انفصال الغسالة 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌5   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 70

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 139‌

[ (مسألة 16) يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة]

(مسألة 16) يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة على المتعارف (1).

______________________________
لزوم انفصال الغسالة في الغسل بالماء القليل

(1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة في الغسل بالماء القليل و أخرى بالماء الكثير، فالبحث يكون في مقامين.

(الأول): في الغسل بالقليل، قال في المتن: انه يشترط فيه انفصال الغسالة على النحو المتعارف، و هذا هو المشهور، بل ربما يدعى «1» عليه الإجماع، و عن جماعة من المتأخرين التردد فيه، و عن بعضهم الجزم بالعدم.

و الوجه في ذلك هو توقف مفهوم الغسل عليه، و لا يكفي في صدقه مجرد صبّ الماء على المتنجس إذا لم ينفصل عنه ماء الغسالة- كما إذا صب الماء في كفه المتنجس و لم ينفصل عنه الماء- و أما ما ورد في بعض الروايات [1] من الأمر بصب الماء على المتنجس- كالجسد- فإنما هو من أجل كونه مصداقا للغسل في مورده، فان المغسول إذا كان مما لا ينفذ فيه الماء- كالبدن- تنفصل عنه الغسالة بنفسها من دون حاجة الى علاج، كالعصر و نحوه، و من هنا قابله- في الحديث المذكور- في الثوب بالغسل، لعدم تحقق مفهومه فيه إلا بالعصر.

و بعبارة أخرى: لم يعتبر الشارع في إزالة القذارات الشرعيّة أمرا زائدا على ما هو المرتكز في أذهان العرف بالنسبة إلى إزالة القذارات العرفيّة، نعم قد كشف عن قذارات لم يكشف عنها العرف، الا انه لم يزد شيئا على ما هو المرتكز عندهم في كيفيّة إزالتها، إلا في موارد خاصة، كالتعدد في البول، و التعفير في الولوغ، و العرف انما يعتبر انفصال الغسالة لتحملها قذارة المغسول.

و ان شئت فقل: ان المتبادر- عرفا- من الأمر بالغسل انما هو تخليص‌

______________________________
[1] كحسنة حسين أبى العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء، و سألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين.» الوسائل ج 2 ص 1001 باب 1 من النجاسات، ح 4.

______________________________
(1) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 599.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 140‌

ففي مثل البدن و نحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفى صب الماء عليه، و انفصال معظم الماء، و في مثل الثياب و الفرش مما ينفذ فيه الماء لا بد من عصره (1)

______________________________
الشي‌ء و تنزيهه عن القذارات الحقيقية أو الحكميّة، و لا يتحقق ذلك الا بانفصال الغسالة، لأنها تحمل القذارة عن المغسول و تزيلها عنه، فلا بد من انفصالها بنفسها كما في الأجسام التي لا يرسب فيها الماء- كبدن الإنسان- أو بعلاج- كالعصر و الدق و نحوهما- فيما يرسب فيه الماء- كالثوب و الفرش و نحوهما- فلا يكفى التجفيف بالشمس و الهواء و نحوهما في الغسل.

لزوم العصر فيما يقبل العصر

(1) توضيح المقام بان يقال: ان المغسول بالماء يكون على ثلاثة أقسام.

(الأول): ما لا ينفذ فيه الماء- كالبدن و الحجر و الفلزات و نحوها.

(الثاني): ما ينفذ فيه الماء و يمكن إخراجه بالعصر- كالثوب و الفرش و نحوه.

(الثالث): ما ينفذ فيه الماء، و لا يمكن إخراجه بالعصر- كالصابون و الطين و الفواكه و الحبوبات و نحوها.

وقع الكلام في كيفيّة تطهير هذه الأقسام من جهة لزوم انفصال الغسالة عنها و عدمه.

اما (الأول): فيكفي في تطهيره صب الماء عليه، لانفصاله عنه بطبعه و يكفى فيه هذا المقدار- كما تقدم- و هذا ظاهر.

و أما (الثاني): فلا بد فيه من إخراج الغسالة بالعصر و نحوه، و ذلك إما لتقوم مفهوم الغسل به- لغة و عرفا- و إما لعدم حصول الغاية منه الا بذلك بمعنى انه لو لم نقل بدخوله في مفهومه و قلنا بكفاية مجرد غلبة الماء في صدق مفهوم الغسل لوجب انفصال الغسالة أيضا، لعدم حصول الغاية منه الا بذلك، لان غسل النجاسات الشرعيّة لا ينقص عن إزالة القذارات العرفيّة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 141‌

أو ما يقوم مقامه، كما إذا دسّه برجله أو غمزه بكفه، أو نحو

______________________________
في عدم حصول الغرض منهما، الا بانفصال الغسالة، لأن الغاية من الغسل انما هي النظافة و لا تحصل في المغسول الا بانفصال الغسالة عنه، لأنها تحمل القذارة الموجودة فيه، فلا بد من إخراجها عنه، كي يصير نظيفا.

فعليه يكون اعتبار العصر فيما يعصر هو مقتضى القاعدة الأوليّة من دون حاجة الى تعبّد شرعي.

و هذا مما ينبغي ان لا يفرق فيه بين الغسل بالماء القليل أو الكثير، لأن المأمور به فيهما انما هو الغسل، و لا يتحقق ذلك الا بانفصال الغسالة، إما لتقوم مفهومه به و إما لعدم حصول الغاية منه الا بذلك، و هذا عام يشمل الكثير.

الا انه مع ذلك فقد يتوهم «1» وجوبه تعبدا للنص الخاص، و هو.

حسنة حسين بن أبى العلاء (في حديث) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الصّبي يبول على الثوب؟ قال: تصب عليه الماء قليلا، ثم تعصره» «2».

و لكن يندفع بأنها و ان كانت حسنة السند، الا أنها ممنوعة الدلالة، لأن موردها بول الصبي، و هو مما يكفى فيه مجرد الصب إجماعا و نصا، فلا بد من حمل الأمر بالعصر فيها على الاستحباب، أو على أمر عرفي، و هو ما يتعارف في غسل الثياب من العصر بعد صبّ الماء مقدمة لتجفيفها.

هذا تمام الكلام في القسم الثاني، و أما القسم الثالث فيأتي الكلام فيه.

______________________________
(1) حكى الاستدلال بالرواية المذكورة عن العلامة في المنتهى- بنقل مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 599.

(2) الوسائل ج 2 ص 1002 باب 3 من أبواب النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 142‌

ذلك (1) و لا يلزم انفصال تمام. الماء (2) و لا يلزم الفرك و الدّلك إلا إذا كان فيه عين النجس أو المتنجس (3).

______________________________
(1) لوحدة الملاك في الجميع، و هو انفصال الغسالة عن المغسول في جميع الفروض، إذ لا موجب للعصر سوى ذلك.

(2) لصدق الغسل عرفا و لو مع بقاء شي‌ء من الماء في المغسول فيتبع المحل في الطهارة.

هل يعتبر الفرك و الدّلك؟

(3) حكى «1» عن العلامة في النهاية و التحرير [1] انه اعتبر في طهارة الجسد و نحوه من الأجسام الصلبة الدلك [2] مستدلا على ذلك- في المنتهى- بما ورد في:

موثقة عمار- الواردة في آنية الخمر- عن أبى عبد اللّٰه عليه السلام قال:

«سألته عن الدّن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خل. الى ان قال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر؟ قال: تغسله ثلاث مرات، و سئل أ يجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، و يغسله ثلاث مرات» «4».

فان موردها و ان كان قدح الخمر الا انه يتعدى عنه الى مطلق المتنجس بإلغاء خصوصيّة المورد في النجس و ملاقيه.

و فيه: أنه ليس ذكر الدّلك في الموثقة لتعبد فيه، بل إنما أمر به لأجل إزالة رسوبات الخمر من الإناء، لا سيما في الأواني المصنوعة من الخزف‌

______________________________
[1] ص 24 قال فيه «لا بد من عصر الثوب و دلك الجسد و يكفى الدق و التقليب فيما يعسر عصره و لو أخل بالعصر لم يطهر الثوب».

[2] دلك الشي‌ء بيده دلكا: مرسه و غمزه و فركه. أقرب الموارد- و فرك الثوب فركا: دلكه- أقرب الموارد- فهما بمعنى واحد، و هو في الفارسية بمعنى «سائيدن».

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 369.

(4) وسائل الشيعة ج 2 ص 1074 باب 51 من النجاسات، ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 143‌

و في مثل الصابون و الطين و نحوهما مما ينفذ فيه الماء و لا يمكن عصره فيطهر ظاهره بإجراء الماء عليه (1) و لا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه.

______________________________
أو الخشب- كما هو الغالب في عصر صدور الروايات- إذ لا تزول الا بالدّلك، فهو لإزالة عين النجس، و نحن لا ننكر اعتبارها في التطهير و انما الكلام في شرائط التطهير بعد زوال العين من دون فرق بين الأواني و غيرها، و الظاهر ان العلامة أيضا لا يريد أزيد من ذلك.

و مما يدل على كفاية مجرد زوال العين بأي وجه أمكن ما في:

حسنة الحسين بن أبى العلاء حيث قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء.» «1».

فإنه علل عليه السلام كفاية الصب في التطهير عن البول بأنه ماء، اى لا يحتاج في إزالته إلى علاج آخر، و يكفى فيها مجرد الصب، و من هنا لم يرد في شي‌ء من الروايات الدالة على تطهير المتنجسات ما يدل على كيفية خاصة لازالة أعيان النجاسات عنها.

تطهير ما يرسب فيه الرطوبة و لا يعصر

(1) القسم الثالث من الأجسام المتنجسة هو ما يرسب فيه الماء و لا يقبل العصر، فلا يمكن إخراج الغسالة منه- كالصابون و الطين و الخزف، و الخشب، و الحبوبات و الخبز و الجبن و اللحم و الفواكه و نحوها.

و قد وقع الإشكال في تطهيرها، تارة، من جهة تعذر تحقق الغسل بالنسبة إلى أجزائها الباطنية لاشتراطه بغلبة الماء و جريانه، بل انفصاله عن المغسول، و لا يتحقق شي‌ء من ذلك بالنسبة إلى باطن هذه الأشياء، لأن ما‌

______________________________
(1) تقدمت ص 60.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 144‌

..........

______________________________
ينفذ فيها ليس ماء، بل هي رطوبة مائية.

و اخرى: من جهة بقاء الغسالة في باطنها، لعدم قبولها للعصر حتى تخرج الغسالة.

و لتوضيح الحال لا بد من التكلم في مقامين (الأول) في التطهير بالماء القليل و (الثاني) في التطهير بالكثير.

أما الأول فيقع البحث فيه عن جهات ثلاث:

(الأولى) فيما إذا لم يتنجس الا السطح الظاهر من هذه الأشياء من دون نفوذ النجس أو المتنجس في باطنها، فهل يطهر بالغسل بالقليل أولا؟

فنقول لا ينبغي الإشكال في حصول طهارته بصب الماء عليه على حد سائر الأجسام الصلبة غير القابلة للعصر، لصدق غسل ظاهرها بذلك.

نعم قد يقال [1] بالعدم، لاشتراط الطهارة بالقليل بانفصال الغسالة و هو غير متحقق في المقام، لنفوذ مقدار منها أو جميعها في باطن الجسم [2].

و فيه: انه يكفى في تحقق انفصال الغسالة انفصالها عن المحل المغسول، و ان انتقلت الى سطح آخر من الجسم، أو نفذت في جوفه، و لا‌

______________________________
[1] قال في الجواهر ج 6 ص 150: «اما غسلها بالقليل (يعنى غسل هذه الأجسام فيما إذا لم تنفذ النجاسة في أعماقها) فصريح جماعة من المتأخرين كظاهر آخرين عدم حصول الطهارة به، بل في اللوامع نسبته لأكثر معتبري العصر، كما في المعالم الى المعروف بين متأخري الأصحاب، لنجاسة الغسالة، و توقف صدق مسمى الغسل بالقليل على العصر و ما يقوم مقامه، أو على الانفصال الممتاز به عن الصب».

و قريب منه في مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 603.

[2] و قد تردد في الجواهر (ج 6 ص 152) في مراد القائلين بالمنع بين ان يكون مرادهم عدم قبول الطهارة حتى السطح الظاهري الذي جرى عليه الماء، أو ان المراد طهارة ذلك السطح و ان تنجس الباطن بالغسالة؟ قال (قده): «وجهان ينشآن من احتمال اشتراط الطهارة بالانفصال المتعذر هنا باعتبار كونه في الباطن و عدمه، و لعل الأقوى الثاني، فتأمل» و لعل وجه التأمل هو ان ما ذكر دليلا للمنع يقتضي عدم حصول الطهارة حتى للسطح الظاهر، فراجع ما ذكر «قده» دليلا للمنع في ص 150 من الجواهر ج 6، و عمدته ما أشرنا إليه في المتن و ذكر وجهين آخرين أحدهما:

نجاسة الغسالة النافذة في باطن الجسم، الثاني: اشتراط العصر في مفهوم الغسل و هو غير ممكن في المقام و فيهما منع ظاهر.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 145‌

..........

______________________________
يعتبر انفصالها عن الجسم بتمامه، و من هنا لو تنجس ذراعه و صبّ الماء عليه يطهر ذراعه، و ان اجتمعت الغسالة في كفه، و هكذا إذا تنجس قطعة من الأرض يطهر بصبّ الماء عليها و ان انتقلت الغسالة إلى قطعة أخرى منها، أو نفذت في باطنها، كما في الأرض الرّخوة و نحوها، و أما تنجس الباطن بالغسالة- على القول بنجاستها- فكلام آخر يأتي البحث عنه في الجهة الثانية، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في طهارة ظاهرها بالماء القليل.

(الجهة الثانية) في انه هل يتنجس باطن الأجسام المذكورة بنفوذ الغسالة فيها أم لا.

ربما يتوهم: تنجسها بها أما على القول بنجاسة الغسالة مطلقا فظاهر، و أما على القول بنجاسة خصوص ما لا يتعقبها طهارة المحل فيفرض الكلام فيها بالخصوص، فإذا كان مثل الحنطة و نحوها لا يجوز أكلها، و ان طهر ظاهرها بالغسل.

و يندفع: بأن الأجزاء المائية الراسخة في المغسول تكون كالغسالة المتخلفة في الثوب بعد عصره في الحكم بتبعيّتها للمحل في الطهارة و النجاسة بعد انفصال معظم الغسالة عنه، و قد تقدم في بحث الغسالة أن الغسالة المتخلفة محكومة بالطهارة و الحكم المذكور ليس تعبديا محضا، بل هو أمر يشهد به العرف في تنظيف القذارات العرفيّة، إذ بقاء المتخلف، أو نفوذ مقدار من الغسالة في المغسول يكون من لوازم التطهير، و الا لتعذر أو تعسر، مع ورود الأمر بغسل المتنجسات و دلالة الروايات على حصول الطهارة لها بذلك، و هذا يكون نظير سراية مقدار من الغسالة إلى أطراف المحل المغسول، كالثوب و نحوه في أنها من لوازم التطهير، و لا بد من الحكم بطهارته تبعا للمحل، و كانتقال غسالة بعض أجزاء الثوب الى بعضها الأخر عند عصره، فإنه لا يمكن عادة إخراج الغسالة من جميع أجزائه، بل تنتقل غسالة بعضه الى البعض الأخر بالعصر، و يخرج المعظم من معظم الثوب، و يبقى مقدار منها في الثوب و ان عصر، و هذا هو المتخلف المحكوم بالطهارة شرعا، و بالنظافة عرفا،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 146‌

..........

______________________________
و كذلك المقام [1].

(الجهة الثالثة) في إمكان تطهير بواطن الأجسام المذكورة- مثل الصابون و الحبوبات و نحوها- لو نفذ الماء النجس إليها.

الظاهر إمكانه و لو كان الغسل بالماء القليل، و ذلك لكفاية نفوذ الماء الطاهر الى باطن الصابون- مثلا- و استيلائه على الأجزاء المائية الموجودة في الباطن، و هذا المقدار كاف في شمول إطلاق أدلة الغسل [2] لان المتفاهم- عرفا- من قوله «اغسله» هو طهارة المغسول بتمام اجزاءه الخارجيّة و الداخليّة باستيلاء الماء على ظاهره و نفوذه في الباطن مستوليا على الاجزاء المائية النجسة، و هذا هو المرتكز في أذهان العرف في غسل القذارات العرفية- كالوسخ و نحوه.

نعم قال جمع «3» بعدم حصول الطهارة لبواطن هذه الأجسام إذا غسلت بالماء القليل، و ذلك لتعذر تحقق مفهوم الغسل بالنسبة الى الاجزاء الباطنيّة، لاشتراطه بغلبة الماء و جريانه، بل انفصاله عنها و لا يتحقق شي‌ء من ذلك بالنسبة إلى الأجزاء الباطنية في الأجسام المذكورة، لا سيما إذا كانت الرطوبة النجسة باقية فيها، فإنها تمنع عن رسول الماء الطاهر فيها. و هذا غاية الإشكال في المقام [3].

و يندفع: بان الحاكم في تحقق مفهوم الغسل و عدمه في الأشياء إنما‌

______________________________
[1] نعم لو فرض نفوذ تمام الغسالة النجسة إلى داخل المغسول- كما في الأرض الرخوة و نحوها- يتنجس باطن الجسم بها و ان طهر ظاهره.

[2] قد يتوهم: عدم وجود إطلاق أو عموم في أدلة الغسل بالماء القليل، لورودها في موارد خاصّة، كالثوب و البدن و نحوهما، فلا يشمل المقام.

و يندفع بان مقتضى القاعدة الكليّة المستنبطة من استقراء الموارد الخاصّة هو طهارة كل متنجس إذا غسل على الوجه المعتبر شرعا، و الا لاحتجنا الى الدليل في كل متنجس بخصوصه، و السر فيه هو ان إزالة القذارات بالغسل أمر عرفي أمضاه الشارع مع شروط و إضافات كالتعدد و التعفير في بعض الموارد، و قد نبّه ايضا على قذارات لم يتنبه لها العرف، لا أكثر، فلم يشرّع أمرا زائدا في كيفيّة أصل التطهير.

[3] و قد استند اليه جمع من الأصحاب تقدم ذكرهم في تعليقة الصفحة: 144.

______________________________
(3) قد تقدم ذكرهم في تعليقة ص 144.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 147‌

..........

______________________________
هو العرف، فلا بد من أتباعه إذا لم يرد دليل على الرّدع، و هو لا يحكم بأزيد من استيلاء الماء الطاهر على ظاهر الجسم و النفوذ في أعماقه في حصول النظافة العرفيّة و الطهارة الشرعيّة للمجموع، اعنى مجموع الظاهر و الباطن، و لا يعتبر العرف جريان الماء الا بالنسبة إلى الجزء المغسول استقلالا- كالسطح الظاهر في الأجسام المذكورة، و أما ما لا يتعلق به الغسل استقلالا- كالأجزاء الباطنيّة في الأجسام المفروضة- فيكتفى فيه بنفوذ الأجزاء المائية إليها من السطح الظاهر فيحكم بطهارتها بذلك، و هذا نظير العصر المعتبر في تحقق مفهوم الغسل فيما يمكن عصره كالثياب، فان العرف لا يعتبر تحقق مفهومه إلا في مجموع الثوب، دون كل جزء جزء منه، لان كثيرا من أجزائه- لا سيما إذا كان الثوب كبيرا- لا يتأثر بالعصر جزما، الا بعلاج شديد غير معتبر، بل يكتفى بعصر المجموع من حيث المجموع في صدق مفهومه.

و الحاصل: ان الغسل بالماء و ان كان معتبرا في حصول الطهارة، الا انه يختلف مصاديقه باختلاف الموارد، فتارة: يكتفى في تحقق مفهومه بصب الماء على الشي‌ء و انفصال الغسالة عنه، كما في القسم الأول من الأجسام، و هو ما لا يرسب فيه الماء و لا يقبل العصر، كالفلزات و بدن الإنسان، و أخرى: يعتبر فيه العصر، و انفصال الغسالة به، كما في القسم الثاني من الأجسام، و هو ما يرسب فيه الماء و يقبل العصر، كالثياب، و الفرش و نحوها، و ثالثة: لا يعتبر فيه العصر و يكتفى باستيلاء الماء القاهر عليه و نفوذه في باطنه، كما في القسم الثالث، و هو ما لا يقبل العصر و لكن يقبل نفوذ الماء في باطنه، كما هو مفروض الكلام- كالحبوبات و الصابون و نحوها- فيطهر ظاهرها بصب الماء عليه استقلالا كما يطهر باطنها ايضا بنفوذ الماء الطاهر فيه، و يؤيد ذلك مساعدة العرف عليه في رفع القذارات العرفيّة، فتحمل عليه الأوامر الشرعيّة في النجاسات، لأنها منزلة على المفاهيم العرفية، الا ان يدل دليل خاص على اعتبار قيود أزيد مما يعتبره العرف، كالتعدد، و التعفير، و الورود و غير ذلك في بعض الموارد، إذ لم يرد في هذا الباب (اعنى باب تطهير المتنجسات) تعبد خاص في أصل مفهوم الغسل و ان ورد في شرائطه، نعم لا بد من التجفيف أولا فيما إذا كانت الرطوبة المتنجسة باقية في باطن‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 148‌

..........

______________________________
الأجسام المذكورة ثم غسلها بالماء القليل، لئلا تمنع من نفوذ الماء الطاهر في أعماقها، أو ادامة صب الماء عليه إلى أن يطمأن بنفوذ الماء الطاهر الى باطنه [1].

ثم انه قد يستدل «1» لكفاية غسل هذه الأجسام- أعني ما ينفذ فيها النجس كالصابون و الحبوبات- بالماء القليل بدليل نفى الضرر و الحرج.

و أجيب «2» عنه بان الحرج و الضرر لو فرض تحققهما في مورد، فإنما ينفيان التكليف، فلا يعمان الوضع، كالنجاسة.

و في كليهما نظر: أما الجواب فلعدم دليل على اختصاصهما بالأحكام التكليفيّة، بعد شمول عموم دليلهما لكلا الحكمين التكليفي و الوضعي، و من هنا استدل الشيخ (قده) و غيره بحديث نفى الضرر، لنفى لزوم المعاملة الغبنيّة، مع انه حكم وضعي، و لم يستشكل عليهم أحد بأن دليل نفى الضرر لا يعم الحكم الوضعي.

و أما أصل الاستدلال ففيه: ان دليل نفى الضرر أو الحرج إنما ينفي‌

______________________________
[1] كما أشار «دام ظله» الى ذلك في تعليقته الآتية على قول المصنف (قده) (و لا يلزم تجفيفه) بقوله: (الظاهر انه تعتبر في صدق الغسل تجفيفه أو ما يقوم مقامه من التحريك في الماء، أو إبقائه فيه بمقدار يعلم بخروج الأجزاء المائية النجسة من باطنه).

و هذا و ان كان بالنسبة إلى الماء الكثير الا ان وحدة الملاك يقتضي إجرائه في القليل ايضا، و لا بد في القليل من ورود الماء على المتنجس بإدامة الصب عليه، و معنى ذلك بعدم تبعيّة الباطن للظاهر- كما قيل «3»- بأن يكتفى بما فيه من النداوة عن إيصال الماء المستعمل في تطهيره الى ما في أعماقه بدعوى ان الاتصال كاف في طهارتها، لان الماء لا يرسب فيها مع اشتمالها على الرطوبة الشاغلة لها و لا أقل من تعذر بتحصيل العلم بالوصول، و من هنا قال دام ظله في (مسألة 420) من المنهاج ج 1 ص 126 في مسألة تطهير الصابون و نحوه «و في طهارة باطنه تبعا للظاهر اشكال و ان كان لا يبعد حصول الطهارة للباطن بنفوذ الماء الطاهر فيه على نحو يصل الى ما وصل اليه النجس فيغلب على المحل.» فلاحظ و سيأتي تتمة توضيح في الطهارة التبعية للباطن في ذيل مسألة 22.

______________________________
(1) المحقق الهمداني في كتاب الطهارة ص 604 مستظهرا ذلك من رواية زكريا ابن آدم الواردة في غسل اللحم المتنجس و يأتي ذكرها في الشرح في ذيل (مسألة 22).

(2) كما عن المدارك- الحدائق ج 5 ص 372.

(3) المستمسك ج 2 ص 40.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 149‌

و اما في الغسل بالماء الكثير (1).

______________________________
الحكم الضرري أو الحرجي، لا عدمه، لان عدم الحكم ليس من المجعولات الشرعيّة كي يرفع امتنانا، و في المقام انما ينشأ الضرر أو الحرج- على فرض تحققها في مورد- من عدم حكم الشارع بطهارة بواطن هذه الأجسام بالغسل بالقليل، و عدم الحكم ليس من المجعولات الشرعيّة، نعم لو قلنا بان الحكم بالنجاسة بقاء (اى بعد الغسل) يكون ضرريا أو حرجيا كان له وجه، الا انه من المقطوع به حكم الشارع بالنجاسة في أمثال المقام مما لا يمكن تطهيره و لو استلزم منه الضرر أو الحرج كالحكم بنجاسة الدهن و الزيت و المرق و نحوها مما لا يقبل التطهير، و كالحكم بإراقة الإنائين المشتبهين و انتقال الفرض الى التيمم، فان الحكم بالنجاسة في هذه الموارد يكون ضرريا أو حرجيا الا انه من المقطوع به ثبوته [1]. هذا تمام الكلام في غسل الأجسام المذكورة بالماء القليل، و أما الكلام في غسلها بالماء الكثير فيأتي في المقام الثاني.

الغسل بالماء الكثير و انفصال الغسالة

(1) الكلام في المقام الثاني و هو الغسل بالماء الكثير.

المغسول بالماء الكثير أيضا يكون على ثلاثة أقسام.

(الأول): الأجسام التي لا ينفذ فيها الماء- كالفلزات و الأواني المصنوعة منها، و بدن الإنسان و نحو ذلك- فقد ذكر في المتن أنها تطهر بمجرد غمسها في الماء بعد زوال العين، اى لا يحتاج الى انفصال الغسالة.

و هو الصحيح، لصدق الغسل بذلك عرفا فيما لا يرسب فيه الماء و لا‌

______________________________
[1] و لا يخفى ان الضرر و الحرج انما ينشئان من التكليف بالاجتناب عن النجس في الأكل أو الشرب، كما إذا كان الماء منحصرا به، و لم يكن عنده ماء آخر و هو عطشان، و لا إشكال في انه يجوز شرب الماء النجس في الفرض المزبور، إذ الحكم بالاجتناب يكون ضررا أو حرجا و أما نفس النجاسة فلا ضرر و لا حرج فيه ما لم يستلزم المنع عن الاستعمال، و لعل هذا هو مراد المجيب المذكور القائل بأن الحرج و الضرر لو فرضا فإنما ينفيان التكليف، و لا يصلحان لإثبات التطهير.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 150‌

..........

______________________________
حاجة الى انفصال الغسالة في مثل ذلك، لكفاية مجرد استيلاء الماء القاهر في صدق مفهوم الغسل في المورد المذكور.

(القسم الثاني): ما ينفذ فيه الماء و يقبل العصر- كالثياب- و قد ذكر في المتن انه لا يعتبر فيه العصر و لا التعدد أقول: أما التعدد فقد تقدم «1» الكلام فيه و يأتي الإشارة إليه أيضا.

و أما العصر فالصحيح اعتباره [1] و لو كان الغسل بالماء الكثير، و ذلك اما لعدم تحقق مفهوم الغسل بدونه أو لعدم حصول الغاية منه عرفا الا بذلك في مفروض الكلام- اى ما ينفذ فيه الماء- فلا بد من عصره أو ما بحكمه مما يوجب خروج الغسالة عنه، كالفرك و الدلك و نحوهما.

و بعبارة اخرى: انه لو سلمنا عدم اعتبار العصر و لا انفصال الغسالة في مفهوم الغسل- بدعوى كفاية مجرد استيلاء الماء في صدقه، و من هنا قلنا بكفاية وضع الأجسام التي لا ينفذ فيه النجس في الكثير في حصول الطهارة لها، و ان لم يخرج بعد من الماء، لكن لا بد و ان نسلم ان المتفاهم عرفا من الأمر بالغسل ليس إلا إرادة تخليص المغسول و تنظيفه من القذارات الشرعيّة العينية أو الحكميّة، كما هو الحال في غسل القذارات العرفيّة، إذ العرف لا يرى حصول الغرض من الغسل- و هي النظافة- الا بانفصال الغسالة الحاملة للقذارة عن المغسول الذي نفذ النجس أو المتنجس في باطنه، فاعتبار عصر مثل الثوب ليس لأمر تعبدي، و لا لدخوله في مفهوم الغسل، بل انما هو لإخراج الغسالة الحاملة للقذارة من المغسول الموجب لتحقق النظافة التي هي الغرض من الغسل، فالعصر يكون مقدمة لإخراج الغسالة، و خروجها يكون‌

______________________________
[1] و من هنا جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف (قده) (و لا العصر و لا التعدد):

«الظاهر اعتبار العصر، أو ما بحكمه في غسل الثياب و نحوها بالماء الكثير أيضا، و قد مر حكم التعدد و غيره».

أقول: قد مر حكم التعدد في المتنجس بالبول في أول الفصل في الصفحة.

و في الأواني في ذيل مسألة 7 و قد مر ايضا ان التعفير لا يختص بالماء القليل في أول الفصل أيضا في الصفحة.

______________________________
(1) في ذيل (مسألة 13).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 151‌

..........

______________________________
مقدمة لحصول النظافة التي هي المطلوبة في المقام.

فظهر مما ذكرنا: انه لا وجه لتخصيص اعتبار العصر بالماء القليل، بل يعتبر في الغسل بالكثير أيضا.

(القسم الثالث) من الأجسام هو ما ينفذ فيه الماء و لكن لا يقبل العصر كي تخرج الغسالة منه- كالصابون و نحوه- و قد تقدم الكلام في غسله بالماء القليل.

و أما غسله بالماء الكثير- الذي هو محل الكلام هنا- فقد ذكر في المتن: انه ان وصلت النجاسة إلى أعماقه يكفي في طهارتها مجرد نفوذ الماء الطاهر الكثير فيها، و لا يلزم تجفيفه أولا، نعم لو كان النافذ فيه عين النجس- كالبول- مع بقائها فيه يعتبر تجفيفه، لازالة العين، بمعنى عدم بقاء مائيّته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه، فإنه بالاتصال بالكثير يطهر، فلا حاجة الى التجفيف ففرّق «قده» بين عين النجس و المتنجس إذا نفذا فيه، هذا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌5، ص: 151

و لكن الظاهر لزوم التجفيف أو ما بحكمه مما يوجب نفوذ الماء الطاهر في باطن الأجسام المذكورة كالتحريك في الماء، أو إبقائه فيه بمقدار يعلم بخروج الأجزاء المائية النجسة من باطنه حتى في المتنجس- كما ذكرنا في التعليقة [1]- و ذلك لعدم كفاية مجرد اتصال الرطوبة الداخليّة بالكر في طهارتها، كما لا يوجب ملاقاة سطحه الظاهر للنجس نجاسة باطنها، بل لا بد من غلبة الماء الطاهر و نفوذه في داخل الجسم المذكور، و لا يتحقق ذلك الا بالتجفيف، أو ما بحكمه.

و بعبارة اخرى: ان ما دل على حصول الطهارة بالاتصال- كصحيحة ابن بزيع «2» و غيرها- انما هو في مورد اتصال الماء العاصم بالماء المتنجس‌

______________________________
[1] و قد جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف (قده) «و لا يلزم تجفيفه»:

(الظاهر انه تعتبر في صدق الغسل تجفيفه، أو ما يقوم مقامه من التحريك في الماء، أو إبقائه فيه بمقدار يعلم بخروج الأجزاء المائية النجسة من باطنه).

______________________________
(2) الوسائل ج 1 ص 105، الباب 3 من الماء المطلق ح 12.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 152‌

..........

______________________________
و أما مجرد الرطوبة فلا دليل على طهارتها بمجرد الاتصال بالعاصم- كالكر و الجاري- فإنها لا يصدق عليها الماء، و انما هي رطوبة محضة حصلت من نفوذ الماء في باطن الجسم، و من هنا لا يلتزم أحد بحصول الطهارة للجسم المتنجس المرطوب إذا اتصل بعض أطرافه بالكر، كما انه لا يتنجس جميعه إذا لاقى بعض أطرافه النجس- كما في الثوب المرطوب برطوبة غير مسرية- و عليه فلا بد في تطهير باطن الأجسام المذكورة من تجفيفها أولا، ثم وضعها في الكر، كي ينفذ فيها الماء الطاهر [1] أو يجعل في الماء مدة طويلة، أو يحرك فيه‌

______________________________
و تقدم الكلام في تقريب الاستدلال بها و بغيرها من الروايات على حصول الطهارة للماء المتنجس بالاتصال بالكر في (ج 1 ص 60 من الكتاب).

[1] لا يخفى: ان ما افاده (دام ظله) في المقام انما هو من جهة رفع المانع عن نفوذ الماء الطاهر الى باطن الأجسام المذكورة، فلا بد من تجفيفها أو ما بحكمه، و لكن الاشكال بعد في أصل المقتضى، و انه هل يطهر باطن الأجسام المذكور- كالصابون و الحبوب و الطين و نحوها- بمجرد نفوذ الماء الطاهر الى باطنها أم لا للشك في صدق الغسل بل القطع بعدمه بمجرد نفوذ الرطوبة إلى داخلها، فإنه لا يتحقق الغسل الا بالماء، و الرطوبة ليست بماء، و هذا لا يفرق فيه بين الغسل بالكثير أو القليل. و الحاصل: انه على تقدير نفوذ الماء العاصم في باطن الأجسام المذكورة- بعد رفع المانع عن داخلها- لا دليل على كونه مطهرا لها- كما عن شيخنا المرتضى (قده) «1»- حيث انه «قده» أظهر نوع تردد في قبول مثل الصابون و الحنطة و السمسم و غيرها للتطهير بالكثير أيضا لما ذكرناه من الترديد بل قوة احتمال عدم صدق الماء على الاجزاء المائية النافذة داخل الأجسام المذكورة كي يتحقق بها غسل الداخل، هذا مضافا الى عدم صدق اتصالها بالكر الخارج و ان كان محيطا بالجسم المذكور، لعدم صدقه الا في اتصال ماء بماء، فلا دليل على طهارة الباطن بما يشك في كونه ماء، بل يشك في اتصاله بالماء أيضا.

و يندفع: بان المطهر لباطن الأجسام المذكورة ليس هو غسل الباطن كي يشك في صدق الماء على الرطوبات الداخلية، و في اتصالها بالكر أو الجاري، بل المقطوع به عدم صدق الماء عليها، و من هنا لا توجب انتقال النجاسة أو الطهارة في غير ما نحن فيه.

بل المطهر لها هو مجرد نفوذ الماء الطاهر في أعماقها و غلبة الأجزاء المائية النافذة في أجزاء الجسم الباطنيّة، و ليس الدليل على ذلك عمومات أدلة الغسل كي يشك أو يقطع بعدم صدق الغسل بالنسبة إلى الباطن، بل الدليل عليه الأخبار الدالة على مطهرية الماء العاصم في أمثال المقام كالمطر «2» المطهر لظاهر الطين و باطنه، و كذا السطح الذي يبال عليه، لان نفوذ ماء المطر في الطين أو السطح ليس الا بطريق السراية، و لا يطلق على ما ينفذ في باطنهما من الأجزاء المائية عند ملاحظتها من حيث هي اسم الماء، و مع ذلك دلت الأخبار المذكورة على طهارتها حتى انها حكمت بطهارة القطرات النازلة من السقف، و نحوها الأخبار «3» الدالة على تطهير اللحم المطبوخ في القدر الذي كان فيه الفأرة بالغسل بالماء، و جواز أكل اللحم المذكور بعد الغسل، مع سراية الرطوبة النجسة إلى باطنه، و لا مطهر له سوى نفوذ الماء الطاهر الى باطنه، لأن المراد من غسل اللحم غسل ما يتعارف منه مما يصل اليه الماء و هو سطحه الظاهر مع نفوذه الى باطنه طبعا الا ان يناقش في سند هذه الروايات أو دلالتها كما سيأتي في ذيل (مسألة 22). فتحصل: ان حصول الطهارة لباطن الأجسام المذكورة لا يكون على طبق القاعدة الأوليّة، أعني بها مطهرية الغسل، بل هي مبنى على القاعدة الثانوية المستفادة من الأخبار الدالة على مطهرية نفوذ الماء الطاهر، و غلبته على باطن الجسم المتنجس.

نعم: لا يمكن الجزم بطهارة مثل الصابون، لاحتمال انقلاب الماء النافذ فيه الى الإضافة، فينفذ فيه مضافا، فلا يكون مطهرا و مورد الروايات الواردة في المطر النافذ من السقف و كذا روايات اللحم لا يشمل مثل الصابون، و هكذا الروايات «4» الواردة في غسل الأواني المصنوعة من الخزف أو الخشب، لعدم انقلاب الماء النافذ في هذه الموارد الى جوف المغسول إلى الإضافة، كما لا يخفى، فلا يصح قياس مثل الصابون على الموارد الثلاثة المتقدمة التي ورد فيها النص.

______________________________
(1) مصباح الفقيه للمحقق الهمداني (قده) ص 602.

(2) الوسائل ج 1 ص 108، الباب 6 من الماء المطلق.

(3) الوسائل ج 1 ص 150، الباب 5 من الماء المطلق، ح 3.

(4) الوسائل ج 2 في الباب 51 و 52 و 53 من أبواب النجاسات.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 153‌

فلا يعتبر انفصال الغسالة (1).

______________________________
كي ينفذ الماء العاصم فيها، و يستهلك الماء المتنجس، فالصحيح عدم الفرق بين نفوذ الماء المتنجس، أو عين النجس في الجسم، خلافا لما ذكره في المتن.

(1) اى فيما لا يمكن عصره، كبدن الإنسان و الفلزات و نحوها، و هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة المتقدمة، و الوجه فيه صدق الغسل بمجرد إحاطة الماء العاصم بالجسم المذكور- كما إذا وضع يده في الكر أو الجاري- و لا يعتبر انفصال الغسالة في مفهوم الغسل، و لا يتوقف حصول النظافة عليه فيما لو كان الماء عاصما، لحكم الشارع بعدم انفعال الماء العاصم، بملاقاة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 154‌

و لا العصر (1) و لا التعدد (2).

______________________________
النجس، نعم لو كان الماء قليلا لا تحصل الطهارة إلا بانفصال الغسالة المحكومة بالنجاسة شرعا، أو بالقذارة عرفا كما في الغسالة غير المتعقبة لطهارة المحل، أو المتعقبة بها.

(1) اى فيما يمكن عصره- كالثياب و نحوها- و هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة المتقدمة.

بدعوى: ان العصر انما يكون مقدمة لانفصال الغسالة، فإذا فرضنا عدم اعتباره- كما تقدم في القسم الأول- فلا يعتبر ما هو مقدمة له في هذا القسم أيضا.

هذا، و لكن قد تقدم الكلام في لزومه في هذا القسم من دون فرق بين القليل و الكثير، لعدم حصول النظافة التي هي الداعية للغسل شرعا بنظر العرف الا بانفصال الغسالة الداخلة في باطن ما يقبل العصر- كالثياب- فلا يقاس بما لا يمكن عصره، فلاحظ ما قدمنا [1].

(2) قد مر حكم التعدد [2] و حاصل ما تقدم هو أن مقتضى إطلاق أدلة مطهرية الماء و غسل المتنجسات هو كفاية المرة، الا ان يرد دليل على التعدد في مورد خاص فيؤخذ به، فان كان مختصا بالماء القليل فيقيد الإطلاقات بمقداره، اى بالماء القليل فيعتبر التعدد فيه، دون غيره، و ان كان الدليل الخاص مطلقا من حيث القليل و الكثير فيؤخذ بإطلاقه و يقيد به إطلاقات أدلة الغسل في القليل و الكثير، لأن إطلاق الخاص مقدم على إطلاق العام.

و قد ورد الدليل على لزوم التعدد في موردين.

______________________________
[1] في الصفحة 150 و من هنا جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «و لا العصر و لا التعدد»: (الظاهر اعتبار العصر أو ما بحكمه في غسل الثياب و نحوها بالماء الكثير، و قد مر حكم التعدد و غيره).

[2] في أوائل الفصل و في ذيل مسألة 13 ص. و ذيل مسألة 4 ص. و ص.

على وجه التفصيل و بيان الوجوه المذكورة في المقام.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 155‌

و غيره (1) بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر.

______________________________
أحدهما: في المتنجس بالبول.

ثانيهما: في الأواني.

أما (الأول): فيعم القليل و الكثير، لإطلاق دليله، كما تقدم «1» و قد ذكرنا ان ما في المتن من اختصاص التعدد في المتنجس بالبول بالقليل ليس على ما ينبغي [1] نعم لا يجب التعدد إذا غسل بالجاري، كما تقدم «3» ايضا لدليل خاص.

و أما (الثاني) (الأواني) فيختص دليل التعدد فيه بالقليل، فإن موثقة عمار المتقدمة «4» الدالة على اعتبار التعدد في الأواني تختص بالقليل أيضا.

نعم يستثني من ذلك خصوص آنية الخمر و ولوغ الخنزير، و موت الجرذ فيها، لأن دليل التعدد في هذه الموارد الثلاثة أيضا مطلق يشمل القليل و الكثير فيجب في آنية الخمر الغسل ثلاث مرات مطلقا قليلا كان الماء أو كثيرا، كما تقدم «5» و في آنية ولوغ الخنزير سبع مرّات كذلك أيضا كما سبق «6» و ان لم يجب فيها التعفير «7» و كذلك في آنية مات الجرذ فيها- كما عرفت- «8».

(1) كالتعفير، و الورود، و لكن قد تقدم «9» منا أنه لا بد من التعفير حتى في الماء الكثير، بل الجاري و المطر.

______________________________
[1] كما تقدم أيضا في تعليقته «دام ظله» في أول الفصل عند قول المصنف «قده» «كالمتنجس بالبول» قائلا: «الظاهر اعتبار التعدد في الثوب المتنجس بالبول حتى فيما غسل بالماء الكثير غير الجاري» و قد تقدم توضيح ذلك.

______________________________
(1) في ذيل مسألة 4.

(3) في ص 57.

(4) في ص 93

(5) ص 117

(6) ص 113- 114

(7) ص 113- 114

(8) ص 114

(9) في ص 134 و في ذيل مسألة 13.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 156‌

و يكفي في طهارة أعماقه- إن وصلت النجاسة إليها- نفوذ الماء الطاهر فيه في الكثير، و لا يلزم تجفيفه (1) [1] أولا.

نعم لو نفذ عين البول- مثلا- مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه، بمعنى عدم بقاء مائيته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه، فإنه بالاتصال يطهر فلا حاجة الى التجفيف (2).

[ (مسألة 17) لا يعتبر العصر و نحوه فيما تنجس ببول الرضيع]

(مسألة 17) لا يعتبر العصر و نحوه فيما تنجس ببول الرضيع، و ان كان مثل الثوب و الفرش و نحوهما، بل يكفى صب الماء عليه مرة على وجه يشمل جميع اجزائه (3) و ان كان الأحوط مرتين. لكن يشترط ان

______________________________
(1) قد تقدم
«2» الكلام في ذلك و ذكرنا أنه لا بد من التجفيف أو ما بحكمه من التحريك في الماء أو إبقائه فيه بمقدار يعلم بخروج الأجزاء المائية النجسة من باطنه من دون فرق بين النجس و المتنجس.

(2) بل إليه الحاجة مقدمة لنفوذ الماء الطاهر الى باطنه، و إلا فهي أعني الأجزاء المائية المتنجسة تمنع عن نفوذ الماء الطاهر، و لا يكفى اتصاله بها في حصول الطهارة لها، لأن العبرة بالاتصال بالماء، لا الرطوبة، نعم: لا نضايق عن نفوذ الماء الطاهر الى باطن الجسم بنحو آخر، بحيث يغلب على الأجزاء المائية النجسة من إبقاء الجسم تحت الماء بمقدار يعلم بخروج تلك، أو تحريكه تحت الماء لذلك- كما أشرنا آنفا.

الغسل من بول الرضيع و شروطه

(3) قد تقدم الكلام في المسألة الرابعة «3» في كيفية التطهير من‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «و لا يلزم تجفيفه»: «الظاهر انه يعتبر في صدق الغسل تجفيفه أو ما يقوم مقامه من التحريك في الماء أو إبقائه فيه بمقدار يعلم بخروج الأجزاء المائية النجسة من باطنه».

______________________________
(2) في ص 151

(3) في ص 48

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 157‌

لا يكون متغذيا. معتادا بالغذاء، و لا يضر تغذيته اتفاقا نادرا، و ان يكون ذكرا، لا أنثى على الأحوط، و لا يشترط فيه أن يكون في الحولين، بل هو كذلك ما دام بعد رضيعا غير متغذ، و ان كان بعدهما، كما أنه لو صار معتادا بالغذاء قبل الحولين لا يلحقه الحكم المذكور، بل هو كسائر الأبوال.

و كذا يشترط (1) في لحوق الحكم ان يكون اللبن من المسلمة، فلو كان من الكافرة لم يلحقه و كذا لو كان من الخنزيرة.

______________________________
بول الرضيع و شروطه، و يأتي الكلام في شرط آخر ذكره في هذه المسألة و هو إسلام المرضعة.

(1) ربما يقال «1» بلزوم اشتراط كون المرضعة مسلمة، فلو كان الولد يتغذى بلبن الكافرة و ان كان ولد مسلم لا يكفي في التطهير من بوله مجرد الصبّ، بل لا بد من الغسل، و كذا إذا كان متغذيا بلبن الخنزيرة.

و يستدل «2» على ذلك بفحوى رواية السكوني.

و هي ما تقدم من روايته عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «أن عليا عليه السلام قال: لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم، لان لبنها يخرج من مثانة أمّها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب، و لا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين» «3».

فإنها تدل على نجاسة لبن الجارية، لخروجه من محل نجس، و هي مثانة أمها، و مقتضى التعليل المذكور هو أولوية وجوب الغسل في بول كل رضيع يرتضع من لبن نجس العين، كالكافرة، و الخنزيرة، و الكلبة.

و فيه، أولا: ان لازمه وجوب الغسل من بول الغلام إذا ارتضع من لبن امرأة ولدت جارية، لخروج لبنها من مثانتها، كما انه ينعكس الأمر في الجارية إذا ارتضعت من لبن امرأة ولدت غلاما، لخروج لبنها من منكبيها،

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 166.

(2) الجواهر ج 6 ص 166 المستمسك ج 2 ص 47.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1003 في الباب 3 من النجاسات، ح 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 158‌

..........

______________________________
فيكتفى فيه بالصّب، و هذا مما لم يقل به أحد من أصحابنا.

و ثانيا: ان التفصيل المذكور في الرواية بين مخرج لبن الغلام، و لبن الجارية مما نقطع ببطلانه، لاتحاد طبائع النساء حين الولادة من هذه الجهة، سواء ولدن ذكرا أو أنثى، فإذا سقط التعليل المذكور عن الاعتبار يسقط الحكم المترتب عليه جزما.

و دعوى: أن سقوط الرواية في الدلالة على الأمور التكوينيّة التي هي مدلولها المطابقي لا يلازم سقوطها عن الحجيّة في الأحكام الشرعيّة التي هي مدلولها الالتزامي، و هذا ليس بعزيز في الفقه، فانا قد نلتزم بالتبعيض في الدلالة في جملة من الروايات المشتملة على أحكام متعددة لا يمكن الالتزام ببعضها.

مندفعة: بما ذكرناه مرارا من أن الدلالة الالتزامية تكون تابعة للدلالة المطابقية ثبوتا و حجيّة، لتفرع الأولى على الثانية في كلتا المرحلتين- كما أوضحناه في الأصول- فإذا سقط الأصل يسقط الفرع أيضا، بل المقام أشد محذورا من ذاك الباب، لان تفريع التفصيل بين حكميهما (الغلام و الجارية) على التفصيل بين مخرج لبنيهما هو صريح الرواية المذكورة، فإذا ثبت بطلان الأصل فكيف يمكن الأخذ بما يتفرع عليه، لانتفاء المعلول بانتفاء علته، و لا يقاس بالتبعيض في دلالة بعض الروايات المشتملة على أحكام متعددة نقطع ببطلان بعضها، لان المقام من الدلالة التبعيّة، لا العرضية.

و ثالثا: لو سلمنا خروج لبن الجارية من مثانة أمها فلا نسلّم نجاسته بذلك [1] لان مجرد الخروج من المثانة لا يوجب النجاسة، كما في المذي و الوذي، فإنهما يخرجان منها و مع ذلك لم يحكم بنجاستهما، فالحكم بالنجاسة يحتاج الى دليل خاص، كما في البول و المنى الخارجين من المثانة أيضا. و لم يقل أحد بنجاسة لبن الجارية، فلا يمكن تطبيق التعليل المذكور على نفس‌

______________________________
[1] لا يبتنى الاستدلال بالرواية المذكورة على الحكم بنجاسة لبن الجارية، بل يبتنى على خروج لينها من مكان قذر، كالمثانة، فإذا كان خارجا من مكان نجس كبدن الكافرة و الخنزيرة، فيكون بول المتغذي به اولى بالغسل.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 159‌

[ (مسألة 18) إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون]

(مسألة 18) إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون و نحوه بنى على عدمه (1) كما انه إذا شك بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بنى على عدمه فيحكم ببقاء الطهارة في الأول، و بقاء النجاسة في الثاني.

[ (مسألة 19) قد يقال بطهارة، الدّهن المتنجس إذا جعل في الكر الحار]

(مسألة 19) قد يقال (2) بطهارة، الدّهن المتنجس إذا جعل في الكر الحار بحيث اختلط معه، ثم أخذ من فوقه بعد برودته، لكنّه مشكل، لعدم حصول العلم بوصول الماء الى جميع أجزائه، و ان كان غير بعيد (3) إذا غلى الماء مقدارا من الزمان.

______________________________
موردها فضلا عن غيرها.

و رابعا: و هو أهم ما في الباب أن الرواية المذكورة ضعيفة السند، لأن في طريقها النوفلي عن السكوني، و هو ضعيف لا يعتمد على روايته «1».

(1) للأصل فيه و فيما بعده، و هو استصحاب الحالة السابقة.

هل يمكن تطهير الدّهن المتنجس؟

(2) القائل هو العلامة في التذكرة [1] و المنتهى و النهاية.

(3) بل هو بعيد جدا [2] و ذلك لان السطح الظاهر من اجزاء‌

______________________________
[1] قال في التذكرة ج 1 ص 9 أواخر الصفحة: «فلو طرح الدّهن في ماء كثير حتى تخلل أجزاء الدّهن بأسرها طهر، و للشافعي فيه قولان، و كذا العجين النجس إذا مرج به حتى صار رقيقا و تخلل الماء جميع أجزائه».

و قال في الجواهر ج 6 ص 147: «في المنتهى و عن التذكرة و النهاية انه يطهر الدهن النجس بصبه في كر ماء و مازجت اجزاء الماء اجزاءه، و استظهر على ذلك بالتطويل بحيث يعلم بوصول الماء الى جميع اجزائه و هو جيد على فرض تحققه، لكنه بعيد، بل ممتنع، ضرورة عدم حصول العلم بذلك مع بقاء الدهن على مسماه بحيث يمكن الانتفاع به للأكل و نحوه بعد ذلك.».

[2] كما جاء في تعليقته دام ظله على المتن.

______________________________
(1) تقدم الكلام في سندها في التعليقة ص 71- 72 في ذيل (المسألة 4).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 160‌

[ (مسألة 20) إذا تنجس الأرز أو الماش أو نحوهما يجعل في وصلة]

(مسألة 20) إذا تنجس الأرز أو الماش أو نحوهما يجعل في وصلة و يغمس في الكر، و ان نفذ فيه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء الطاهر الى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس، بل لا يبعد تطهيره

______________________________
الدّهن، و ان كان يطهر بملاقاة الكر، الا انه بالغليان ينقلب الى الداخل، فيتنجس ثانيا بملاقاة السطح الداخل للأجزاء، و هكذا يستمر ذلك بالغليان، فكلما يطهر السطح الظاهر من تلك الأجزاء المغليّة يتنجس ثانيا بالغليان، لانقلابه الى الداخل، فلا يمكن إحاطة الماء لجميع سطوح تلك الأجزاء في آن واحد [1].

نعم لو كان الدّهن من القلة إلى حد يعدّ من العوارض الطارئة على الماء عرفا، بحيث لا يكون له جوهر مستقل في نظر العرف يطهر لنفوذ الماء فيه و ان كان بالدقة العقلية من الجواهر، و قابلا للانقسام- بناء على استحالة الجزء الذي لا يتجزأ- الا ان هذه الدقة العقلية لا أثر لها في نظر العرف، فيكون كالدّسومة التي على البدن أو اللحم أو نحوهما، فإنها لا تمنع عن نفوذ الماء فيها و وصوله الى البدن، و من هنا تطهر بالماء القليل و الكثير، فالدّهن المغلي إذا كان قليلا بحيث عد من عوارض الماء و لم يكن له جرم مستقل- عرفا- يطهر، إلا ان هذا خارج عن محل الكلام، فما هو محل الكلام في المقام إنما هو ما كان له جسم مستقل عرفا، و هذا لا يمكن تطهيره بالغليان، كما ذكرنا.

نعم يمكن تطهيره بوجه آخر أشار إليه المصنف «قده» أيضا في (مسألة 24) و هو ان يجعل في العجين، فيطبخ خبزا، ثم يوضع الخبز المطبوخ في الكر حتى يصل الماء الى جميع اجزائه، فيطهر بذلك، لان الدّهن حينئذ يعد من عوارض الخبز، و الدسومات الطارئة عليه، و ليس له جسم مستقل في نظر العرف، فيكون كدسومة اليد و اللحم في كونها قابلة للتطهير.

______________________________
[1] و من هنا صرح المصنف «قده» أيضا في (مسألة 1) من أخر فصل المطهرات انه ليس من المطهرات مزج الدهن النجس بالكر الحار.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 161‌

بالقليل، بان يجعل في ظرف و يصبّ عليه، ثم يراق غسالته (1).

و يطهر الظرف أيضا بالتبع (2)

______________________________
كيفيّة تطهير الأرز المتنجس و نحوه

(1) تقدم الكلام في تطهير أمثال ذلك من الأجسام التي ينفذ فيه الماء المتنجس و لا يمكن عصره، كالأرز و الماش و نحوهما في (مسألة 16) و أما اعتبار الصبّ في الماء القليل فهو مبنى على ما تقدم من اعتبار الورود في الماء القليل الا ان المصنف «قده» أضاف هنا طهارة الظرف المغسول فيه تبعا- كما يأتي.

هل يطهر الظرف بالتبع

(2) ذكر المصنف «قده» انه يمكن تطهير الأرز و نحوه من الحبوبات بالماء القليل- بان يجعل في ظرف و يصبّ الماء عليه و يراق غسالته- فيطهر الأرز بالاستقلال و الظرف بالتبع من دون حاجة الى التثليث في الظرف، هذا إذا لم يتنجس الظرف بنجاسة خارجيّة غير غسالة الأرز المتنجس، و الا لوجب التثليث فيه، كما في مطلق الأواني المتنجسة، لإطلاق موثقة عمار «1» الدالة على التثليث في مطلق الإناء إذ لا وجه للتبعيّة في هذه الصورة.

أما الصورة الأولى (اعنى عدم التنجس من الخارج) فالوجه في حصول الطهارة التبعيّة فيها للظرف بعد فرض نجاسته بالغسالة قوله عليه السلام في صحيح محمد بن مسلم «اغسله في المركن مرتين» «2» (يعنى الثوب) فإنها تدل بالالتزام على طهارة المركن أيضا بالتبع، و الا لتنجس الثوب بملاقاته، إذ لو فرض التفكيك- بين الثوب و المركن المغسول فيه‌

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1076 في الباب 53 من النجاسات ح 1.

(2) الوسائل ج 2 ص 1002 باب 2 من أبواب النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 162‌

فلا حاجة الى التثليث فيه (1) [1] و ان كان هو الأحوط.

______________________________
بطهارة الثوب، و بقاء المركن على النجاسة و لزوم الغسل الثالث فيه باعتبار كونه من الأواني- لوجب بيانه، و حيث لم ينبّه على ذلك يعلم بحصول الطهارة له بالتبع، و لا فرق بين الثوب المغسول في الظرف أو غيره، كالأرز المتنجس، هذا غاية ما يمكن تقريب ما في المتن و يأتي الإشكال عليه.

(1) قد ذكرنا: أنّ الوجه في عدم الحاجة الى التثليث- في غسل الظرف المغسول فيه الأرز المتنجس و نحوه- هو دلالة صحيح محمد بن مسلم على طهارة المركن- المغسول فيه الثوب- بالتبع فيتعدى الى غيره.

و لكن يشكل التعدي منه الى مطلق الظروف و ان كان إناء، و ذلك من جهة ان مورد الصحيحة هو «المركن» و هو «الطشت» و هو المعدّ لغسل الثياب فيه، فلا يشمل الأواني المعدّة للأكل و الشرب، فالتعدي منه الى مطلق الظروف و ان كان «إناء» مشكل، فعليه لو غسل الأرز في الإناء أى كان ظرفه المغسول فيه مما يعدّ للأكل و الشرب وجب التثليث مطلقا، سواء أ كان الإناء متنجسا سابقا أم لا [2] لإطلاق موثقة‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته «دام ظله» المطبوعة أخيرا «الطبعة الرابعة» سنة 1400 على قول المصنف «قده» (فلا حاجة الى التثليث): (بل الحاجة إليه هو الأظهر إذا كان إناء).

و في التعاليق على كتاب العروة جاء تعليقته «دام ظله» على قول المصنف «هو الأحوط» (هذا الاحتياط لا يترك) و الأوجه هو ما في التعليق الجديد من الإشارة إلى التفصيل بين أن يكون الظرف المغسول فيه إناء أو ظرفا آخر، فان كان الأول يجب التثليث، و ان كان الثاني كالطشت لم يجب، بل يكتفي بالمرّة إلا إذا كان المغسول فيه متنجسا بالبول، كما صرح دام ظله بذلك في (المنهاج ج 1 ص 129 م 440) و يظهر وجه التفصيل مما حررناه في الشرح، هذا و لكن وجوب التثليث في الإناء إذا لم يكن المتنجس مما يعتبر فيه التعدد- كالثوب المتنجس بالبول- مبنى على القول بنجاسة الغسالة مطلقا و إلا فلا موجب للتثليث في الإناء، لعدم تنجسها بالغسالة، أما على القول بطهارتها مطلقا فواضح، و أما على القول بطهارة خصوص ما يتعقبها طهارة المحل- كما يقول بها السيد الأستاذ دام ظله- فلعدم اعتبار التعدد في غير الثوب المتنجس بالبول، فتكون الغسلة الأولى مطهرة و غسالتها تكون طاهرة أيضا، فلاحظ.

[2] لا يخفى: أن الالتزام بوجوب التثليث في الإناء إذا لم تكن متنجسة قبل الغسل فيه مبنى على القول بنجاسة الغسالة مطلقا، و إلا فلا موجب لنجاسته كي يعتبر فيه العدد.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 163‌

نعم لو كان الظرف ايضا نجسا فلا بد من التثليث (1).

______________________________
عمار [1] الدالة على وجوب غسل مطلق الأواني ثلاث مرات و أما صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة
«2» فلا تصلح لأن تكون مخصّصة لها، لعدم صدق الإناء على المركن لتغايرها موضوعا، و لا أقل من الشك فان لفظ «الظرف» و ان كان أعم منهما لكن ليس هو موضوعا للدليل، لان الدليل انما دل على لزوم التثليث في خصوص «الإناء» الذي هو بعض مصاديق الظرف، لانه المعدّ للأكل و الشرب، و ما دل على التبعيّة يكون موضوعه «المركن» و هو أيضا قسم من الظرف، و هو المعدّ لغسل الثياب فيه.

فعليه لو طهّرنا الأرز و نحوه في مثل الطشت يكفى فيه الغسل مرة واحدة مطلقا، سواء كان الظرف المذكور متنجسا قبل ذلك أم لا، لعدم وجوب التثليث إلا في خصوص «الإناء».

نعم لو كان المغسول فيه مما يعتبر فيه العدد- كالثوب المتنجس بالبول- يجب فيه التعدد مرتين، و يطهر الظرف بالتبع، لدلالة صحيحة محمد ابن مسلم- كما تقدم.

و أما لو أردنا تطهير الأرز و نحوه في «الإناء» فيجب التثليث مطلقا أيضا، لعدم الدليل على التبعيّة فيه [2]- كما ذكرنا.

(1) لعدم شمول دليل التبعيّة لذلك، لأنه مختص بالنجاسة التبعيّة- و هي الحاصلة من ملاقاة الغسالة بالغسل فيه- فلا تعم النجاسة المستقلة، فيشملها دليل اعتبار العدد في غسل الأواني، و هو موثق عمار المتقدم «4».

______________________________
[1] قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل؟ و كم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات.»- الوسائل ج 2 ص 1076 في الباب 53 من النجاسات ح 1.

[2] هذا مبنى على القول بنجاسة الغسالة مطلقا، و أما على القول بطهارتها كذلك، أو طهارة ما يتعقبها طهارة المحل فلا يجب العدد في الإناء لعدم تنجسها حينئذ بالغسالة، نعم لو كانت نجاسته خارجيّة لزم ذلك- كما ذكرنا.

______________________________
(2) في الصفحة: 49.

(4) في الصفحة: 93.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 164‌

[ (مسألة 21) الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت]

(مسألة 21) الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت و صب الماء عليه (1) ثم عصره، و إخراج غسالته، و كذا اللحم النجس، و يكفي المرة في غير البول، و المرّتان فيه، إذا لم يكن الطشت نجسا قبل صبّ الماء، و الا فلا بد من الثلاث و الأحوط التثليث مطلقا.

______________________________
هذا و لكن قد عرفت ان هذا انما يتم فيما إذا كان الظرف المغسول فيه إناء لوجوب التثليث فيه، و أما غيره من الظروف فلا دليل على التثليث فيه، فيكتفى فيه بالمرّة، لعدم الدليل على وجوب التعدد في مطلق الظروف.

نعم لا بأس بالاحتياط [1].

تطهير الثوب المتنجس في الطشت

(1) هذه المسألة كسابقتها من جهة فرض تطهير الشي‌ء المتنجس في الظرف بصب الماء عليه الا ان المفروض فيها هو غسل الثوب و اللحم، و فرض المغسول فيه هو الطشت، لا الإناء، و من هنا يسهل الأمر في الطهارة التبعيّة بالنسبة إلى الطشت، لانطباق مورد صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة «2» (و هو المركن) عليه، دون الإناء المعتبر فيه التثليث كما دلت عليه موثقة عمار المتقدمة «3» و عليه فلا دليل على اعتبار التعدد في مثل الطشت الذي لا يصدق عليه الإناء الذي هو معد للأكل و الشرب، فالتثليث فيه مبنى على الاحتياط، و ان كان نجسا قبل صبّ الماء فيه [2].

______________________________
[1] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) أخيرا على قول المصنف «قده» «و الا فلا بد من الثلث» أنه (على الأحوط)- في مسألة 20.

[2] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «و الا فلا بد من الثلاث»: (على الأحوط) مع أنه (دام ظله) التزم بلزوم التثليث في المسألة السابقة إذا كان الظرف المغسول فيه إناء حتى في النجاسة التبعيّة الحاصلة بملاقاة الغسالة فضلا عن النجاسة المستقلة و منشأ الفرق بين الموردين انما هو الفرق بين الإناء و المركن حيث ان الأول مورد للموثقة الدالة على اعتبار

______________________________
(2) المتقدمة في الصفحة: 49

(3) المتقدمة في الصفحة: 93

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 165‌

[ (مسألة 22) اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجس بعد الطبخ يمكن تطهيره]

(مسألة 22) اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجس بعد الطبخ يمكن تطهيره في الكثير، بل و القليل إذا صبّ عليه الماء، و نفذ فيه الى المقدار الذي وصل اليه الماء النجس (1).

______________________________
تطهير اللحم المطبوخ بالماء النجس

(1) إذا تنجس ظاهر اللحم المطبوخ من دون ان تسرى النجاسة إلى باطنه فلا اشكال و لا خلاف في إمكان تطهير ظاهره بالماء الكثير و القليل.

و أما إذا نفذ الماء النجس الى باطنه فهل يطهر باطنه تبعا لغسل ظاهره أم لا بد من نفوذ الماء الطاهر في جوفه قليلا كان أو كثيرا، و هذان الاحتمالان يجريان في جميع الأجسام التي ينفذ فيها الماء النجس و لا يكون قابلا للعصر.

و منشأ الاحتمالين، بل القولين [1] هو ورود روايتين في كيفية تطهير اللحم المتنجس بالمرق الذي وقع فيه قطرة خمر أو ميتة فارة و نفذت النجاسة في جوفه.

(إحداهما): رواية زكريّا بن آدم، قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير؟ قال يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذّمة أو الكلب و اللحم اغسله‌

______________________________
التعدد في الأواني و الثاني مورد لصحيحة محمد بن مسلم الدالة على حصول الطهارة التبعيّة للمركن كما أوضحنا ذلك في ذيل (مسألة 20) فلاحظ.

[1] حكى عن المشهور، بل عن ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف القول بكفاية غسل ظاهر اللحم، و حصول الطهارة لباطنه تبعا، من غير حاجة الى نفوذ الماء الى باطنه، و ذهب آخرون، منهم المصنف «قده» الى القول بعدم التبعيّة و لزوم إحراز نفوذ الماء الطاهر الى باطنه راجع الحدائق ج 5 ص 373- 375 و الجواهر ج 6 ص 153.

و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 604 و علة منع القول الأول عدم ثبوت دليل يعتمد عليه في القول بالطهارة التبعيّة في أمثال المقام مما ينفذ الماء النجس داخل الجسم الذي لا يقبل العصر، إما من جهة الشك في أصل نفوذ الماء و ان النافذ هي الرطوبة لا الماء و إما من جهة الشك في بقاءه على الإطلاق في مثل الصابون و الطين.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 166‌

..........

______________________________
و كله.»
«1».

(الثانية): رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: ان عليا عليه السلام سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فارة؟ قال: «يهرق مرقها، و يغسل اللحم، و يؤكل» «2».

فإنه قد يستدل [1] بإطلاقهما على كفاية غسل ظاهر اللحم، و ان نفذ الماء المتنجس في باطنه- كما هو الظاهر من الروايتين لا سيما الثانية، لظهورها في وجود الفأرة في القدر حال الطبخ- فتدل الروايتان على كفاية غسل ظاهر اللحم- كما هو المتعارف فيه عادة- سواء نفذ الماء الطاهر في باطنه أيضا أم لا، فعليه يحكم بطهارة الباطن تبعا للظاهر و يستكشف من ذلك قاعدة كلية في جميع الأجسام التي تكون من هذا القبيل من جهة تبعية بواطنها للظاهر في الطهارة.

و فيه أولا: ان ضعف سند الروايتين [2] يمنع عن العمل بهما.

______________________________
[1] استدل بذلك المشهور، كما في الحدائق ج 5 ص 374 بل قال انه لا يعرف فيه خلافا، و ان استشكل هو في ذلك.

كما استشكل فيه أيضا في الجواهر ج 6 ص 153، بل ادعى اتفاق الأصحاب على خلافه من اعتبار نفوذ الماء الى كل ما نفذت فيه النجاسة من الأجسام، اللحم أو غيره، نعم قد أصرّ على ثبوت الإطلاق المذكور الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 604، و كأنه مال إلى ذلك في المستمسك ج 2 ص 50 في ذيل المسألة أيضا، فلاحظ.

[2] كما أشار إليه في الجواهر ج 6 ص 153 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 604.

أما رواية زكريا بن آدم فلأنّ في طريقها «حسن ابن مبارك» و لم يوثق.

و أما رواية السكوني و هو «إسماعيل بن أبى زياد». و هو و ان كان عاميّا و من هنا ضعفه بعضهم، الا انه وثقه السيد الأستاذ دام ظله في (معجم رجال الحديث ج 3 ص 105) لوقوعه في اسناد كامل الزيارات، و لا ينافي ذلك فساد عقيدته، كما لا يخفى، و قد وقع في طريقها «النوفلي» و هو «حسين بن يزيد» و الأظهر انه ثقة أيضا، كما ذكر الأستاد دام ظله في (معجم رجال الحديث ج 3 في ذيل ص 107) في ترجمة السكوني المتقدم ذكره، و كذا في (ج 6 ص 114) لانه من رجال كامل الزيارات ايضا، فلا ضعف في الرواية من جهتهما.

و طريق الشيخ إلى السكوني صحيح و ان وقع فيه النوفلي، لانه ثقة على الأظهر كما- أشرنا-

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1056 في الباب 38 من النجاسات، ح 8.

(2) الوسائل ج 1 ص 150 في الباب 5 من أبواب الماء المضاف ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 167‌

[ (مسألة 23) الطين النجس اللاصق بالإبريق يطهر بغمسه في الكر]

(مسألة 23) الطين النجس اللاصق بالإبريق يطهر بغمسه في الكر، و نفوذ الماء إلى أعماقه، و مع عدم النفوذ يطهر ظاهره، فالقطرات التي تقطر منه بعد الإخراج من الماء طاهرة، و كذا الطّين اللاصق بالنعل، بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضا، بل إذا وصل إلى باطنه- بان

______________________________
و دعوى
«1» انجبار ضعفهما بعمل الأصحاب أما ممنوعة صغرى أو كبرى.

و ثانيا: إمكان المناقشة في دلالتهما على الطهارة التبعيّة.

أما رواية زكريا، فليس فيها فرض نفوذ الماء النجس الى باطن اللحم، لان مجرد وقوع قطرة من المسكر في القدر لا يلازم نفوذ المرق النجس في باطن اللّحم، فعليه لا دلالة في الرواية على نجاسة باطن اللحم الذي في القدر المذكور، كي يبحث عن كيفيّة تطهيره بالماء.

و أما رواية السكوني فتوهم دلالتها على نفوذ الماء النجس الى باطن اللّحم المطبوخ في القدر- يبتنى على توهم نفوذ الماء الى باطن اللحم بالطّبخ و الغليان. و هو توهم فاسد، لأن طبخ اللحم لا يوجب نفوذ الماء الى باطنه، ان لم يوجب خروج ما فيه من الرطوبات، لانه ينكمش بواسطة الحرارة، فيمتنع نفوذ الماء الى باطنه، نعم يمكن تصور ذلك في اللحم اليابس الجاف إذا وضع في القدر، فإنه ينفذ الماء بالغليان في باطنه، لكنه فرض نادر لا يمكن حمل الرواية عليه.

و الحاصل: انه لا دلالة للروايتين على تنجس باطن اللحم المفروض فيهما، كي يصح الاستدلال بإطلاقهما على حصول الطهارة التبعية له بمجرد غسل ظاهره، فالصحيح هو ما ذكره في المتن.

______________________________
و قد أشار الى ذلك دام ظله في (المعجم المذكور ج 3 ص 107) فلاحظ.

و أما تضعيفه الرواية المذكورة في الدرس فهو سابق على كتابته- دام ظله- لمعجم الرجال

______________________________
(1) لاحظ مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 604.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 168‌

كان رخوا- طهر باطنه أيضا به (1).

[ (مسألة 24): الطحين و العجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزا]

(مسألة 24): الطحين و العجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزا، ثم وضعه في الكر حتى يصل الماء الى جميع أجزائه (2).

______________________________
تطهير الطين النجس

(1) يعرف حكم هذه المسألة مما ذكرناه في سابقتها و غيرها من انه لا بد في طهارة باطن الأجسام التي لا تقبل العصر- كالطين المفروض في هذه المسألة- من نفوذ الماء الطاهر في جوفها، سواء القليل أو الكثير، و يختلف ذلك باختلاف الموارد، فإذا كان الطين جافا ينفذ الماء فيه بسرعة، و أما إذا كان رطبا فلا بد فيه من ادامة وضعه في الكر، أو ادامة صبّ القليل عليه حتى يعلم بنفوذ الماء الى باطنه و الا فلا يطهر الا ظاهره [1].

تطهير العجين النجس

(2) قد ذكرنا ان العبرة في طهارة بواطن الأجسام انما تكون بنفوذ الماء الطاهر فيها و العجين النجس- حيث انه لا ينفذ فيه الماء لوجود الرطوبة المانعة فيه- لا يمكن تطهيره، نعم لو جعل خبزا أمكن نفوذ الماء فيه، فيطهر بجعله في الكر حتى يصل الماء الى جميع أجزائه، و كذلك الحال في الطحين النجس، فإنه يعجن ثم يطبخ خبزا، و هذا طريق التوصل الى تطهيرهما، و يمكن تطهيرهما بالقليل ايضا بإدامة الصب حتى ينفذ الماء فيه.

______________________________
[1] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف في المتن (يطهر بغمسه في الكر): «في حصول الطهارة بذلك قبل تجفيفه اشكال، و ان كان لا يبعد حصول الطهارة للباطن بنفوذ الماء فيه، و أولى منه بالإشكال طهارته بالماء القليل، نعم لا إشكال في طهارة ظاهره بالغسل بالماء القليل أو الكثير».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 169‌

و كذا الحليب (1) النجس بجعله جبنا و وضعه في الماء كذلك.

[ (مسألة 25) إذا تنجس التّنور يطهر بصبّ الماء في أطرافه من فوق الى تحت]

(مسألة 25) إذا تنجس التّنور يطهر بصبّ الماء في أطرافه من فوق الى تحت، و لا حاجة فيه الى التثليث، لعدم كونه من الظروف،

______________________________
تطهير الجبن

(1) لا إشكال في ان الحليب- بما هو حليب- من دون جعله جبنا لا يقبل التطهير، و الاشكال فيه هو الإشكال في الدهن المتنجس و غيره من المائعات المضافة أو الدّسمة، سواء قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزء أو باستحالته، لعدم نفوذ الماء في جوفه على كل تقدير، و لا دليل على كفاية الاتصال بالعاصم في حصول الطهارة إلا في المياه- كما تقدم في محله- إلا إذا استهلك النجس في العاصم.

الا ان المصنف (قده) لم يرد تطهير الحليب- بما هو حليب- جزما كي يشكل «1» عليه بعدم إمكانه، لصراحة عبارته في جعله جبنا، ثم وضعه في الماء، فكأنه قلب للموضوع الى شي‌ء آخر، فيكون التعبير بتطهير الحليب غير خال عن المسامحة، لأن المراد تطهير الجبن المصنوع من الحليب النجس، لإمكان نفوذ الماء فيه حينئذ، لا سيما إذا جفّف في الجملة، و لا يكون أشد محذورا من الصابون، حيث قلنا بإمكان تطهيره ظاهرا و باطنا، لكفاية نفوذ الماء الى الاجزاء الصغار في حصول طهارتها، كما تتنجس بنفوذ الماء النجس إليها، إذ لا فرق بين الماء الطاهر المطهر لها، و بين الماء النجس المنجس لها، فإذا أمكن نجاستها بوصول الماء النجس إليها، أمكن طهارتها بوصول الماء الطاهر إليها أيضا.

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 51.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 170‌

فيكفي المرة في غير البول، و المرتان فيه (1) و الأولى ان يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها و طمها بعد ذلك بالطين الطاهر (2).

[ (مسألة 26): الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر و الحجر تطهر بالماء القليل]

(مسألة 26): الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر و الحجر تطهر بالماء القليل إذا جرى عليها، لكن مجمع الغسالة يبقى نجسا [1] (3)

______________________________
تطهير التنور النجس

(1) لا يعتبر التعدد في تطهير التنور و ان قلنا به في الأواني أو مطلق الظروف لعدم صدق الآنية و لا الظرف عليه، و هذا واضح، نعم لو كان النجس مما يعتبر فيه العدد مطلقا- كالبول- لو قلنا بلزوم العدد في مطلق ملاقيه يلزم التعدد في المقام أيضا، إلا انه ليس من جهة المتنجس، بل هذا حكم أصل النجاسة.

(2) هذا مبنيّ على نجاسة الغسالة مطلقا و لو المتعقبة لطهارة المحل، و لكن قد تقدم منّا انها لو تعقبت بطهارة المحل فهي أيضا محكومة بالطهارة، نعم لو قلنا بنجاستها مطلقا أو كانت الغسالة غير متعقبة لطهارة المحل، و تنجس بها أرض التنور لزم إخراجها و طم الحفيرة بالطين الطاهر فيطهر ظاهره و يبقى باطنه على النجاسة.

تطهير الأرض النجسة

(3) أقسام الأراضي- التي أشار إليها المصنف «قده» في هذه المسألة- ثلاثة.

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» (يبقى نجسا): (بناء على نجاسة الغسالة و قد مر الكلام فيها).

أقول: قد مر أن الغسالة المتعقبة لطهارة المحل لا تكون نجسة، ففيما لا يعتبر فيه التعدد تكون الغسالة الأولى طاهرة، لتعقبها لطهارة المحل، و حيث ان الأرض لا يعتبر فيها التعدد و ان تنجست بالبول لاعتباره في خصوص الثوب و البدن المتنجس به، فتكون الأولى طاهرة مطلقا، و ان كانت

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 171‌

و لو أريد تطهير بيت أو سكة فإن أمكن إخراج ماء الغسالة- بأن كان هناك طريق لخروجه- فهو، و الا يحفر حفيرة ليجتمع فيها، ثم يجعل فيها الطين الطاهر، كما ذكر في التنور، و ان كانت الأرض رخوة، بحيث لا يمكن اجراء الماء عليها، فلا تطهر إلا بإلقاء الكر أو المطر أو الشمس،

______________________________
(أحدها): أن تكون الأرض صلبة أو مفروشة بالصلب، كالآجر و الحجر و القير و نحو ذلك، و هذه تطهر بإجراء الماء القليل عليها، لانفصال الغسالة عنها بالجري، لكن مجمع الغسالة يبقى نجسا، الا ان هذا مبنى على القول بنجاسة الغسالة- كما هو مذهب المصنف «قده»- و أما على المختار من طهارة الغسالة المتعقبة لطهارة المحل، فلا يتنجس بها مجمع الغسالة فيما لو كان النجس مما تكفي المرة في التطهير منه، نعم لو اعتبرنا التعدد مطلقا تنجس المجمع بها لا محالة- كما في المتن- و لا بد فيه مما ذكره في المتن.

(ثانيهما): ان تكون الأرض رخوة و لكن لا على نحو يرسب فيها الماء بل يبقى في المحل، و يقول المصنف «قده» ان هذا القسم من الأراضي لا يمكن تطهيرها بالماء القليل، لعدم انفصال الغسالة المعتبر في التطهير بالقليل، فلا بد في تطهيرها من الغسل بالمياه العاصمة- كالمطر و الكر أو الاتصال بالأنابيب المتصلة بالكر كما هو المتعارف في زماننا أو التجفيف بالشمس بعد صب القليل عليها- و لكنه- كما ترى- مبنى على القول بنجاسة الغسالة.

(ثالثها): ان تكون الأرض رخوة بحيث ينفذ فيها الماء و يرسب فيها، كالأراضي الرمليّة، و هذه يمكن تطهير ظاهرها بالقليل، لانفصال الغسالة عن ظاهرها بالرسوب الى الباطن، نعم يتنجس الباطن بملاقاة الغسالة- بناء على نجاستها- و الا فعلى المختار لا يتنجس الباطن إلا إذا لم تكن متعقبة لطهارة المحل، كالغسلة الأولى فيما يعتبر فيه التعدد، كالمتنجس بالبول، لو قلنا بتعميم التعدد في غير الثوب المتنجس به أيضا.

______________________________
مزيلة للعين، لما سيأتي (في مسألة 29) من ان الغسلة المزيلة تكون مطهرة أيضا، و عليه تطهر ظاهر الأرض و ان رسبت الغسالة في باطنها من دون استلزامها لنجاسة الباطن، فلا مانع من تطهير أرض المسجد بالماء القليل، سواء كانت أرضه صلبة أو رخوة و ان تنجست بالبول.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 172‌

نعم إذا كانت رملا يمكن تطهير ظاهرها بصب الماء عليها، و رسوبه في الرمل، فيبقى الباطن نجسا بماء الغسالة (1) و ان كان لا يخلو عن اشكال (2) من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة.

[ (مسألة 27) إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر]

(مسألة 27) إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر، نعم إذا صار بحيث لا يخرج منه طهر بالغمس في الكر، أو الغسل بالماء القليل، بخلاف ما إذا صبغ بالنيل النجس، فإنه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الإطلاق يطهر و ان صار مضافا أو متلونا بعد العصر- كما مر سابقا- (3) [1].

______________________________
(1) بناء على نجاسة الغسالة، و لكن قد ذكرنا انها إذا كانت متعقبة لطهارة المحل فلا تكون نجسة. كالغسالة الأولى فيما لا يعتبر فيه التعدد، و حيث انا لا نقول بالتعدد في الأراضي المتنجسة، فلا يتنجس باطن الأرض.

(2) و هو ضعيف، لان المعتبر انفصال الغسالة عن المحل النجس، لا عن كل الجسم بالمرة، و الا لما أمكن تطهير شي‌ء من الأراضي حتى الصلبة، لعدم انفصال الغسالة فيها عن كل جسم الأرض، و كذا البدن إذا تنجس بعضه و سرت الغسالة إلى بعض آخر من بدنه. ففي المقام يكفى انفصال الغسالة عن ظاهر الأرض، و ان رسبت في باطنها [2].

(3) ذكر المصنف «قده» في هذه المسألة أمرين تقدم الكلام عنهما في أول الفصل.

(أحدهما): اشتراط عدم تغير الماء بأوصاف النجس و مثّل له في المقام بغسل الثوب المصبوغ بالدم، و قال: انه لا يطهر ما دام يخرج منه الماء‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «يطهر و ان صار مضافا»:

(تقدم الكلام فيه و فيما قبله) يعنى في اشتراط عدم الإضافة و عدم التغير بالنجاسة، و ذلك في أول الفصل و في المسألة 2.

[2] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «احتمال عدم صدق»: (المعتبر في تحقق مفهوم الغسل هو انفصال الغسالة عن المحل المغسول، لا انفصالها عن المغسول نفسه، و قد مر حكم الغسالة).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 173‌

[ (مسألة 28) فيما يعتبر فيه التعدد لا يلزم توالى الغسلتين]

(مسألة 28) فيما يعتبر فيه التعدد لا يلزم توالى الغسلتين، أو الغسلات، فلو غسل مرة في يوم، و مرة أخرى في يوم آخر كفى. نعم يعتبر في العصر الفورية (1) [1] بعد صب الماء على الشي‌ء المتنجس.

______________________________
الأحمر لتغيره حينئذ بأوصاف النجس، فلا يمكن التطهير به لنجاسته.

و لكن قد مرّ منا سابقا انه لا دليل على اعتباره- اعنى اعتبار عدم التغيّر- في غير الغسلة المتعقبة لطهارة المحل، سواء أ كان التغيّر بأوصاف المتنجس، أو النجس، ففي الغسلة الأولى فيما يعتبر فيه التعدد لا مانع من التغيّر مطلقا، لإطلاق أدلة الغسل الشامل للغسلة الأولى. فإنه يصدق عليها انها غسل بالماء و إن تغيّر و نلتزم بنجاسة غسالتها ايضا تمسكا بإطلاق أدلة الانفعال و لا محذور، و أما إذا كانت متعقبة لطهارة المحل- كالغسلة الثانية فيما يعتبر فيه التعدد أو الأولى فيما لا يعتبر فيه ذلك- فلا بد من اشتراط عدم التغير- كما سبق- و ذلك لتنجس الماء المتغير و لو بالاستعمال في الغسل. فلا يصلح للتطهير به، إما لكونه نجسا لا يمكن رفع النجاسة به، أو لكونه موجبا لنجاسة المحل بالملاقاة، و لا دليل في المقام على تخصيص أدلة انفعال الماء بالتغير، و لا على عدم انفعال الملاقي له.

لا يعتبر التوالي بين الغسلات

(1) المذكور في هذه المسألة أمران.

(أحدهما): انه هل يعتبر التوالي بين الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد أم لا؟

الظاهر عدم اعتباره- كما أفاد في المتن.

و ذلك لإطلاق ما دل على اعتبار التعدد، فإنه يشمل ما إذا كان بينهما فصل، و لو كان طويلا، كاليوم و أكثر.

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» (يعتبر في العصر الفورية):

«الظاهر عدم اعتبارها».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 174‌

[ (مسألة 29) الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شي‌ء تعد من الغسلات]

(مسألة 29) الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شي‌ء تعد من الغسلات (1) فيما يعتبر فيه التعدد، فتحسب مرة، بخلاف ما إذا بقي بعدها شي‌ء من أجزاء العين، فإنها لا تحسب، و على هذا فإن أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرتان كفى غسله مرة أخرى، و ان أزالها

______________________________
الفورية في العصر (الثاني): هل تعتبر الفورية في العصر أم لا؟

ذكر المصنف «قده» انه يعتبر فيه ذلك، و لكن الظاهر عدم اعتبارها- كما أشرنا في التعليقة- لعدم الدليل عليها، لما ذكرناه سابقا من أنه لا دليل على اعتبار العصر تعبدا، و انما ورد الأمر به في خصوص حسنة حسين ابن ابى العلاء «1» و قد ذكرنا هناك انه لا بد من حمله إما على الاستحباب و إما على الغالب المتعارف لورودها في بول الصبي، و لا يعتبر فيه الغسل، إذ يكفي فيه مجرد الصب فضلا عن اعتبار العصر فيه، بل الدليل على اعتبار العصر انما هو اعتباره في مفهوم الغسل- كما تقدم «2»- و لا يضر بالصدق تخلف العصر عن صبّ الماء على المغسول، أو وضعه في الكر قليلا، ثم إخراجه منه، بحيث لا يوجب التأخير الجفاف، نعم إذا أوجبه لا يصدق الغسل.

حكم الغسلة المزيلة

(1) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الرابعة و تقدم منه «قده» هناك عدم كفاية الغسلة الا ان يصب الماء مستمرا بعد زوال النجاسة، و لعلّ مراده «قده» من الكفاية هنا هو ما اعتبره هناك من استمرار الصب، و كيف كان فالصحيح هو كفاية الغسلة المزيلة في عدّها من العدد المعتبر، لإطلاق أدلة الغسل الشامل لها و لغيرها- كما ذكرنا هناك- و لا‌

______________________________
(1) ص 67.

(2) ص 48.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 175‌

بماء مضاف يجب بعده مرتان أخريان (1).

[ (مسألة 30): النعل المتنجسة تطهر بغمسها في الماء الكثير]

(مسألة 30): النعل المتنجسة تطهر بغمسها في الماء الكثير و لا حاجة فيها الى العصر لا من طرف جلدها، و لا من طرف خيوطها، و كذا البارية، بل في الغسل بالماء القليل أيضا كذلك، لان الجلد و الخيط ليسا مما يعصر، و كذا الحزام من الجلد، كان فيه خيط، أو لم يكن (2).

______________________________
دليل على وجوب إزالة العين قبل الغسل، نعم لو فرض بقاء شي‌ء من أجزاء العين، فإنها لا تحسب، لعدم صدق الغسل من النجاسة حينئذ، لتقوّم مفهومه بزوال العين.

(1) لوجوب الغسل مرتين بالماء المطلق فلا يعد الغسل بالماء المضاف من العدد.

حكم غسل النعل

(2) تقدم سابقا: انه انما يعتبر العصر في الغسل لدخله في مفهومه المتقوّم بانفصال الغسالة، فلا موضوعية له في نفسه، و من هنا لم نقل باعتباره الا فيما يتوقف خروج الغسالة منه على العصر- كالثياب و نحوها- و أما إذا تنفصل من دون حاجة الى العصر، فيكفي في طهارة المغسول مجرد انفصالها، كما في كل ما لا يقبل العصر، كالجلد و النعل أو الحزام المصنوع منه، و كذا الخيوط التابعة لهما، لأنها جزء من المغسول الذي لا يقبل العصر.

و لا يفرق فيما ذكرنا من لزوم انفصال الغسالة عن المغسول في صدق الغسل بين الغسل في الماء الكثير أو بالقليل- كما تقدم «1»- سواء ذلك فيما يعصر أو لا يعصر.

______________________________
(1) في ص 149 م 17

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 176‌

[ (مسألة 31): الذهب المذاب و نحوه من الفلزات إذا صب في الماء النجس أو كان متنجسا]

(مسألة 31): الذهب المذاب و نحوه من الفلزات إذا صب في الماء النجس أو كان متنجسا فأذيب ينجس ظاهره (1) [1].

______________________________
تطهير الفلزّات المتنجسة

(1) يقع الكلام في هذه المسألة في فروع:

(الأول): هل يتنجس باطن الفلزات المذابة بملاقاة النجس لظاهرها أم لا؟

ذكر المصنف «قده» انه ينجس ظاهرها و باطنها بذلك، فإذا صبّ الذهب المذاب في الماء النجس، أو كان متنجسا فأذيب، ينجس ظاهره و باطنه، لوصول النجاسة الى جميع أجزائه الداخليّة و الخارجيّة.

و يمكن الاستدلال على ذلك بوجهين.

(الأول): ان الذوبان في الفلزات يوجب الحكم بنجاسة جميع أجزاء الذائب الداخليّة و الخارجيّة بمجرد ملاقاة جزء منها- و لو الظاهرية- مع النجس كما هو الحال في الماء المضاف و الحليب و الدّهن المذاب، و نحوها، فالذوبان في الفلزات تكون كالميعان في غيرها توجب الحكم بنجاسة الجميع بملاقاة البعض.

(و فيه): أنه قياس مع الفارق، لقيام الدليل في المقيس عليه دون المقيس، فان النصوص المتقدمة «2» في بحث الماء المضاف لا تعم مثل الفلزّات الذائبة و انما يكون موردها الماء المضاف و الدّهن المائع و نحوها، و لا إطلاق فيها يشمل مطلق الموادّ الذائبة حتى مثل الفلزّات و الزئبق مما لا ينفذ‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده»: «ظاهره و باطنه»: (بل ينجس ظاهره فقط إذا صب في الماء النجس) و يظهر وجهه مما نذكره في الشرح، و أما صورة ما إذا كان ظاهره نجسا فأذيب فيحصل العلم الإجمالي بنجاسة الباطن أو الظاهر كما سنذكر ذلك في الفرع الثاني، و من هنا خصّ في التعليقة صورة الحكم بنجاسة الظاهر بما إذا صبّ في الماء النجس، فلاحظ.

______________________________
(2) ج 1 ص 38.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 177‌

..........

______________________________
الملاقي إلى باطنها، لاختلاف نوع الذوبان فيهما- كما يأتي.

(الوجه الثاني): دعوى سراية النجاسة الى جميع أجزائها الداخلية و الخارجيّة بمجرد الذوبان، فان الماء النجس ينفذ داخل الفلزات الذائبة، كما ينفذ في غيرها من المائعات، فلا حاجة الى التعبد بالنص.

(و فيه): أولا: ان الفلز المذاب إذا صب في الماء- كما هو مفروض المتن- أو ألقى عليه الماء تنجمد فورا، فكيف ينفذ فيه الماء النجس، لاتحاد زمان الملاقاة و الانجماد.

و ثانيا: ان ذوبان الفلزات لو سلم بقائها حتى بعد وصول الماء إليها لا يكون موجبا لنفوذ شي‌ء إلى داخلها- كالماء النجس أو غيره- لشدّة تماسك أجزائها، و عدم وجود رطوبة مائية فيها كي توجب انتقال النجاسة إلى داخلها- كما في مثل المضاف و نحوه- و ممّا يشهد بذلك ما نشاهده في الزئبق، فإنه مع ميعانه لا يتأثر اليد أو الإناء بوضعه فيها، و هذا مما يدلّنا على عدم السراية في الفلزات فعلا و انفعالا.

و عليه لا دليل على الالتزام بنجاسة باطن الفلزات المذابة بمجرد ملاقاة ظاهرها للنجس- ماء كان أو غيره- بل القدر المتيقن انما هو نجاسة السطح الظاهر إذا لاقت النجاسة كل السطح و الا فالمقدار الملاقي له.

و مما ذكرنا يظهر حكم ما إذا كان الفلز متنجسا قبل الإذابة، فإنه لا تسرى النجاسة إلى باطنه و لا يتنجس الجميع- كما زعم في المتن- بل تختلط السطوح الطاهرة و النجسة فيحصل العلم الإجمالي بنجاسة الباطن أو الظاهر كما يأتي في:

(الفرع الثاني) و هو ما إذا كان ظاهر الفلز متنجسا قبل الذوبان فأذيب، فهل يتنجس باطنه ايضا حينئذ أم لا؟

ذهب في المتن الى القول بنجاسته ظاهرا و باطنا، و قد عرفت في الفرع الأول عدم وجود دليل على ذلك، سوى دعوى السراية قياسا على سائر المائعات و المياه المضافة، و قد عرفت منعها، و أن الذّوبان في الفلزات لا تقاس على الميعان في غيرها، و حينئذ تبقى الأجزاء الباطنيّة على طهارتها، الا انه بالذوبان تنقلب السطوح، فينقلب الخارج داخلا و بالعكس، فيحصل‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 178‌

..........

______________________________
العلم الإجمالي بنجاسة إما السطح الظاهر بعد الذوبان أو السطح الداخل، و مقتضى ذلك هو وجوب الاجتناب عن الظاهر للعلم الإجمالي المذكور، خلافا لما ذكره في المتن حيث يقول: «نعم لو احتمل عدم وصول النجاسة الى جميع أجزائه- أي بعد الذوبان ثانيا- و ان ما ظهر منه بعد الذّوبان الاجزاء الطاهرة- يحكم بطهارته» و هذا خلاف العلم الإجمالي المذكور [1] نعم لا يحكم بنجاسة ملاقيه، لما حققناه في الأصول من أن ملاقي أطراف الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة، لجريان أصالة الطهارة أو استصحابها فيه من دون معارض، فإن الأصل الجاري في الطرف الآخر معارض بالأصل الجاري في الملاقي بالفتح، و بعبارة أخرى حصول العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي بالكسر و الطرف الآخر و ان كان مما لا ينكر الا انه لا أثر لهذا العلم بعد تنجّس التكليف في بعض أطرافه في مرتبة سابقة، و التفصيل في محله.

و بالجملة لا يمكن الحكم بطهارة نفس السطح الظاهر الذي هو أحد طرفي العلم الإجمالي الأول، خلافا للمصنف «قده».

نعم لو قلنا بخروج باطن الفلز عن قدرة استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، أو بخروجه عن محل الابتلاء نظير ما ذكره الشيخ الأنصاري «قده» بالنسبة إلى خارج الإناء التي علمنا بإصابة النجاسة إما لداخلها أو خارجها [2] أمكن الحكم بطهارة السطح الظاهر، لقاعدتها، و لكن فيه تأمل ظاهر.

(الفرع الثالث): لو فرضنا حصول العلم بنجاسة جميع أجزاء الفلز الظاهرية و الباطنيّة و لو بإذابته مرات كثيرة و إلقائه في كل مرة على الماء المتنجس أو في الإناء النجس لا يمكن إلا طهارة سطحه الظاهر، لعدم نفوذ الماء الطاهر الى جوفه جزما، فلو كان مثل القدر من الصفر و نحوه أمكن تطهير‌

______________________________
[1] و من هنا جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «يحكم بطهارته»:

(الحكم بطهارته لا يخلو من اشكال ظاهر نعم لا ينجس ملاقيه على الأظهر).

[2] كما هو مورد صحيحة على بن جعفر (ع) قال: «سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس.» الوسائل ج 1 ص 112 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 179‌

..........

______________________________
ظاهره فقط و استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، كالأكل و الشرب و نحوهما- كما أشار في المتن- إلا انه قد يشك في ظهور باطنه بكثرة الاستعمال و ان السطح الموجود هل هو السطح المغسول أم السطح الظاهر بعد الاستعمال الباقي على النجاسة، فيحصل العلم الإجمالي بأنه من الفرد الطاهر أو النجس، فهل يحكم بطهارته لقاعدتها أو يستصحب نجاسته.

يبتنى ذلك على ما ذكر في بحث الاستصحاب من أنه إذا علم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأفراد و بقاء بعضها الآخر على حالتها السابقة و شك في فرد انه من المنتقض حالته السابقة، أو الباقي على حاله، فهل يجرى فيه استصحاب الحالة السابقة أم لا؟

منع شيخنا الأستاد «قده» عن ذلك بدعوى انه يكون من الشبهة المصداقية بالنسبة إلى عموم دليل الاستصحاب، و لا يجوز الأخذ بالعموم في مثله، للعلم بارتفاع الحكم عن بعض الأفراد، فنحتمل ان يكون هذا الفرد مما علمنا بارتفاع الحالة السابقة عنه، فلا يجرى فيه استصحاب الحالة السابقة، لاحتمال ان يكون رفع اليد عن الحالة السابقة فيه نقضا لليقين باليقين، لا نقضا له بالشك.

و تندفع الدعوى المذكورة- كما ذكرنا في محله- بان اليقين و الشك يكونان من الأوصاف الوجدانية للنفس لا يمكن الترديد فيهما، إذ لا معنى لأن يشك الإنسان في انه على يقين من شي‌ء أم لا، أو يشك في انه على شك منه أم لا، بل هو إما على يقين أو على شك، و يجد ذلك من نفسه وجدانا و عليه فلا يعقل تحقق الشبهة المصداقية للاستصحاب، فإنه إما أن يجرى قطعا أو لا يجرى كذلك، ففي المقام حيث يتم أركان الاستصحاب- و ان علمنا بانتقاض الحالة السابقة في بعض الافراد- لا مانع من جريانه، لأن السطح المشكوك انه من الظاهر أولا أو بعد الاستعمال يعلم بنجاسته قبل ذلك جزما و يشك في ارتفاعها عنه بالتطهير فيجري فيه الاستصحاب.

و هذا يكون نظير دم الذبيحة المتردد بين كونه من الدم المتخلف أو المسفوح، فإنه يحكم بنجاسته بمقتضى الاستصحاب، و ان علمنا بتخلف مقدار من الدم في الذبيحة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 180‌

و باطنه (1) و لا يقبل التطهير الا ظاهره (2) فإذا اذيب ثانيا بعد تطهير ظاهره تنجس ظاهره ثانيا (3).

نعم لو احتمل عدم وصول النجاسة الى جميع اجزاءه، و أن ما ظهر منه بعد الذوبان الأجزاء الطاهرة يحكم بطهارته (4).

و على أى حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من استعماله و ان كان مثل القدر من الصفر (5).

[ (مسألة 32): الحلي الذي يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة]

(مسألة 32): الحلي الذي يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته (6) و مع العلم بها يجب غسله (7) و يطهر

______________________________
(1) لا دليل على تنجس باطنه- كما ذكرنا.

(2) لعدم نفوذ الماء الطاهر الى جوفه.

(3) لا بسبب سراية النجاسة من باطنه الى الظاهر بالذّوبان- كما هو مبنى المصنف- بل لظهور اجزائه الداخلية الباقية على النجاسة فلاحظ ما تقدم في صدر المسألة.

(4) لقاعدتها، هذا و لكن تقدم في الفرع الثاني «1» ان الحكم بطهارته لا يخلو من اشكال ظاهر، لحصول العلم الإجمالي بنجاسته أو بنجاسة السطح الداخل الى الجوف بالغليان فيجب الاجتناب عنه.

(5) تقدم في الفرع الثالث: انه لو احتمل ظهور الباطن بتوسط الاستعمال جرى فيه استصحاب النجاسة، و ان تردد الأمر بين كونه من الفرد الطاهر أو النجس، خلافا لشيخنا الأستاد «قده» حيث منع عن جريانه في مثله بدعوى انه من الشبهة المصداقية للاستصحاب و لكن قد عرفت ما فيه.

(6) لقاعدة الطهارة أو استصحابها.

(7) اى فيما يتوقف استعماله على الطهارة.

______________________________
(1) ص 177.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 181‌

ظاهره، و ان بقي باطنه (1) على النجاسة إذا كان متنجسا قبل الإذابة.

[ (مسألة 33) النبات المتنجس يطهر بالغمس في الكثير]

(مسألة 33) النبات المتنجس (2) يطهر بالغمس في الكثير، بل و الغسل بالقليل إذا علم جريان الماء عليه بوصف الإطلاق (3) [1] و كذا قطعة الملح، نعم لو صنع النبات من السكّر المتنجس أو انجمد الملح بعد تنجسه مائعا لا يكون حينئذ قابلا للتطهير (4).

[ (مسألة 34) الكوز الذي صنع من طين نجس أو كان مصنوعا للكافر]

(مسألة 34) الكوز الذي صنع من طين نجس أو كان مصنوعا للكافر يطهر ظاهره بالقليل و باطنه أيضا (5) إذا وضع في الكثير فنفذ الماء في أعماقه.

______________________________
(1) قد عرفت الكلام في سراية النجاسة إلى الباطن في ذيل المسألة السابقة.

تطهير النبات و الملح المتنجس

(2) يعني إذا تنجس ظاهره لمقابلته مع ما يأتي في كلامه من حكم النبات المصنوع من السكّر المتنجس.

(3) و هكذا إذا شك في بقائه على الإطلاق للاستصحاب.

(4) لان نفوذ الماء الى جوفه يوجب صيرورته مضافا لا يمكن التطهير به، فالباقي على النجاسة انما هو باطن النبات المصنوع من السكر المتنجس، و أما ظاهره فلا مانع من تطهيره، كالمتنجس ظاهره، و هكذا الملح.

تطهير الكوز النجس

(5) تقدم الكلام في مثل ذلك في ذيل (المسألة 16) و في كيفيّة تطهير ما لا يعصر من الأجسام إذا تنجس ظاهره و باطنه، كالصابون و الطين‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «إذا علم جريان»: (و المرجع عند الشك في بقاء الإطلاق هو الاستصحاب).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 182‌

[ (مسألة 35): اليد الدسمة إذا تنجست تطهر في الكثير و القليل]

(مسألة 35): اليد الدسمة إذا تنجست تطهر في الكثير و القليل، إذا لم يكن لدسومتها جرم (1) و الا فلا بد من إزالته أولا، و كذا اللحم الدسم، و الألية فهذا المقدار من الدسومة لا يمنع من وصول الماء.

[ (مسألة 36): الظروف الكبار التي لا يمكن نقلها- كالحب المثبت في الأرض]

(مسألة 36): الظروف الكبار التي لا يمكن نقلها- كالحب المثبت في الأرض و نحوه- إذا تنجست يمكن تطهيرها بوجوه (2).

(أحدها): أن تملأ ماء ثم تفرغ، ثلاث مرات.

(الثاني): ان يجعل فيها الماء، ثم يدار إلى أطرافها بإعانة اليد أو غيرها، ثم يخرج منها ماء الغسالة ثلاث مرات.

______________________________
و نحوهما و يجرى ذلك في الكوز المصنوع من الطين المتنجس و نحوه، و ذكرنا هناك: أنه لا بد في تطهير باطنه من نفوذ الماء الطاهر في جوفه بعد تجفيفه.

تطهير اليد الدّسمة

(1) لأن الدّسومة القليلة تعد من الأعراض في نظر العرف، كالألوان، فلا تمنع من وصول الماء الى نفس اليد.

تطهير الظروف الكبار

(2) يمكن استفاده هذه الوجوه من موثقة عمار المتقدمة [1].

نعم لم يذكر فيها صورة ملأ الإناء ماء ثم إفراغه منها، و من هنا استشكل في الجواهر «2» في جواز الاكتفاء بذلك- كما تقدم- «3» في ذيل‌

______________________________
[1] في ذيل (المسألة الخامسة ص 93) و هي مروية في الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات، ح 1.

______________________________
(2) ج 6 ص 376.

(3) ص 136.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 183‌

(الثالث): ان يدار الماء إلى أطرافها، مبتدأ بالأسفل، إلى الأعلى، ثم يخرج الغسالة المجتمعة، ثلاث مرات.

(الرابع): أن يدار كذلك لكن من أعلاها إلى الأسفل، ثم يخرج، ثلاث مرات، و لا يشكل بان الابتداء من أعلاها يوجب اجتماع الغسالة في أسفلها قبل أن يغسل، و مع اجتماعها لا يمكن إدارة الماء في أسفلها، و ذلك لأن المجموع يعد غسلا واحدا، فالماء الذي ينزل من الأعلى يغسل كل ما جرى عليه إلى الأسفل، و بعد الاجتماع يعد المجموع غسالة، و لا يلزم تطهير (1) آلة إخراج الغسالة كل مرة و ان كان أحوط، و يلزم المبادرة إلى إخراجها عرفا في كل غسلة، لكن لا يضر الفصل بين الغسلات الثلاث (2).

______________________________
(المسألة 14) و لكن قد أجبنا عنه بان المذكور في الموثقة و ان كان ادارة الماء في الإناء و تحريكه فيه، الا ان المستفاد منها هو طريقيته الى وصول الماء الى جميع سطح الإناء و لا موضوعية لتحريك الماء من حيث هو، فيكفي ملأ الإناء ماء من دون إدارته فيها.

(1) بل يلزم ذلك إلا إذا غسلت الآلة مع الظروف أيضا و يأتي وجه ذلك بعيد هذا [1].

(2) قد ذكرنا: ان الوجوه الأربعة المذكورة في المتن يمكن استفادتها من موثقة عمار «2» الا ان المصنف «قده» قد أشار الى أمور لا بأس بالتعرض لها.

(الأول): ما ذكره من الإشكال في الوجه الرابع من بقاء أسفل الإناء على النجاسة، لأنه لو فرض صبّ الماء من الأعلى إلى الأسفل- كما هو مفروض الوجه الرابع- لأوجب ذلك اجتماع الغسالة في أسفل الإناء، فلا يمكن ادارة الماء في أسفلها، فتبقى على النجاسة.

______________________________
[1] في الأمر الثاني من الأمور التي نذكرها في التعليقة الآتية.

______________________________
(2) ص 93

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 184‌

..........

______________________________
و أجاب عنه المصنف «قده» بأنه يكفي في طهارة الأسفل جريان الماء عليه من الأعلى فيطهر قبل أن يجتمع فيه الغسالة و بعد الاجتماع يعد المجموع غسالة، و لا يتنجس الأسفل بماء الغسالة ثانيا، لعدم تنجس المغسول بماء غسالته، و إلا لما أمكن تطهيره- كما يأتي.

(الأمر الثاني): هل يلزم تطهير آلة إخراج الغسالة كل مرة أم لا؟

ذكر المصنف «قده» انّه لا يلزم ذلك، و يمكن الاستدلال له بأحد وجهين.

(الأول): إطلاق موثقة عمار «1» المتقدمة «2» الدالة على طهارة الظروف بغسلها ثلاث مرات من دون تقييدها بتطهير الآلات المستعملة لإخراج الغسالة.

و فيه: انها ليست في مقام بيان هذه الجهة و انما وردت. لبيان كيفيّة تطهير الأواني ثلاث مرات، و أنه لا بد من إفراغ الغسالة في كل مرة، سواء أ كان بآلة أم لا، و من هنا ذكر في الجواهر «3» ان الإطلاق في الموثقة غير مسوقة لذلك.

(الوجه الثاني): ما أشار إليه في الجواهر «4» أيضا من عدم تنجس المغسول بماء غسالته و الا لكان مقتضاه النجاسة لو فرض التقاطر من تلك الآلة في الإناء.

(و يندفع) بما ذكره في الجواهر «5» من منع القول بعدم تنجس المغسول بغسالته مطلقا حتى بعد الانفصال عنه، و انما نقول بذلك حال الاتصال، حذرا من عدم إمكان تطهير المتنجسات، و أما بعد الانفصال فلا محذور فيه قضاء للقواعد و عليه فإذا انفصلت الغسالة عن المغسول بآلة أو غيرها ثم عادت اليه و لو بواسطة تلوث آلة إخراج الغسالة- من خرقة أو ظرف و نحو ذلك- بها لأوجبت تنجس المحل بملاقاتها ثانيا، فلا بد من تطهير الآلة‌

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات ح 1.

(2) ص 93

(3) ج 6 ص 374.

(4) ج 6 ص 375.

(5) ج 6 ص 375.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 185‌

..........

______________________________
قبل العود سواء في الغسلة الواحدة أو الغسلتين لوحدة الملاك، نعم الغسلة المتعقبة لطهارة المحل، و هي الغسلة الثالثة في الأواني لا يعتبر فيها ذلك، لعدم نجاسة الغسالة حينئذ، حتى حال وجودها في المحل، فتحصل: أنه يلزم تطهير آلة إخراج الغسالة، إلا إذا غسلت مع الظرف أيضا [1].

(الأمر الثالث): هل يلزم المبادرة إلى إخراج الغسالة عرفا في كل غسلة؟

ذكر المصنف «قده» انه يلزم ذلك، هذا و ما ذكره- في المسألة 28- من اعتبار فورية العصر فيما يعصر يرتضعان من ثدي واحد، و هو اعتبار انفصال الغسالة عن الجسم المغسول فورا، لتوهم اعتباره في مفهوم الغسل، الا انه قدمنا هناك انّ الفصل بمقدار لا يوجب الجفاف لا يضر بصدق مفهوم الغسل عرفا- كما هو واضح- و يساعده إطلاق موثقة عمار «2» المتقدمة «3» الواردة في كيفيّة غسل الإناء.

نعم لا بأس بالفورية احتياطا استحبابيا أخذا بالأولوية [2].

(الأمر الرابع): لا يضر الفصل بين الغسلات الثلاث- كما أفاد في المتن- و قد تقدم الكلام أيضا- في المسألة 28- لصدق الغسل ثلاثا و لو مع التراخي بينها.

(الأمر الخامس): ذكر في المتن: انه لا بأس بالقطرات التي تقطر من الغسالة في الإناء.

و فيه إشكال، لأن الغسالة المحكومة بالنجاسة إذا انفصلت عن المغسول فعودها ثانيا اليه يوجب نجاسته- كما هو مقتضى القاعدة الأوليّة في الملاقاة مع النجس- و انما لا نقول بذلك، ما دامت متصلة بالجسم حذرا من‌

______________________________
[1] كما جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «و لا يلزم تطهير»: (بل يلزم ذلك إلا إذا غسلت مع الظرف أيضا).

[2] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «و يلزم المبادرة إلى إخراجها»: (على الأحوط الأولى).

______________________________
(2) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 53 من النجاسات، ح 1.

(3) ص 93

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 186‌

و القطرات التي تقطر من الغسالة فيها لا بأس بها (1) و هذه الوجوه تجري في الظروف غير المثبتة أيضا، و تزيد بإمكان غمسها في الكر أيضا، و مما ذكرنا يظهر حال تطهير الحوض أيضا بالماء القليل (2).

[ (مسألة 37): في تطهير شعر المرأة و لحية الرجل لا حاجة إلى العصر]

(مسألة 37): في تطهير شعر المرأة و لحية الرجل لا حاجة إلى العصر، و ان غسلا بالقليل، لانفصال معظم الماء بدون العصر (3).

[ (مسألة 38): إذا غسل ثوبه المتنجس، ثم رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين]

(مسألة 38): إذا غسل ثوبه المتنجس، ثم رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين، أو من دقاق الأشنان الذي كان متنجسا لا يضر ذلك

______________________________
عدم إمكان التطهير لولاه- كما تقدم- و الا لتسلسل و استحال التطهير، و أما مع فرض انفصالها عن المغسول فلا يلزم من الحكم بنجاسة ملاقيها اى محذور سواء في ذلك المغسول أو غيره، فلا بد من مراعاة ذلك حين إخراج الغسالة من الظرف الكبير بخرقة كان أو غيرها مما يستعمل في إخراجها، فلاحظ.

و دعوى «1» القطع بنفي البأس بها- لأنها لازم غالبا بحيث لو بنى على قدحها لزم تعذر تطهير الأواني المثبتة أو الكبيرة التي يتعذر إفراغ الماء منها بغير آلة مدّعيا وجود الفرق بذلك بين القطرات المذكورة، و آلة إخراج الغسالة طاهرة- عهدتها على مدّعيها.

(1) بل فيها بأس، كما تقدم «2» في الأمر الخامس من الأمور التي ذكرناها في التعليقة المتقدمة.

(2) كما قواه في الجواهر «3» فان لفظ الإناء الوارد في موثقة عمار «4» و ان كان لا يشملها إلا انها تشبهها في الصورة، و لا فرق في نظر العرف بين الآنية الكبيرة المثبتة في الأرض، و الحوض في أحكام التطهير.

(3) إلا إذا كان الشعر كثيفا لا تنفصل الغسالة عنه الا بالعصر، لأن العبرة بانفصال الغسالة بأي وجه اتفق بنفسه أو بالعصر.

______________________________
(1) كما في المستمسك ج 2 ص 58 في ذيل المسألة.

(2) ص 185

(3) ج 6 ص 376.

(4) الوسائل ج 2 ص 1076 باب 35 من أبواب النجاسات، ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 187‌

بتطهيره (1) بل يحكم بطهارته أيضا لانغساله بغسل الثوب (2) [1].

[ (مسألة 39): في حال اجراء الماء على المحل النجس، من البدن أو الثوب]

(مسألة 39): في حال اجراء الماء على المحل النجس، من البدن أو الثوب، إذا وصل ذلك الماء الى ما اتصل به من المحل الطاهر- على ما هو المتعارف- لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة (3) [2] حتى

______________________________
(1) الطين، أو الأشنان، أو نحوهما مما يرسب فيه الماء إذا تنجس بواطنها بنفوذ الماء النجس يشكل الحكم بطهارة تلك البواطن من دون جفاف- كما تقدم في ذيل مسألة 16- لأن الرطوبة النجسة الموجودة فيها لا تطهر بالاتصال بالكثير أو بصب القليل، لان دليل مطهرية الاتصال مختص بالماء، و النافذ في باطن الجسم لا يصدق عليه الماء، بل هي رطوبة محضة، فلا بد من تجفيفه أولا ثم غسله بالماء، أو استيلاء الماء الطاهر على باطنه على نحو يوجب خروج الرطوبة المذكورة، فيطهر بذلك، نعم لا يضر بقاء باطنها على النجاسة بطهارة الثوب المغسول لحصول طهارة ظاهرها بمجرد غسل الثوب.

(2) بل لا يحكم إلا بطهارة ظاهر تلك الأشياء- كالطين و الأشنان- لعدم حصول طهارة بواطنها الا بالتجفيف، أو بالبقاء في الكثير مدّة يعلم بنفوذ الماء الطاهر الى جوفها- كما تقدم آنفا.

حكم تعدى الغسالة من المحل النجس الى المحل الطاهر

(3) حاصل ما ذكره «قده» في هذه المسألة هو انه لو جرى الماء من المحل المغسول الى المحل الطاهر المتصل به لا يتنجس المحل الطاهر بوصول‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «بل يحكم بطهارته»: (مرّ الإشكال في طهارة باطن الطين من دون تجفيف).

[2] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده» «لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة»: (الظاهر انه يلحقه حكم ملاقيها فإذا كانت الغسالة نجسة يحكم بنجاسته).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 188‌

..........

______________________________
الغسالة إليه- إذا كان مما يتعارف وصول الماء إليه- لوحدة المغسول عرفا، سواء أ كانت الوحدة حقيقيّة- كما في مثال الثوب و البدن- إذا غسل بعضا من كل منهما و جرى الماء الى البعض الآخر، أو كانت انضماميّة (اى ضم النجس الى الطاهر)- كما في مثال ضم الإصبع النجس إلى بقيّة الأصابع و جرى الماء من الإصبع النجس إلى بقية الأصابع.

و فرع على ذلك الحكم بنجاسة الملاقي للغسالة في موردين:

(أحدهما): ما إذا انفصلت الغسالة من المحل المتنجس بطفرة و نحوها و لاقت شيئا، فإنه يحكم بنجاسته.

(ثانيهما): ما إذا جرى الماء من المحل المتنجس الى محل طاهر منفصل عن المغسول فينجس أيضا، لدعوى أن المعتبر في عدم الانفعال أمران عدم انفصال الغسالة عن المغسول، و وحدته.

و الصحيح في المقام ان يقال: انه لا كلام بناء على طهارة الغسالة مطلقا و هذا ظاهر لا يريده المصنف «قده» أيضا.

و أما بناء على القول بنجاستها مطلقا- كما التزم به جماعة و منهم المصنف «قده» أو القول بخصوص ما لا يتعقبها طهارة المحل- كالغسلة الاولى- فلا بد من القول بعدم تنجس الملاقي للغسالة الأخيرة- حتى على القول بنجاستها- مما تعارف و جرت العادة على وصول الغسالة إليه من أطراف المحل المغسول لا أكثر، و ذلك للسيرة القطعيّة على عدم تطهير ما وصل إليه الغسالة مما تعارف وصولها اليه من أطراف المحل المغسول، و الا لما أمكن تطهير الأجسام الكبيرة، كما لا يمكن حينئذ تطهير شي‌ء من الأرض، لوصول الغسالة إلى الأطراف طبعا، فلو قلنا بتنجسها لزم التسلسل في الغسل.

هذا مضافا الى إمكان الاستدلال على المطلوب بدلالة الاقتضاء في الروايات الآمرة بصب الماء على ما أصابه البول من البدن مرتين، و الآمرة بغسل الناحية التي علم بنجاستها من الثوب مع قضاء العادة بوصول الغسالة من محل الصبّ و الغسل إلى الأطراف، إذ يستحيل عادة الاقتصار على الموضع النجس من دون زيادة أو نقصان، فان لازم الصّب و الغسل هو جريان الماء من المحل النجس الى المحل الطاهر من الأطراف المتصلة به، فإذا كان ذلك‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 189‌

..........

______________________________
موجبا لنجاستها كان الأمر بالغسل لغوا، لعدم إمكان رفع النجاسة عن الجسم المغسول، لأن تطهير بعض منه يستلزم تنجس البعض الآخر، و هكذا، الا ان نلتزم بلزوم طهارة جميعه بحيث إذا تنجس بعض من البدن لزم غسل جميعه، و هذا مما لم يقل به أحد، فصونا للكلام عن اللغوية نلتزم بدلالته على عدم تنجيس ما تعارف من الإصابة حين الغسل.

بل الإطلاقات المقاميّة فيما دل على كيفيّة التطهير بالماء تدل على ذلك، لأنه لو كانت الغسالة منجّسة لأطراف المحلّ المغسول لزم بيانه، لشدّة الابتلاء بها، فالسكوت عن ذلك يدل على عدم النجاسة.

نعم لا بد ان يحدد المقام- كما أشرنا- بما تعارف وصول الغسالة إليه، لأن السيرة و دلالة الاقتضاء و الإطلاقات المقاميّة كلها أدلة لبيّة ليس لها إطلاق، كإطلاق الأدلة اللفظية، كي يتمسك بها عند الشك في حكم فرد من الأفراد، بل لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن، إذ ليس في المقام إطلاق لفظي- كما أشرنا.

و المقدار المتيقن هو ما تعارف وصول الغسالة إليه من الأطراف المتصلة بالمحل حقيقة، كالجسم الواحد.

و أما الأجسام المتعددة إذا ضم النجس منها الى الطاهر و صب الماء على النجس منها و جرى الماء منه الى الطاهر منها فلا دليل على عدم انفعاله بتلك الغسالة، لعدم ثبوت السيرة، و لا دلالة الاقتضاء، أو الإطلاق المقامى فيها، لعدم العادة بذلك.

فمن هنا تظهر المناقشة فيما ذكره المصنف «قده» من الحكم بعدم تنجس الأصابع إذا ضمها إلى الإصبع النجس و أجرى الماء منه عليها، لأن وصول غسالة أحد الأصابع إلى البقيّة لا يكون من لوازمه العادية، لإمكان غسل الإصبع النجس منفردا، و هذا يكون نظير وضع الإصبع النجس على رأسه و صب الماء عليه، فيجري على الرأس مثلا، فلاحظ.

هذا كله في الغسلة المتعقبة لطهارة المحل حتى على القول بنجاستها، كما هو خيرة الماتن «قده».

و أما غيرها كالغسلة الأولى فيما يعتبر فيه التعدد فلا نلتزم بعدم انفعال‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 190‌

يجب غسله ثانيا، بل يطهر المحل النجس بتلك الغسلة، و كذا إذا كان جزء من الثوب نجسا فغسل مجموعه، فلا يقال: ان المقدار الطاهر تنجس بهذه الغسلة، فلا تكفيه، بل الحال كذلك إذا ضمّ مع المتنجس شيئا آخر طاهرا، و صبّ الماء على المجموع (1)، فلو كان واحد من أصابعه نجسا، فضمّ إليه البقيّة، و أجرى الماء عليها بحيث وصل الماء الجاري على النجس منها إلى البقيّة، ثم انفصل تطهّر بطهره، و كذا إذا كان زنده نجسا، فأجرى الماء عليه، فجرى على كفه ثم انفصل، فلا يحتاج إلى غسل الكف، لوصول ماء الغسالة إليها، و هكذا.

نعم لو طفر الماء من المتنجّس حين غسله على محلّ طاهر من يده، أو ثوبه يجب غسله بناء على نجاسة الغسالة- و كذا لو وصل بعد ما انفصل عن المحل إلى طاهر منفصل (2) و الفرق: إن المتصل بالمحل

______________________________
ملاقيها على القول بنجاستها، لعدم جريان الأدلة المتقدمة من السيرة و دلالة الاقتضاء و الإطلاق المقامى فيها، إذ لا مانع من الالتزام بتنجس أطراف المحل المغسول بالغسالة الأولى، ثم صب الماء على الجميع مرّة ثانية، فيطهر الكل، أما المحل المتنجس فلتحقق تعدد الغسل بالنسبة اليه، و أما أطرافه المتنجسة بالغسالة الأولى فلكفاية الغسل مرة واحدة في غير ما ورد النص بلزوم التعدد فيه، و لا يلزم من ذلك أىّ محذور، إذ لا مخالفة للسيرة و لا يلزم اللّغوية في كلام الآمر بالغسل، و ليس هناك إطلاق مقامي، لاقتضاء القاعدة الأولية لزوم تطهير المتنجسات، و منها ما نحن فيه، أعني ملاقي الغسالة النجسة [1].

(1) قد عرفت الإشكال في ذلك، و إنّ الوحدة الانضمامية غير كافية في الحكم بعدم الانفعال بالغسالة النّجسة، و لو كانت الغسلة متعقبة لطهارة المحل، لعدم المقتضى للقول بعدم الانفعال فيه.

(2) لا حاجة الى شي‌ء من القيدين- اعنى انفصال الغسالة عن المحل‌

______________________________
[1] و من هنا جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنّف «قده» «لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة»: «الظاهر أنه يلحقه حكم ملاقيها فإذا كانت الغسالة نجسة يحكم بنجاسته) و ما ذكره (دام ظله) إنّما يتم في غير الغسلة المتعقبة لطهارة المحل، كما عرفت في الشرح.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 191‌

النجس يعد معه مغسولا واحدا، بخلاف المنفصل.

[ (مسألة 40): إذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق على نجاسته]

(مسألة 40): إذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق على نجاسته، و يطهر بالمضمضة (1) [1] و أما إذا كان الطعام طاهرا فخرج دم من بين أسنانه، فان لم يلاقه لا يتنجس و إن تبلل بالريق الملاقي للدم، لأنّ الريق لا يتنجس بذلك الدم (2) و إن لاقاه ففي الحكم بنجاسته إشكال، من حيث أنّه لاقى النجس في الباطن (3)، لكن الأحوط الاجتناب عنه، لأنّ القدر المعلوم أنّ النّجس في الباطن

______________________________
و انفصال الجسم الطاهر عنه- إذا لم تجر العادة على الملاقاة، لأن الغسالة تكون موجبة لنجاسة ملاقيها- إذا لم تجر العادة على الملاقاة- و لو كانت باقية في المحل، أو كان المتصل بالمحل مما لم يتعارف وصول الغسالة إليه، إذ العبرة في عدم الحكم بنجاسة ملاقي الغسالة إنّما تكون بما يتعارف إصابتها له حين الغسل، لا انفصالها عن المحل، و لا اتصال الملاقي به، فلعلّ ذكر القيدين كان من سهو القلم.

حكم ما يبقى في الأسنان عند أكل النجس

(1) بشرط صدق الغسل، أى استيلاء الماء على تمام سطحه الظاهر، و نفوذه في باطنه.

(2) لأنّ الملاقاة مع الإجزاء الباطنيّة- كالريق في مفروض الكلام- لا توجب سراية النجاسة- كما أوضحنا ذلك في بحث النجاسات- «2».

(3) قد ذكرنا في بحث النجاسات «3» أنّه لو كان الملاقي خارجيّا‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده»: «و يطهر بالمضمضة»: (بشرط صدق الغسل).

______________________________
(2) راجع ج 2 من كتابنا ص 275 في ذيل (مسألة 1) من مسائل نجاسة البول و الغائط في صور الملاقاة في الباطن.

(3) ج 2 ص 280.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 192‌

لا ينجس ملاقيه، مما كان في الباطن، لا ما دخل إليه من الخارج، فلو كان في أنفه نقطة دم لا يحكم بتنجس باطن أنفه، و لا بتنجس رطوبته، بخلاف ما إذا أدخل إصبعه فلاقته، فإنّ الأحوط غسله.

[ (مسألة 41): آلات التطهير- كاليد، و الظرف الذي يغسل فيه- تطهر بالتّبع]

(مسألة 41): آلات التطهير- كاليد، و الظرف الذي يغسل فيه- تطهر بالتّبع (1) [1] فلا حاجة إلى غسلها، و في الظرف لا يجب

______________________________
و النّجس داخليّا لا دليل على الحكم بسراية النجاسة، لأنّ مورد الأدلّة الدالة على سراية النجاسة إنّما هو النجس الخارجي، كالدم المسفوح و دم القروح و الجروح و البول و الغائط الخارجيين، و أما إذا كان النجس داخليّا فلا دليل على السراية و ان كان الملاقي خارجيّا، كشيشة الاحتقان الملاقية للغائط في الباطن إذا خرجت غير ملوّثة به، و المقام أيضا من هذا القبيل، لأنّ الطّعام و إن كان خارجيّا إلّا أنّ النّجس- و هو الدم الخارج من الأسنان- يكون من الباطن [2] ما دام في الفم، فلا تسرى النجاسة منه الى الطعام الداخل في الفم، فلا يفرق بين ما إذا كان الملاقي باطنيا أيضا- كما في الدم الملاقي لباطن الأنف، أو خارجيّا، كما في الإصبع الملاقي للدم في باطن الأنف إذا خرج نظيفا، فالاحتياط المذكور في المتن غير واجب.

الطهارة التبعيّة في آلات التطهير

(1) لا دليل على الطهارة التبعيّة في آلات التطهير- كاليد، و حجر‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «تطهر بالتّبع»: (إذا غسلت مع المغسول).

[2] يمكن المناقشة في عدّ الدم الخارج من الأسنان من النجاسات الباطنيّة لخروجه عن محله، و هو عروق اللثة، فيكون المقام من مصاديق المتلاقيين الخارجيين و إن كان الملاقاة في الباطن فيحكم بالسراية- كما أوضحنا ذلك في ج 2 ص 278- إلّا أنّ يقال لا يكفي في صدق النجاسة الخارجية هذا المقدار، اى مجرد الخروج عن محلها الطبيعي ما دامت في باطن البدن، و إن كان الباطن مثل الفم، كما في الدم الخارج من عروق اللّثات مع بقائه في الفم بعد، بل لا بد من الخروج إلى خارج البدن، إذ هو القدر المتيقن في السراية من أدلة النجاسات بعد عدم وجود إطلاق شامل للنجاسات الداخليّة، فلاحظ.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 193‌

..........

______________________________
غسلة ثلاث مرات (1) [1] بخلاف ما إذا كان نجسا قبل الاستعمال في التطهير، فإنّه يجب غسله ثلاث مرات- كما مر.

التثقيل، و خشبة الدق و نحوها.

و ما يقال من ثبوت السيرة، و الارتكاز العرفي و الإطلاق المقامى لأدلّة التطهير المتضمّنة للأمر بالغسل.

غير تام، لان المتعارف هو غسل آلات التطهير بنفسها أيضا بصب الماء عليها، و على المغسول معا، فيستقل كلّ منهما بالتطهير، و في مثله لا يمكن إثبات استناد طهارة الآلات إلى التبعيّة المحضة، فلا يمكن الحكم بطهارتها إذا لم تغسل مع المغسول، و ثبوت السيرة على عدم غسلها و إن كان مما لا ينكر إلّا أنّه لم يثبت استنادها إلى التبعيّة لغلبة غسلها مستقلا- كما أشرنا- و لم يثبت الارتكاز العرفي على مجرّد التبعيّة، و لا الإطلاق المقامى في المورد المذكور بعد ثبوت الغلبة التي يمكن الاتكاء عليه في مقام البيان.

(1) تقدم «2» الكلام في طهارة الإناء بالتّبع و قلنا هناك: أنّه لا بدّ من الفرق بين المركن و الإناء، لأن مورد صحيحة محمد بن مسلم «3» الدالة على الطهارة التبعيّة للظرف الذي يغسل فيه الثوب بالإطلاق المقامى إنّما هو المركن (الطشت) فلا يشمل الأواني، بل مقتضى القاعدة فيها هو التثليث، كما دل على ذلك موثقة عمار «4».

______________________________
[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف «قده»: «لا يجب غسله ثلاث مرات»: (تقدم الكلام فيه) و يقصد بذلك ما ذكره في تعليقته (دام ظله) على (مسألة 20) من الحاجة الى التثليث إذا كان إناء نعم لا يعتبر ذلك في المركن (الطشت) كما أشار في تعليقته على (مسألة 21) من كونه مبنى على الاحتياط فلاحظ الفرق بين الإناء و الطشت و يأتي الكلام على وجه التفصيل في الطهارة التبعيّة في «المطهر التاسع».

______________________________
(2) في ذيل المسألة 20 و 21.

(3) الوسائل ج 2 ص 1002 في الباب 2 من النجاسات ح 1.

(4) الوسائل ج 2 ص 1076- الباب 53 من النجاسات، ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 195‌

..........

______________________________
المطهّر الثاني الأرض‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 196‌

..........

______________________________
المطهر الثاني: الأرض الأرض تطهّر باطن القدم و النعل، اشتراط زوال عين النجاسة، أقسام الأرض، اشتراط طهارة الأرض، المشي بالركبتين و اليدين، حكم نعل الدّابة و كعب العصي، عدم طهارة باطن النعل، المسح على الحائط، الشك في طهارة الأرض، الشك في جفافها، المشي على ما يشك كونه أرضا، حكم رقعة النعل.





 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net