس عليه من دون فرق في ذلك بين أن تكون القلة مجهولة التاريخ أو معلومة، لما ذكرناه في الفرع الأول من جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ، كما يجري في مجهوله، و لا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث القلة في الماء، لانه لا يثبت تأخر الملاقاة عن القلة الذي هو موضوع لانفعال الماء القليل، إذ تأخرها عنها لازم عقلي لعدم حصولها إلى زمان حصول القلة للعلم الإجمالي بتأخر إحداهما عن الأخرى، و النجاسة انما هي من آثار الملاقاة حال القلة لا من آثار عدم الملاقاة إلى زمان حصولها. فظهر مما ذكرناه، ان الحكم بنجاسة الماء فيما علم تاريخ القلة- كما في المتن- غير صحيح، لابتنائه على الأصل المثبت، أو أصالة تأخر الحادث، و كلاهما مما لا أساس له، كما حقق في محله.

و لو سلّم جريان الاستصحاب المذكور و ترتب النجاسة عليه كان معارضا باستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة و ان كانت القلة معلومة التاريخ، و بعد تساقطهما في جميع الصور الثلاث يرجع إلى قاعدة الطهارة.

ثم إنه لم يظهر وجه صحيح للاحتياط المذكور في المتن في شي‌ء من الصورتين، لأن المرجع في صورة الجهل بتاريخهما قاعدة الطهارة بعد تساقط الاستصحابين بالمعارضة- كما عرفت- و في صورة العلم بتاريخ الملاقاة يرجع إلى استصحاب عدم القلة إلى زمان حدوث الملاقاة و أثره الطهارة، و لا يعارضه الأصل في الطرف الآخر بناء على مسلكه (قده) من عدم جريانه في معلوم التاريخ، فليس في البين مستند للاحتياط في الفتوى إذ لا بد فيه من وجه و لو كان ضعيفا،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 206‌

[ (مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر و لم يعلم أنها وقعت فيه]

(مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر (1) و لم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها يحكم بطهارته، إلا إذا علم تاريخ الوقوع.

______________________________
كقيام شهرة أو أصل أو رواية ضعيفة و نحو ذلك، و الاحتياط في العمل لا يختص بالمقام، بل يجري في كل ما يحتمل نجاسته و لو كان مجرى قاعدة الطهارة، بل يحسن حتى مع قيام الامارة على الطهارة. اللهم إلا أن يقال انه يكفي في حسنه في المقام مجرد استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة بدعوى ترتب النجاسة عليه، أو بضميمة أصالة تأخر الحادث و ان كان معارضا في الصورة الأولى باستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة، و غير جار على مختاره في الصورة الثانية، لمعلومية التاريخ.

(1) علّق دام ظلّه في الحاشية على قوله (قده) إذا وجد نجاسة في الكر: (هذه المسألة مندرجة في المسألة السابقة).

و ذلك ظاهر، لأنها الفرع الأول من تلك المسألة بعينه و هو المسبوق بالقلة مع تفاوت في الجملة من حيث وجود النجاسة في الكر في مفروض هذه المسألة و مجرّد العلم بملاقاة الماء مع النجس في المسألة السابقة، إلا ان هذا لا يوجب تفاوتا في الحكم. و قد عرفت: ان مذهب المصنف (قده) فيه هو التفصيل، كما يدل عليه استثناء صورة العلم بتاريخ وقوع النجس في الماء في هذه المسألة أيضا، فإنها محكومة عنده بالنجاسة، و لو لا ذلك لأمكن حملها على ما يغاير المسألة السابقة من صورة الجهل بالحالة السابقة على توارد الحالتين، و مقتضى القاعدة فيها- على المختار- هو الحكم بنجاسة الماء في جميع صورها الثلاث، لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان وقوع النجس في الماء على نحو العدم الأزلي أو النعتي، إذ به يتم موضوعها بضم الوجدان إلى الأصل، فلا فرق بين صورتي الجهل بالحالة السابقة و العلم بسبق القلة في الحكم بنجاسة الماء مطلقا على المختار.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 207‌

[ (مسألة 10) إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته]

(مسألة 10) إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته (1) و إن كان الأحوط الاجتناب.

______________________________
(1) لا إشكال في اعتصام الماء فيما إذا سبقت الكرية على الملاقاة زمانا، و لو آنا ما. و أما إذا تقارنتا في الزمان فهي على نوعين، لأنه إما أن تحصل الكرية بنفس الملاقاة كما إذا تمم كرا بالمتنجس، و يأتي الكلام فيه في (مسألة 14). و إما أن تحصل من غير جهة الملاقاة، كما إذا فرضنا اتصاله بالكر و النجس في آن واحد، و هل يحكم فيه بالاعتصام أولا؟ قولان مبنيان على عدم اعتبار سبق الكرية على الملاقاة زمانا، فيكفي تقارنهما في الزمان، و على اعتباره كذلك. إختار المصنف (قده) الأول، و ذهب الأستاذ المحقق النائيني (قده) إلى الثاني، كما في حاشيته على المتن.

و الأقوى: هو الأول، لإطلاق الأدلة، فإن كان مدرك اعتبار السبق هو لزوم تقدم الموضوع على الحكم بلحاظ ان موضوع الاعتصام و عدم الانفعال بملاقاة النجس هو الكر فلا بد من تقدمه عليه، و بعبارة أخرى، ان طبع الماء على الطهارة سواء القليل أو الكثير، و إنما يختص الاعتصام- بمعنى عدم الانفعال بالملاقاة- بالكر فلا بد من فرض سبقه على ورود النجس عليه.

ففيه: أنه يكفي السبق الرتبي في كون الشي‌ء موضوعا لحكم، و لا يعتبر فيه السبق الزماني، و على ذلك بني (قده) أساس الترتب، فان عصيان الأمر بالأهم مع انه شرط للأمر بالمهم- و هو في حكم الموضوع له- يكون مقارنا معه في الزمان كما أوضحه (قده) في ذاك البحث، و إلا لزم هدم أساس الترتب كما ذكرنا هناك.

و ان كان مدركه هو استظهار السبق الزماني من الروايات الواردة في الكر بدعوى ان المستفاد من قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» ان الموضوع لعاصمية الماء هو كريته السابقة على الملاقاة، حتى تكون الملاقاة واردة على الكر.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 208‌

[ (مسألة 11) إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الآخر قليل]

(مسألة 11) إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الآخر قليل، و لم يعلم أن أيهما كر، فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين لم يحكم بالنجاسة [1] (1) و إن كان الأحوط في صورة التعيين الاجتناب.

______________________________
ففيه: أنه لو تم هذا الظهور فإنما يتم في مثل ذلك، و لا يتم في مثل قوله:

«كر من الماء» في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء، فإنه لا ينبغي التأمل في إطلاق الجواب من حيث المقارنة و السبق الزماني، على أنه لا نسلم ذلك في مثل ما ذكر أيضا، لأن إطلاق كون الماء كرا يشمل حال الملاقاة.

فالمتحصل: أن مقتضى إطلاق الأدلة كفاية حدوث الكرية في زمان الملاقاة في الحكم بطهارة الماء. و بلا دليل على لزوم السبق الزماني.

(1) إذا علم إجمالا بكرية أحد المائين فوقعت نجاسة في أحدهما فاما ان تقع في أحدهما معينا أو غير معين، فيقع الكلام في صورتين، و حكم المصنف (قده) فيهما بعدم النجاسة، و احتاط استحبابا في الصورة الأولى بالاجتناب، لتأتي الوجوه المتقدمة للنجاسة في المشكوك كريته- التي لم تتم عنده- فيها دون الثانية، إذ في صورة عدم التعيين لم يعلم بتحقق الملاقاة مع المشكوك كريته، لاحتمال كون الملاقي هو الكر الواقعي، فلا يمكن الإشارة إلى شي‌ء من المائين، و يقال: ان هذا قد لاقته النجاسة، و هو مشكوك الكرية كي تجري فيه تلك الوجوه.

و كيف كان فحكمه (قده) بالطهارة في الصورة الأولى مبني على ما تقدم منه في (مسألة 7) من الحكم بطهارة المشكوك كريته إذا لاقاه النجس، و لم يعلم حالته السابقة، لعدم تمامية الوجوه المذكورة للنجاسة فيرجع إلى أصالة الطهارة أو استصحابها، مع عدم إجراء أحكام الكر عليه كما سبق. و أما الماء الآخر فهو طاهر وجدانا، لعدم ملاقاته للنجس فرضا.

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «لم يحكم بالنجاسة» (الظاهر أن يحكم بنجاسته إلا إذا سبقت كريته).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 209‌

..........

______________________________
و في تعليقة الأستاذ المحقّق النائيني (قده) الحكم بنجاسة الماء في هذه الصورة، و هو مبني على مسلكه من التمسك بالعموم في أمثال المقام مما لم يحرز فيه المخصص الوجودي على ما سبق بيانه هناك، فيتمسك في المقام بعموم الانفعال، لعدم إحراز كرية الملاقي للنجس، فكل منهما قد جرى على مبناه في المسألة، و وافق المصنف في الحكم بالطهارة في الصورة الثانية، و هو مبني على استصحاب عدم كون الملاقاة مع القليل المعلوم في البين، و وقوع النجس في الكر لا أثر له، فإنه طاهر على كل تقدير سواء وقع فيه النجس أم لا، فالماءان محكومان بالطهارة أحدهما- و هو القليل المعلوم في البين- بالأصل و الآخر- و هو الكر- بالوجدان فلا أثر للعلم الإجمالي بوقوع النجس في أحدهما غير معين.

و الصحيح في المقام هو التفصيل في صورة الوقوع في المعين بين مسبوق القلة، و مجهول الحال، فيحكم فيهما بنجاسة ما وقع فيه النجس، و بين مسبوق الكرية، فيحكم بطهارته، و أما في صورة الوقوع في غير المعين فالحكم فيها الطهارة في جميع صورها كما في المتن بيان ذلك: انه إذا كان الماءان مسبوقين بالقلة ثم علم إجمالا بحدوث الكرية في أحدهما، أو كانا مجهولي الحال فوقع النجس في أحدهما معينا فمقتضى استصحاب عدم كرية الماء الملاقي للنجس بالعدم الأزلي أو المحمولي هو الحكم بنجاسته، لإحراز موضوعها بضم الوجدان إلى الأصل، كما سبق في ذيل (مسألة 8).

و لا يعارضه استصحاب عدم الكرية في الآخر، لعدم ترتب الأثر عليه بعدم العلم بطهارته على كل حال سواء أ كان قليلا أم كرا، لعدم ملاقاته للنجس. على أن الملاك في تعارض الأصول- على المختار- هو استلزامها المخالفة العملية، و هي غير لازمة في المقام، كما لا يخفى، فلا محذور في جريان الأصلين معا، كما لا يعارضه استصحاب عدم مقارنة القلة للملاقاة في نفس الماء الملاقي للنجس، لعدم ترتب الأثر على عنوان المقارنة، كما سبق في تلك المسألة أيضا.

و أما إذا كانا مسبوقين بالكرية ثم علم إجمالا بطرو القلّة على أحدهما‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 210‌

..........

______________________________
فمقتضى استصحاب الكرية في الملاقي للنجاسة إلى زمان وقوعها فيه هو الحكم بطهارته، و لا يعارضه استصحاب الكرية في الطرف الآخر، لما ذكرناه آنفا من عدم ترتب الأثر عليه بعد العلم بطهارته على كل تقدير، و أما في صورة وقوع النجس في غير المعين فيحكم فيها بطهارة المائين في جميع صورها، كما ذكرنا.

أما في (صورة سبقهما بالقلة) فلاستصحاب عدم كون القليل المعلوم في البين ملاقيا للنجس، و لا يعارضه استصحاب عدم كون الطرف الآخر الكثير ملاقيا له، لعدم ترتب الأثر عليه بعد القطع بطهارته و ان لاقاه النجس، لأنه كر على الفرض، و لا يثبت الأصل المذكور كون الملاقاة مع القليل، و منه يعلم رفع توهم معارضته باستصحاب عدم كرية الملاقي، لأنه أيضا لا يثبت كون الملاقاة معه، و بدونه لا أثر للأصل المذكور بعد إحراز طهارة أحد المائين بالوجدان و الآخر بالأصل.

و هذا نظير ما لو كان إناء في جنب الكر فوقعت قطرة دم- مثلا- في أحدهما و لا ندري أنها وقعت في الإناء أو في الكر، فإن الإناء يكون محكوما بالطهارة، لأن استصحاب عدم كرية الملاقي لا يثبت كون الملاقاة مع الإناء، فيجري فيه استصحاب عدم ملاقاته للنجس بلا معارض، فإذا صح ذلك في المعيّن يصح في غير المعين أيضا، و لو سلم صحة الاستصحاب المذكور كان المرجع بعد تساقطهما أصالة الطهارة في القليل، و أما الكر فهو طاهر وجدانا.

و مما ذكرنا يعلم حكم (صورة الجهل بالحالة السابقة) في المائين، لجريان استصحاب عدم كون القليل المعلوم في البين ملاقيا للنجس فيها أيضا، و يأتي فيها توهم المعارضة و دفعه، إلا أن المتوهم فيها جريان استصحاب عدم كرية الملاقي بالعدم الأزلي أو النعتي على وجه سبق ذكره.

و أما في (صورة سبقهما بالكرية) و عروض القلة على أحدهما غير معين فالوجه في طهارتهما هو استصحاب كرية الملاقي للنجس، و الآخر طاهر وجدانا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 211‌

[ (مسألة 12) إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس فوقعت نجاسة]

(مسألة 12) إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر لم يحكم (1) بنجاسة الطاهر.

[ (مسألة 13) إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته]

(مسألة 13) إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (2) [1].

______________________________
(1) لانحلال العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما غير معين بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين، و الشك البدوي في الطرف الآخر، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه.

(2) أما حكم المصنف (قده) بالطهارة فمبني على ما سبق في المشكوك كريته الملاقي للنجس- بعينه- من الرجوع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها.

لاحتمال الكرية هناك و احتمال الإطلاق- بعد فرض الكرية- هنا، إلا انه مع ذلك لا يجوز ترتيب آثار الماء المطلق عليه، فلا يكون رافعا للحدث و لا الخبث، لأن الأصل المذكور لا يثبت كونه ماء، إذ الملازمة بين عدم انفعاله بملاقاة النجس: و كونه كرا من الماء عقلية لا شرعية، كما سبق نظيره في المشكوك كريته من عدم كونه مطهرا لما يحتاج في تطهيره إلى إلقاء كر عليه، و عدم طهارة متنجس غسل فيه، و ان حكم بعدم تنجس الماء بملاقاة النجس بمقتضى الأصل، لأنه لا يثبت كونه كرا، فالمقام نظير ما إذا كان كر لم يعلم انه بول أو ماء، فان مقتضى أصالة الطهارة فيه و ان كان الحكم بطهارته إلا انه مع ذلك لا يجوز استعماله في رفع الخبث أو الحدث.

هذا و لكن الصحيح هو الحكم بالنجاسة إلا إذا كان مسبوقا بالإطلاق، و ذلك لعين ما ذكرناه في تلك المسألة من جريان استصحاب العدم الأزلي في القيد الوجودي المشكوك، إذ به يحرز موضوع العام بضم الوجدان إلى الأصل ففي المقام يستصحب عدم كونه ماء مطلقا، و به يحرز موضوع عموم ما دل على انفعال‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «لم يحكم بنجاسته» (الظاهر أن يحكم بنجاسته. إلا إذا كان مسبوقا بالإطلاق).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 212‌

و إذا كان كران أحدهما مطلق و الآخر مضاف و علم وقوع النجاسة في أحدهما و لم يعلم على التعيين يحكم بطهارتهما (1).

[ (مسألة 14) القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس]

(مسألة 14) القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى (2).

______________________________
مطلق الملاقي للنجس سواء الماء أم غيره كقوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة: «و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» فان المستفاد منه تنجس كل ما أصابه الماء النجس من دون خصوصية لشي‌ء دون شي‌ء، و قد خرج عن العموم المذكور الكر من الماء، فيكون الباقي تحته مطلق الملاقي للنجس غير الكر من الماء، و بما ان الملاقاة محرزة بالوجدان، و عدم كونه ماء بالأصل فيلتأم كلا جزئي الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، فيتمسك بعموم الدليل لإثبات نجاسته، و لا يعارضه استصحاب عدم كونه مضافا بدعوى: ان الماء قبل وجوده كما انه لم يكن له صفة الإطلاق كذلك لم يكن له صفة الإضافة- لأنه لا يثبت كونه ماء مطلقا، و أثر النجاسة- بعد تخصيص عموم الانفعال بأدلة الكر- انما يكون مترتبا على ما ليس بكر من الماء، لا عنوان المضاف أو سائر العناوين الخاصة، لأن الباقي تحت العموم بعد تخصيصه بعنوان وجودي هو ما ليس بذاك الخاص، فالأصل المذكور كما أنه لا يثبت موضوع الطهارة كذلك لا ينفي موضوع النجاسة، فلا مجرى له بوجه لعدم ترتب أثر عليه على أي حال.

نعم: إذا كان الماء مسبوقا بالإطلاق فمقتضى استصحابه هو عدم انفعاله بالملاقاة إذ به يحرز موضوع الخاص و هو الكر من الماء، و ذلك ظاهر.

(1) لعين ما ذكرناه في الصورة الثانية من (مسألة 11) غاية الأمران احتمال الانفعال هناك كان لأجل احتمال القلة و هنا لأجل احتمال الإضافة، فيجري في المقام استصحاب عدم كون المضاف ملاقيا للنجس، فيحرز طهارته بالأصل.

و أما المطلق فطهارته محرزة بالوجدان، لأنه كر على الفرض.

(2) اختلف الأصحاب (قدس سرهم) في تطهير القليل النجس بإتمامه كرا على‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 213‌

..........

______________________________
أقوال ثلاثة.

(أحدها): القول بالبقاء على النجاسة مطلقا سواء أ كان المتمم- بالكسر- طاهرا أم نجسا، كما في المتن، و هو المشهور كما في طهارة شيخنا الأنصاري (قده) و المنقول عن الشيخ في الخلاف، و ابن الجنيد، و أكثر المتأخرين. و هو الأظهر.

(ثانيها): القول بالطهارة كذلك، كما عن ظاهر السيد المرتضى (قده) في المسائل الرسية، و جماعة آخرين. بل عن جامع المقاصد: انه مذهب أكثر المحققين، و عن ابن إدريس التصريح بعدم الفرق بين الإتمام بطاهر أو نجس.

(ثالثها): القول بالتفصيل بين الإتمام بالطاهر و النجس، فيطهر في الأول، دون الثاني، كما عن ابن حمزة في الوسيلة، و عن الشيخ في المبسوط تقويته، و نسبته إلى بعض الأصحاب.

و الذي ينبغي التكلم فيه هو القول الأول و الثاني.

و أما التفصيل فلا وجه له حسب ما استدلوا به على مدعاهم من القول بالطهارة، و ان كان له وجه بملاحظة الأصول العملية بعد تساقط أدلة الطرفين على ما يأتي بيانه، لأنه لو لم يتم أدلة القائلين بالطهارة، و لم نقل بكفاية الكرية اللّاحقة في طهارة الماء، و دفع النجاسة عنه كان مقتضى أدلة انفعال الماء القليل نجاسة المتمم كرا من دون فرق بين التتميم بطاهر أو نجس، كما هو الأظهر، و لو تمت و قلنا بالكفاية كان لازمه عدم الفرق بينهما أيضا، لأنّ الملاك في اعتصام الماء حينئذ هو بلوغ الماء كرا، و لو كان متأخّرا عن ملاقاة النجس، و هو كما يحصل بالتتميم بالطاهر كذلك يحصل بالتتميم بالنجس، بل مقتضاه الالتزام بطهارته لو تمم بغير الماء كالحليب و المياه المضافة إذا لم يوجب إضافته. بل كفاية التتميم بعين النجس كالبول و الدم إذا لم يوجب تغيره، و لا يخفى بعد ذلك كله حتى انه حكي عن الشيخ في المبسوط نفي الشك عن نجاسة الكل إذا تمم بالنجس، و كل هذا مما يقرب القول المشهور، و الالتزام بنجاسة المتمم كرا مطلقا.

و كيف كان فقد استدل السيد المرتضى (قده) على مذهبه بوجهين‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 214‌

..........

______________________________
(أحدهما): أن بلوغ الماء حد الكر يوجب استهلاك النجاسة، فيستوي ملاقاتها قبل الكرية و بعدها.

و فيه: أنه مصادرة محضة، لأن استهلاك النجس في الماء قبل بلوغ الكرية أول الكلام، و ما دل عليه النص إنما هو استهلاكه فيه بعد بلوغ الماء كرا، و دعوى عدم الفرق قياس محض، بل لا بد من متابعة ظواهر الأدلة.

(الثاني): الإجماع على طهارة الماء الكر إذا وجدت فيه نجاسة و لم يعلم بوقوعها فيه قبل الكرية أو بعدها، و ليس ذاك إلا لتساوي الحالتين عندهم، إذ لو كان في صورة الوقوع فيه قبل بلوغه كرا نجسا لم يكن وجه للإجماع على طهارة الماء مطلقا. و لازم ذلك الإجماع على الطهارة في المقام أيضا. لأنه إحدى صورتي تلك المسألة.

و فيه: أن الحكم بالطهارة في تلك المسألة حكم ظاهري مبني على قاعدة الطهارة أو استصحابها، لا على طهارة الماء واقعا على كل تقدير. و بعبارة أخرى:

ان موضوع الحكم هناك هو صورة الشك في زمان وقوع النجاسة في الماء الموجب للشك في نجاسته، و أين هذا مما هو محل الكلام من الطهارة الواقعية للماء الذي يعلم بوقوع النجس فيه قبل بلوغه كرا. على أنك قد عرفت في ذيل (مسألة 8) أن الصحيح هو الحكم بنجاسة الماء فيها في بعض صورها، و الإنصاف أن الاستدلال بهذا الوجه لا يخلو من غرابة.

و استدل ابن إدريس- بعد الإجماع- بما زعم إجماع المخالف و المؤالف على روايته من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» و تقريب الاستدلال به: هو أن عدم حمل الماء الخبث عبارة عن عدم اتصافه به، لأن المعروض حامل لعرضه، فنفي الحمل يساوق نفي الاتصاف، و بما ان الخبث نكرة في سياق النفي يعم الخبث السابق و اللاحق، فالمتحصل من معنى الرواية حينئذ:

هو عدم اتصاف الكر بالنجاسة أعم من الرفع و الدفع. و من هنا تراه لم يستدل بما اشتهر من طرق عديدة في رواياتنا المعتبرة من قولهم عليهم السلام: «إذا كان‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 215‌

..........

______________________________
الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» لعدم عموم فيه بالنسبة إلى الرفع، لأن التنجيس من التفعيل، و هو ظاهر في أحداث النجاسة في الماء، فيكون مفاده ان شيئا من النجاسات لا يوجب حدوث النجاسة في الكر، فيختص بصورة الدفع، و لا يعم ما هو محل الكلام من رافعية الكر للنجاسة السابقة.

و ربما يستشكل في دلالتها على العموم باستحالة الجمع بين الرفع و الدفع في إنشاء واحد في مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لم يحمل خبثا» بدعوى أن رفع النجاسة عن الماء يستلزم فرض تنجسه في مرتبة سابقة، لأن البقاء و الارتفاع متفرعان على الحدوث. فلا بد من فرض الماء نجسا كي ترتفع نجاسته بالكرية اللّاحقة، و دفعها عنه يستلزم فرض طهارته في تلك المرتبة كي تكون الكرية دافعة للنجاسة عنه، و الجمع بين الحكمين في كلام واحد يستلزم الجمع بين المتناقضين، لاستلزامه فرض الماء نجسا و طاهرا في مرتبة واحدة و عليه فلا بد من حمل الخبر على أحد المعنيين إما الدفع فيتحد مع الرواية المشهورة في المفاد، و إما الرفع فيخالفها فيه، و الأظهر هو الأول، لأن الحمل على الثاني يحتاج إلى تقييد الماء بالماء النجس قبل البلوغ كرا، و ليس في الخبر تقييد.

و يندفع: بما أشرنا إليه في تقريب الاستدلال به من أن عدم تحمل الماء للخبث عبارة عن عدم اتصافه به، و هذا لا يستدعي المناقضة، لأن الموضوع للقضية حينئذ هو طبيعي الماء من دون لحاظ تنجسه في مرتبة سابقة و عدمه، فمقتضى إطلاقها شمول الحكم لكلا القسمين، إذ عدم اتصاف شي‌ء بأمر في زمان أعم من اتصافه به قبل ذاك الزمان و ارتفاعه عنه فيه، و من عدم اتصافه به رأسا، كما يظهر ذلك بملاحظة أمثاله من الاستعمالات العرفية، فإنه يقال: فرس جموح للفرس المستعصي من حمل الراكب على ظهره. و هو كما يصدق مع امتناعه عن الركوب عليه ابتداء، كذلك يصدق مع إلقاء الراكب من على ظهره بعد الركوب عليه، فيكون مفاد الرواية: ان الماء الكر لم يحمل الخبث، و هذا أعم من تحمله له قبل بلوغه كرا و رفعه عنه بعد ذلك، و من عدم تحمله له بعد بلوغه كرا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 216‌

..........

______________________________
و من هنا يظهر ضعف ما ادعاه المحقق الهمداني (قده) من أن المتبادر إلى الذهن من الرواية: أنه إذا بلغ الماء قدر كر لا يتجدد فيه حمل الخبث، لا أنه لا يكون حاملا للخبث، نظير قولك إذا بلغ الماء كرا لم يحمل لون الدم، فان المتبادر منه ان كثرته تعصمه عن الاستقذار، لا انه لو كان قذرا يرفعه عن نفسه، و بالغ في ذلك حتى إحالة إلى العرف، فيكون مفاد الرواية عنده مفاد الرواية المشهورة.

إذ فيه: منع ظاهر- كما ذكرنا- فان تعبير هذه الرواية يختلف عن الرواية المشهورة، إذ هي ظاهرة في الإطلاق، و كذلك المثال، فالإنصاف انه لا ينبغي المناقشة في دلالة رواية ابن إدريس كما عن جملة. نعم: المناقشة و كل المناقشة في سندها، إذ لم ترد من طرقنا مسندا و كتب الأحاديث خالية عنها، و إنما أرسلها السيد و الشيخ (قدس سرهما) كما عن المحقق في المعتبر [1] بل قال إنه لم يعمل بها حتى المخالفون عدا ابن حي، و أظهر العجب ممن يدعي إجماع المخالف و المؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا، و هو في محله.

و الانتصار لابن إدريس- كما عن بعضهم [2] بأن نقله إجماع المخالف و المؤالف يكون جابرا لضعف سند روايته في غير محله، لمعارضته بنقل المحقق (قده) خلو كتب الحديث عن الأئمة (عليهم السلام) عن هذه الرواية رأسا عدا مرسلة السيد و الشيخ (قدس سرهما) كما ذكرنا، على أنا لا نقول بحجية الإجماع المنقول، كما هو المحقق في محله. بل لم نتحقق نقلها بهذا المضمون في كتب المخالفين إلا ما عن بعضهم مما يقرب من هذا المضمون كقوله: «إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر» أو: «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا» [3] و كيف كان‌

______________________________
[1] حكي في الحدائق عبارته بتمامها إن شئت فراجع ص 347 ج 1 طبع النجف عام 1377.

[2] كالمحقق الشيخ علي كما عن المدارك و صاحب الجواهر «قده» كما في ج 1 ص 152 طبع النجف عام 1378.

[3] و في تعليقة الحدائق ج 1 ص 246 طبع النجف عام 1377 نقل الأول عن ابن

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 217‌

..........

______________________________
فلا بد من طرح هذه الرواية، لقصورها سندا و ان تمت دلالة.

ثم انه لو سلم صحة سندها أيضا تقع المعارضة بينها و بين أدلة انفعال الماء القليل بالعموم من وجه، فيتساقطان في مورد المعارضة- و هو المتمم كرا- فتصل النوبة إلى الأصول العملية، إلا إذا كان عام فوق يرجع إليه بعد تساقط الدليلين.

بيان ذلك: ان في أخبار انفعال الماء القليل إطلاقا من جهتين.

الأولى: ان النجاسة إذا حدثت في الماء لا ترتفع عنه و لم تمم كرا إلا بمزيل قطعي من الاتصال بالكر أو الجاري أو المطر.

الثانية: انفعال الماء القليل بملاقاة النجس و لو كانت الملاقاة سببا لحدوث الكرية فيه، و يستفاد أيضا ما هو مفاد الإطلاق من الجهة الأولى مما ورد من النهي في عدة روايات [1] عن الاغتسال بغسالة الحمام معللا بأنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لأهل البيت عليهم السلام، و هو شرهم، الشاملة بإطلاقها ما إذا بلغت حد الكر، بل الغالب انها تبلغ الأكرار لاجتماع الغسالات الكثيرة في محل واحد، و عليه تقع المعارضة بين روايات غسالة الحمام و أخبار الانفعال من حيث إطلاقها من الجهة الأولى و بين رواية ابن إدريس في المتمم بالنجس، لدلالة تلك الروايات- بإطلاقها- على بقاء نجاسة القليل و لم تمم كرا بالنجس، و دلالة هذه الرواية على ارتفاع نجاسته بتتميمه كرا، كما انه تقع المعارضة بينها و بين أخبار الانفعال من حيث إطلاقها من الجهة الثانية في المتمم كرا بطاهر، كما هو واضح، و بما أن المعارضة في مورد الاجتماع يكون بالإطلاق‌

______________________________
الأثير في النهاية في حديث ابن سيرين و الثاني في رواية أخرى عنه كما في تاج العروس.

[1] المروية في الوسائل ج 1 ص 158 و 159 في ب 11 من أبواب الماء المضاف (منها): موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرهما. الحديث.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 218‌

..........

______________________________
لا يكون لأحدهما ترجيح على الآخر، فلا محالة يسقطان عن الحجية و تصل النوبة إلى الأصول العملية، أو عام فوق.

فنقول: إذا بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- كما عليه المشهور- فلا بد من التفصيل بين المتمم بنجس و المتمم بطاهر، لأنه في الأول يجري استصحاب النجاسة في كل من المتمم- بالكسر- و المتمم- بالفتح- بعد الشك في ارتفاع النجاسة عنهما بالتتميم كرا، و في الثاني يرجع إلى قاعدة الطهارة بعد تعارض كل من استصحابي نجاسة المتمم- بالفتح- و طهارة المتمم- بالكسر- سواء حصل الامتزاج بينهما أم لا.

أما التعارض بينهما في صورة حصول المزج بينهما فواضح، لوحدة الموضوع حينئذ عرفا.

و أما في صورة عدم الامتزاج- كما إذا كان كل منهما في إناء و وصل بينهما بأنبوب و نحوه- فمبني على ثبوت الإجماع على وحدة حكم الماء الواحد واقعا و ظاهرا. و أما إذا لم نقل بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، كما هو المختار كان المرجع في جميع الصور قاعدة الطهارة من الأول سواء تمم بنجس أو بطاهر، و سواء حصل المزج بين المائين أم لا، و هذا من ثمرات الخلاف بيننا و بين المشهور في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و عدمه، و لعل هذا هو مبني القول بالتفصيل بين المتمم بنجس و المتمم بطاهر، كما عليه الشيخ في المبسوط حيث حكي التصريح منه بنجاسة الماء المتمم بالنجس.

بل الصحيح انه لا تصل النوبة إلى الأصل العملي في المتمم بطاهر مع عموم ما دل على اعتصام المياه ما لم تتغير بالنجاسة من الروايات المتقدمة [1] الدالة على طهارة الماء ما لم يتغلب عليه أوصاف النجس فإنها بإطلاقها تشمل الماء الطاهر المتمم للقليل النجس كرا، و تدل بالالتزام على حصول الطهارة في‌

______________________________
[1] تقدمت في بحث الماء المتغير ص 66

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 219‌

..........

______________________________
المتمم- بالفتح- لحجية مثبتات الأمارات في باب الألفاظ بعد البناء على ثبوت الملازمة بين طهارة الماءين واقعا، لاتحادهما بالاتصال لا سيما إذا حصل المزج بينهما، و معه لا حاجة إلى التمسك بالنبوي الضعيف: خلق اللّه الماء طهورا و العموم المذكور و إن خصص بما دل على انفعال القليل، إلا أن المفروض ابتلائه بالمعارض في المتمم كرا، و هو خبر ابن إدريس بعد تسليم صحته سندا و دلالة، و بذلك يسقط المخصص عن الحجية في مورد المعارضة.

و ربّما يستدل لطهارة المتمم كرا بطاهر بالرواية المشهورة من قولهم عليهم السلام: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» و تقريبه: ان مفادها عدم تنجس الماء بملاقاة النجس إذا كان كرا حال الملاقاة، و مقتضى إطلاقها شمول الحكم لما إذا حدثت الكرية و الملاقاة في زمان واحد، كما هو الصحيح على ما سبق منا في ذيل (مسألة 10) من عدم اعتبار سبق الكرية على الملاقاة زمانا، فالرواية تشمل بإطلاقها الماء الطاهر المتمم للقليل النجس كرا، لحصول الكرية له حال ملاقاته مع القليل النجس، فلا ينفعل به. بل يحكم بطهارة المجموع، لدلالتها بالالتزام على طهارة المتمم- بالفتح- للإجماع على اتحاد الحكم الواقعي للماء الواحد. بل لا حاجة إليه في صورة حصول المزج كما سبق.

و فيه: أنا و إن قلنا بكفاية حصول الكرية للماء في زمان الملاقاة في عدم انفعاله بها، إلا أن الظاهر من الرواية لزوم تحقق الكرية للماء من غير جهة ملاقاته مع النجس كما إذا وصل أنبوبان في آن واحد بماء قليل أحدهما يوصله بالكر و الآخر بالنجس بحيث حدثت الكرية و الملاقاة له في زمان واحد فان ظاهرها فرض الماء كرا مع قطع النظر عن ملاقاة النجس، لا الأعم منه و مما كان كرا بالملاقاة، فإذا حصلت الكرية للماء من جهتها كما في المقام كان خارجا عن مفادها.

و المتحصل من جميع ما تقدم: هو عدم تمامية شي‌ء من أدلة القائلين بالطهارة.

فالمرجع عموم أدلة انفعال الماء القليل و مقتضاه هو الحكم بنجاسة المتمم كرا و لو‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 220‌

..........

______________________________
بطاهر، و لو سلم تماميتها كان المرجع فيه بعد تساقط أدلة الطرفين بالمعارضة قاعدة الطهارة و لو تمم بنجس، لعدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية عندنا، فتدبر.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 221‌

..........

______________________________
فصل في ماء المطر

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌1، ص: 222‌

..........

______________________________
اعتصام ماء المطر، لا يعتبر العصر و لا التعدّد في التطهير بالمطر، تطهير الماء المتنجّس بالمطر، تطهير الأرض النجسة بالمطر، فروع و تطبيقات.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net