تطهير الأواني 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌5   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 64

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 92‌

[ (مسألة 5): يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات]

(مسألة 5): يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات (1) في الماء القليل.

______________________________
لإزالتها بغير الماء، كالفرك و نحوه- كما أشرنا آنفا- فلا بد ان تكون المزيلة غير المطهرة، و لكنها غير مسموعة، لإطلاق الأدلة الشاملة لها أيضا، فلو قلنا بالتعدد في مطلق النجاسات كانت المزيلة من العدد.

غسل الأواني

(1) اختلفت كلمات الأصحاب في كيفيّة تطهير الأواني من مطلق النجاسات، غير الموارد الخاصة [1] على أقوال.

(أحدها): الغسل مرة واحدة و لا يجب الأكثر نسب إلى الأكثر، بل ادعى عليه الإجماع [2] و ذهب إليه في الشرائع [3] و حكى عن النافع، و أكثر كتب العلامة، و عن البيان و روض الجنان و المدارك «4» و عن العلامة الطباطبائي في منظومته «5».

(ثانيها): الغسل مرتين ذهب اليه الشهيد في اللمعة و حكى عن الألفية «6».

(ثالثها): الغسل ثلاث مرّات ذهب اليه الشيخ (قده) في الخلاف و في سائر كتبه عدا المبسوط [4]، و حكى عن الذكرى، و الدروس،

______________________________
[1] كولوغ الكلب و الخنزير و موت الجرذ فإنه يجب في الأول بعد التعفير الغسل مرتين، و في الأخيرين الغسل سبعا و الأحوط سبق التعفير، في الخنزير- كما يأتي.

[2] الجواهر ج 6 ص 372 و مدعى الإجماع هو الحلي في السرائر و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 662 و الحدائق ج 5 ص 497- 498.

[3] قال فيه: «و يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا. الى ان قال و من غير ذلك مرة واحدة و الثلاث أحوط»- ج 1 ص 56 ط منشورات الاعلمى.

[4] ج 1 ص 15 قال قده «و يغسل الإناء من سائر النجاسات ثلاث مرات، و لا

______________________________
(4) المستمسك ج 2 ص 22.

(5) الجواهر ج 6 ص 372.

(6) الجواهر ج 6 ص 372.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 93‌

..........

______________________________
و جامع المقاصد، و اختاره في الحدائق، و ذهب اليه كثير من المتأخرين
«1» و الأقوى هو الأخير- كما في المتن.

لموثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا، كيف يغسل، و كم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء، فيحرّك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصبّ فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه و قد طهر.» «2».

فإنها صريحة في التثليث، و موردها الماء القليل- كما هو محل الكلام- و عليه لا يصغى الى القولين الآخرين، لانه بها يقيد إطلاقات أدلة الغسل التي هي مستند القائلين بالمرّة [1] و ليس ذلك إلا لاستضعاف الموثقة بناء على عدم حجية الروايات غير الصحيحة أي ما يكون راويها عدلا إماميّا- كما هو مذهب صاحب المدارك (قده) [2]- فعليه يجوز لهم الاستناد على الإطلاقات حينئذ. هذا، و لكن الصحيح هو حجّية الموثقات أي كفاية كون الراوي ثقة و ان لم يكن عدلا أو إماميّا كما ذكر في محله، فلا فرق بين‌

______________________________
يراعى فيها التراب، و قد روى غسله مرة واحدة و الأول أحوط». فكأنه لذلك- اى لنوع ترديد منه في ذلك حيث انه احتاط بالثلاث و لم يجزم- استثنوا كتاب المبسوط من سائر كتب الشيخ المشتمل على التثليث، فلاحظ.

[1] مثل صدر موثقة عمار الواردة في غسل آنية الخمر بعد إلغاء خصوصية الخمر- راجع الوسائل ج 2 ص 1074 ب 51 من أبواب النجاسات ح 1.

[2] قال في المدارك- في بحث الأواني في آخر كتاب الطهارة ص 119، الطبع الحجري-: «قال الشيخ في الخلاف: يغسل الإناء من جميع النجاسات سوى الولوغ ثلاث مرات، و احتج عليه بطريقة الاحتياط، إذ مع الغسلات الثلاث يحصل الإجماع على طهارته.

و بما رواه عمار الساباطي عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) في الإناء يكون قذرا؟ قال: «يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء و يحرك و يفرغ».

و الجواب ان الاحتياط ليس بدليل شرعي و الرواية ضعيفة السند بجماعة من الفطحيّة، و مع ذلك فهي معارضة بما رواه عمار أيضا عن الصادق (عليه السلام) من الاكتفاء بالمرة و هي

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 497- 498 و الجواهر ج 6 ص 371.

و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 662 على اختلاف تعبيراتهم.

(2) وسائل الشيعة ج 2 ص 1076 باب 53 من أبواب النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 94‌

..........

______________________________
الصحيح و الموثق في الحجية، فلا بد من تقييدها بها.

و أما القائل بالمرّتين فلم يتضح مستنده سوى الاعتماد على ما دل على لزوم الغسل مرّتين في الثوب و البدن من نجاسة البول، بإلغاء خصوصيتهما، و خصوصية البول. فينتج انه يجب الغسل مرتين عن مطلق النجاسات في مطلق ملاقيها «1» و فساده أوضح من ان يخفى.

هذا كله في الغسل بالماء القليل كما هو مورد الموثقة.

و أما الكر و الجاري فيكفي فيهما الغسل مرة واحدة، عملا بالإطلاقات أو رجوعا إلى قاعدة الطهارة للشك في الزائد عنها بعد سقوط استصحاب النجاسة عن الحجية عندنا- كما تقدم «2».

______________________________
أولى، لأنها مطابقة لمقتضى البراءة الأصلية».

فتراه لا يعتمد على الموثقة، لأن في رواته فطحية، و زاد على ذلك بكونها معارضة بما رواه عمار أيضا من الاكتفاء بالمرة، و الظاهر ان مراده:

ما رواه عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال إذا غسل فلا بأس.».

فإنه بإطلاقه يدل على كفاية المرة، الا أنه يرده أنه ليس إلا في مقام بيان أصل وجوب الغسل دون كيفيته، و يشهد لذلك ما في ذيلها حيث كرر السائل.

و قال: «في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر؟ قال: تغسله ثلاث مرات، و سئل أ يجزيه ان يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، و يغسله ثلاث مرات»- الوسائل ج 2 ص 1074 ب 51 ح 1.

فلا معارض للموثقة الأولى، و أما التمسك بأصالة البراءة فلا مجال له أما أولا: فلأنها محكومة بالدليل، و أما ثانيا فلان المورد من موارد استصحاب النجاسة الى ان يعلم زوالها.

ثم انه قد يتوهم لزوم حمل الموثقة على الاستحباب جمعا بينها و بين مرسلة المبسوط (ج 1 ص 15) قائلا «و روى غسلة واحدة» بضميمة دعوى انجبار ضعفها بموافقة المشهور.

و يندفع: بأن المرسلة لا تكون حجة، و مجرد موافقة المشهور غير جابر لضعفها، بل قد مر مرارا في الشرح ان عمل المشهور برواية ضعيفة لا يصلح للانجبار فضلا عن مجرد موافقة فتواهم لها.

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 373.

(2) في الصفحة: 84- 85.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 95‌

و إذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرة و بالماء بعده مرّتين (1).

______________________________
غسل الأواني من ولوغ الكلب

(1) اختلف الأصحاب في كيفية غسل آنية ولغ [1] فيه الكلب على أقوال: (أحدها): الغسل ثلاثا أولاهن بالتراب.

ذهب اليه المشهور «1» و اختاره في المتن، و هو المختار.

(ثانيها): الغسل ثلاثا وسطاهن بالتراب ثم يجفف.

ذهب اليه المفيد في المقنعة «2».

(ثالثها): الغسل ثلاثا، إحداهنّ بالتراب من دون تقييد بالأولى أو الوسطى.

ذهب اليه الشيخ في الخلاف «3» و حكى عن السيد المرتضى في الانتصار و الصدوق في الفقيه «4».

(رابعها): الغسل سبعا أولاهن بالتراب [2].

______________________________
[1] ولغ الكلب الإناء و في الإناء (ولوغا) بالضم: اى شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل فيه لسانه و حركه، و (الولوغ) بفتح الواو اسم ما يولغ- الولغ: شرب السباع بألسنتها، ولغ السبع و الكلب، و كل ذي خطم، و ولغ فيها ولغا: شرب ماء أو دما. أقرب الموارد و المنجد و لسان العرب.

[2] و هو مذهب بعض العامة أيضا، كالشافعي، و الأوزاعي- كما في الخلاف ج 1 ص 47 م 130.

و قال في كتاب فقه السنة للسيد سابق (ج 1 ص 29) الكلب نجس، و يجب غسل ما ولغ فيه سبع مرات أولاهن بالتراب، و روى ذلك عن أبي هريرة عن النبي (ص) انه قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» و قال: رواه مسلم و احمد

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 474 و الجواهر ج 6 ص 355- 361 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 657.

(2) لاحظ متن التهذيب ج 1 ص 224.

(3) كتاب الخلاف ج 1 ص 47 م 130.

(4) الحدائق ج 5 ص 474 و مصباح الفقيه ص 657 و غيرهما.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 96‌

..........

______________________________
حكى عن الإسكافي ابن الجنيد في مختصره
«1».

و في مقابل ذلك كله قول صاحب المدارك (قده) [1] حيث انه تردد حتى في لزوم التثليث- لو لا الإجماع- و مال الى الاكتفاء بالمرة تمسكا بإطلاقات الغسل، و سيأتي الكلام معه في ذيل صحيحة بقباق.

أقول: الأقوى ما هو المشهور، لانه مقتضى الجمع بين الروايات المعتبرة الواردة في المقام، و قبل بيان ذلك لا بد من التنبه على ان محلّ الكلام انما هو الغسل بالماء القليل. و أما المياه العاصمة كالكر و الجاري فسيأتي الكلام فيها عند تعرض المصنف (قده) لها «3».

أما الروايات الواردة في المقام فهي:

1- ما تدل بإطلاقها على وجوب غسل آنية الولوغ و لو مرة واحدة من دون اعتبار التعفير، و لا التعدد.

و هي صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال اغسل الإناء.» «4».

2- ما تدل على لزوم التعفير فيها.

و هي صحيحة الفضل أبى العباس البقباق [2] (في حديث) «انه‌

______________________________
و أبو داود و البيهقي.

و لكن في متن الفقه على المذاهب الأربعة (ج 1 ص 16) وجوب الغسل سبعا من دون ذكر التعفير بالتراب مسندا ذلك الى حديث نبوي رواه مسلم، و في أدنى الصفحة ذكر خلاف المالكية في أصل نجاسة الكلب و الحنفية القائلون بنجاسة لعابه من دون ذكر الغسل، الا انه ذكر الشيخ في الخلاف (ج 1 ص 47 م 130) عن أبي حنيفة انه قال بوجوب الغسل الى ان يغلب على الظن طهارته، و عن مالك انه يجب الغسل تعبدا من دون تقييد بالعدد، لانه لم يقل بنجاسة الكلب.

[1] كتاب المدارك ص 118 و قد ناقش في دلالة الصحيحة المذكورة على لزوم التثليث لعدم وجود لفظ (مرتين) فيها و يأتي نقل عبارته في التعليقة.

[2] و هو فضل بن عبد الملك، أبو العباس البقباق- معجم رجال الحديث ج 13 ص 279.

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 472، و غيره.

(3) في (المسألة 13).

(4) وسائل الشيعة ج 2 ص 1015 باب 12 من أبواب النجاسات ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 97‌

..........

______________________________
سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الكلب؟ فقال رجس نجس لا يتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء»
«1».

بناء على رواية غير (المعتبر) لها من كتب الحديث [1] من دون زيادة لفظ (مرّتين) بعد قوله (بالماء). فإنها ان لم تدل على التثليث فلا إشكال في دلالتها على لزوم غسله بالتراب أول مرة، و هو المراد ب (التعفير) في كلمات الفقهاء- كما سيأتي توضيحه.

3- ما تدل على لزوم التثليث في الغسلات.

و هي إما هذه الصحيحة (صحيحة بقباق) بناء على رواية المحقق لها في المعتبر [2] و الشيخ في موضع من الخلاف «4» مع اضافة لفظة (مرتين) بعد قوله (ع) «بالماء» فالأمر واضح، لصراحتها حينئذ في التعفير و التثليث‌

______________________________
[1] فإنه رواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 225 رقم (646- 29) و الاستبصار ج 1 ص 19 رقم (40- 2) و عنه في الوسائل في الباب المتقدم و غيره من دون ذكر الزيادة المذكورة.

[2] المعتبر ص 127 في المسألة الثانية من أحكام الأواني.

و كذا رواها في المستدرك ايضا ج 1 ص 167 في الباب 43 من أبواب النجاسات ملحق حديث 4 راويا لها عن (غوالي اللئالي).

و قال في توجيه الرواية على النحو المذكور- بعد نقله كلاما للشيخ الأنصاري (قده) في كتاب الطهارة (ص 354): «و العجب من صاحب الوسائل انه لم يلتفت الى نسخة المعتبر و الظاهر ان المحقق أخذ الخبر من كتاب الحسين بن سعيد، أو حماد أو حريز، و من وقف على ما في التهذيب من الخلل و التحريف في متون أكثر الاخبار، أو أسانيدها علم ان ما في المعتبر أصح و أولى بالأخذ و الاعتماد، لاتقان صاحبه، و اللّٰه العالم».

و قال صاحب الجواهر (ج 6 ص 355) في تأييد نسخة المعتبر و من تبعه من الأعلام ما لفظه «و لعلهم عثروا عليه فيما عندهم من الأصول و خصوصا بالنسبة للمحقق، إذ هو غالبا يروى عن أصول ليس عندنا منها الا أسماؤها، بل يؤيده أيضا وجود ذلك في لسان القدماء من الأصحاب، حتى ان الشيخ الذي روى الرواية بدون ذكر المرتين حكى الإجماع على وجوبهما، بل لم يفت أحد بالاكتفاء بالمرة.».

و نحوه ما في الحدائق (ج 5 ص 477) في تأييد رواية المعتبر حاكيا ذلك ايضا عن الشيخ البهائي (قده) في حبل المتين أيضا.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1015 باب 12 من أبواب النجاسات ح 2 و ج 1، ص 163 باب 1 من الأسئار ح 4.

(4) ج 1 ص 47، م 130.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 98‌

..........

______________________________
معا.

و اما لو نوقش في ذلك، كما عن صاحب المدارك [1]- بحجة ان هذه الزيادة لم تذكر في كتب الحديث- كالتهذيبين [2] و انما ذكرها المحقق في (المعتبر) «3» الذي هو من الكتب الفقهيّة و تبعه غيره [3] من دون تدقيق في ذلك، و لعلّها وقعت من سهو قلم النساخ، فيستند في الحكم بالتثليث إلى موثقة عمار المتقدمة لقوله (ع) فيها في كيفيّة غسل الإناء القذر انه «يغسل ثلاث مرات» «5». و بها تقيد إطلاق الأمر بغسلها، و تكون نتيجة الجمع بين الروايات الثلاث المتقدمة (صحيح ابن مسلم، و صحيح البقباق، و موثقة عمار) هي لزوم الغسل ثلاثا أوليهن بالتراب، كما لا يخفى.

و بذلك يندفع مناقشة صاحب المدارك (قده) في ثبوت الزيادة المذكورة، إذ لا حاجة بنا إلى صحيحة البقباق في الحكم بالتثليث، لكفاية الموثقة في ذلك، نعم نعتمد عليها في لزوم التعفير، مضافا الى إمكان الاعتماد على نسخة (المعتبر) لقوة احتمال عثوره على أصول معتبرة لم تصل إلينا. [4].

______________________________
[1] قال في المدارك ص 118 بعد نقل الأقوال في المسألة: «و المعتمد الأول (يعني المشهور) لنا ما رواه أبو العباس الفضل في الصحيح عن أبى عبد اللّٰه (ع) انه قال في الكلب: «رجس نجس لا يتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» كذا وجدته فيما وقفت عليه من كتب الأحاديث، و نقله كذلك الشيخ في مواضع من الخلاف و العلامة في المختلف، الا ان المصنف في المعتبر نقله بزيادة لفظ (مرتين) بعد قوله «ثم بالماء» و قلّده في ذلك من تأخر عنه، و لا يبعد ان تكون الزيادة وقعت سهوا من قلم النساخ، و مقتضى إطلاق الأمر بالغسل الاكتفاء بالمرة الواحدة بعد التعفير، الا ان ظاهر المنتهى و صريح الذكرى انعقاد الإجماع على تعدد الغسل بالماء، فان تم فهو الحجة، و الا أمكن الاجتزاء بالمرة لحصول الامتثال بها».

[2] التهذيب ج 1 ص 225 و الاستبصار ج 1 ص 19 من دون هذه الزيادة، و كذا عن الخلاف في غير موضع منه كما في (ج 1 ص 52 م 144) فاختلف نقلها في كتاب الخلاف.

[3] كالعلامة في المنتهى، و التذكرة، و النهاية، و كذا عن جامع المقاصد، و شرح الإرشاد للفخر، و الروض- مستمسك ج 2، ص 23، و الجواهر ج 6 ص 355.

[4] كما حكينا ذلك عن جل من تأخر عنه كصاحب الحدائق، و الجواهر، و المحدث

______________________________
(3) كتاب المعتبر ص 127 في المسألة الثانية من مسائل أحكام الأواني.

(5) وسائل الشيعة ج 2 ص 1076 باب 53 من أبواب النجاسات حديث: 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 99‌

..........

______________________________
هذا كله في الاستدلال على القول المختار.

و أما سائر الأقوال فلم يظهر لها مستند واضح.

أما قول المفيد في المقنعة «1» و هو كون الغسلة الوسطى بالتراب، فلم نعثر له على دليل، كما اعترف بذلك صاحب الحدائق «2» و غيره [1].

و أما القول بكون إحداهنّ بالتراب من دون تقييد بالأولى أو الوسطى كما ذهب اليه الشيخ في الخلاف «4»، و حكى عن السيد في الانتصار و غيره، فليس له مستند أيضا سوى ما في:

الفقه الرضوي حيث قال عليه السلام: «ان وقع الكلب في الماء، أو شرب منه، أهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرات، مرة بالتراب و مرتين بالماء ثم يجفف» [2].

و لكن ذكرنا غير مرة: انه لا يمكن الاستناد اليه لضعفه.

و أما من أفرط و قال بوجوب الغسل سبعا. أولا هنّ بالتراب، كابن جنيد، فيمكن ان يستند الى روايات لا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها سندا،

______________________________
النوري في المستدرك، و غيرهم، و لعله عثر على نسخ من الأصول لم يعثر عليه الشيخ الطوسي (قده).

[1] مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 658.

الا انه في الجواهر (ج 6 ص 361) نسبة رواية مرسلة الى صاحب الوسيلة في ذلك حيث قال «فما في المقنعة من اعتبار كون الوسطى كذلك ضعيف لم نقف له على مأخذ- كما اعترف به غير واحد سوى ما في الوسيلة من نسبته إلى الرواية، لكنها- كما ترى- مرسلة بأضعف وجهي الإرسال قاصرة عن معارضة ما تقدم من وجوه».

و قال ابن حمزة في الوسيلة (في كتاب الجوامع الفقهية ص 670 س 11 و 12): «و الثاني من شي‌ء واحد، و هو ولوغ الكلب فيه، فإنه يجب غسلها ثلاث مرات إحديهنّ بالتراب و روى وسطاهنّ.».

[2] الفقه الرضوي ص 5 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 167 باب 43 من أبواب النجاسات ح 1- و ليس في ما حكاه عن فقه الرضا لفظ (ثم يجفف) و لم يحضرني الكتاب المذكور.

______________________________
(1) التهذيب ج 1 ص 224.

(2) ج 5 ص 478.

(4) ج 1 ص 47 م 130.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 100‌

..........

______________________________
أو دلالة، فإن بعضها من طرق العامة لا نعتبر سندها، و بعضها الآخر و ان كان من طرقنا، و لكن لا دلالة له على القول المذكور.

أما ما ورد من طرق العامة فهي.

ما عن النبي (ص) انه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهنّ بالتراب» «1».

و هذه مع ضعفها سندا، لأنها لم ترد من طرقنا معارضة بما روى، عنه (ص) مما يدل على عدم وجوب أكثر من ثلاث مرات، فيحمل الزائد على الاستحباب لا محالة، و هي روايتان من طرق العامة أيضا.

(إحداهما) ما روى عنه (ص): «ان ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات» «2».

(ثانيتهما) ما روى عنه (ص) كذلك مع زيادة «خمسا أو سبعا» «3».

فإن الأولى صريحة في كفاية الثلاث، لأنها مقتضى التحديد بها.

و أما الثانية و ان وقع فيها التخيير بينها و بين الخمس أو السبع الا انّه لا معنى للتخيير بين الأقل و الأكثر في التطهير، إذ لو حصلت الطهارة بالأقل كان الزائد غير مؤثر في حصول الطهارة فيحمل على الاستحباب لا محالة، فيكون مقتضى الجمع بين هذه الروايات الثلاثة هو كفاية الثلاث في التطهير، و أما الزائد على ذلك ففيه رجحان.

و أما ما ورد من طرقنا فهي:

موثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الإناء الذي يشرب فيه النبيذ؟ قال تغسله سبع مرّات، و كذلك الكلب» «4».

______________________________
(1) كنزل العمال ج 5 ص 89- الرقم 1888 و فقه السنة ج 1 ص 29 قال: رواه مسلم و احمد و أبو داود و البيهقي عن أبي هريرة عن النبي (ص).

(2) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم ج 1، ص 162 و سنن البيهقي ج 1 ص 240.

(3) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم ج 1، ص 162 و سنن البيهقي ج 1 ص 240.

(4) وسائل الشيعة ج 17 ص 294 الباب 3 من الأشربة المحرمة ح 2، و التهذيب ج 9 ص 116 ح 237- 502.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 101‌

و الأولى أن يطرح [1] فيها التراب من غير ماء و يمسح به، ثم يجعل فيه شي‌ء من الماء، و يمسح به.

______________________________
و هذه و ان لم تدل على لزوم التعفير الا انه يمكن تقييدها بصحيحة البقباق من هذه الجهة، و لكن لا يمكن العمل بدلالتها من حيث لزوم السبع في الغسلات، و ذلك لكفاية التثليث في النبيذ- كما يأتي- فالزائد محمول على الاستحباب. و كذلك الكلب الذي شبه به، لان المشبه لا يزيد على المشبه به.

هل يجب تجفيف آنية الولوغ صرح المفيد (قده) في المقنعة [2] بلزوم تجفيف الإناء بعد الغسلات، و حكى عن الصدوقين التصريح بذلك، و عن جمع من المتأخرين و متأخريهم اختياره «1». و لا دليل على ذلك سوى الفقه الرضوي المتقدم «2» و لكن لا يمكن الاعتماد عليه سندا، بل و لا دلالة، لاحتمال ان يكون المراد من الأمر بالتجفيف الإشارة الى ما هو المتعارف من تجفيف الإناء قبل الاستعمال، لا الإلزام به، فالأقوى ما هو المشهور من عدم وجوبه و كفاية الغسلات في طهارته، كما هو ظاهر الأخبار.

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف (قده): «و الاولى ان يطرح» هكذا:

«الأظهر أن يجعل في الإناء مقدار من التراب ثم يوضع فيه مقدار من الماء، فيمسح الإناء به، ثم يزال أثر التراب بالماء، ثم يغسل الإناء بالماء مرتين». ما ذكره دام ظله في كيفية التعفير هو الظاهر من قوله عليه السلام «اغسله بالتراب» و هو المتعارف في غسل الأواني بالتراب و نحوه، و به يتحفظ على أصالة الحقيقة في لفظي الغسل و التراب معا، كما يجمع به الروايات الدالة على اعتبار التعدد ثلاثا في غسل الأواني، و الدالة على لزوم غسله أولا بالتراب، كما أوضحنا ذلك في الشرح.

[2] قال في المقنعة: «إذا ولغ الكلب في الإناء وجب أن يهراق ما فيه و يغسل ثلاث مرات مرتين بالماء و مرة بالتراب يكون في أوسط الغسلات التراب ثم يجفف و يستعمل»- التهذيب ج 1 ص 224.

______________________________
(1) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 658.

(2) صفحة: 99.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 102‌

..........

______________________________
ما هو معنى التعفير لم يرد عنوان (التعفير) في شي‌ء من الرّوايات، و انما عبّر به الفقهاء في كلماتهم و هو لغة المسح بالتراب [1].

و أما الروايات فقد ورد فيها «اغسله بالتراب» كما في صحيحة البقباق «2». و غيرها «3».

و قد وقع الكلام بينهم في تفسير ذلك، لعدم إمكان الجمع بين مفهومي الغسل و التراب، لان الغسل انما يكون بالماء لا الترب، و أما التراب فيمسح به.

نسب «4» الى المشهور التصرف في مفهوم الغسل، و أن المراد به (المسح) مجازا بجامع التنظيف و إزالة الوسخ بهما، فيكون لفظ التراب باق على حقيقته، و يكون التعبير عن المسح بالغسل من باب التغليب، للزوم الغسل بالماء القراح بعده، و مقتضى ذلك عدم اعتبار مزج التراب بالماء، و لازم ذلك ان يبدء أولا بمسح الإناء بالتراب سواء امتزج بماء قليل أم لا، ثم يغسل بالماء ثلاث مرات، لان ذلك هو مقتضى الجمع بين الروايتين أعنى بهما صحيحة بقباق الآمرة بالغسل بالتراب، و موثّقة عمّار «5» الدالّة على لزوم‌

______________________________
[1] جاء في اللغة: «عفّره في التراب: مرّغه و دسّه فيه، و عفّرت المرأة في الفطام:

مسحت ثديها بشي‌ء من التراب تنفيرا للصبي، و العفر: التراب»- أقرب الموارد، و المنجد، و لسان العرب.

______________________________
(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 164 ح 4.

(3) كالفقه الرضوي- مستدرك الوسائل ج 1 ص 167، باب 43 من أبواب النجاسات ح 1- و غيرها من الروايات المذكورة في الباب المذكور.

(4) الحدائق ج 5 ص 478 و الجواهر ج 6 ص 361 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 659.

(5) المتقدمة في الصفحة: 93.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 103‌

..........

______________________________
غسل الأواني ثلاثا، لأنّ المفروض عدم صدق الغسل على المسح بالتراب.

فيكون المجموع اربع مرات، الأولى المسح بالتراب، ثم الغسل بالماء ثلاثا.

و ذهب جمع «1» الى لزوم التحفظ على مفهوم الغسل بانيا على إجراء أصالة الحقيقة فيه، الا انه لا بد من مزج الماء بالتراب بمقدار لا يخرجه عن مفهوم الغسل الذي هو عبارة عن جريان الماء على المحل، على نحو يكون غسل الأواني بالتراب نظير غسل الأموات بالسدر و الكافور، اى لا يخرجه الامتزاج عن مفهوم الغسل.

و فيه: أنه إن أرادوا بذلك مزج الماء بتراب قليل، بحيث لا يخرجه عن الإطلاق فهو غير مراد من الروايات جزما، إذ لم يقصد من قوله (عليه السلام) «اغسله بالتراب» الغسل بالماء الغير الصافي المشتمل على بعض أجزاء ترابيّة، و لا يقاس المقام بغسل الميّت بماء السدر و الكافور لاعتبار صدق الغسل بماء فيه شي‌ء من السدر أو الكافور هناك «2» دون المقام، فإنه يعتبر فيه استعمال التراب و تنظيف الإناء به.

و ان أرادوا فوق هذه المرتبة بحيث يصدق عليه التنظيف بالتراب، كما إذا زاد التراب على وجه صار كالوحل فحينئذ لا يمكن التحفّظ على مفهوم الغسل، لانه يكون من المسح بالوحل، و نحوه.

و الصحيح في المقام ان يقال: ان الباء في قوله عليه السلام «اغسله بالتراب» للاستعانة، فيحمل على ما هو المتعارف في غسل الأواني إذا أريد غسلها بالتراب، لازالة الأوساخ منها، و هو أن يجعل فيها شي‌ء من التراب فيصب عليه قليل من الماء فيمسح الإناء به، ثم يغسل بالماء لإزالة أثر التراب، و يصدق على هذا المجموع الغسل بالتراب، و به يتحفظ على مفهوم كلا اللفظين (الغسل و التراب) فيكون نظير غسل الثوب بالصابون، و الرأس‌

______________________________
(1) كما عن ابن إدريس و الراوندي و العلامة في المنتهى و كاشف اللثام- مصباح الفقيه ص 659.

(2) لاحظ متن العروة في فصل كيفية غسل الميت (مسألة 2) و سيأتي منا شرح ذلك أيضا إنشاء اللّٰه تعالى.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 104‌

و ان كان الأقوى كفاية الأول فقط، بل الثاني (1) أيضا.

و لا بد من التراب (2) فلا يكفى عنه الرماد و الأشنان و النورة.

و نحوها.

______________________________
بالسدر- مثلا- فان المتعارف فيه أيضا هو صب شي‌ء من الماء على الصابون، ثم مسح الثوب أو الرأس به، ثم غسل الأثر بالماء المزيل لأثر الصابون، و هكذا في غسل الرأس بالسدر، و هذا هو المراد من الروايات الواردة في ولوغ الكلب من قوله عليه السلام «اغسله بالتراب» حملا له على المتعارف من دون تكلّف و هذا يعدّ غسلة واحدة، الا انها تكون باستعانة التراب، ثم يغسل بعدها مرتين، فيكون المجموع ثلاث غسلات، أوليهن بالتراب، و يصدق عليها التعفير أيضا، لأن المراد به- كما في اللغة- هو المسح بالتراب.

(1) و هو الأظهر، الا انه لا بد من إضافة غسلة مزيلة لأثر التراب بعد المسح بالتراب الممتزج بالماء، ليصدق على المجموع (الغسل بالتراب) الذي ورد في متن الحديث، كما أوضحنا ذلك في الشرح المتقدم.

لزوم التعفير بالتراب دون غيره.

(2) لان الوارد في النص لفظ (التراب) كقوله عليه السلام «اغسله بالتراب» و مقتضى التعبّد بظاهر الدليل عدم التعدي إلى غيره، فلا يكفى الرّماد، و الأشنان، و النورة، و الصابون و نحو ذلك، لعدم الصدق.

و ربما يتوهّم: ان بعض هذه الأشياء- كالنورة مثلا- يكون أبلغ في إزالة الوسخ و أثر لعاب فم الكلب من التراب، فالغسل به يكون أولى.

و يندفع: بان هذا مجرد استحسان لا يوجب القطع بالحكم، إذ من المحتمل وجود خصوصية في التراب ترفع أثر لعاب الكلب لا توجد في غيره، و قد قيل: ان في لعاب الكلب جراثيم لا يقتلها إلا التراب و هذا و ان لم نعتمد عليه أيضا، الا انه يكفينا الاحتمال في عدم جواز رفع اليد عن ظهور النص. نعم لا فرق بين أقسام التراب- كما ذكر في المتن- كالتراب الأحمر‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 105‌

نعم يكفى الرمل (1) و لا فرق بين أقسام التراب (2) و المراد من الولوغ شربه الماء، أو مائعا آخر بطرف لسانه (3).

______________________________
و الأبيض و طين الأرمني و نحو ذلك- لصدق المفهوم على الجميع.

و أما الرمل فقد ذكر في المتن كفايته أيضا، و لكن الأظهر عدم الكفاية [1] لعدم صدق مفهوم التراب عليه أيضا، و لعلّ وجه توهم الاكتفاء به هو صحة التيمم به، و لكنه قياس مع الفارق، لأن موضوع التيمم إنما هو (الصعيد) الصادق على مطلق وجه الأرض، فالموضوع فيه أعم من التراب.

(1) قد ذكرنا انه لا يكفى، لعدم صدق التراب عليه، و متن الحديث انما هو الغسل بالتراب- كما تقدم.

(2) لصدق المفهوم (مفهوم التراب) على الجميع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌5، ص: 105

ما هو المراد من الولوغ؟ يقع الكلام في جهات:

(الأولى):

هل يختص الولوغ بالماء أو يعم مطلق المائعات؟

(3) قال في الجواهر «2»: «ينبغي القطع بعدم الفرق بين الماء و غيره من سائر المائعات في صدق الولوغ، أو الإلحاق به».

و هذا هو الصحيح، لبعد احتمال اختصاص الحكم بخصوص الماء، لان الولوغ لغة هو شرب الكلب من الإناء سواء كان ما شربه ماء أو‌

______________________________
[1] كما جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف (قده): «نعم يكفى الرمل»: (الظاهر انه لا يكفى).

______________________________
(2) ج 6 ص 357.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 106‌

..........

______________________________
غيره
«1». هذا مضافا الى ان موضوع الحكم في صحيحة بقباق «2» التي هي المعتمد في المقام هو عنوان «فضل الكلب» لا الولوغ و إطلاقه يشمل مطلق المائعات، لأن «الفضل» هو ما يتبقى من الطعام أو الشراب.

و أما قوله (عليه السلام) في ذيلها «3»: «لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء» و ان كان مختصا بالماء، الا انه لا يدل على اختصاص أصل المنع به، بل منع الوضوء مختص بالماء.

(الجهة الثانية) مفهوم الولوغ أشار المصنف (قده) إلى انه لا فرق في كون ما يلغ فيه الكلب أن يكون ماء أو مائعا آخر، و ذلك لإطلاق صحيحة بقباق المتقدمة- كما ذكرنا.

و أما نفس الولوغ فهل هو عبارة عن شرب الكلب من الإناء، و لو كرعا، بان يشرب الماء بفيه و لو من دون تحريك لسانه، كما إذا كان مقطوع اللسان، أو كان به آفة، أو نحو ذلك، أو خصوص الشرب بطرف لسانه أو بإضافة تحريك لسانه في الماء، على اختلاف أهل اللغة [1] في‌

______________________________
[1] قال في مصباح المنير: «ولغ الكلب يلغ ولغا من باب نفع و ولوغا: شرب».

و قال في لسان العرب: «الولغ: شرب السباع بألسنتها، ولغ السبع و الكلب و كل ذي خطم، و ولغ يلغ فيهما ولغا: شرب ماء أو دما (الى ان قال) ولغ الكلب في الإناء يلغ ولوغا: اى شرب فيه بأطراف لسانه.»

و قال في مجمع البحرين: «في الحديث (من لا يحضر ج 1 ص 8) سئل عن الإناء يلغ فيه الكلاب هو من ولغ في الإناء، كوهب، و ورث، و وجل، ولوغا: إذا شرب فيه بأطراف لسانه، و يقال الولوغ: شرب الكلب من الإناء بلسانه أو لطعه له، و أكثر ما يكون في السباع».

قال في المنجد: «ولغ يلغ، و ولغ يلغ ولوغا الكلب الإناء و في الإناء: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل فيه لسانه و حركه «الولوغ»: اسم ما يولغ».

______________________________
(1) راجع التعليقة ص 95 في تفسير الولوغ في اللغة.

(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 163 ح 4.

(3) وسائل الشيعة ج 1 ص 163 ح 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 107‌

و يقوى إلحاق لطعه [1] في الإناء بشربه (1).

______________________________
تفسيره، و لعلّ إضافة الشرب باللسان، أو تحريكه في الماء تفسير بالغالب، و كيف كان فلا يهمّنا ذلك، لانه لم يرد عنوان (الولوغ) في المقام اعنى وجوب تعفير الإناء في رواية معتبرة، كي نبحث عن معناه لغة و ان وردت في روايات
«2» ضعيفة لا يمكن الاستناد إليها، سواء كانت من طرقنا، أو من طرق العامة.

و أما ما استندنا إليه في المقام فكان هو صحيح البقباق المتقدمة «3» و قد ورد فيه عنوان (فضل الكلب) و هو المتبقى من شربه في الإناء، و هو أعم من الولوغ لو اعتبرنا فيه الشرب باللسان أو تحريكه في الماء، فيعم الحكم مطلق الشرب و لو كرعا.

(الجهة الثالثة).

حكم لطع الكلب في الإناء

(1) إذا لطع الكلب [2] الإناء- اى لحسه بلسانه- فهل يجب فيه التعفير أيضا أولا؟ نسب الى بعضهم بل الى المشهور [3] القول بالوجوب لأولوية اللطع من الولوغ.

______________________________
و هكذا في أقرب الموارد و هكذا عن القاموس- كما في الجواهر ج 6 ص 356.

[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف (قده): «و يقوى إلحاق لطعه»: (في القوة اشكال نعم هو أحوط) وجه الاشكال انما هو عدم صدق فضل الكلب على الإناء الملطوع، و وجه الاحتياط دعوى الشهرة على وجوب التعفير و احتمال وحدة الملاك.

[2] في المنجد: «لطع- و لطع- لطعا الشي‌ء بلسانه لحسه».

[3] قال في الجواهر (ج 6 ص 357) «بل ينبغي القطع به في مثل اللطع و الشرب كرعا لمقطوع اللسان و نحوه، بل في الروض و شرح المفاتيح و جامع المقاصد انه- اى اللطع- اولى من الولوغ».

و في مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 659 حكاية القول بالشهرة عن صاحب المعالم قائلا

______________________________
(2) ذكرها في المستدرك ج 1 ص 167 في الباب 43 من أبواب النجاسات.

(3) في الصفحة: 96

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 108‌

..........

______________________________
بدعوى: ان النجاسة سارية حينئذ من فم الكلب إلى الإناء مباشرة فتكون أولى بالتعفير عما إذا وصلت إليه بواسطة الماء، و احتمال اختصاص الحكم بالنجاسة السارية إلى الإناء بتوسط المائع مما لا ينبغي دعواه.

و عن آخرين [1] منع ذلك و قصر الحكم على الولوغ خاصة، و هذا هو الصحيح، لعدم الجزم بملاكات الأحكام الشرعيّة، إذ من المحتمل ان يكون للولوغ خصوصية توجب سراية النجاسة على نحو لا تزول الا بالتعفير، و ليس كذلك اللطع باللسان، و دعوى عدم الفرق و الجزم بوحدة الملاك أو أولويّته تكون عهدتها على مدّعيها [2] و ان كان الاحتياط حسنا، على كل حال.

______________________________
«قال في محكي المعالم: و المشهور بين الأصحاب قصر الحكم على الولوغ و ما في معناه و هو اللطع.».

و مال اليه صاحب الحدائق (قده) (ج 5 ص 475) و نسبه الى صاحب المدارك ايضا كما مال اليه الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه ص 659 و اختاره في المستمسك ايضا (ج 2 ص 27).

[1] الجواهر ج 6 ص 356 نسبته الى مجمع البرهان حيث قال: «بل في مجمع البرهان و لا إلى مباشرة لسانه بما لا تسمى ولوغا حتى اللطع» اى لا يتعدى الحكم بلزوم التعفير.

و كذا عن الأردبيلي (قده) منعه، كما في مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 659.

[2] و هناك وجه آخر، و هو دعوى التمسك بإطلاق عنوان (فضل الكلب) الذي هو موضوع الحكم، و قد ذكرنا في الشرح انه أعم من الولوغ، لصدق هذا العنوان على بقية الملطوع و المأكول و المشروب، و نحوها، فيكون من التمسك بإطلاق الدليل، لا الأولولية القطعية، كي يمنع عنه.

و يندفع: بان عنوان (الفضل) و ان كان يعم مطلق ما تبقى منه و لو باللطع في الإناء، الا ان ظاهر السؤال في الصحيحة انما هو عن فضل الماء الذي شرب منه حيث قال (ع) «لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» أو فضل مطلق ما تبقى من شربه و هذا لا يعم مطلق فضلاته و لو كان بقية الملطوع و نحن و ان قلنا بان الموضوع أعم من الولوغ فيشمل الشرب كرعا، و لكن هذا تعميم بالنسبة إلى مطلق فضل شربه و لو لم يكن على طريق الولوغ الا ان ذلك لا يستلزم تعميمه بالنسبة إلى مطلق ما يتبقّى منه و لو كان بقية لطعه هذا، و لكن مال في (الجواهر ج 6 ص 356- 357)- الى التعميم المطلق حتى انه أسرى الحكم الى مطلق مباشرة الكلب الإناء حتى بإصابة رجله فيه، بدعوى: صدق عنوان (فضل الكلب) على الجميع و ان المراد به (مطلق السؤر) الذي هو بمعنى المباشرة. و لكنه خلاف المشهور.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 109‌

و اما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللحوق (1) و ان كان أحوط.

______________________________
(الجهة الرابعة).

حكم لعاب فم الكلب

(1) هل يلحق لعاب فم الكلب بولوغه فيجب التعفير، أو لا؟

و هذا أوضح إشكالا من إلحاق اللطع بالولوغ، لان موضوع الحكم- كما ذكرنا- انما هو عنوان (الولوغ) أو (فضل الكلب) و شي‌ء منهما لا يصدق على لعابه الواقع في الإناء فلا يشمله دليل التعفير.

نعم ربما يدعى الجزم بالمناط- كما عن العلامة في النهاية «1».

بدعوى ان المقصود قلع لعاب فم الكلب من الإناء بالتعفير من غير اعتبار السبب، فلا يفرق بين ما كان سبب وصول لعابه إلى الإناء، الولوغ أو غيره.

أو دعوى «2» ان اللعاب لا يقصر عن سائر المائعات في سراية الأثر بواسطته من الفم أو اللسان إلى الإناء، فإلحاق المائعات بالماء دون اللعاب غير ظاهر، فإذا تأثر الإناء بنجاسة فم الكلب- بأي سبب كان و لو بوقوع لعابه فيه- يجب التعفير.

و يندفع بان مقتضى الجمود على النص هو قصر الحكم على موضوعه و هو في المقام عنوان (الفضل) أو (الولوغ) و قد ذكرنا أن شيئا منهما لا يصدق على اللطع، فضلا عن اللعاب الواقع في الإناء.

و دعوى: ان المناط قلع اللعاب ممنوعة، إذ قد لا يحصل لزوجة في الإناء بواسطة شرب الكلب منه، مع انه يجب التعفير، كما ان دعوى ان المناط وصول نجاسة فم الكلب أو لسانه بواسطة مائع إلى الإناء سواء. أ كان‌

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 357 و مصباح الفقيه ص 659.

(2) مستمسك ج 2 ص 27.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 110‌

بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته، و لو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء حتى وقوع شعره، أو عرقه في الإناء (1).

______________________________
ماء، أو مائعا آخر، أو لعاب فمه، غير مقطوع بها ما لم يصدق عليه عنوان الموضوع المتوقف على حصول نوع امتزاج بين مائع، و بين لعاب فمه، و لعلّه يكون لذلك دخل في لزوم التعفير، فان مناطات الأحكام التعبّدية غير معلومة لنا، و الحاصل ان مقتضى الجمود على النص هو تخصيص وجوب التعفير بشرب الكلب من الإناء، و أما لطعه أو لعاب فمه فلا يجب فيهما التعفير، و ان كان أحوط.

(الجهة الخامسة).

حكم مباشرة الكلب للإناء بغير لسانه

(1) إذا وقع الكلب في الإناء أو باشره ببعض اجزاء بدنه هل يجب فيه التعفير كالولوغ أم لا؟ المشهور «1» عدم الوجوب، لقصرهم الحكم على الولوغ، فلا يتعدى منه الى غيره من مباشرة باقي أعضائه.

و عن الصدوقين «2» و غيرهما [1] القول بتساوي الولوغ مع مباشرة باقي أعضاء الكلب للإناء في الحكم بلزوم التعفير.

و الأقوى ما هو المشهور، لعدم صدق عنوان الموضوع، و هو (الولوغ) و (الفضل) على مباشرة باقي أعضاء جسده لما في الإناء من المائعات، لأن المعتبر في صدقهما هو شربه من الماء، و المفروض عدمه، و تنقيح المناط غير صحيح عندنا.

نعم في عبارة الفقه الرضوي المتقدم «4» «ان وقع الكلب في الماء‌

______________________________
[1] كالمفيد و النراقي و عن الرياض الميل اليه- الجواهر ج 6 ص 357- و مال إليه في الحدائق أيضا، و مستنده الفقه الرضوي الذي لا نقول باعتباره.

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 356.

(2) الجواهر ج 6 ص 357 و الحدائق ج 5 ص 476.

(4) في الصفحة: 99.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 111‌

[ (مسألة 6) يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرّات]

(مسألة 6) يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرّات (1).

______________________________
أو شرب منه أهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرات، مرة بالتراب، و مرتين بالماء.»
«1».

و هو صريح في التساوي بين وقوع الكلب في الإناء و ولوغه فيه.

و لكن لا يمكن الاعتماد عليه، لضعف سنده لا سيما في المقام لذهاب الشهرة إلى خلافه، و خصوصا في وقوع مثل شعره أو عرقه، لعدم صدق وقوع الكلب في الإناء على مثل ذلك من اجزائه المنفصلة، أو فضلات بدنه.

و ما عن العلامة في النهاية من الاستدلال على ذلك بان فمه أنظف من باقي أعضائه، و لهذا كانت نكهته أطيب من غيره من الحيوانات، لكثرة لهثه، فيكون باقي أعضاءه أولى بالحكم المذكور. لا يمكن الالتزام به، لأنه أشبه بالاستحسان.

ولوغ الخنزير

(1) كما هو المشهور بين المتأخرين «2» و قال الشيخ في الخلاف «3» ان حكمه حكم الكلب في أنه لا يجب أكثر من غسل الإناء ثلاث مرات. و قال: إن دليلنا أمران، «أحدهما»: أنّ الخنزير يسمّى كلبا في اللّغة، فينبغي أن يتناوله الأخبار الواردة في ولوغ الكلب.

«الثاني»: إنّ حكمه حكم سائر النجاسات يغسل منها الإناء ثلاث مرات.

و يرد الأول: منع الصدق حقيقة، فلا يحمل عليه اللّفظ من دون قرينة.

______________________________
(1) المستدرك ج 1 ص 167 باب 43 من أبواب النجاسات.

(2) الحدائق ج 5 ص 492.

(3) الخلاف ج 1 ص 52 م 143.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 112‌

..........

______________________________
مضافا إلى أنه يقتضي وجوب التعفير فيه أيضا، مع أنّه لا يقول به.

كما انه يرد الثاني: ما استند إليه من قال بالسبع، كالعلامة، و من تأخر عنه «1» و به تقيّد المطلقات، و هو صحيح.

على بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام (في حديث) قال:

«سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به قال: يغسل سبع مرات» «2».

و به يقيّد ما دلّ على وجوب التثليث في غسل مطلق الإناء.

نعم: حمله المحقق في المعتبر «3» على الاستحباب، و لا موجب له، سوى ما قيل: من عدم وجود قائل به من المتقدمين قبله، و هو كثيرا ما يراعى ذلك «4».

و هو كما ترى، إذ مع صحة سنده، و قوّة دلالته لا يمنعنا ذلك من العمل به، و من هنا انعقدت شهرة المتأخرين على القول بوجوب السبع فيه.

و قد يقال «5» لعل منشأ إعراض أكثر القدماء عن ظاهرها- و هو وجوب الغسل سبعا- هو ما فيه من الاستبعاد الناشي مما ورد في صدر الصحيحة من كفاية مطلق الغسل في الثوب من أثر نجاسة الخنزير من دون تكرار، مع أن الثوب أحوج إلى تكرار الغسل في تنظيفه من الإناء، مع وضوح عدم كون الغسل تعبديّا محضا، و إنما هو لإزالة أثر النجاسة، فيدل ذلك على عدم إرادة الوجوب من السبع في الإناء، و إن كان أرجح.

فإنه قد ورد في صدر الصحيح المذكور هكذا: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر، و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال:

إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما‌

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 493.

(2) الوسائل ج 1 ص 162 باب 1 من أبواب الأسئار ح: 2 و ج 2 ص 1017 باب 13 من أبواب النجاسات ح 1 أورده بتمامه.

(3) ص 127- 128 الفرع الرابع من فروع مسألة الولوغ.

(4) الحدائق ج 5 ص 493.

(5) مصباح الفقيه ص 661 «الأمر الثامن».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 113‌

و كذا في موت الجرذ (1) و هو الكبير من الفأرة.

______________________________
أصاب من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله.»
«1».

فهذا الاستبعاد مانع من تقييد المطلقات الدالة على كفاية الغسل ثلاثا من مطلق النجاسات.

و لا يخفى: أنّ هذا النحو من الاستبعادات الاحتمالية أو الظنيّة لا يمكن الاتكاء عليها في استنباط الأحكام الشرعيّة المبتنية على الظهورات اللّفظية، فالعمل بظاهر الصحيحة في وجوب السبع- كما هو المشهور بين المتأخرين- هو المتعين، و يمكن دفع الاستبعاد المذكور بأن الأواني حيث أنها أعدّت للأكل و الشرب فيها، فلا بدّ من الاهتمام بشأنها أكثر من الملبوسات، لأن انتقال «الميكروبات» من طريق الأكل و الشرب إلى البدن يكون أشدّ و أكثر من اللّمس الخارجي عن طريق لبس المتنجسات، كما لا يخفى.

فالنتيجة: إنّه يجب الغسل سبعا في ولوغ الخنزير، و هو أشدّ من الكلب من هذه الجهة، و إن كان أضعف منه، من حيث عدم وجوب التعفير، لعدم الدليل فيه، و اختصاصه بالكلب.

نعم وجوب التعدد في الخنزير يجرى حتى في الماء الكثير، لإطلاق الصحيحة المذكورة، بخلاف الكلب، فإن التعدد فيه مختص بالقليل، لاختصاص موثقة عمار «2». الشاملة بإطلاقها لولوغ الكلب بالقليل.

غسل الآنية من موت الجرذ فيها

(1) كما عن المشهور «3» لموثقة عمار (في حديث) اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات» «4».

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1017 باب 13 من أبواب النجاسات ج 1.

(2) المتقدمة ص 93.

(3) مصباح الفقيه ص 662.

(4) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 114‌

البرّية [1] و الأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع ايضا.

______________________________
و هناك قولان آخران، «أحدهما»: الاكتفاء بالمرّة،- كما عن المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف و غيرهما
«2»- تمسكا بما دل على وجوب غسل الإناء من مطلق النجاسات، و منها ميتة الجرذ و يحصل الامتثال بمرة واحدة.

و «الآخر» القول بوجوب التثليث- كما في الشرائع و غيره- مستندا الى ما دلّ [2] على كفاية الغسل ثلاثا في الأواني عن مطلق النجاسات.

و كلاهما ضعيفان «4» لا يمكن الركون إليهما، لدلالة الموثقة المتقدمة على وجوب السبع في موت الجرذ في الإناء، إذ بها يقيد باقي المطلقات،.

و مقتضى إطلاقها عدم الفرق فيه بين القليل، و الكثير، و ان اختص التعدد في الظروف المتنجسة بسائر النجاسات بالقليل.

______________________________
[1] قال في الجواهر (ج 6 ص 368) «الجرز و هو بضم الجيم، و فتح الراء، كعمر و رطب: الذكر من الفأر كما في مصباح المنير عن ابن الأنباري، و الأزهري.

و في كشف اللثام عن العين و المحيط، بل، و النهاية الأثيرية و ان وصف الذكر بالكبير، بل لعله يرجع إليه ما فيه عن الصحاح، و المغرب و المعرب من أنه ضرب من الفأر.

نعم عن ابن سيده- ضرب منها أعظم من اليربوع، أكدر، في ذنبه سواد، و الجاحظ: ان الفرق بين الجرز و الفأر، كفرق ما بين الجاموس و البقر، و البخاتي و العرب، و في المصباح عن بعضهم أنه الضخم من الفيران، يكون في الفلوات و لا يألف البيوت- قد يظهر منه خلاف ذلك و أنه نوع آخر من الفأر فيه الذكر و الأنثى، لكنه لا صراحة فيه، بل يمكن ان يرجع لذلك عند التأمل، و لعله الموافق لعرفنا الآن».

و في أقرب الموارد: «الجرذ: و هو بضمّ الجيم و فتح الراء، كصرد، هو ضرب من الفأر جمعه جرذان». و الظاهر من المتن أنّ المراد به ما يقال له في الفارسيّة: «موش صحرائى».

[2] و هو موثق عمار أيضا المروية في الوسائل ج 2 ص 1076 في الباب 53 من النجاسات ح 1.

______________________________
(2) كما في الجواهر ج 6 ص 371.

(4) راجع تفصيل الأقوال: في الحدائق ج 5 ص 496، و الجواهر ج 6 ص 368، و مصباح الفقيه ص 662.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 115‌

لكن الأقوى عدم وجوبه. (1)

[ (مسألة 7): يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعا]

(مسألة 7): يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعا (2) و الأقوى كونها كسائر الظروف في كفاية الثلاث.

______________________________
هل يجب التعفير في ولوغ الخنزير

(1) لا دليل على وجوب التعفير في ولوغ الخنزير سوى دعوى الشيخ في الخلاف «1» من تسميته كلبا لغة، فيشمله ما دلّ على لزوم التعفير و كفاية الغسل ثلاثا- كما تقدم.

و يدفعها ما ذكرناه سابقا من أن الاستعمال المذكور مجازي لا يصار إليه الّا مع القرينة إذ هما: (الكلب و الخنزير) نوعان من الحيوان في العرف، بل اللّغة، لا يصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر الا مجازا، كما في سائر الأنواع.

فالنتيجة: إنّ مقتضى التعبّد بالنص هو الفرق بين الكلب و الخنزير بلزوم التعفير في الكلب دون الخنزير، و زيادة العدد بالغسل سبعا في الخنزير، و كفاية الثلاث في الكلب و إن كان الأحوط التعفير فيه أيضا، للاحتمال المذكور.

غسل ظروف الخمر

(2) ذكر المصنف (قده) في هذه المسألة أمرين.

(الأول): استحباب غسل ظروف الخمر سبعا.

(الثاني): كفاية الثلاث قياسا على سائر الظروف.

(أما الأول): فهو الصحيح، لانه مقتضى الجمع بين الأخبار الواردة في ظروف الخمر [1].

______________________________
[1] الأقوال- المحكيّة في كيفيّة غسل ظروف الخمر- أربعة:

______________________________
(1) ج 1 ص 52 م 143 و ذكر ولوغ الكلب في ص 48 م 133.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 116‌

..........

______________________________
و هي موثقة عمار عن الصادق عليه السلام (في حديث): أنه سأله عن الإناء يشرب فيه النّبيذ، فقال: «تغسله سبع مرّات، و كذلك الكلب.»
«1».

و موثقته الأخرى عنه عليه السلام في قدح، أو إناء يشرب فيه الخمر؟

______________________________
«الأول»: القول بوجوب السبع، ذهب اليه المفيد و سلّار، و الشهيد في أكثر كتبه، و المحقق الكركي، و الشيخ في (المبسوط)، (و الجمل)، و جمع من المتأخرين.

«الثاني»: القول بوجوب الثلاث، ذهب اليه المحقق في غير المعتبر و العلامة في بعض كتبه، و إليه ذهب الشيخ في (الخلاف) (ج 1 ص 50 مسألة 138) و حكى عن نهايته و تهذيبه.

«الثالث»: القول بالمرتين، ذهب إليه الشهيد في (اللّمعة).

«الرابع»: القول بالمرة، ذهب إليه المحقق في (المعتبر) و العلامة في أكثر كتبه و الشهيد الثاني في (الروض)، و بعضهم قيّده بكونها بعد إزالة العين.

- كما في الحدائق ج 5 ص 493- 494.

و استدل من اكتفى بالمرة بإطلاق ما دل على وجوب غسل آنية الخمر من دون اعتبار العدد مطلقا، كصدر موثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (ع) قال سألته عن الدّن. [1] يكون، فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ [2] أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، و عن الإبريق و غيره يكون فيه خمر، أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس.»- الوسائل ج 2 ص 1074 باب 51 من النجاسات، ح 1.

و لكن فيه أولا: إنّها ليست في مقام بيان كيفيّة الغسل و إنما هي في مقام بيان أصل النجاسة و إزالتها بالماء.

و ثانيا: لو سلم الإطلاق لزم تقييده بما دل على اعتبار العدد، كذيل نفس الموثقة المذكورة في الشرح، و تضعيف سندها غير مسموع.

و أما القول بالمرتين فلم يظهر له وجه- كما في الحدائق: ج 5 ص 495- الا ان يقال بأن الأولى لإزالة العين و الثانية للتطهير.

و أما القول بالثلاث فيظهر مستنده من الشرح، كما أن القائل بالسبع استند إلى موثقة عمار الدال عليه، إلا أن مقتضى الجمع بين روايات العدد هو وجوب الأقل، و حمل الأكثر على الاستحباب.

[1] الدّن: بالفتح: الراقود العظيم لا يقعد إلا أن يحفر له ج: دنان (و هو معرّب) و يقال له بالفارسية «خمره».

[2] الماء الكامخ: بفتح الميم و ربما كسرت إدام يؤتدم به، و خصّه بعضهم بالمخلات التي تستعمل لتشهى الطعام ج: كوامخ (و الكلمة من الدخيل) و يقال له بالفارسية «ترشى».

______________________________
(1) التهذيب ج 9 ص 116 ح 502 و 237 الوسائل ج 17 ص 294 باب 30 من الأشربة المحرّمة ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 117‌

..........

______________________________
قال: تغسله ثلاث مرات، سئل: أ يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: «لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات»
«1».

و مقتضى الجمع العرفي بين هاتين الموثقتين هو حمل الأقل على الوجوب و الزائد على الاستحباب، و هذا بخلاف تقييد ما دلّ على الثلاث بما دل على السبع، بأن يكون المعتبر الثلاث مع إضافة أربعة أخرى إليها، لعدم وجود خصوصيّة في ذكر الثلاث حينئذ، إذ يمكن اعتبار اثنين مع إضافة خمسة إليهما، أو أربع مع إضافة ثلاثة أخرى إليها، و هكذا، فمن هنا يعلم أن خصوصية الثلاث إنما تكون بلحاظ كفايتها في حصول الطهارة، و أما الزائد فهو أرجح يوجب زيادة النقاء.

و بعبارة أخرى: ليس دلالة الموثقة الثانية على كفاية الثلاث بمقتضى مفهوم العدد، كي يقال بإمكان تقييدها بما دل على السبع، بل إنما هي بالمنطوق شبه النص لا يمكن التأويل فيه، لا سيما بملاحظة صدرها الدال على لزوم أصل التطهير، و نجاسة الخمر من دون دلالة على كيفيّته، و بها تحمل رواية السبع على الاستحباب، كما انه بها يقيد ما دل على مطلق الغسل في الأواني النجسة لو سلم ثبوت الإطلاق فيها.

(أما الأمر الثاني): فقد ذكر المصنف (قده): «و الأقوى كونها كسائر الظروف في كفايته الثلاث» [1] يعني في الغسل بالماء القليل دون الكر و الجاري و فيه إشكال، لوجوب الثلاث في ظروف الخمر حتى إذا غسل بالماء الكثير، لإطلاق موثقة عمار المتقدمة، فإن قوله عليه السلام فيها: «تغسله ثلاث مرّات» يشمل الغسل بالكثير أيضا، فالمقيد لإطلاقات غسل الأواني يكون مطلقا من هذه الجهة في خصوص ظروف الخمر.

نعم: لا إطلاق فيما ورد في الأواني المتنجسة بسائر النجاسات،

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «كسائر الظروف»: (و لكنها تمتاز عنها بلزوم غسلها ثلاث مرات حتى في الماء الجاري و الكر).

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1074 ب 51 من النجاسات ح 1 و ج 17 ص 294 ب 30 من الأشربة المحرمة ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 118‌

[ (مسألة 8) التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهرا قبل الاستعمال]

(مسألة 8) التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهرا قبل الاستعمال (1) [1].

______________________________
لاختصاص دليل التعدد فيها بالماء القليل، إذ هو:

موثق عمار عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام قال: «سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل؟ و كم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء، فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر، فيحرّك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر، فيحرّك فيه، ثم يفرغ منه و قد طهر.» «2».

و هذه صريحة في الماء القليل، فتبقى الإطلاقات الدالة على كفاية الغسل مرة واحدة في الأواني المتنجسة على حالها بالنسبة إلى الماء الكثير.

فتحصل: أنّ آنية الخمر ليست كسائر الأواني النجسة، بل يجب غسلها ثلاثا في مطلق المياه القليلة و الكثيرة، بخلاف الظروف المتنجسة بسائر النجاسات، فإنه يكفي فيها المرة في الغسل في الماء الجاري و الكر.

هل يعتبر طهارة تراب التعفير؟

(1) نسب «3» الى المشهور القول بوجوب طهارة التراب الذي يستعمل في التعفير قبل الاستعمال، إمّا لدعوى انصراف النص كقوله عليه السلام «اغسله بالتراب أوّل مرة» إلى الطاهر، و إمّا لدعوى أنّ التراب يكون مطهرا في التعفير، كالماء، و المرتكز في الأذهان أنّ فاقد الشي‌ء لا يكون معطيا له حتى في أمثال المقام من الأمور الاعتبارية أعنى الطهارة و النجاسة و في كليهما نظر، لمنع الانصراف، و إمكان الأخذ بإطلاق النص المزبور، و عدم‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «يجب أن يكون طاهرا» إنه: (على الأحوط).

______________________________
(2) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات ح 1.

(3) الحدائق ج 5 ص 480، الجواهر ج 6 ص 365.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 119‌

..........

______________________________
ثبوت كون التراب مطهرا في التعفير، بل هو من شرائطه.

توضيح المقام بأن يقال: انه ان كان المراد من قوله عليه السلام:

«اغسله بالتراب» هو المسح به بان يكون التراب مطهرا للإناء- كالماء- سواء امتزج بماء أم لا، أمكن القول باشتراط طهارة التراب، إما لأجل قاعدة اشتراط طهارة المطهّر- كما أشرنا آنفا- و إمّا لأجل ما دل على «أنّ التراب أحد الطهورين» «1».

و الطهور ما كان طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره.

و هذان الوجهان و إن أمكن المناقشة فيهما.

أما (الأول) فبإمكان منع جريان القاعدة المذكورة في الأمور الاعتباريّة، خصوصا فيما لم يتعقبه طهارة المحل، كالتعفير في المقام، لإمكان القول بحصول تخفيف في نجاسة الولوغ و لو بالتراب المتنجس.

و أما الثاني فلإمكان دعوى انصرافه إلى الطهارة الحديثة إلا أنه مع ذلك كله يمكن توجيه القول باشتراط طهارة تراب التعفير بهما بناء على القول بمطهرية التراب.

و أما إذا كان المراد من قوله عليه السلام «اغسله بالتراب هو الغسل باستعانة التراب- كما اخترناه- كان المطهر هو الماء، و لكن باستعانة التراب، بحيث يكون التراب من الشرائط الخارجيّة لتأثير الماء في الطهارة، كالورود و الإطلاق، و نحوهما من شرائط مطهريّة الماء، فعليه لا دليل على اشتراط طهارته، فالغسلة الأولى التي تكون بالتراب لا بد من طهارة الماء فيها لا التراب، و لا الماء الذي يمتزج به، فإنه قد أوضحنا فيما تقدم: إنه لا بد و أن تكون الغسلة الاولى في التعفير هكذا: بأن يجعل في الإناء مقدار من التراب ثم يوضع فيه مقدار من الماء فيمسح الإناء به، ثم يزال أثر التراب بالماء، ثم يغسل الإناء بالماء مرتين، فإنّ الماء الأول المزيل لأثر التراب لا بدّ و أن يكون طاهرا، دون نفس التراب و دون ما يوضع في الإناء من الماء لأجل المسح بالتراب، لأن هذه العمليّة (المسح بالتراب) تكون من مقدمات التطهير‌

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 984 باب 14 من أبواب التيمم، ح 15.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 120‌

[ (مسألة 9) إذا كان الإناء ضيّقا لا يمكن مسحه بالتراب]

(مسألة 9) إذا كان الإناء ضيّقا لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية جعل التراب [1] فيه، و تحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه (1).

______________________________
بالماء، و ليست جزأ للمطهر، و من هنا ذكرنا في التعليقة إنّ وجوب طهارة التراب مبنى على الاحتياط.

لو تعذر التعفير

(1) الإناء المتنجس بالولوغ قد يكون ضيّق الفم إلا أنه مع ذلك يمكن جعل التراب فيه و تحريكه بعنف و شدة و ان تعذر مسحه، و اخرى لا يمكن فيه هذا المقدار أيضا، كما لا يمكن مسحه باليد و نحوه.

أما الأول فلا بد من تعفيره بجعل التراب فيه و صب مقدار من الماء عليه، ثم تحريكه بعنف إلى أن يصل إلى جميع أطرافه، لكفاية هذه العمليّة في صدق «التعفير بالتراب» إذ لم يرد في شي‌ء من الروايات عنوان المسح باليد، بل و لا عنوان أصل المسح، و لو بغير اليد، و إنّما ورد «عنوان الغسل بالتراب» و هذا يتحقق بما ذكرناه من الكيفيّة سواء مسحه بشي‌ء بإدخال خشبة و نحوها في الإناء أم لا. و التعبير بالمسح بالتراب في كلمات الأصحاب، و منهم: المصنف (قده) «2» مبنى على الغالب.

و أما الثاني: و هو ما لا يمكن جعل التراب فيه إمّا لضيق فمه، أو لرقته، أو كونه مما يفسده التراب، و نحو ذلك، فهل يسقط التعفير فيه؟

و يكتفى فيه بالغسل بالماء، أم يبقى على نجاسته إلى الأبد.

الظاهر هو الثاني- كما في المتن- لأن التعفير شرط في حصول طهارة‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «فالظاهر كفاية جعل التراب»:

(مع إضافة مقدار من الماء إليه كما تقدم) و الوجه فيه هو: لزومه في صدق «الغسل بالتراب» أى باستعانته- كما تقدم.

______________________________
(2) كما في مسألة 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 121‌

..........

______________________________
آنية الولوغ، و بتعذر الشرط يتعذر المشروط أيضا، فيكون حال التعفير فيها كحال الماء في تطهير مطلق النجاسات إذا تعذر حيث أنّ فقدان الماء لا يوجب سقوط الغسل في النجاسات، و حصول الطهارة بدونه.

و دعوى لزوم تعطيل الإناء، و هو مشقة و ضرر فينفيه أدلّة نفى الحرج و الضرر مندفعة.

أولا: بالنقض بما لو تعذر غسله بالماء، إذ لا يقول أحد بصيرورته طاهرا بدونه.

و ثانيا: إن أدلة الحرج أو الضرر لا ترفع النجاسة التي هي من الأحكام الوضعيّة، و إنّما تدل على نفى الأحكام الإلزاميّة الحرجية أو الضررية المترتبة عليها: كحرمة الشرب أو الأكل في الأواني الّتي يتحقق الحرج في ترك استعمالها لو فرض لندرة فرض مشقة الاستغناء عن خصوص الإناء، مع أنه حرج شخصي لا نوعي.

و بعبارة واضحة: إن الأوامر الواردة في كيفيّة تطهير الأواني النجسة من الأمر بالغسل بالماء أو التعفير بالتراب ليست أوامر تكليفيّة حتى تسقط بالتعذر، بل هي أوامر إرشادية مسوقة لبيان نجاسة أمور خاصّة، و اشتراط طهارة ملاقيها بالغسل أو به و بالتعفير معا، فلا يختص موردها بصورة التمكن من تحصيل الشرط، إذ هي بمنزلة الأخبار عن أن طهارة الإناء المتنجّس بالولوغ- مثلا- مشروطة بالتعفير مطلقا سواء أمكن تحصيل الشرط أم لا.

نعم قد مال الاعلام [1] منهم المحقق الهمداني (قده) «2» الى دعوى انصراف ما دل من الروايات على اعتبار التعفير عن شمول مثل الفرض- أي الأواني التي يتعذر فيها التعفير، لا لعارض خارجي- كفقد التراب- بل يتعذر فيه ذلك من جهة أصل وضع الإناء كما في الأواني النفيسة جدا التي يفسدها التعفير، أو الإناء الضيق الفم الذي يفسد بكسره، فيدّعى ظهور‌

______________________________
[1] كصاحب الجواهر (قده) (ج 6 ص 364) و حكاه عن أستاده كاشف الغطاء و غيره في (ص 365) و كشيخنا الأعظم الأنصاري (قده) في كتاب الطهارة ص 355.

______________________________
(2) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 660.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 122‌

و اما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك فالظاهر بقاؤها على النجاسة أبدا (1).

الا عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير (2)

______________________________
النص في إرادة الأواني الممكنة التعفير لا متعذرة في نفسها، فتبقى حينئذ على حكم الأواني المتنجسة بغير الولوغ، أو غير الأواني المتنجسة بالولوغ من كفاية الغسل، و لا يفرق في دعوى الانصراف بين كون الأوامر نفسيّة أو إرشادية.

و هذه الدعوى لم يتضح لنا وجهها، إذ عدم إمكان التطهير- سواء كان لعارض خارجي، كفقد التراب، أو داخلي، كضيق فم الإناء، لا يوجب صرف الإطلاق في الأحكام الوضعيّة- كالنجاسة و الطهارة- التي هي بمنزلة العوارض الخارجيّة، فالأقوى ما ذكره في المتن من بقائها على النجاسة إلى الأبد، و إن سقطت عن الفائدة.

(1) هذا مجرد فرض لا واقع له، إذ مع عدم إمكان جعل التراب فيه، كيف يمكن ولوغ الكلب بإدخال لسانه فيه، نعم لو قلنا بإلحاق اللّعاب بالولوغ أمكن ورود لعاب فمه دون التراب، إلّا أنه لا نقول، و لا يقول هو أيضا بذلك، كما ان فرض سعة فم الإناء عند الولوغ ثم طرو ضيقه يكون من الفروض النادرة و كيف كان فالحكم هو ما ذكره «قده» من بقائه على النجاسة لو فرض تحقق المفروض- كما تقدم.

(2) قد سبق [1] من المصنف (قده) ان التعفير في إناء الولوغ يكون من شرائط الغسل بالماء القليل، و يظهر من هذه العبارة أنه يقول بلزومه حتى في الكثير حيث ينسب السقوط بمن يقول بذلك، و كأنه غيره، و هذا يشبه التنافي، الا انه «قده» يحتاط بلزومه حتى في الكثير، كما يأتي «2» فيرتفع التنافي بذلك.

______________________________
[1] في أول الفصل عند قوله (قده) «و أما الثاني فالتعدد.» و في مسألة 5.

______________________________
(2) في المسألة 13.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 123‌

[ (مسألة 10) لا يجرى حكم التعفير في غير الظروف مما تنجس بالكلب]

(مسألة 10) لا يجرى حكم التعفير في غير الظروف مما تنجس بالكلب و لو بماء ولوغه أو بلطعه، نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو لو شرب الكلب منه، بل و القربة و المطهرة و ما أشبه ذلك (1).

______________________________
هل يجب التعفير في غير الظروف

(1) يقع الكلام في موردين أشار إليهما في المتن.

«الأول»: في أنه هل يجرى حكم التعفير في غير الظروف أو لا؟

«الثاني»: على القول بعدم الجريان في غيرها هل يختص الحكم بالظروف المعدّة للأكل و الشرب المسماة ب «الآنية» أو يعم مطلق الظروف، كالدلو، و القربة، و المطهرة، و نحوها؟

الظاهر هو اختصاص وجوب التعفير بما يسمى في العرف ب «الإناء» و هو ما أعدّ للأكل و الشرب فيه، فلا يعم مطلق الظروف فضلا عن مطلق ما تنجّس بماء ولغ فيه الكلب أو بلطعه له، من البدن و الثوب و نحوهما، فلا يجب التعفير في مثل الدّلو المعدّ لنزح الماء به، و القربة المعدّة لحرز الماء فيه، و نحوهما من الظروف التي لم تعد للأكل و الشرب، كما لا يجب فيما لو شرب الكلب من كف إنسان- مثلا- أو من ماء موضوع في ثوب و نحوه، لعدم كونهما من الظروف فضلا عما إذا لطع الكلب بدن إنسان أو ثوبه، و نحوهما، أو أصابهما ماء ولوغه. و ذلك، لان العمدة في المقام هو.

صحيحة البقباق «1» المتقدمة حيث قال فيها: «سألته عن الكلب فقال: رجس نجس، لا يتوضأ بفضله، و أصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أول مرة.».

فإن الموضوع فيها و إن كان عنوان فضل الكلب، و هو ما يتبقى من‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 163 في الباب 1 من الأسئار ح 4 و ج 2 ص 1015 ب 12 من النجاسات ح 2.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 124‌

..........

______________________________
شربه، فتدل على نجاسة مطلق ملاقيه سواء كان ظرفا أو غيره و سواء كان الظرف إناء أم لا و لزم تطهير كل ذلك بالتعفير، الا ان مرجع الضمير في قوله عليه السلام «اغسله بالتراب» يكون مجملا و القدر المتيقن منه هو الإناء المعدّ للشرب.

توضيح ذلك: ان المحتمل بدوا في مرجع الضمير في قوله: «اغسله» أمور ثلاثة.

(الأول): مطلق ملاقي فضل الكلب، حتى مثل الثوب و البدن و نحوهما، مما لم يقل أحد بلزوم التعفير فيه لو اصابه فضل الكلب، مضافا الى انه ينافيه قوله (ع) و اصبب ذلك الماء الدال على ان موردها الظرف الذي يكون فيه ماء الولوغ.

(الثاني): مطلق الظرف الذي يمكن جعل الماء فيه و لو لم يعدّ للأكل و الشرب فيه، كالدّلو، و القربة، و المطهرة، و غير ذلك، و يؤيد هذا الاحتمال التعبير بصب الماء أي إفراغه منه، لانه لا يكون ذلك إلا في الظروف.

(الثالث): خصوص الظرف المعدّ للأكل و الشرب، المسمى ب «الإناء» دون مطلق الظروف.

الظاهر هو الأخير [1] لجريان العادة على شرب الكلب أو أكله من الأواني المعدّة لوضع الشراب و الطعام فيها في البيوت فيختص مورد الرواية‌

______________________________
[1] و استظهر هذا الاحتمال في الجواهر و ان تنظر فيه (ج 6 ص 359) و الأقوى هو الاحتمال الثاني أي عموم الحكم لمطلق الظروف، لان شرب الكلب من مثل الدلو و نحوه ليس خارجا عن المتعارف، لا سيما في الأزمنة السابقة حيث كان المتعارف استعمالها، و كذا القربة و المطهرة و أمثال ذلك في الشرب منها، و ان لم يستعمل في الشرب بها كالقدور الكبار و الصوانى و نحوها المستعملة في الأكل و ان لم يؤكل فيها أو بها، نعم لا يمكن تعميم الحكم لمطلق ما اصابه فضل الكلب، كالثوب و البدن و نحوهما، لان مورد الصحيحة المذكورة هو ظرف ماء الولوغ الذي أمر بصبه، اى تخلية الظرف من فضله، و هذا لا يصدق على مثل الثوب و البدن، بل و لا على الكف أو الثوب إذا جعل فيهما الماء و شرب الكلب منهما، لعدم كونهما من الظروف المتعارفة، نعم لا بأس بالتعميم بالنسبة إلى مطلق الإناء الذي أصابه الولوغ فلو فرض اراقة ماء الولوغ من الإناء الأول في إناء آخر لزم التعفير لصدق نجاسته بفضل الكلب.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 125‌

[ (مسألة 11) لا يتكرر التعفير بتكرر الولوغ من كلب واحد]

(مسألة 11) لا يتكرر التعفير بتكرر الولوغ من كلب واحد أو أزيد، بل يكفى التعفير مرة واحدة (1).

______________________________
بذلك، و ان أبيت عن الظهور المذكور فلا أقل من الإجمال و القدر المتيقن هو ما ذكرناه.

و عليه فلا يجب التعفير في مطلق ملاقي فضل الكلب، كالثوب و البدن و نحوهما، بل و لا في مطلق الظروف الغير المعدّة للأكل و الشرب فيها، كالقربة و الدلو، فضلا عن مثل الكف و الثوب إذا جعل فيهما الماء و ولوغ الكلب فيهما، لان القدر المتيقن من النص هو الإناء.

كما يؤيد ذلك ما ورد في النبويات «1» و الفقه الرضوي «2» المتقدمة من التعبير ب‍ «الإناء» و ان كانت ضعيفة الاسناد.

نعم إسراء الحكم الى ما لا يصدق عليه الإناء من الظروف يكون أحوط كما أشرنا في التعليقة [1] لاحتمال شمول النص لمطلق الظروف.

هل يتكرر التعفير بتكرر الولوغ

(1) لا يتكرر التعفير بتكرر الولوغ من كلب واحد أو كلاب متعددة، متعاقبا أو مرة واحدة، كما لا يتكرر الغسل في مطلق النجاسات، إذا تكرر ملاقاتها لشي‌ء، بل يكفى التطهير مرة واحدة في الجميع، و ذلك كما ذكرنا غير مرة من أن الأمر بتطهير ملاقي النجاسات لا يكون حكما تكليفيّا، بل هو إرشاد إلى نجاسة النجس و طهارة ملاقيها بالغسل بالماء وحده أو بضميمة التعفير- كما في آنية الولوغ-، و لا فرق في ذلك بين ملاقاة النجس مرة واحدة أو مرات عديدة، إذ ليست هناك تكليف مولوي، كي يتوهم: ان مقتضى الأصل فيها عدم التداخل في الأسباب و لا المسببات، فيقال: ان‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «حتى مثل الدلو»: (إسراء الحكم الى ما لا يصدق عليه الإناء مبنى على الاحتياط).

______________________________
(1) المستدرك ج 1 ص 167 في الباب 43 من النجاسات ح 3 و 4 و 1.

(2) المستدرك ج 1 ص 167 في الباب 43 من النجاسات ح 3 و 4 و 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 126‌

..........

______________________________
كل مرة من مرّات ملاقاة الشي‌ء للنجس تكون سببا لوجوب الغسل أو التعفير، فلا بد من تكراره بتكرار الملاقاة، كما نقول بذلك في الأوامر المولوية، كالأمر بالكفارة إذا جامع في نهار رمضان، أو أتى بمفطر آخر مرات عديدة، فإن مقتضى القاعدة فيها تكرر الكفارة بتكرر الجماع أو المفطر [1] الا أن يقوم دليل على التداخل، و السرّ في ذلك هو انه قد ذكرنا في بحث الأصول [2] ان هذا انما يتم في الأوامر المولوية، لان تكرار الموضوع فيها يكون مقتضيا لتكرر الحكم، و هذا بخلاف الأوامر الإرشادية التي هي بمنزلة الإخبار عن شي‌ء كتحقق النجاسة، أو طهارة ملاقيه بالغسل وحده، أو مع التعفير، فان مقتضى الفهم العرفي فيها هو عدم تكرار النجاسة بتكرار سببها في محل واحد لان النجس لا يتنجس ثانيا، و الطاهر لا يتطهر مرة أخرى، بل مقتضى إطلاق الأمر بالتطهير بالغسل أو التعفير كفاية المرة الواحدة و ان تكرر السبب للنجاسة مرات عديدة.

هذا مضافا الى ان موضوع الحكم في المقام- اعنى التعفير بالتراب- انما هو عنوان «فضل الكلب» كما في «صحيحة البقباق» و هو اسم جنس لا يفرق فيه بين تعدد الشرب منه و عدمه.

و مما ذكرنا ظهر انه ليس الوجه في عدم التكرار في المقام هو الإجماع، كما قيل [3] بل هو مقتضى القاعدة الأولوية في الأوامر الإرشادية [4].

______________________________
[1] بناء على ان المفطر عنوان مشير الى نفس الفعل كالأكل و الشرب.

[2] في أول بحث المفاهيم في الأصول عند البحث عن مفهوم الشرط.

[3] كما في المستمسك (ج 2 ص 31) في ذيل المسألة و كأنه أخذه من صاحب الجواهر (قده) (ج 6 ص 360) حيث انه علل الحكم بكفاية المرة بعدم الخلاف و الاشكال، و ان استدل بالإطلاق أيضا و كذا الشيخ في الخلاف (ج 1 ص 48 م 132) حيث قال: «إذا ولغ كلبان أو كلاب في إناء واحد كان حكمهما حكم الكلب الواحد في انه لا يجب أكثر من غسل الإناء ثلاث مرات، و هو مذهب الجميع، الا ان بعض أصحاب الشافعي حكى انه قال: يغسل بعد كل كلب سبع مرات.».

ثم استدل «قده» على كفاية المرة بإطلاق الروايات التي منها «صحيحة البقباق» على نحو ما ذكرناه في الشرح، فراجع.

[4] و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في ذيل (مسألة 9) من فصل كيفيّة تنجيس

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 127‌

[ (مسألة 12) يجب تقديم التعفير على الغسلتين فلو عكس لم يطهر]

(مسألة 12) يجب تقديم التعفير على الغسلتين (1) فلو عكس لم يطهر.

[ (مسألة 13) إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث]

(مسألة 13) إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث، بل يكفي مرة واحدة (2).

______________________________
وجوب تقديم التعفير على الغسل

(1) كما هو المشهور و يدل عليه صحيحة البقباق المتقدمة حيث يقول فيها «اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» فلا تخيير كما يظهر من عبارة الشيخ في الخلاف [1] و عن محكي السيد و يمكن توجيه ذلك بما في الفقه الرضوي «2» لما فيه «و غسل الإناء ثلاث مرات، مرة بالتراب و مرتين بالماء» و لكن لضعفه لا يمكن الاعتماد عليه، و أمّا القول بتعين الوسط للتعفير- كما عن المفيد في المقنعة- فلم يظهر وجهه، كما تقدم «3».

هل يعتبر التعدد في غسل الإناء بالماء الكثير؟

(2) ذكر المصنف «قده» انه لا يعتبر التعدد في غسل الإناء بالماء الكثير، و يبتنى ذلك على عدم وجود إطلاق في أدلة العدد و اختصاصها بالماء القليل، فيرجع في غيره إلى إطلاق أدلة غسل الإناء «4» أو غسل مطلق النجس «5» أو مطهرية الماء، فإنها تقتضي الاكتفاء بالمرة، و أما إذا ثبت‌

______________________________
المتنجس في (ج 3 من كتابنا ص 319- 322).

[1] ج 1 ص 46 م 130 حيث قال فيه: «إذا ولغ الكلب في الإناء وجب اهراق ما فيه و غسل الإناء ثلاث مرات إحداهن بالتراب.».

______________________________
(2) المتقدمة في الصفحة: 99

(3) في الصفحة: 99

(4) كما تقدم الإشارة إليه في الصفحة: 94

(5) كما تقدم ذكره في الصفحة: 79.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 128‌

..........

______________________________
إطلاق في أدلة العدد كان هو المرجع، لأنها أخص من تلك، و إطلاق الخاص يكون مقدما على عموم العام أو إطلاق المطلق- كما هو واضح- فيجب التعدد حتى في الغسل بالماء الكثير و هذا من دون فرق بين الأواني و غيرها مما يعتبر فيه العدد، كالمتنجس بالبول.

و تفصيل الكلام في المقام يقتضي البحث في موردين.

(الأول): في حكم مطلق ما يشترط فيه التعدد سواء الآنية، أو غيرها.

(الثاني): في حكم خصوص آنية الولوغ لخصوصية فيها- كما سيأتي.

أما المورد الأول: ففي الحدائق «1»: «المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) سقوط التعدد في الغسل إذا وقع الإناء في الماء الكثير، و هكذا كل متنجس يحتاج الى العدد، الا انه لا بد من تقديم التعفير في إناء الولوغ».

و في ذكري «2» الشهيد انه: «لا ريب في عدم اعتبار العدد في الجاري و الكثير في غير الولوغ».

و ذكر قبل ذلك بأسطر «3» انه لا يعتبر ذلك حتى في آنية الولوغ.

خلافا لآخرين كالشيخ في الخلاف «4» و عن مبسوطه «5» و كذا عن المختلف و المعتبر و غيرهما «6» فذهبوا الى القول بوجوب التعدد حتى في الغسل بالكثير.

أقول: الذي ينبغي ان يعتمد عليه في مسألة التعدد في الغسلات سواء الأواني أم غيرها انما هو ملاحظة دليل اعتباره في كل مورد بخصوصه، فان كان له إطلاق يشمل الكثير يؤخذ به، فيحكم بوجوب العدد حتى في‌

______________________________
(1) ج 5 ص 489.

(2) في الصفحة: 15 في البحث الثالث- الطبع الحجري.

(3) في الصفحة: 15 في البحث الثالث- الطبع الحجري.

(4) ج 1 ص 48 م 134.

(5) الحدائق ج 5 ص 489.

(6) كما في المستمسك ج 2 ص 33 و في الجواهر ج 6 ص 367 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 661.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 129‌

..........

______________________________
الكثير، و معه لا مجال للرجوع إلى إطلاقات أدلة الغسل، لتقدم إطلاق الخاص على عموم العام أو إطلاقه- كما أشرنا- و ان لم يكن له إطلاق يشمل الكثير فيجب في القليل دون الكثير لجواز الرجوع الى إطلاقات أدلة الغسل حينئذ.

و من هنا قد التزمنا بوجوب التعدد حتى في الغسل بالكثير فيما يلي، لإطلاق دليله.

1- الثوب المتنجس بالبول إلا إذا غسل في الجاري «1».

2- آنية الخمر «2».

3- آنية ولوغ الخنزير «3».

4- آنية ماتت فيها الجرذ «4».

و مجموع هذه الموارد ترجع الى موردين «أحدهما» المتنجس بالبول و «الثاني» الإناء المتنجس.

أما (الأول) فلما تقدم «5» من ان دليل التعدد فيه إذا كان المتنجس غير الثوب فهو مختص بالقليل «6».

نعم إذا كان المتنجس به ثوبا فيجب فيه التعدد حتى في الكثير، لإطلاق دليله «7» إلا إذا غسل في الماء الجاري، فإنه يكفي فيه المرة، لصحيحة محمد بن مسلم «8».

و أما (المورد الثاني) فلما تقدم «9» أيضا من ان الإناء القذر يجب فيه‌

______________________________
(1) كما تقدم في ذيل (مسألة 4)

(2) كما تقدم في ذيل (مسألة 7)

(3) كما تقدم في ذيل (مسألة 6)

(4) كما تقدم في ذيل (مسألة 6)

(5) في الصفحة: 50

(6) الوسائل ج 2 ص 1001 في الباب 1 من النجاسات ح 3 و 7.

(7) كما تقدم في الصفحة: 57 و لاحظ رواياته في الوسائل ج 2 ص 1001 في الباب 1 من أبواب النجاسات ح 1 و 2 و 4 و 6 الا في الجاري كما في ح 1 باب 2 منها.

(8) الوسائل ج 2 ص 1002 باب 2 من النجاسات ح 1.

(9) في الصفحة: 92.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 130‌

..........

______________________________
التعدد إذا غسل بالقليل، لاختصاص دليله به، و هي موثقة عمار
«1» فإذا غسل بالكثير تكفي المرة، لإطلاق أدلة الغسل، إلا إذا كانت قذارته من الخمر، أو ولوغ الخنزير أو موت الجرذ فيها، لإطلاق دليل العدد في هذه الموارد كما تقدم «2».

هذا، و لكن قد يناقش في إطلاقات أدلة العدد في الموارد المذكورة بوجوه لا يمكن المساعدة على شي‌ء منها.

أحدها: دعوى «3» انصرافها الى القليل، لغلبة وجوده في عصر صدور الروايات، فيرجع في غيره إلى إطلاقات الغسل أو التطهير بالماء.

و تندفع: بأن غلبة الوجود لا يوجب الانصراف لا سيما إذا كان الغسل بالمياه العاصمة- كمياه الأمطار و الجاري و الغدران- أيضا كثيرا في نفسه، كما في سكنة البوادي، بل غيرهم، نعم لو كان الانصراف ناشئا من غلبة الاستعمال لتم ما ذكر، و لكن الصغرى ممنوعة.

(الوجه الثاني): مرسلة العلامة في المختلف [1] حيث قال: «ذكر بعض علماء الشيعة انه كان بالمدينة رجل يدخل إلى أبى جعفر محمد بن على عليه السلام و كان في طريقه ماء فيه العذرة و الجيف كان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجله إذا أصابه فأبصره يوما أبو جعفر عليه السلام فقال: ان هذا لا يصيب شيئا الا طهره فلا تعد منه غسلا».

______________________________
[1] ص 3 في الماء القليل في المسألة الاولى و المستدرك ج 1 ص 27 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8 و ذكر في المستدرك هكذا: «العلامة في المختلف عن ابن ابى عقيل قال ذكر بعض علماء الشيعة انه كان بالمدينة.» و نسبتها الى ابن ابى عقيل ايضا لا تخرجها عن الإرسال كما هو واضح.

ثم انه لا بد من حمل الماء المذكور فيها على الكر أو أكثر جمعا بينها و بين ما دل على انفعال القليل، و من هنا أشار شيخنا الأعظم الأنصاري (قده) في كتاب الطهارة الى ان الإشارة فيها تكون الى غدير الماء، مع انه ليس في الرواية ذكر للغدير، و كذلك الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 661.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات، ح 1.

(2) في الصفحة:

(3) كما عن صاحب المعالم- بنقل الحدائق ج 5 ص 489.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 131‌

..........

______________________________
بدعوى دلالتها على أن مجرد إصابة الكر كافية في طهارة ما أصابه فلا يحتاج الى الغسل فضلا عن تعدده، و كأنه لها نحو حكومة على ما دل على اعتبار الغسل أو تعدده في المتنجسات، فتكون مفسّرة لها بان ذلك انما يكون في التطهير بالماء القليل، و أما في غيره فيكفي فيه المرّة.

و يدفعها: ضعفها بالإرسال، و لا يمكن دعوى انجبارها بعمل المشهور، لانفراد العلامة بنقلها في كتاب المختلف الذي هو كتاب فقهي، و ليس من جوامع الأخبار و لم ينقلها غيره في شي‌ء من كتب الأحاديث كي يعلم العمل بها أو عدمه فالصغرى ممنوعة.

مضافا الى منع أصل الكبرى- كما مر غير مرة.

(الوجه الثالث): مرسلة الكاهلي عن رجل عن ابى عبد اللّٰه عليه السلام (في حديث) «. كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر» «1».

فإنها تدل على ان مجرد اصابة المطر كاف في طهارة الشي‌ء، من دون حاجة الى التعدد و بضميمة عدم القول بالفصل يتم ذلك في الجاري و الكر.

و فيه، أولا: انها ضعيفة بالإرسال.

و ثانيا: انها مختصة بالمطر، و دعوى عدم القول بالفصل بينه، و بين غيره من المياه العاصمة غير مسموعة، لأنها لا تزيد على الإجماع المنقول، مضافا الى معلوميّة الفرق بينه و بين سائر المياه في مسألة اشتراط العصر فيما يمكن عصره حيث انهم التزموا بعدم وجوب العصر فيه، فيمكن ان يكون عدم التعدد مثله في الاختصاص بالمطر.

نعم يمكن إلحاق الجاري به- دون الكر- لما قيل من ان المطر كالجاري فيجري الحكم في العكس أيضا أي يكون الجاري كالمطر أيضا من حيث سراية حكم كل منهما الى الآخر، و أما الكثير فلا.

(الوجه الرابع): صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 1 ص 109 باب 6 من الماء المطلق ح 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 132‌

..........

______________________________
في ماء جار فمرة واحدة» [1].

بدعوى: ان مفهوم قوله عليه السلام «اغسله في المركن مرتين» الذي هو عبارة عن الغسل بالماء القليل هو كفاية المرة في الغسل بغير القليل مطلقا، سواء أ كان ماء جاريا أم غيره، كالكر و المطر، و انما خص الجاري بالذكر في قوله عليه السلام «فان غسلته في ماء جار فمرة» لكثرة الابتلاء به في عصر صدور الرواية، و الا فلا يختص المرة بالجاري، بل يعم مطلق المياه العاصمة حتى الكر و المطر.

و يدفعها: ان ما ذكر ليس بأولى من العكس بان يقال: ان مفهوم قوله عليه السلام «فان غسلته في ماء جار فمرة» هو عدم كفاية المرة في غير الجاري مطلقا سواء أ كان ماء قليلا أم كثيرا، و انما خصّ القليل بالذكر، لكثرة الابتلاء به في مقابل الكر و المطر، إذ الكر لا يوجد غالبا في عصر صدور الروايات، إلا في الغدران في خارج البلدان بسبب اجتماع مياه الأمطار فيها، فإنه لم يتعارف في تلك الأزمنة صناعة الحياض في البيوت، كما هو اليوم، فلم يتعرض له في الحديث.

(الخامس): صحيحة داود بن سرحان، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام ما تقول في ماء الحمام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري» «2».

و تقريب الاستدلال بها هو ان يقال: ان مياه الحياض الصغار مع انها ماء قليل انما نزّلت منزلة الجاري، لاعتصامها بمادتها، و هي الماء الموجود في الخزانة، و هو ماء كثير، إذا فنفس المادة التي هي الماء الكثير تكون أولى بأن تنزل منزلة الجاري، فتدل الصحيحة على ان الماء الكثير يكون كالجاري في ترتب أحكامه عليه، فتكون مثله في كفاية الغسل مرة واحدة.

و فيه: ان التشبيه في الصحيحة انما هو من جهة الاعتصام و عدم الانفعال بملاقاة النجس، دون جميع الأحكام.

______________________________
[1] وسائل الشيعة ج 2 ص 1002 باب 2 من النجاسات، ح 1 تقدم الكلام في هذه الصحيحة في البحث عن اعتبار التعدد في الثوب المتنجس بالبول إذا غسل بالماء الكثير.

______________________________
(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 111 باب 7 من الماء المطلق، ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 133‌

..........

______________________________
توضيح ذلك: ان المياه الموجودة في الحياض الصغار في الحمامات حيث انها ماء قليل، ينفعل بملاقاة النجس لا محالة، و مجرد اتصالها بالخزانة بواسطة الثقوب الجارية عليها لا يوجب اعتصامها لدى العرف، لان المرتكز عندهم عدم تقوى السافل بالعالي، كما أنّه لا تسرى النجاسة من السافل الى العالي، لأنهما ماءان متغايران في نظر العرف، فعليه يكون مقتضى القاعدة انفعال مياه الحياض الصغار بملاقاة النجس، و من هنا وقع السؤال عنها في الروايات، و انها هل تنفعل بالملاقاة أولا، فأجابوا (عليهم السلام) بأنها معتصمة، لاتصالها بالمادّة، فالسؤال عن حكمها انما هو من جهة ان اعتصامها يكون على خلاف القاعدة و المرتكز في أذهان العرف، فيكون التشبيه بالجاري في كلامهم (عليهم السلام) منزّلا على خصوص الاعتصام، دفعا للتوهم المذكور، لا ان حكمها حكم الجاري مطلقا حتى في الاكتفاء بالمرة في الغسل به، فالصحيح انّه لا فرق فيما يعتبر فيه التعدد بين القليل و الكثير، إلا في الجاري حيث انه يكتفى فيه بالمرة، لقوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة
«1» «فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة».

(السادس): إطلاق أدلة التطهير بالماء- كالآيات و الروايات المتقدمة الدالة على طهورية الماء- و كذا إطلاق ما دل على وجوب غسل المتنجس بالماء من دون تقييده بمرتين أو أكثر- كما تقدم في البحث عن اعتبار التعدد في البول- و مقتضاه هو الاكتفاء بالمرة.

و فيه: ان هذا انما يتم لو لم يكن هناك إطلاق في أدلة لزوم العدد في الغسل بالماء، و الا فيقيد به إطلاقات تلك الأدلة، لأن العبرة بإطلاق دليل المقيد- كما ذكرنا.

فتحصل انه لا وجه يمكن الاعتماد عليه في القول باختصاص العدد بالماء القليل مطلقا، بل لا بد من ملاحظة دليله في كل مورد بخصوصه، فان كان فيه إطلاق يعم الكر يؤخذ به، و الا فيختص العدد بالقليل- كما مر.

هذا تمام الكلام في المورد الأول.

______________________________
(1) في الصفحة: 131.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 134‌

حتى في إناء الولوغ (1).

نعم الأحوط عدم سقوط التعفير فيه، بل لا يخلو عن قوة (2).

______________________________
و أما المورد الثاني أعني آنية الولوغ فيأتي الكلام فيه بعيد هذا.

(1) قد ذكرنا «1» انه نتكلم تارة في حكم مطلق ما يشترط فيه التعدد سواء الآنية أو غيرها، و أخرى في خصوص آنية الولوغ، أما المورد الأول فقد تقدم الكلام فيه على وجه التفصيل.

و أما (المورد الثاني)- أعني آنية الولوغ- فيكفي فيها الغسل مرة واحدة إذا غسل بالماء الكثير، لإطلاق أدلة الغسل الشاملة لها، و أما ما دل على اعتبار التعدد في مطلق الأواني- و هو موثق عمار المتقدم «2» فيختص بالقليل و أما صحيحة البقباق «3» الواردة في خصوص آنية الولوغ فهي مطلقة أيضا، لأن القدر الثابت منها هو قوله عليه السلام «اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» و أما رواية «مرتين» بعد قوله عليه السلام «بالماء» فلم تثبت كما تقدم «4» و أصالة عدم الزيادة فيما لو دار الأمر. بينها و بين النقيضة- نظرا الى ان احتمال الغفلة في طرف الزيادة أضعف و أهون من احتمالها في طرف النقيصة، لأن الناقل قد يغفل فيترك شيئا و ينقصه، و أما أنه يغفل فيزيد فهو احتمال ضعيف- فلو تمت فإنما هي في الموارد التي كان احتمال الغفلة في طرف الزيادة أضعف و أهون، و أما إذا كان أقوى- كما في هذه الرواية- لتفرد المحقق برواية الزيادة في المعتبر فلا وجه لتعيّن الأخذ بالزيادة بوجه، و المحقق «قده» و ان كان من أجلاء الأصحاب، الا ان تفرده في نقل هذه الزيادة يؤكد احتمال الغفلة في نقلها، و عليه لا دليل على اعتبار التعدد في غسل آنية الولوغ فيما لو غسلت بالمياه العاصمة- كالكر- فيكتفى فيها بالمرة.

(2) لإطلاق دليله الشامل للكثير أيضا و هو صحيحة البقباق‌

______________________________
(1) في الصفحة: 74 و 92

(2) في الصفحة: 93.

(3) تقدمت في الصفحة: 96

(4) في الصفحة: 97- 98

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 135‌

..........

______________________________
المتقدمة
«1» فيها «و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء» و هو يعم القليل و الكثير، بل يعم مطلق المياه العاصمة حتى الجاري و المطر.

نعم قد يتوهم عدم لزومه في التطهير بالمطر.

لمرسلة الكاهلي: «كل شي‌ء يراه المطر فقد طهر» «2».

بدعوى دلالتها على كفاية اصابة المطر في حصول الطهارة للمتنجس، سواء كان إناء أم غيره، فلا يجب التعفير في الإناء الذي أصابه المطر.

و أما صحيحة البقباق و ان كان مقتضى إطلاقها لزوم التعفير حتى في التطهير بالمطر، الا ان النسبة بينهما حيث كانت العموم من وجه فيسقطان في مورد المعارضة، و هو إناء الولوغ فيرجع فيه الى الأصل، أو يقدم المرسلة، لأن دلالتها تكون بالعموم و دلالة الصحيحة تكون بالإطلاق، و العموم مقدم على الإطلاق.

هذا غاية ما يمكن ان يوجه به القول بعدم لزوم التعفير في المطر.

و لكن يرد عليه، أولا: ان الرواية المذكورة ضعيفة بالإرسال.

و ثانيا: ان الظاهر انها تكون في مقام البيان من جهة خاصة غير ما نحن فيه، و هي كفاية مجرد إصابة المطر في طهارة ما اصابه من دون حاجة الى الغسل المعتبر فيه انفصال الغسالة أو العصر، و أنه لا يعتبر شي‌ء من ذلك و لا غيره من شروط التطهير، كالورود و التعدد فيه، و ليست في مقام بيان سقوط مطهر آخر، كالتعفير فيما يعتبر في طهارته ذلك، كآنية الولوغ، فإنه يعتبر في طهارتها أمران، الغسل بالماء، و التعفير بالتراب. فإذا المرجع في المقام يكون انما هو إطلاق صحيحة البقباق في لزوم التعفير حتى في المطر.

و لا يخفى ان المصنف «قده» قد ناقض ما قواه هنا مع ما ذكره في أول الفصل حيث انه عدّ التعفير هناك من شرائط التطهير بالماء القليل، و الصحيح‌

______________________________
(1) في الصفحة: 96

(2) الوسائل ج 1 ص 109 باب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 136‌

و الأحوط التثليث حتى في الكثير (1).

[ (مسألة 14): في غسل الإناء بالماء القليل يكفى صبّ الماء فيه]

(مسألة 14): في غسل الإناء بالماء القليل يكفى صبّ الماء فيه، و إدارته إلى أطرافه، ثم صبّه على الأرض ثلاث مرات (2) كما يكفى ان يملأه ماء ثم يفرغه ثلاث مرات (3).

______________________________
هو ما افاده هنا، كما أشرنا فيما سبق.

(1) حملا لموثق عمار الدال على التعدد في خصوص الماء القليل على الغالب، و الا فالكثير مثله.

(2) كما ورد في موثقة عمار- المتقدمة- عن الصادق عليه السلام قال:

«سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟

قال: يغسل ثلاث مرات، يصبّ فيه الماء، فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه و قد طهر.» «1».

(3) قال في الحدائق «2»: «صرح جمع من الأصحاب بأنه لو ملأ الإناء ماء كفى إفراغه منه عن تحريكه، و أنه يكفى في التفريغ مطلقا وقوعه بآلة، لكن يشترط عدم إعادتها قبل تطهيرها، و قيده بعضهم يكون الإناء مثبتا بحيث يشق عليه.».

و لكن استشكل فيه في الجواهر «3» قائلا: «و ظاهر الموثق السابق- يعنى موثق عمار- يقتضي عدم الاكتفاء في التطهير بملإ الإناء ثم إفراغه، و ان حكاه في الحدائق عن تصريح جماعة من الأصحاب، فتأمل و انه لا يخلو من اشكال».

أقول: لا ينبغي الإشكال فيما أفاده في الحدائق من كفاية ملأ الإناء ثم إفراغه، لان المتفاهم عرفا من الأمر بتحريك الماء في الإناء كقوله عليه السلام‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات، ح 1.

(2) ج 5 ص 498.

(3) ج 6 ص 376.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 137‌

[ (مسألة 15) إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات]

(مسألة 15) إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات، أو غيره حتى يكفى فيه المرة، فالظاهر كفاية المرة (1).

______________________________
في الموثقة «يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ منه» انما هو إيصال الماء الى جميع أطرافه و عدم الاكتفاء بمجرد الصبّ في قعره، لا لخصوصيّة تعبديّة في تحريك الماء فيه، و الا لما أمكن تطهير الإناء المثقوب في قعره، لعدم استقرار الماء فيه، و ان أوصلنا ألما إلى أطرافه، فعليه لا وقع لتأمل صاحب الجواهر «قده» في المقام، إذ هو مبنى على الجمود على ظاهر النص بلا موجب، كيف و ملأ الإناء ماء لا ينقص عن تحريك الغسالة فيه.

الشك في كون متنجس من الظروف

(1) الشك في متنجس انه من الظروف أم لا يكون على نحوين.

(الأول): ان يكون الشك من جهة الشبهة المفهومية، لتردد مفهوم الإناء بين الأقل و الأكثر- كما إذا شك في أن الطست، مثلا، هل يطلق عليه الإناء- عرفا- أو لا؟ لعدم كونه معدّا للأكل و الشرب.

(الثاني): ان يكون الشك من جهة الشبهة الموضوعيّة لظلمة أو عمى و نحوهما.

أما الأول: فلا ينبغي الشك في الاكتفاء فيه بالمرة، تمسكا بإطلاق أو عموم ما دل على كفاية الغسل الصادق على المرة، كقوله عليه السلام في موثقة عمار المتقدمة «و اغسل كل ما اصابه ذلك الماء» «1» و ذلك لان القدر المتيقن في تقييده انما هو ما صدق عليه الإناء جزما، و أما الفرد المشكوك فيه فلم يقم دليل على خروجه عن الإطلاق فيبقى تحته.

و ذلك لما ذكرناه في محله من ان تخصيص العام أو تقييد المطلق و ان كان موجبا لتعنون العام المخصّص بعنوان عدمي، أي عدم ذاك الخاص، فيما إذا كان المأخوذ في دليل الخاص عنوانا وجوديا، لاستحالة الإهمال في مقام الثبوت،

______________________________
(1) الوسائل ج 1 ص 106 الباب 4 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 138‌

..........

______________________________
لان الموضوع في دليل العام بالإضافة إلى الخاص لا يخلو عن احتمالات ثلاثة، إما أن يكون مطلقا بالإضافة اليه أو مقيدا بوجوده أو بعدمه، لا سبيل إلى الأولين- كما هو واضح- لان المفروض تخصيص العام به، فيتعين الثالث، اى يكون موضوع العام مقيدا بعدم ذاك الخاص لا محالة، من دون فرق في ذلك بين العمومات اللفظية أو غيرها، إذ البحث انما هو في مقام الثبوت الذي لا يمكن الإهمال فيه، الا ان هذا التعنون بالعنوان العدمي بالدليل المنفصل انما يكون بالمقدار الذي قامت الحجة عليه على خلاف حجية العام المنعقد ظهوره في العموم، و أما الزائد المشكوك فيه فحيث لم تقم حجة بالنسبة اليه على خلاف العام، فيبقى العام على حجيّته فيه- كما هو الحال في جميع موارد الشبهة المفهومية للخاص- فان ما قامت عليه الحجة على خلاف حجية العام انما هو في المقدار المتيقن من الخاص دون الأعم.

و أما الثاني- أعني الشبهة المصداقية- فيكتفى فيه بالغسل مرة واحدة أيضا، تمسّكا بإطلاق ما دلّ على كفاية الغسل مرة واحدة الا انه ليس من جهة صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، لما منعاه في محله من جهة تردد الفرد بين حجّتين، بل من جهة تنقيح موضوعه ببركة الاستصحاب، فإن الشي‌ء المصنوع إناء لا بد فيه من حالة سابقة تكون مادة الإناء، كالطّين، و المعدن- كالحديد و الصفر و نحوها- فان الإنائية تحصل من الصورة العارضة لهذه المواد، و الأصل عدم عروضها عليها، و عليه لا حاجة الى التمسك باستصحاب العدم الأزلي لتحقق العدم النعتي في أمثال المقام و ان قلنا بحجيته.

و مما ذكرنا ظهر فساد احتمال الرجوع الى استصحاب النجاسة بعد الغسل مرة، و ذلك لإطلاق أدلة الغسل بعد إحراز موضوعها بالأصل.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net