الثاني من المطهّرات: الأرض 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌5   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 70

فقه الشيعة - كتاب الطهارة؛ ج‌5، ص: 197

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 197‌

[الثاني: من المطهّرات الأرض]

«الثاني»: من المطهّرات الأرض (1): و هي تطهّر باطن القدم، و النعل.

______________________________
الثاني من المطهّرات الأرض

(1) لا خلاف عندنا [1] في أصل مطهرية الأرض- في الجملة- لباطن القدم و النعل و الخف، و الاقتصار على هذه الثلاثة هو المشهور بل عن المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب و عن جامع المقاصد «2» دعوى الإجماع عليه و عن بعضهم التعميم لكل ما يوطأ به و لو كخشبة الأقطع «3».

و كيف كان فلا خلاف في أصل الحكم (اعنى التطهير بالأرض) في الجملة، عدا ما يتوهم من عبارة الشيخ «قده» في الخلاف [2] حيث قال فيه: «إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا (ثم استدل على ذلك بعد نقل أقوال المخالفين بقوله): دليلنا أنا بيّنا فيما تقدم: أن ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده جازت الصلاة فيه، و إن كانت فيه نجاسة. و الخفّ لا تتم الصلاة فيه بانفراده، و عليه إجماع الفرقة.».

فإن استدلاله «قده» على جواز الصلاة في الخفّ المذكور بكونه مما لا تتم فيه الصلاة ظاهر في بقاء الخف على النجاسة، غايته العفو عن نجاسته في الصلاة، كسائر ما لا تتم فيه الصلاة، و هذا مخالف لصريح الفتاوى و ظاهر‌

______________________________
[1] قال في الحدائق (ج 5 ص 451) «المسألة الثانية من المطهرات أيضا الأرض الا ان كلام الأصحاب أيضا في الباب لا يخلو من اختلاف و اضطراب، فإنهم بين من خصّ ما يطهر بها بالخف و النعل و القدم خاصة، و بين من لم يذكر القدم، و بين من عدي ذلك الى مثل النعل من خشب كالقبقاب، و آخرون الى كل ما يوطأ به و لو كخشبة الأقطع».

[2] ج 1 ص 66 مسألة 185 قال: «إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا، و به قال الشافعي قديما، و قال: عفى له عن ذلك مع بقاء النجاسة، و به قال أبو حنيفة و عامة أصحاب الحديث و قال الشافعي في الجديد- و هو الذي صححه أصحابه- انه لا يجوز، دليلنا:.».

______________________________
(2) مفتاح الكرامة كتاب الطهارة ص 187.

(3) الحدائق ج 1 ص 451- 452.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 198‌

..........

______________________________
أكثر النصوص الدالة على الطهارة، و من هنا لم يرتض جملة من المتأخرين الذين تعرّضوا لنقل قوله بنسبته إليه، فأوّلوا كلامه إلى ما ينافي المشهور
«1».

حتى أنه حكى «2» عن المحقق البهبهاني في حاشية المدارك «3» أنه تأمل في ظهور كلامه فيما ذكر، و قال: «بل الظاهر ان استدلاله فيه غفلة منه فتأمل جدا».

و الصحيح هو ما ذكره «قده» من حمل الاستدلال المذكور في كلام الشيخ (أعنى كون الخف مما لا تتم الصلاة فيه) على الاشتباه، و الغفلة فإنه مع جلالة قدره (قدس اللّٰه نفسه الزكيّة) لا يكون معصوما عن الخطاء، و مما يؤكد ذلك أخذه القيود المذكورة لتحديد الموضوع، فإنه «قده» قيّد أوّلا النجاسة بأسفل الخف، مع أنه لو كان الحكم فيه من جهة العفو عن الصلاة لم يفرق فيه بين أسفل الخفّ و أعلاه، فيظهر من ذلك أن التقييد بالأسفل إنّما يكون لأجل حصول طهارته بالمشي على الأرض و قيّده ثانيا:

بالدّلك بالأرض، مع أنه لا خصوصيّة لها في العفو، إذ لو دلكه بغيرها من خرقة أو خشبة أو غيرهما لكفى، ثم قيّده ثالثا بزوال العين، مع أنّه لا يعتبر زوال العين في العفو [1] كما ذكر في محله بخلاف التطهير بالأرض فأخذه هذه القيود في موضوع الحكم يكون أقوى شاهد على أنّ مراده «قده» حصول الطهارة لأسفل الخف بالمشي على الأرض، أو بالدلك بها، و إلا لكان اعتبارها لغوا محضا، لعدم اعتبار شي‌ء منها في العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه، فالاستدلال بذلك يكون سهوا جزما.

______________________________
[1] كما يدل على ذلك رواية زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه- ع- إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صلّيت فقال: لا بأس»- الوسائل ج 2 ص 1046- في الباب 31 من أبواب النجاسات، ح 3- فإنها بإطلاقها تدل على العفو عن القلنسوة المذكورة و إن كان عين النجس باقية عليه و أصرح منها موثقته في نفس الباب ح 1.

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 303 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 462.

(2) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 462.

(3) المدارك في ص 115 الطبع الحجري.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 199‌

..........

______________________________
و كيف كان فلا ينبغي التأمل في مطهريّة الأرض لباطن النعل و الخفّ و القدم، و غيرها مما يتعارف المشي به- في الجملة- فلا بد من سرد الروايات الواردة في هذا الباب، و ظاهر جملة منها و ان كان طهارة خصوص القدم أعنى نفس العضو الخاص، إلا أنه لا بد من التعدّي عنه لمطلق ما يتعارف المشي به، لما يأتي من الوجوه.

و أما الأخبار التي وردت في المقام فإليك نصها، و بعضها يختص بالقدم- كما ستعرف.

(منها): صحيحة زرارة قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها، أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: «لا يغسلها إلا أن يقذّرها، و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلّي» «1».

فإنها معتبرة السند، و ظاهرة الدلالة إلّا انها تختص بالرجل، و ظاهرها نفس العضو، فلا تعم ما يلبس، كالخفّ و النعل.

(و منها): رواية معلى بن خنيس، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء، فيمرّ على الطريق، فيسيل منه الماء، أمرّ عليه حافيا؟ فقال: أ ليس وراءه شي‌ء جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الأرض يطهّر بعضها بعضا» «2».

و هذه صريحة في القدم، لأن الرّاوي قد فرض في سئواله، المشي حافيا.

(و منها): رواية محمد بن إدريس في (آخر السرائر) نقلا عن نوادر أحمد بن محمد بن أبى نصر عن المفضل بن عمر، عن محمد الحلبي عن أبى عبد اللّٰه عليه السلام قال: قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربّما مررت فيه و ليس علىّ حذاء، فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: لا بأس إنّ الأرض تطهّر‌

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1048- في الباب 32 من أبواب النجاسات، ح: 7.

(2) الوسائل ج 2 ص 1047- الباب 32 من النجاسات ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 200‌

..........

______________________________
بعضها بعضا، قلت: فأطأ على الرّوث الرّطب، قال: «لا بأس، أنا و اللّٰه ربما وطئت عليه ثم أصلّي و لا أغسله»
«1».

و هذه كسابقتها في الدلالة على الاختصاص بالقدم، إذ المفروض فيها انه ليس على السائل (و هو محمد الحلبي) حذاء فكان يمشى حافيا.

نعم للحلبي رواية أخرى «موثقة» تدل بإطلاقها على ما يعم الخفّ و النعل رواه عنه (إسحاق بن عمار» أنه قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبى عبد اللّٰه عليه السلام فقال: أين نزلتم؟

فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضا، قلت: و السرقين [1] الرّطب أطأ عليه، فقال: لا يضرّك مثله» «3».

و هذا كما تراها لم تكن مقيدة بالقدم و إطلاقها يعم النعل و الخفّ بل كل ما يمشى به، فبناء على كونهما روايتين، و فرض تعدد السؤال فيهما- كما ليس ببعيد- إذ يؤيده قوله في أوليهما «فربّما مررت فيه و ليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته». الظاهر في كونه قضيّة اتفاقية، لأنّ المشي حافيا خصوصا من مثل «الحلبي» لم تجر العادة به، فيكون سئواله هذا عما يحدث صدفة فيمتاز مضمونه عن السؤال في رواية «السرائر» فإنه وقع عن المرور- في الزقاق القذر- إلى المسجد، و هو يعم مطلق ما يمشى به، فيمكن الاستدلال بها على مطهرية الأرض لمطلق ما يمشى به.

و أما بناء على وحدة السؤال و اتحاد الرواية عن المعصوم عليه السلام و لكن نشأ الاختلاف من نفس الراوي أعنى «الحلبي» فنقله إلى المفضل بن عمر» مرة، و إلى «إسحاق بن عمار» أخرى مع تغيير فيما لا يضر بالمعنى بزعمه، فإنه نقله تارة مطلقة، و اخرى مقيدة بالمشي حافيا، فلا يمكن الاستدلال بها‌

______________________________
[1] السرقين: معرّب سرگين و هي فضلة الدّواب.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1048- الباب 32 من النجاسات، ح 9.

(3) الوسائل ج 2 ص 1047- الباب 32 من النجاسات، ح 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 201‌

..........

______________________________
للعموم، لعدم العلم بما هو الصادر عن المعصوم عليه السلام فلا بد من الاقتصار على الأخص مضمونا، لأنه القدر المتيقن- و هو: الاختصاص بالقدم.

نعم يمكن الاستدلال على عدم الاختصاص بالقدم و التعدي إلى مطلق ما يتعارف المشي به بوجوه:

(الأول): رواية حفص بن أبي عيسى قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إن (انى خ) وطأت على عذرة بخفّي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: «لا بأس» «1».

و هذه قد تضمنت الخفّ فلا يختص الحكم بالقدم، و الظاهر ان السؤال و الجواب فيها ناظران إلى جهة النجاسة، و ارتفاعها بالمسح على الأرض، و لو من أجل مرجوحيّة الصلاة في المتنجس إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه- كالخفّ- لا من أجل العفو عما لا تتم الصلاة فيه «2» إذ لا فرق فيه بين وجود العين و عدمه- كما تقدم.

و بعبارة أخرى: إن الامام عليه السلام قد أقرّ ما أعتقده السائل من ثبوت البأس في الخفّ المتنجس و لو من أجل كراهية الصلاة في المتنجس المزبور، فيظهر ان المسح يكون لأجل رفع النجاسة، و انتفاء البأس المطلق حتى على نحو الكراهة، فيدل على حصول طهارة الخفّ به، فلا موقع للإشكال في دلالتها كما عن بعضهم «3».

نعم لا يمكن الاعتماد عليها سندا، لأن راويها و هو «حفص بن ابى عيسى» مجهول «4».

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1047- الباب 32 من النجاسات، ح 6 و التهذيب ج 1 ص 247 باب تطهير الثيباب و غيرها من النجاسات ح 95.

(2) كما عن الذخيرة تبعا لصاحب المعالم- بنقل الحدائق ج 5 ص 454 و الجواهر ج 6 ص 304.

(3) كصاحب الذخيرة تبعا لصاحب المعالم- بنقل الحدائق ج 5 ص 454 و الجواهر ج 6 ص 304.

(4) تنقيح المقال للمامقانى ج 2 ص 351 و معجم رجال الحديث ج 6 ص 132.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 202‌

..........

______________________________
(الوجه الثاني): صحيحة الأحول عن أبى عبد اللّٰه عليه السلام قال:

في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا؟ قال:

«لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا، أو نحو ذلك» «1».

فإن الوطي على الأرض مطلق يعم الحافي و غيره، فيشمل كل ما يوطأ به من خفّ أو نعل أو غيرهما.

و إعراض المشهور عن العمل بذيلها أعنى التحديد ب‍ «خمسة عشر ذراعا»- لأن العبرة بزوال العين، سواء أ كان بأقل من ذلك أو أكثر- لا يسقطها عن الحجيّة، فإن أمكن حملها على الاستحباب، أو على أن التحديد بذلك يكون مبنيّا على الغالب، المتعارف من زوال العين بذلك- كما يؤيده قوله عليه السلام عطفا على العدد المذكور: «أو نحو ذلك» فهو و الا وجب العمل به تعبدا، و لو زال العين قبل ذلك، لصحة سندها، و ظهور دلالتها على التحديد، و إعراض المشهور عن التحديد المذكور فيها- لا يسقطها عن الحجيّة- كما مرّ مرارا- على أن الإعراض لو تم فهو في التحديد، لا أصل مطهرية الأرض.

(الوجه الثالث): عموم التعليل الوارد في موثقة الحلبي و غيرها من روايات الباب [1] بقوله عليه السلام «ان الأرض يطهر بعضها بعضا» فإن الظاهر ان المراد من البعض الثاني هو النجاسة الواصلة إلى الرجل، أو النعل، و نحوه من الأرض، أي بسبب ملاقاته لها، و تسمية النجاسة الحاصلة في الرجل و نحوه بالأرض إنما تكون لتبعيتها لها في الاسم فيما هو مفروض الروايات من انتقال النجاسة الى الرجل بسبب الملاقاة مع الأرض بعناية تسمية المسبب باسم السبب، مجازا لحصول النجاسة في الرجل لسبب ملاقاته‌

______________________________
[1] تقدم في روايتي الحلبي ص 192 و رواية معلى بن خنيس المتقدمة ص 192 و حسنة محمد بن مسلم الآتية، فهذه الجملة ذكرت في أربع روايات من مجموع الروايات الواردة في هذا الباب و هي ثمانية و عدها في الوسائل ج 2 ص 1046 باب 32 من النجاسات عشرة، و لكن في دلالة بعضها على مطهرية الأرض تأمل، فلاحظ.

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1046- الباب 32 من النجاسات ح 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 203‌

..........

______________________________
للأرض النّجسة، فيكون معنى هذه الجملة: إن بعض الأرض يطهر النجاسة الحاصلة بالبعض الأخر منها، أى: إنّ أسفل القدم أو النعل إذا تنجس بملاقاة بعض الأرض النجسة- كما هو مورد الروايات المتقدمة- يطهّره البعض الطاهر بالمشي عليه فالمطهر- بالفتح- في الحقيقة ما يتنجس ببعض الأرض و إنما عبر عنه بالأرض مجازا.

فعليه يكون المراد من تطهير النجاسة الحاصلة للقدم أما إزالة نفسها بحيث لا يبقى لها أثر، أو إزالة أثرها أى النجاسة الحاصلة من ملاقاتها فيكون على وزان قولنا: الماء يطهّر البول- فإنه يستعمل في كلا المعنيين، و إلا فنفس البول لا يقبل التطهير.

و هذا هو المتراءى من أمثال هذه الجملة، و هو المتبادر منها عرفا.

و مقتضى إطلاق التعليل المذكور هو عموم الحكم لكل ما يتعارف المشي به، و ان كان لا يعم غيره مما تنجس بالأرض- كالثوب و نحوه- جزما إلا أن القدر المتيقن منه هو مطلق ما يمشى به في العرف الغالب، كالنعل و الحذاء، و الخف [1] دون مطلق ما تنجس بالأرض.

و هذا المعنى الذي ذكرناه هو الظاهر من الجملة المذكورة في التعليل و عليه لا يصغى إلى الاحتمالات الأخر التي ذكرت في تفسيرها.

كاحتمال أن يكون المراد منه إن بعض الأرض يطهر البعض الآخر منها المماس و الملصق لأسفل القدم و النعل، فيكون المطهّر- بالكسر- و المطهر- بالفتح- كلاهما من الأرض، إلّا ان المراد من البعض الثاني هو الملصق بالرجل بسبب المشي عليه، فتدل على طهارته ذاتا، و على طهارة القدم بالتبع.

و فيه: أنه بعيد في نفسه، لظهور الجملة المذكورة في التعليل لطهارة نفس الرجل أصالة لا تبعا لطهارة أثر الأرض الملصق بالرجل بعلاقة المجاورة و المناسبة المقتضية للمشاركة في الحكم.

هذا مضافا الى أنه غير مطّرد كما لا يخفى، إذ كثيرا ما يتنجس الرجل بالمشي على الأرض النجسة من دون لصوق شي‌ء من تراب الأرض به، كما‌

______________________________
[1] الخف واحد الخفاف التي تلبس في الرجل، سمى به لخفّته «كفش سبك».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 204‌

..........

______________________________
في الأراضي الحجريّة، و نحوها.

و قد يحتمل أيضا أن يكون المراد من التطهير فيه انتقال القذارة من الموضع النجس إلى موضع آخر، مرة بعد أخرى، حتى لا يبقى منها شي‌ء، أي تزول القذارة بالمشي على الأرض، لأنّه تنتقل القذارة من الموضع المتنجس من الأرض إلى الموضع الآخر منها بوضع القدم و رفعها حتى لا يبقى على الأرض شي‌ء من النجاسة- كما عن الوافي [1]- و عليه لا يبقى مجال للتمسك بإطلاقه على مطهّريّة الأرض لمطلق ما ينتقل به.

و فيه: إن هذا أمر عرفي ليس من وظيفة الشارع التعرض له، فحمل الكلام الذي ظاهره بيان الحكم شرعي- الذي هو مراد السائل- إلى غيره خلاف الظاهر، من دون فائدة مترتبة عليه.

و قد يحتمل أيضا ان يكون المراد من البعض الأول- المذكور في التعليل- هو البعض الطاهر من الأرض و بالبعض الثاني شيئا مبهما، فيكون المعنى: أن الأرض الطاهرة تطهّر بعض المتنجسات الذي من جملته مورد السؤال- اى الرجل.

و نسب هذا الاحتمال إلى الوحيد البهبهاني «2» و عليه لا يمكن الاستدلال بإطلاقه بالنسبة إلى مطلق ما يمشى به لإبهام المطهر- بالفتح- حينئذ، فإن معناه حينئذ إن الأرض يطهّر بعض الأشياء و إن قلنا ان من جملته الرجل الذي ورد في السؤال، لانه نكرة في سياق الإثبات فلا تفيد العموم.

و لكن يدفعه: أنه أبعد من الاحتمال السابق، و لا ينبغي الالتفات إليه في مقابل الظهور العرفي الذي ذكرناه، و هو أن يكون المراد من البعض‌

______________________________
[1] قال في الوافي (ج 1 ص 35 م 4)- في ذيل رواية الكافي عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام حيث قال في آخرها «ان الأرض يطهر بعضها بعضا»-: «بيان: يعنى: يطهره بالإزالة و الإحالة و التجفيف» و ذكر في الحاشية: «الوجه في هذا التطهير انتقال النجاسة بالوطي عليها من موضع الى آخر مرة بعد أخرى حتى يستحيل و لا يبقى منه شي‌ء».

______________________________
(2) المستمسك ج 2 ص 63.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 205‌

أو المسح بها (1) بشرط زوال عين النجاسة.

______________________________
الثاني ما تنجّس بملاقاته للأرض، و القدر المتيقن منه هو مطلق ما يتمشى به- كما ذكرنا.

نعم: لا يستقيم التعليل المذكور في بعض الروايات بالنسبة إلى الحكم المعلّل فيها، الا أن إجمالها لا يوجب سقوطه عن الاعتبار في سائر الروايات الظاهرة في تطابق العلة مع ذيها.

و هي صحيحة محمد بن مسلم. قال: «كنت مع أبى جعفر عليه السلام إذ مرّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك!؟ فقال: أ ليس هي يابسة؟

فقلت: بلى، قال: ان الأرض يطهّر بعضها بعضا» «1».

وجه الإجمال في هذه هو أن عدم تنجس ثوبه عليه السلام من جهة ملاقاته مع العذرة اليابسة لا يناسبه التعليل بأن الأرض يطهر بعضها بعضا، فتكون مجملة من هذه الجهة، الا ان ذلك لا ينافي ظهور التعليل في سائر الروايات فيما ذكرناه لوضوح تناسب العلة و المعلول فيها- كما عرفت- فإن طهارة الرجل المتنجسة بالأرض يناسبها التعليل بأن الأرض يطهّر بعضها بعضا، لأن الأرض يطهر الرجل المتنجس بالأرض النجسة بالمشي على الأرض الطاهرة، فلا مانع من التمسك بإطلاقه بالنسبة إلى مطلق ما يمشى به في العرف، و العادة.

كفاية المسح

(1) و يدل على كفاية المسح بالأرض.

صحيحة زرارة المتقدمة «2» لما ورد فيها من الأمر بالمسح حتى يذهب أثر النجاسة قال عليه السلام فيها «يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلى».

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1047 باب 32 من النجاسات ح 2.

(2) في الصفحة: 192.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 206‌

ان كانت (1).

______________________________
و نحوها رواية حفص المتقدمة
«1» و حكى «2» ذلك عن جمع من الأصحاب، و هو الصحيح- كما عرفت- فما عن بعضهم «3» من القول بعدم كفايته غير ظاهر.

اشتراط زوال عين النجاسة يقع الكلام في جهات بعضها في النجاسة المزالة، و بعضها في المس، و بعض في الممسوس، و آخر في الماس.

الأولى: اشتراط زوال العين.

(1) لا ينبغي التأمل في اشتراط زوال عين النجس من الرجل و النعل، بل مطلق ما يمشى به.

و الوجه في ذلك، أما أولا فهو الارتكاز العرفي على عدم حصول الطهارة إلا بزوال علة النجاسة، فلا يزيد الأرض على الماء حيث اعتبرنا زوال العين في مطهريته.

و ثانيا: تصريح بعض روايات المقام بذلك.

كصحيحة زرارة المتقدمة «4» لقوله عليه السلام فيها «و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلى» لظهوره في اشتراط زوال العين و الأثر الدال على بقائها.

و كرواية حفص المتقدمة «5» التي فرض السائل فيها زوال العين‌

______________________________
(1) في الصفحة: 201

(2) المستمسك ج 2 ص 65.

(3) الحدائق ج 5 ص 456 و المستمسك ج 2 ص 65 و هو الشيخ في الخلاف ج 1 ص 66 م 185 و ابن الجنيد على ما في الحدائق ج 5 ص 456.

(4) ص 199

(5) ص 201

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 207‌

و الأحوط الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة (1) دون ما حصل من الخارج.

______________________________
من خفه، ثم حكم عليه السلام بطهارته، حيث قال: «ان وطئت على عذرة بخفّي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: لا بأس».

فعليه لو انجمدت النجاسة في أسفل القدم- كالدم الملصق به أو غيره- لا يطهر بمجرد المشي على الأرض مهما بلغ ما لم تزل عين النجس.

الجهة الثانية هل يختص الحكم بالنجاسة الحاصلة بالمشي.

(1) وقع الكلام في أنه هل يختص الحكم بمطهرية الأرض بما إذا كانت النجاسة الحاصلة في الرجل بالمشي على الأرض النجسة، أو يعم النجاسة الحاصلة من الخارج- كما إذا تنجس رجله بقرحة فيه أو بمسح الدم عليه بيده، أو نحو ذلك- ربما يقال «1» ان ظاهر الفتوى أو صريحها هو العموم، هذا.

و لكن الأحوط، بل الأظهر هو الاقتصار على مورد الروايات و هي النجاسة الحاصلة من المشي على الأرض، لأن مورد السؤال فيها إنّما هو الوطي على العذرة أو المرور على الطريق المتنجس بالبول، أو بالماء المتقاطر من بدن الخنزير، أو نحو ذلك، و هذه الموارد التي وقعت تحت السؤال تختص بالنجاسة الحاصلة بالمشي، و لا إطلاق فيها يعم غيرها.

فلا بد في تطهير النجاسة الخارجية من الرجوع الى إطلاقات أدلة الغسل، أو مطهّرية الماء من مطلق النجاسات، لان القدر المتيقن من التخصيص فيها انما هو النجاسة الحاصلة من المشي ففي المقدار الزائد يرجع الى عموم العام.

و يؤيد ذلك ما ذكرناه في تفسير التعليل المذكور من ان المراد من‌

______________________________
(1) الفقيه الهمداني في كتاب الطهارة من مصباح الفقيه ص 643- الطبع الحجري.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 208‌

..........

______________________________
قوله عليه السلام «إن الأرض يطهّر بعضها بعضا» هو أن الأرض يطهّر النجاسة الحاصلة من الأرض، و من هنا صح ان يقال ان بعض الأرض يكون مطهّرا للبعض الآخر منها، هذا.

و لكن مع ذلك كله ربما يقال: بعدم دخل كيفيّة تنجس الرجل في مطهرية الأرض له قياسا على المتنجسات التي تطهر بالماء، حيث أنه لا دخل لكيفيّة تنجّسها في حصول الطهارة لها بالماء، فعليه لو تنجس الرجل بنجاسة خارجيّة يطهر بالمشي على الأرض.

و يستدل له بأمرين.

(الأول): إطلاق صحيح زرارة عن أبى جعفر عليه السلام «جرت السنّة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله، و يجوز أن يمسح رجليه، و لا يغسلهما» «1».

بدعوى: أن مقتضى إطلاق قوله عليه السلام «يجوز ان يمسح رجليه و لا يغسلهما» كفاية المسح على الأرض في التطهير عن النجاسة مطلقا، و لو كانت حاصلة من غير المشي على الأرض، كما قد يحصل عند التخلي.

و فيه: انه من المحتمل قويّا ان يكون المراد مسح الرجل بالماء في الوضوء لا مسحه بالأرض في التطهير، فيكون تعريضا على العامة حيث أنهم يعتبرون غسلهما في الوضوء، فيكون المعنى أنه يكفى مسح العجان بالأجمار في الاستنجاء، و مسح الرجلين بالماء في الوضوء، و لا يحتاج في شي‌ء منهما الى الغسل، و التعبير بالجواز في الوضوء انما هو في مقابل العامة تقيّة، و الا فلا إشكال في وجوبه عندنا هذا أولا.

و ثانيا: لو سلّم أن المراد في الصحيحة مسح الرجل عند تطهيره من النجاسة، ليكون مما نحن فيه، فلا إشكال في إجماله، و عدم إمكان التمسك بإطلاقه، لعدم ذكر الممسوح، و مقتضى عموم حذف المتعلق إفادة الجواز لمطلق ما يسمح به، سواء الأرض أو الخرقة أو الخشبة، أو نحوهما، و هذا مما لم‌

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1048 في الباب 32 من النجاسات ح 10 و ج 1 ص 246 في الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة ح 3.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 209‌

..........

______________________________
يلتزم به أحد، بخلاف ارادة المسح في الوضوء، لأن المراد به المسح بالماء، و هو مفهوم من ذكر الغسل في الرواية حيث قال عليه السلام: «يمسح العجان و لا يغسله و يجوز ان يمسح رجليه و لا يغسلهما» [1].

(الأمر الثاني) ما ذكره الفقيه الهمداني «قده» «2» و حاصله: أن مقتضى الفهم العرفي هو عدم دخل كيفيّة وصول النجاسة الى الرجل- كالوطئ عليها، أو وجودها على الأرض- في عموم الحكم، و لذا لا يتوهم أحد فرقا بين كيفيّات الوصول، و لا بين ان تكون العذرة التي يطأها برجله مطروحة على الأرض أو على الفرش و نحوه، فان مثل هذه الخصوصيّات لا توجب تخصيصا في الحكم بنظر العرف، نظير سائر الموارد التي وقع فيها السؤال عن أحكام النجاسات، مع أن المفروض في موضوعها وصول النجاسة إلى الثوب و البدن بكيفيّة خاصة.

و الحاصل: ان مطهريّة الأرض تكون على وزان مطهرية الماء في عدم دخل كيفيّة تنجس المتنجسات في مطهريته، و ان اختصت مطهّرية الأرض بالرجل أو مطلق ما يمشى به، و أيد ذلك بفهم الأصحاب عدم دخل‌

______________________________
[1] لا يخفى بعد التأويل بالحمل على المسح في الوضوء لظهور الصحيحة في ان الغائط الواصل الى الرجل عند الاستنجاء- كما لعلّه الكثير أو الغالب لا سيما عند التغوط على الأرض كما كان متعارفا في عصر صدور الروايات- لا يحتاج فيه إلى الغسل، و يجوز الاكتفاء فيه بالمسح على الأرض، كما يكتفى في نقاء العجان بالأحجار، و لا يجب الغسل، و يؤيده التعبير بالجواز.

و الا فالمسح في الوضوء واجب عندنا، و غير مجزء عند العامة، فأي معنى للتعبير بالجواز، و أما عدم ذكر الأرض فإنما هو من باب الإيكال إلى معروفية ان الأرض تكون مطهرة للرجل خصوصا عند مثل زرارة، و لو نوقش في ذلك كان مقتضى الجمع بينها و بين ما دل على اعتبار كون المسح بالأرض هو الحمل على المسح به، كما انه يلزم ذلك في بعض اخبار الباب- كصحيحة زرارة و رواية حفص- أيضا، هذا و لكن مع ذلك كله لا يمكن الاستدلال بإطلاقها بالنسبة إلى النجاسة الحاصلة من غير المشي- الذي هو محل الكلام- لعدم كونها إلا في مقام البيان بالنسبة إلى مطهّرية الأرض في الجملة في مقابل لزوم الغسل بالماء، لا أكثر، الا ان يقال ان موردها و هو التغوط على الأرض يكون قرينة على الشمول حيث ان النجاسة الواصلة الى الرجل في الحال المذكور يكون بغير المشي، فتأمل.

______________________________
(2) كتاب الطهارة مصباح الفقيه ص 643.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 210‌

..........

______________________________
الخصوصيّات التي ورد السؤال عنها في الروايات في مطهريّة الماء أو الأرض فتكون هذه الروايات بعد عدم التفات العرف الى خصوصيّات مواردها بمنزلة أخبار مطلقة لا يرفع اليد عنها إلا بدلالة معتبرة، إذ لو كان لمثل هذه الخصوصيّات دخل في الموضوع وجب التنبيه عليه عند الجواب في مثل هذا الحكم العام الابتلاء.

و فيه: انه بعد ملاحظة روايات الباب و اختصاص جميعها بالنجاسة الواصلة الى الرجل بالمشي على الأرض لا يمكننا دعوى الجزم بعدم دخل هذه الخصوصيّة في مطهّرية الأرض له، كما يؤيّد ذلك ما ذكرناه في التعليل من أن المراد من البعض الثاني فيه هو ما تنجّس بالمشي على الأرض، فتكون مطهّريّة الأرض نظير مطهّرية أحجار الاستنجاء المختصة بالعذرة في المحل، فلا تعم مطلق النجاسات في المحل أو غيره، بل لا تشمل العذرة الواصلة إلى المحل من الخارج، و نحوها ماء الاستنجاء المختص بأحكام خاصة من حيث شرائط النجاسة، و المحل المغسول به.

و بالجملة: لا ملازمة بين القطع بعدم دخل بعض الكيفيّات في تنجس المتنجسات، كتنجس الثوب و البدن بالنجس، و بين القطع بعدم دخلها مطلقا، مع ورود ذلك في الشرع ايضا- كما ذكرنا.

و أما النقض بما إذا كانت العذرة على الفرش و نحوه فغير صحيح، لان محلّ الكلام انما هو اعتبار تنجّس الرجل بالمشي على الأرض، سواء أ كانت النجاسة على الأرض أو على شي‌ء آخر، كالفرش و الخرقة و الخشب، و ما شاكل ذلك مما يقع تحت الرجل عند المشي في مقابل وصول النجاسة الى الرجل من دون مشى على الأرض رأسا، كما إذا مسح الدم و العذرة برجله.

و الحاصل: انه لا نعتبر عدم الفاصل بين الرجل و الأرض، بل نعتبر المشي في مقابل التنجّس بغيره، و يؤيّد ما ذكرناه.

صحيحة زرارة «1» حيث أنه ورد فيها «فساخت رجله فيها» أي في العذرة فإن ذلك لا يتحقق الا مع فاصل مع الأرض، لكثرتها.

______________________________
(1) تقدمت في الصفحة 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 211‌

و يكفى مسمى المشي أو المسح (1) و ان كان الأحوط المشي خمس عشرة خطوة.

______________________________
و بتعبير آخر: لا يمكننا رفع اليد عن إطلاقات ما دل على لزوم الغسل بالماء في رفع النجاسات الا بدليل قطعي، و لا قطع في مطهّريّة الأرض الا إذا تنجّس الرجل بخصوص المشي، فالأظهر هو ما ذكره في المتن من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة دون ما حصل من الخارج.

الجهة الثالثة هل يعتبر مقدار معين في المشي أو المسح.

(1) الظاهر كفاية مسمى المشي أو المسح الى أن يزول الأثر، و يحصل النقاء، و ذلك لإطلاق النصوص المتقدمة، بل ظهور بعضها، أو صراحتها في كفاية زوال الأثر، كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة «1» «يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلّى» و كفرض السائل في رواية حفص عند السؤال عن حكم خفّه إذا مسحه حتى انه لم ير فيه شيئا قائلا «انى وطأت عذرة بخفي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: لا بأس».

فإنه ظاهر في كفاية النقاء، فلو كان مقدّرا بقدر خاص لزم البيان، و. لا يفرق في ذلك بين المسح و المشي لاتحاد الملاك فيهما، بل هو مقتضى إطلاق المشي في بعض الروايات المتقدمة «2» و هذا هو المشهور «3».

إذ لم يحكى الخلاف في ذلك الا عن ابن جنيد «4» فإنه نسب اليه القول بأنه يشترط في المشي ان يكون خمسة عشر ذراعا.

و يمكن الاستدلال له.

______________________________
(1) في الصفحة: 199.

(2) كرواية الحلبي المتقدمة ص 199

(3) الحدائق ج 5 ص 456 و الجواهر ج 6 ص 305- 306.

(4) الحدائق ج 5 ص 456 و الجواهر ج 6 ص 306 و مصباح الفقيه ص 643.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 212‌

خطوة (1)

______________________________
بصحيحة الأحول عن أبى عبد اللّٰه عليه السلام قال: «في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطاء بعده مكانا نظيفا؟ قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا، أو نحو ذلك»
«1».

بدعوى ظهورها في التحديد بالمقدار المذكور و عدم كفاية مسمى المشي المزيل للأثر هذا، و لكن الأظهر هو القول المشهور.

أما أولا: فلان قوله عليه السلام في الصحيحة «أو نحو ذلك» يكون قرينة على عدم ارادة التحديد الخاص من قوله عليه السلام «خمسة عشر ذراعا» فيحمل على ما يحصل به النقاء غالبا.

و ثانيا: انه لو سلم ظهورها في التعبد بالتحديد المذكور لزم صرفها عن هذا الظهور و حملها على ما ذكر، أو على الاستحباب، لأقوائية ظهور غيرها من الروايات في كفاية زوال العين فان قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «2» «و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها» كالصريح في كفاية زوال العين، و نحوه قال السائل في رواية حفص «3» «و مسحته- اى الخف- حتى لم أر فيه شيئا» فأجاب عليه السلام بأنه «لا بأس بالصلاة فيه» و مقتضى الجمع بينهما هو ما ذكرناه من حمل رواية حفص على الأغلب أو الاستحباب، و الا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، نعم: لا بأس بالاحتياط بعدم الاكتفاء بالأقل من خمسة عشر ذراعا.

(1) لم يرد في النص عنوان الخطوة، و إنّما ورد في صحيحة الأحول المتقدمة «4» «خمسة عشر ذراعا» و هو أقل من الخطوة بثلث فتحصل بعشر خطوات تقريبا، كما نبهنا على ذلك في التعليقة على المتن [1] و لعل‌

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «خمس عشرة خطوة»: (بل خمسة

______________________________
(1) الوسائل ج 2 ص 1046 في الباب 32 من النجاسات، ح 1.

(2) المتقدمة في ص 199

(3) في ص 201.

(4) في الصفحة 202

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 213‌

و في كفاية مجرد المماسة من دون مسح أو مشى اشكال (1)

______________________________
ما جاء في المتن من سهو القلم.

الجهة الرابعة هل يكفى مجرد المماسة مع الأرض.

(1) استشكل المصنف «قده» في كفاية مجرد المماسة من دون مسح أو مشى، و هو في محله، لعدم الدليل على كفاية مجرد ذلك، و لو كان بعد زوال العين، و ذلك لاختصاص روايات الباب بالمشي أو المسح، فإن رواية الحلبي المتقدمة «1» قد دلت على لزوم المشي من وجهين.

«أحدهما» قوله عليه السلام «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى» فإنه يدل على لزوم المشي، لأنه في مقام التحديد و بيان مطهّريّة الأرض. و اكتفى بالمشي.

«ثانيهما» الشرط المحذوف في الكلام المدلول عليه بقوله (ع) «فلا بأس» فإن تقديره هكذا: «ان كنت تمشي في أرض يابسة فلا بأس» فيكون مفهوم الشرط هو لزوم المشي، و عدم كفاية غيره، نعم نخرج من إطلاقه بما دل صريحا على كفاية المسح، و هو صحيح زرارة «2» لقوله عليه السلام «و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها» و قوله عليه السلام في رواية حفص المتقدمة «3» «لا بأس» في جواب ما فرضه السائل بقوله «وطأت‌

______________________________
عشر ذراعا و هي تحصل بعشر خطوات تقريبا).

جاء في اللّغة: الخطوة- بالفتح و الضم- جمعه خطوات و خطاء، مثل زكوات، و زكاة، و في المساحة ست اقدام- أقرب الموارد و المنجد.

و جاء في تفسير الذراع بأنه «من طرف المرفق الى طرف الإصبع الوسطى»- أقرب الموارد و المنجد- و عليه يكون كل خطوة ثلاثة أذرع، لأن كل ذراع يساوى قدمين و لازمه الاكتفاء بخمسة خطوات، فلاحظ.

______________________________
(1) في الصفحة 199

(2) المتقدمة في ص 199

(3) في ص 201.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 214‌

و كذا في مسح التراب عليها (1).

______________________________
على عذرة بخفّي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال:

لا بأس».

فإنه يدل على جواز الاكتفاء بالمسح أيضا لو اعتبرنا سندها.

فتحصل: انه لا دليل على كفاية مجرد المماسة.

نعم قد يتوهم شمول إطلاق التعليل بقوله عليه السلام «إن الأرض يطهّر بعضها بعضا» لمجرد المماسة، و لكنّه مندفع بأنه لا يكون في مقام بيان كيفيّة التطهير حتى يتمسك بإطلاقه، و انما يدل على مطهّرية الأرض في الجملة لا غير، فالأخذ بظهور الروايات المذكورة متعين.

الجهة الخامسة هل يكفى المسح بالأجزاء المنفصلة عن الأرض.

(1) استشكل المصنف «قده» في كفاية مسح التراب بالرجل، و ظاهره أن محل الإشكال انما هو ممسوحيّة الرجل، بحيث لو كان الممسوح الأرض أو التراب فلا إشكال في حصول الطهارة، بخلاف ما إذا كان الممسوح الرجل- كما إذا أخذ حفنة من تراب أو قطعة حجر بيده و مسحها على رجله فيشكل طهارة الرجل بذلك.

هذا، و لكن الصحيح أن مورد الإشكال أعم من ذلك، و هو اعتبار اتصال الممسوح بالأرض و عدمه، بمعنى انه إذا انفصل الممسوح أعنى جزء الأرض من الأرض فهل يكون مطهّر أم لا، سواء أ كان هو الممسوح أو كان الممسوح الرجل، فالإشكال يكون من ناحية الاتصال و الانفصال لا الممسوح و الماسح، و الظاهر هو اعتبار الاتصال، لعدم صدق عنوان الأرض على الأجزاء المنفصلة منها، كالقطعة المبانة من الأحجار الموضوعة على الفرش، و نحوه- مثلا- أو المأخوذة في يده، سواء مسح الرجل بها أو مسحها بالرجل، فإنه لا يصدق على شي‌ء من ذلك عنوان الأرض الذي هو موضوع الروايات‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 215‌

و لا فرق في الأرض بين التراب و الرمل و الحجر الأصلي (1).

بل الظاهر كفاية المفروشة بالحجر، بل بالآجر، و الجص و النورة (2).

______________________________
و يدل على ذلك أيضا التعليل الوارد في بعض الروايات المتقدمة
«1» بأن الأرض يطهّر بعضها بعضا، فإنه يدل على مطهرية الأرض مع بقاء عنوانه.

الجهة السادسة هل يختص الحكم بالتراب.

(1) لا ينبغي التأمل في عموم الحكم لمطلق الأجزاء الأصلية للأرض، سواء التراب، أو الرمل أو الحجر إذا كانت في محالّها الأصليّة، و ذلك، لإطلاق الروايات المتضمنة لعنوان الأرض، أو المكان، أو الشي‌ء الشاملة لذلك كله، فما جاء في تعبير الشرائع و حكى عن غيرها «2» من الاقتصار على ذكر التراب، فهو من باب المثال أو إرادة مطلق وجه الأرض، و هذا مما لا ينبغي التأمل فيه، و انما الكلام فيما يأتي في حكم الاجزاء الغير الأصليّة.

الجهة السابعة هل يختص الحكم بالأجزاء الأصليّة للأرض.

(2) هل يشترط في مطهّرية الأرض ان تكون أجزائها باقية في محالها الأصليّة، أو تكفى الأجزاء المنتقلة من محل الى آخر، كالأرض المفروشة بالحجر، أو الآجر، أو الجص أو نحو ذلك، الظاهر عدم الفرق بينهما، لصدق عنوان الأرض على الجميع، و لا دليل على اعتبار كونها من الأجزاء الأصليّة على نحو تكون ثابتة في محالّها الطبعيّة الأوليّة، لأن نقلها من مكان الى آخر‌

______________________________
(1) ص 199

(2) الجواهر ج 6 ص 303 حكى ذلك عن المقنعة و التحرير.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 216‌

..........

______________________________
كما هو الغالب في الأراضي الرمليّة أو الترابيّة، فان الرمل و التراب تنتقل بمرور الزمان من مكان الى آخر بسبب عوارض هب الرياح، أو نزول الأمطار، و غير ذلك، بل لا مانع من طبخها، و نصبها على الأرض- كما في الآجر و الجص- فان ذلك لا يخرجها عن صدق عنوان الأرض عليها بعد فرض اتصالها ثانيا كما في الأرض المفروشة بها، بل هذا هو الغالب في الأزقة و الطرقات لا سيما في البلدان، فإطلاق الأرض عليها مما لا ينبغي التأمل فيه خصوصا في المقام أعني مطهّرية الأرض لباطن القدم و النعل.

ثم انه ربما يقال «1» انه لو فرضنا عدم صدق الأرض على ما ذكر كان مقتضى الأصل هو الحكم بحصول الطهارة بالمشي عليها، و ذلك لاستصحاب مطهّريّتها قبل الانفصال، و لو قلنا بأنه من الاستصحاب التعليقي و هو معارض باستصحاب تنجيزي على خلافه- دائما- كاستصحاب نجاسة الرجل في المقام- كما في العصير الزبيبي- فإن استصحاب النجاسة فيه على تقدير الغليان حال العنبيّة يكون معارضا باستصحاب طهارته قبله- كان المرجع في المقام بعد تساقطهما قاعدة الطهارة في الرجل بعد المشي على الأرض المذكورة.

و فيه: انه- مضافا الى عدم صحة القول بجريان الاستصحاب التعليقي في نفسه و على تقديره لا يعارضه الاستصحاب التنجيزي كما ذكرنا في محله «2»، مضافا الى انه من استصحاب الأحكام الكليّة الذي لا نقول بجريانه، كما أوضحنا الكلام فيه «3» في بحث الأصول، و منه استصحاب النجاسة في المقام- لو سلم جميع ذلك فلا تصل النوبة في المقام إلى قاعدة الطهارة، لان مقتضى العمومات و الإطلاقات الواردة في تطهير المتنجسات هو اعتبار الغسل بالماء و عدم جواز الاكتفاء بغيره- كما تقدم في بحث المياه- خرجنا عنها في خصوص الأرض بشرائطها الخاصّة، فإذا شك في مطهريّتها في‌

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 67.

(2) لاحظ كتاب مباني الاستنباط ج 4 ص 135 و 138.

(3) نفس المصدر ص 69.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 217‌

نعم يشكل كفاية المطلي بالقير أو المفروش باللّوح من الخشب (1) مما لا يصدق عليه.

______________________________
مورد لاحتمال اعتبار شرط كان المرجع عمومات لزوم الغسل بالماء، لانه من الشك في التخصيص الزائد.

هذا، و لكن قد عرفت أنه لا مانع من التمسك بالمخصّص، لصدق عنوان الأرض على الأراضي المفروشة بالأجزاء الأرضية، كالحجر و الآجر و نحوها، فتكون مطهرة. فتحصل: أن الأظهر هو ما ذكره المصنف «قده» من كفاية الأراضي المذكورة في التطهير.

الجهة الثامنة هل يكفي المشي على الأرض المفروشة بمواد غير أرضيّة.

(1) مجموع أقسام الأراضي التي يمكن تصورها في المقام هو ما أشار إليها المصنّف «قده» في المتن، و هي ثلاثة أقسام.

(الأول): الأراضي الطبيعيّة المشتملة على الأجزاء الأصليّة، كالأراضي الحجريّة، أو الترابية، أو الرملية مع فرض بقاء أجزائها في محالها الأصليّة، و هذا مما لا إشكال في مطهريّتها بالمشي عليها.

(الثاني): الأراضي المفروشة بالاجزاء الأرضيّة، كالمفروشة بالأحجار و الجص. و هذه أيضا كسابقتها في المطهّرية، و قد تقدم الكلام فيه، لصدق الأرض عليها من دون عناية.

(الثالث): الأراضي المفروشة بما لا يصدق عليه عنوان الأرض الا مسامحة، كالأرض المفروشة بالقير، أو اللّوح من الخشب أو النحاس، أو نحو ذلك، و هذا هو الذي تعرض له المصنف «قده» في المتن هنا و استشكل في الحكم بمطهّريّته، و الظاهر أن توقفه عن الحكم بالعدم انما هو احتمال كفاية الصدق المسامحي- كما أشرنا- و لكن الصحيح انه لا يكفى ذلك، لان المعتبر في المطهريّة هو عنوان الأرض حقيقة لا مسامحة، كما في سائر العناوين التي تكون موضوعا للأحكام.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 218‌

..........

______________________________
نعم قد يتوهم: أن موضوع الحكم أعم من الأرض، بل هو مطلق ما يصدق عليه «المكان النظيف»، أو «شي‌ء جاف» و ذلك، لدلالة صحيحة الأحول المتقدمة
«1» على ان مطلق المكان النظيف كاف في المطهّرية بالمشي عليه لقول السائل فيها «ثم يطاء بعد ذلك مكانا نظيفا» فأجاب عليه السلام بأنه «لا بأس» و في رواية معلى بن خنيس قوله عليه السلام: «ا ليس وراءه شي‌ء جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس.» «2» و من الواضح صدق عنوان «المكان النظيف» و «الشي‌ء الجاف» على الأرض المفروشة بالقير و نحوه، و هكذا إطلاق المسح في صحيحة زرارة المتقدمة «3» لقوله عليه السلام فيها «و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها.».

و من هنا نسب إلى ابن جنيد [1] و اختاره في المستند [2] القول بالاجتزاء بالمشي و لو في غير الأرض حتى المشي على مثل الحصير، خلافا للمشهور «6».

و يندفع: بان مقتضى الجمع بين الإطلاق المذكور، و بين ما دل على اعتبار خصوصيّة للأرض في المطهّريّة هو حمل المطلق على المقيد، لاختصاص أغلب أخبار الباب بالأرض، لا سيما مع في جملة منها من التعليل «بأن الأرض يطهّر بعضها بعضا» و منها نفس رواية معلى بن خنيس المتقدمة «7» لما فيها من قوله «فقال: أ ليس ورائه شي‌ء جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، إن‌

______________________________
[1] الحدائق ج 5 ص 458 حيث قال: «الخامس ربما أشعرت صحيحة زرارة الأولى من حيث إطلاق المسح فيها بالاكتفاء بالمسح و لو بخشب أو نحوه، و هو منقول عن ابن الجنيد، و هو ظاهر إطلاق عبارته المتقدمة» و يقصد بعبارة ابن الجنيد ما حكاه عنه في ص 452، فلاحظ.

[2] قال في (ج 1 ص 59 س 8 و 9 الطبع الحجري) «و أقرب منه الاجتزاء بالمشي في غير الأرض، كالآجر و الحصير و النبات و الخشب، لما ذكر و لقوله في صحيحة الأحول» «ثم يطاء مكانا نظيفا، و مع ذلك فعدم الاجتزاء أحوط».

______________________________
(1) في الصفحة 202

(2) المتقدمة في الصفحة 199

(3) في الصفحة 199

(6) الحدائق ج 5 ص 458 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 644 «التنبيه الثاني».

(7) في الصفحة 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 219‌

اسم الأرض، و لا إشكال في عدم كفاية المشي على الفرش، و الحصير، و البواري، و على الزرع و النبات (1).

______________________________
الأرض يطهّر بعضها بعضا» فان مثله يوجب صرف إطلاق «شي‌ء جاف» إلى الأرض لا محالة [1].

و يؤيّد ما ذكرنا موردا و تعليلا رواية الحلبي لقوله فيها «ا ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال فلا بأس ان الأرض يطهر بعضها بعضا» «2».

فإنها تدل على خصوصيّة للأرض في المطهريّة لا سيما مع ملاحظة التعليل المذكور فيها.

فتلخص: ان ما هو المشهور من عدم كفاية غير الأرض و ان كانت الأرض مفروشة به هو الأظهر فلا تكفي الأرض المفروشة بالقير (التبليط) أو الخشب، أو نحوهما.

و مما ذكرنا يظهر حال المشي على الفرش و الحصير و البواري المنفصلة عن الأرض، و على الزرع و النبات مما لا يصدق عليه عنوان الأرض حتى مسامحة، فإنه لا يكفى ذلك في الطهارة جزما، لعدم الصدق، و قد عرفت في القسم الثالث حال الإطلاقات التي توهم [2] ان مقتضاها جواز الاكتفاء بالمشي على كل مكان نظيف، و ان مقتضى الجمع بينهما، و بين غيرها هو تخصيص المطهّرية بالأرض، لا غير.

(1) كما تقدم آنفا، و الوجه فيه ظاهر، لعدم صدق عنوان الأرض على مثل الفرش، و الحصير، و نحوهما، و ما ورد في المقام من الإطلاقات لزم تقييدها بها- كما عرفت.

______________________________
[1] و يمكن المناقشة في كلا الوجهين أما اختصاص مورد جملة من الروايات بالأرض فلا يوجب التقييد، و أما التعليل فلا يدل على الاختصاص، بل غايته الاشعار.

[2] كما نسب الى ابن جنيد و اختاره في المستند- كما ذكرنا.

______________________________
(2) المتقدمة ص 199

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 220‌

إلا أن يكون النبات قليلا (1) بحيث لا يمنع عن صدق المشي على الأرض، و لا يعتبر ان تكون في القدم أو النعل رطوبة (2).

و لا زوال العين بالمسح أو بالمشي و ان كان أحوط (3).

______________________________
(1) فيشمله إطلاق المشي على الأرض، هذا مضافا إلى أن المتعارف في الأرض التي يمشي عليها- لا سيما في البلدان- وجود الخليط بها من نحو اجزاء الحطب و الحشاشة و أجزاء الرماد، و نحو ذلك مما يطرح في الطرق و الأزقة- لا سيما في الأزمنة السابقة- بحيث يستلزم تخصيص الأخبار بالخالصة من الخليط الحمل على الفرد النادر، أو غير الغالب.

الجهة التاسعة هل يعتبر ان تكون في القدم و النعل رطوبة.

(2) لا تعتبر الرطوبة في الماسح أعنى القدم، أو النعل، لإطلاق الروايات، فإنها تشمل ما إذا كانا يابسين.

الجهة العاشرة هل يعتبر أن يكون زوال العين بالمسح، أو المشي.

(3) لا إشكال في أصل اعتبار زوال العين في حصول الطهارة- كما تقدم «1»- و إنّما الكلام هنا في أنه هل يعتبر أن يكون ذلك بنفس المشي أو المسح، أو يكفي زوالها بغيرهما- كما إذا أزيل العين بخرقة، و نحوها- قبل ذلك.

الظاهر عدم اعتبار ذلك أما في المشي فلإطلاق رواياته، كقوله عليه السلام في رواياته الحلبي «2» «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة.» فإنه بإطلاقه يعم ما إذا كان زوال العين قبل المشي.

و أما في المسح فلأنه بمنزلة المشي في المطهّرية، فكما لا يعتبر في الأصل‌

______________________________
(1) في الصفحة 206

(2) المتقدمة في الصفحة 199

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 221‌

و يشترط طهارة الأرض (1).

______________________________
فكذلك الفرع، و بعبارة أخرى ان المستفاد من الروايات هو مطهّرية المشي الذي هو عبارة عن الانتقال من مكان الى آخر بوضع الأقدام و رفعها، الا انه يكتفى بالمسح بدلا عنه، كما دل عليه صحيحة زرارة المتقدمة
«1» قال فيها:

«فقال: لا يغسلها إلا أن يقذّرها، و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلى» فان مقتضى إطلاقها و إن كان جواز الاكتفاء و لو بالمسح بغير الأرض الا أنه لا بد من تقييدها بها جمعا- كما تقدم- و أما دلالتها على لزوم إزالة العين به ايضا- لقوله عليه السلام فيها «يمسحها حتى يذهب أثرها» فلا يكتفى بزوالها بغيره، فلا بد أن يكون المسح المطهّر هو المزيل للعين أيضا- فممنوعة، لأن تحديد المسح فيها بالإزالة، انما يكون لأجل ان موردها وجود العين المعتبر زوالها جزما، فلا تدل على عدم الاكتفاء بالمسح إذا كانت العين مزالة بشي‌ء آخر قبل ذلك، فعليه لا مانع من التمسك بإطلاق ما دل على كفاية المشي مطلقا الشامل للمسح بعد فرض تنزيله بمنزلة المشي [1].

الجهة الحادية عشر هل يشترط طهارة الأرض.

(1) اختلف الأصحاب «3» في اشتراط طهارة الأرض فصرح جمع بالاشتراط- كما عن الشهيد في الذكرى و الإسكافي و المحقق الكركي- و ذهب جماعة الى عدم الاشتراط- كما عن الشهيد الثاني في الروض، و عن الرياض‌

______________________________
[1] لم يتضح مراده (دام ظله) من هذا التنزيل مع ان لكل من المشي و المسح دليل مستقل ليس فيه اشعار بالتنزيل المذكور كي يجري حكم المشي على المسح من هذه الجهة، و لا يخفى أن مقتضى ظهور صحيحة زرارة الدالة على مطهرية المسح هو لزوم كون زوال العين به و لا موجب لرفع اليد عنه سوى دعوى عدم القول بالفصل بينه و بين المشي و هو غير ثابت، فلا يترك الاحتياط- كما أشار في المتن.

______________________________
(1) في الصفحة 199

(3) الحدائق ج 5 ص 456.

و الجواهر ج 6 ص 308 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 644.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 222‌

..........

______________________________
و عن الأول دعوى: انه مقتضى إطلاق النص و الفتوى لعدم تقييدها بالأرض الطاهرة و قد استدل على الاشتراط بوجوه عديدة
«1».

1- منها: الأصل- و هو استصحاب النجاسة في الرجل إذا مشى على أرض نجسة، بعد فرض قصور في إطلاق الروايات الدالة على مطهّرية الأرض، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة [1].

2- و منها قول النبي الأكرم صلّى اللّٰه عليه و آله: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» «3» فان معنى الطهور هو الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره.

و هو أعم من أن يكون مطهّرا من الحدث و الخبث [2].

3- و منها: أن الاستقراء لموارد التطهير بالماء حدثا و خبثا، و بالأرض حدثا، بل خبثا كحجر الاستنجاء يوجب قوة الظن بالاشتراط، لاشتراط الطهارة في الموارد المذكورة، فليكن مطهّريّة الأرض من الخبث عند المشي عليها أيضا كذلك.

و لكنّه يندفع بان الاستقراء المذكور لا يفيد إلا الظن و كيف كان‌

______________________________
[1] و يندفع- كما قيل- بأنه معارض باستصحاب مطهرية الأرض قبل تنجسها الا انه من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بجريانه، بل لا يجري أصل استصحاب النجاسة لأنه من الشبهة الحكميّة، و على تقديره لا تصل النوبة الى الأصل مع وجود الإطلاقات، و دعوى انصرافها إلى الأرض الطاهرة أو عدم وجود إطلاق لها من جهة الطهارة و النجاسة غير مسموعة، إلا أن ترجع الى ما نذكره في الشرح من أن ارتكاز المتشرعة على أن المطهر يجب أن يكون طاهرا في نفسه موجب لصرف الإطلاقات إلى الأرض الطاهرة.

[2] و قد استدل بذلك في الحدائق (ج 5 ص 457) و أصر على ذلك أشد الإصرار، و قد تعجّب من القوم (قدس أسرارهم) أنهم كيف غفلوا من الاستدلال بهذا الحديث، و استندوا الى وجوه أخر مع أنه يدل بوضوح على أن الأرض يكون مطهّرا من الحدث و الخبث، و معنى الطّهور هو الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره و فيه: أولا يمكن دعوى اختصاصه برفع الحدث بقرينة المسجد، على أن الطهارة الخبثية اصطلاح متأخر عند المتشرعة فلا يشملها الإطلاق، و ثانيا: انه لا يدل على اشتراط الطهارة في مطهّريتها بل غايته الدلالة على ان اللّٰه جعل الأرض في حد ذاتها كالماء طهورا، و هذا لا يدل على ارتفاع وصف مطهّريتها عند عروض النجاسة لها بسبب خارجي.

______________________________
(1) الجواهر ج 6 ص 308.

(3) الوسائل ج 2 ص. 969 في الباب 7 من أبواب التيمم في عدة روايات.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 223‌

..........

______________________________
فالصحيح هو ما اختاره في المتن، و ذهب اليه جمع ممن تعرض لهذه المسألة من اشتراط الطهارة.

و ذلك لوجهين.

أحدهما: ارتكاز المتشرعة على اعتبار الطهارة في كل مطهر سواء الماء أو غيره، فإنهم لا يرون أن النجس يكون مطهّرا، و لا سيما بملاحظة ما هو مرتكز عند العقلاء من أن الفاقد لا يعطى، و لا نرى أى مانع من التمسك بهذا الارتكاز، و إن كان قد يناقش فيه «1» بأنه لا ارتكاز للعرف في التطهير بالأرض، و إذا كان تعبديا محضا لا مجال لإعمال مرتكزاتهم فيه.

لاندفاعه: بان التعبد إنما يكون في مطهّريّة الأرض، و حالها من هذه الجهة تكون كالماء الذي ورد فيه «ان اللّٰه تعالى جعل الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء، الا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» و بعد الفراغ عن جعلهما مطهرا شرعا يتبادر الى ذهن المتشرعة لزوم طهارتهما في أنفسهما، لأن فاقد الطاهرة لا يعطيها لغيره، و هذا هو الموجب لانصراف الإطلاقات في المقام إلى الأرض الطاهرة.

الوجه الثاني: صحيحة الأحول المتقدمة «2» في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطاء بعده مكانا نظيفا؟ قال: «لا بأس، إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك».

فان نفى البأس عن خصوص ما فرضه السائل من وطي المكان النظيف يكون بمنزلة أخذ القيد المذكور في كلام الإمام عليه السلام فيدل على الاشتراط و المراد من النظافة هي الطهارة الشرعيّة.

هذا مضافا إلى ان عود الضمير في قوله عليه السلام «إذا كان خمسة عشر ذراعا» الى المكان النظيف معلقا على كونه مقدار خمسة عشر ذراعا المراد به زوال العين لا التحديد الخاص. يدل على الاشتراط أيضا [1].

______________________________
[1] لم يتضح شي‌ء من الوجهين، لأن أخذ القيد في كلام السائل و كذا رجوع الضمير إليه في قوله «كان» لا يقتضيان جعل القيد المذكور (أعني النظافة) من مقوّمات موضوع الحكم

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 69.

(2) في الصفحة 195

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 224‌

و جفافها (1) نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرة. [1]

______________________________
لجهة الثانية عشر هل يشترط جفاف الأرض.

(1) اختلفوا «2» في هذا الشرط، فذهب بعضهم الى عدم الاشتراط بمقتضى إطلاق الروايات الدالة على مطهّريّة الأرض، فلا يضر عنده حتى الرطوبة المسرية.

و فيه: ان الإطلاقات المذكورة لا يمكن الالتزام بشمولها لما إذا كانت الرطوبة مسرية، لتنجسها بملاقاة الرجل النجسة حينئذ فتسرى النجاسة منها إلى الأرض، فلا تصلح ان تكون مطهّرة، بل تؤدى نجاستها إلى ما يراد تطهيره من القدم.

و دعوى: ان هذه النجاسة لا تضر في الأرض، لأنها حاصلة بنفس الاستعمال في التطهير كما هو الحال في الماء المستعمل في التطهير بناء على القول بنجاسة الغسالة فإنه مطهّر و لا يتنجس به المحل، كما يستفاد من أدلة التطهير بالماء، فليكن التطهير بالأرض كذلك و إنما المضرّ هو النجاسة الخارجيّة.

مندفعة بأن هذه النجاسة الحاصلة بملاقاة الرطوبة النجسة أيضا تكون خارجيّة لا يتوقف عليها التطهير بالأرض، إذ أقصى ما يمكن الالتزام به في المقام هو عدم ضرر نجاسة نفس الأرض بالمشي عليها، نظير حجر الاستنجاء‌

______________________________
بوجه، و دعوى رجوعه إلى أخذ القيد المذكور في كلام الإمام عليه السلام بلا دليل، و مفهوم الشرط انما هو انتفاء الحكم عند عدمه، و الشرط انما هو التحديد بالأذرع أو زوال العين، و لا ربط لهذا بمفهوم الوصف المأخوذ في كلام السائل أعني قوله «مكانا نظيفا» فلاحظ.

[1] جاء في تعليقته دام ظله العالي على قول المصنف «غيره مضرة»: (إذا صدق معها الجفاف و اليبوسة).

______________________________
(2) الحدائق ج 5 ص 458.

و الجواهر ج 6 ص 309 و مصباح الفقيه ص 644.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 225‌

..........

______________________________
المتنجس بإزالة النجس به، و أما الرطوبة الموجودة في الأرض من ماء و نحوه، فهي أمر خارجي لو تنجست بملاقاة الرجل و لو بالمشي عليها تسرى نجاستها إلى الأرض فتفقد شرط الطهارة، بل تسرى النجاسة منها الى الرجل ثانيا.

نعم لا بأس بدعوى شمول الإطلاقات بالإضافة إلى الرطوبة غير المسرية، و لكن مقتضى روايتين في المقام هو اعتبار الجفاف و اليبوسة [1] «إحداهما» رواية معلى بن خنيس لقوله عليه السلام فيها «أ ليس وراءه شي‌ء جاف» «2».

«ثانيتهما» رواية الحلبي لقوله عليه السلام فيها «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة» «3».

فإنهما تدلان على اشتراط الجفاف و اليبوسة في مطهّرية الأرض، و بهما تقيد المطلقات، فلا بد من صدق اليبوسة عرفا، نعم لا تضر الرطوبة القليلة في الصدق المزبور، و لعلّ هذا هو مراد المصنف «قده» أيضا [2].

و لكن قد يناقش في سند الروايتين تارة «5» و في دلالتهما اخرى «6» فلا ينهضان لتقييد المطلقات أما السند فلأن في طريق رواية الحلبي «مفضل بن عمر» و قد اختلفوا في مذهبه و روايته، فلا يمكن الاعتماد عليه.

و أما رواية معلى بن خنيس فضعفها به لتضعيف النجاشي له.

______________________________
[1] ربما يقال اليبوسة أخص من الجفاف فيجب تقييد ما دل على الثاني بما دل على الأول- المستمسك ج 2 ص 70.

[2] قد يقال ان النزاع في البين يكون لفظيا- كما ذكر في الجواهر ج 6 ص 310- بان يقال ان من لم يعتبر الجفاف يريد الاكتفاء بالأرض الرطبة رطوبة غير متعدية لا المتعدية، و من اعتبر الجفاف يريد بذلك عدم التعدي، لا عدم النداوة أصلا، فالطهارة في هذا الفرض (عدم التعدي) يكون متفق عليه بين الفريقين كما عن الروض، هذا و لكن الإنصاف ان مقتضى الجمود على النص هو اعتبار اليبوسة عرفا، و هو أخص مما ليس فيه رطوبة متعدية.

______________________________
(2) الوسائل ج 2 ص 1047- الباب 32 من النجاسات ح 3 تقدمت ص 199.

(3) الوسائل ج 2 ص 1048- الباب 32 من النجاسات ح 9 تقدمت ص 199

(5) كما عن الرياض- الجواهر ج 6 ص 309.

(6) كما أشار الى ذلك في مصباح الفقيه ص 644 و المستمسك ج 2 ص 70.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 226‌

و يلحق بباطن القدم و النعل حواشيها بالمقدار المتعارف مما يلتزق بهما من الطين و التراب حال المشي (1).

______________________________
و أما المناقشة في دلالتهما فبأن يقال: انه يحتمل ان يكون المراد بالجفاف في رواية «معلى بن خنيس» ما لا يصل اليه البلل الذي يسيل من الخنزير الذي مرّ في الطريق، لا الجفاف في مقابل الرطب، كما انه يحتمل أن يكون المراد من اليبوسة في رواية الحلبي الأرض الخالية من نداوة البول، بل قد يدّعي
«1» دلالة السياق على ذلك.

و لكنها مندفعة بأن ظاهر الخبرين هو اعتبار الجفاف و اليبوسة شرطا في التطهير بالأرض، لا المفهوم السلبي في مقابل ما يسيل من بدن الخنزير، أو نداوة البول، إذ لا مانع من بيان ما هو الشرط واقعا، مع فرض عدم المانع من إسالة الماء النجس من بدن الخنزير، أو نداوة البول.

فالإنصاف: أنه لا مانع من الأخذ بالروايتين الا سندا لا دلالة، فلا يعتبر الجفاف و اليبوسة في مطهرية الأرض، الا إذا كانت فيها رطوبة مسرية.

الجهة الثالثة عشر حكم حواشي القدم و النعل

(1) و يلحق بباطن القدم و النعل و ما جرى مجراهما حواشيهما التي يتعارف إصابة النجس إليها حال المشي، لإطلاق الروايات، فإن طهارة باطن المذكورات يلازم طهارة حواشيها بالمقدار المتعارف، لعدم الانفكاك في التنجس غالبا، بل صحيح زرارة «2» التي فرض السؤال فيها عما إذا ساخت رجله في العذرة كالصريح في ذلك، فان رسوخ الرجل في العذرة لا يتحقق الا بذلك، و مع ذلك حكم بطهارته بالمشي [1]، نعم إذا زاد على المتعارف لم‌

______________________________
[1] و ظاهر إطلاق المتن عدم اعتبار مسح الحواشي بالأرض، و هذا هو الذي استظهره

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 70.

(2) المتقدمة في الصفحة 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 227‌

و في إلحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما إذا كان يمشى بهما لاعوجاج في رجله وجه قوى (1) و ان كان لا يخلو من اشكال (2).

______________________________
تشمله الأدلة.

الجهة الرابعة عشر حكم ظاهر القدم و النعل إذا مشى بهما.

(1) إذا مشى على ظاهر قدمه أو نعله، لاعوجاج في رجله فهل يلحق بباطنهما، قال المصنف «قده» ان في الإلحاق وجها قويا، و ان استشكل بعد ذلك، و الحق هو الإلحاق من دون تأمل، لإطلاق الروايات، لصدق عنوان المشي على الأرض «1» أو وطئها «2» أو المرور على الطريق «3» مما ورد في الروايات المتقدمة- على المشي بظاهرهما، و ليس الاعوجاج في الرجل من الأفراد النادرة كي يتوهم انصراف الإطلاقات عنه، فان مشى كل أحد يكون بحسب حاله، فلا فرق بين ظاهر القدم و باطنه و كذا النعل في صدق المشي بالرجل.

(2) لعله لدعوى انصراف الروايات عن ظاهر القدم و النعل و ان تحقق المشي به، و لكنه قد عرفت انها بلا دليل، لانه ليس من الفرد النادر، بل لو سلم كونه فردا نادرا لم ينصرف الإطلاق إليه، لا أنه ينصرف عنه الإطلاق، فلا مانع من شموله له على أى تقدير.

______________________________
في الجواهر (ج 6 ص 308) عن أستاذه كاشف الغطاء، و استجوده لو لا مطلوبية الاحتياط و التوقف في أمثال المقام، و لا يخفى أنه لو تم الإلحاق فإنما يتم في فرض زوال العين، و الا لزم المسح جزما.

______________________________
(1) كما جاء التعبير بذلك في رواية الحلبي المتقدمة ص 199

(2) كما جاء التعبير بذلك في صحيحة زرارة المتقدمة ص 199 و رواية حفص المتقدمة ص 201.

(3) كما جاء في تعبير رواية معلى بن خنيس و رواية الحلبي المتقدمتان ص 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 228‌

كما ان إلحاق الركبتين و اليدين بالنسبة الى من يمشى عليهما ايضا مشكل (1).

______________________________
حكم المشي على الركبتين و اليدين.

(1) هل يلحق ركبتي من يمشى عليهما، و على يديه، أو فخذي المقعد، و ما يجرى مجرى ذلك، و كذا ما يوقى به هذه المواضع بالمشي على الاقدام [1] أم لا.

الظاهر هو عدم الإلحاق، لاختصاص أكثر روايات الباب- سئوالا و جوابا- بالمشي بالرجل [2] فلا تشمل المشي بغيره مما ذكر.

نعم ربما يتوهم التعميم بوجوه أخر.

«أحدها»: تنقيح المناط الذي يساعده الاعتبار.

و فيه: أنّ الأحكام الشرعيّة لا تناط بالاستحسانات و الاعتبارات.

«ثانيها»: عموم التعليل في قوله عليه السلام «إن الأرض يطهّر بعضها بعضا» بدعوى شموله لكل ما يمشى به، و لو كان غير الرجل، لأن معناه- كما تقدم «3»- ان الأرض تكون مطهّرة لكل ما يتنجس بها بالمشي عليها.

و فيه: انه لا عموم فيه بالنسبة الى كل ما تنجس بالأرض- كما تقدم و إلا لزم تخصيص الأكثر، بل هو في مقام بيان أصل مطهّرية الأرض في الجملة، و أنّه لا ينحصر المطهّر بالماء.

______________________________
[1] و قد مال الى ذلك في الجواهر ج 6 ص 309.

[2] و قد جاء في تعبير رواية معلى بن خنيس «أمّر عليه حافيا.» الظاهر في المرور بالرجل الحافي.

و في رواية حفص: «وطئت على عذرة بخفي».

و في صحيحة زرارة: «وطأ على عذرة فساخت رجله فيها».

و في رواية الحلبي: «فربما مررت فيه و ليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته».

______________________________
(3) الوسائل ج 2 ص 1046 في الباب 32 من النجاسات ح 2 و 6 و 7 و 9.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 229‌

و كذا نعل الدّابة، و كعب عصا الأعرج و خشبة الأقطع (1).

______________________________
«ثالثها»: إطلاق صحيحة الأحول، لما ورد فيها من السؤال عن حكم الوطء على الأرض، و هو شامل لكل ما يوطأ به سواء الرجل أو الرّكبتين و اليدين. و لم يفرض فيها السؤال عن المشي بالرجل، كما في سائر الروايات.

و فيه: أن الظاهر عدم صدق الوطء الا بالرجل، فلا يعم الرّكبتين فضلا عن اليدين و الفخذين، و إنما يصدق في مواردها الوضع، دون الوطء، و مما ذكرنا يظهر حكم ما يلصق بها من الخشب و نحوه.

حكم نعل الدابة و عصا الأعرج و نحوهما.

(1) لا وجه لإلحاق ما ذكر بباطن المقدم، أو النعل أما نعل الدّابة فواضح، لأن مورد الروايات- سئوالا و جوابا- مختص بمشي الإنسان على الأرض فلا تشمل الحيوانات بوجه، نعم نفس رجل الدّابة يطهر بزوال العين عنها، كما في سائر أعضاء بدنها، لطهارة بدن الحيوان بمجرد زوال عين النجاسة، و أما نعلها فلا يطهر بذلك، لأنّه أمر خارجي ملصق ببدنها، فلا بد في تطهيره من الغسل بالماء.

و أما كعب عصا الأعرج، أو الأعمى، و خشبة الأقطع إذا استعان بها في المشي، فلا تشملها الروايات أيضا، لاختصاصها بالمشي بالرجل حافيا، أو مع الخفّ، بل لا يصدق عليها عنوان الوطء على الأرض لما ذكرنا من اختصاص مفهومه بالوطء بالرجل، فلا يعم غيرها، كالعصا، و خشبة الأقطع و نحوهما فعليه لا يمكن توجيه الإلحاق إلا بعموم التعليل «بأن الأرض يطهّر بعضها بعضا» و قد عرفت ضعفه أيضا، لعدم كونه في مقام البيان الا من جهة أصل مطهّرية الأرض، فالقول [1] بطهارة ما ذكر بالمشي بها أو بالاستعانة بها في المشي أشكل مما تقدم.

______________________________
[1] قال في مصباح الفقيه (ص 643) «و حكى عن بعض إلحاق كل ما يستعان به على المشي، كاسفل العكاز، و عصى الأعمى، و أسفل العربات، و التخوت، و نعل الدابة، و هو في غاية الإشكال و اللّٰه العالم».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 230‌

و لا فرق في النعل بين أقسامها من المصنوع من الجلود، و القطن و الخشب. و نحوها مما هو متعارف (1).

و في الجورب إشكال إلا إذا تعارف لبسه [1] بدلا عن النعل (2).

______________________________
حكم أقسام النعل.

(1) لإطلاق الروايات بالنسبة الى ما تعارف لبسه، فان لفظ النعل و ان لم يرد في رواية إلا أن حذف المتعلق في مثل قوله في صحيحة الأحول «ثم يطاء بعده مكانا نظيفا» يفيد العموم بالنسبة الى ما يوطأ به فيعم مطلق ما تعارف المشي به من النعال، و لو صنع من الموارد المستحدثة، إذ لبس النعال كان متعارفا في زمن صدور الروايات، و لا يحتمل دخل خصوصيّة ما يصنع منه النعل في الحكم، و عليه فيشمل مثل القبقات، و هو النعل المصنوع من الخشب، و نحوه.

(2) فصّل المصنّف «قده» في الجورب بين ما كان متعارفا و غيره، فقال بطهارة الأول بالمشي، و استشكل في الثاني.

و لكن الصحيح المنع عنه مطلقا، و ذلك لان الروايات الواردة في هذا الباب انما تدل على حكم ما تعارف لبسه في زمن الصدور من الخفّ و النعل، أو المشي حافيا، و ليس فيها عموم أو إطلاق يشمل كل ما يوقى به الرجل، و لو لم يكن متعارفا في ذاك الزمان، و إن تعارف بعد ذلك، و الوجه فيه: ان الروايات المذكورة انما دلت على بيان الحكم على نحو القضيّة الخارجيّة دون الحقيقية، أى تشير الى حكم ما تعارف لبسه في زمن الصدور، لا كل ما يمكن تعارف لبسه في أي زمان بحيث يعم جميع مصاديق ما يوقى به الرجل المستجدة و غيرها، كي تشمل مثل الجورب و نحوه، و لو كان مثل إلصاق خشبة بالرجل أو شد خرقة بها- مثلا.

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «إلا إذا تعارف لبسه» (في فرض التعارف ايضا لا يخلو من إشكال).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 231‌

و يكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة و ان بقي أثرها من اللون و الرائحة، بل و كذا الأجزاء الصغار التي لا تتميز (1).

______________________________
و الحاصل: أن الروايات- سئوالا و جوابا- انما تكون ناظرة الى ما كان متعارفا في زمن الصدور من المشي حافيا أو متنعلا، أو مع الخفّ على نحو القضيّة الخارجيّة، أي تنظر الى ما كان معمولا و متعارفا في تلك العصور، فلا يجدى تعارف لبس شي‌ء بعد ذلك، و ليست على نحو القضيّة الحقيقيّة كي تشمل الجميع، و إلا فلا وجه للتقييد بالمتعارف، لا في كلام المصنف «قده» و لا غيره من الأصحاب.

و من هنا أشرنا في التعليقة إلى انه في فرض تعارف لبس الجورب أيضا لا يخلو من إشكال.

يكفي في حصول الطهارة زوال العين و ان بقي الأثر.

(1) قد ذكرنا فيما تقدم «1» انه يشترط زوال العين في حصول الطهارة و نقول هنا أن ذلك كاف و لا يشترط زوال الأثر، و يطلق الأثر على معنيين.

«أحدهما» الأثر بمعنى اللّون و الرّائحة.

«الثاني» الأجزاء الصغار التي لا تتميز عرفا، اى لا ترى عادة.

اما عدم اعتبار زواله بالمعنى الأول فواضح، لما ذكرناه في الغسل بالماء من عدم صدق عنوان النجس على اللّون و الرائحة، فمع زوال العين يطهر المحلّ بتحقق الغسل و ان بقي اللّون أو رائحة النجس، و كذلك الحال في الأرض، لصدق المشي المطهّر بالمشي عليها بعد زوال العين، فيشمله الإطلاقات، بل التطهير بالأرض أولى بذلك، لابتناء أمره على التسهيل، و لا دليل على المبالغة لا في الغسل بالماء، و لا في المشي على الأرض أو المسح بالتراب حتى يزول الأثر المذكور، بل لا يمكن ذلك في المقام الا مع نوع من المشقة و الحرج، لانسحاق جلد القدم بإكثار المسح على الأرض حتى يذهب‌

______________________________
(1) ص. 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 232‌

..........

______________________________
أثر النجس عنه و هذا مما لا يعتبر جزما.

بل مقتضى صحيحة الأحول «1» التي ورد فيها تحديد المشي بخمسة عشر ذراعا و نحوها عدم الإكثار في المشي، مع انه من الواضح ان نحو هذا المقدار من المشي لا يوجب إزالة الأثر المذكور (اللّون و الرائحة) غالبا.

و أما ما في رواية حفص «2» من قول السائل «و مسحته حتى لم أر فيه شيئا» فان الظاهر ان المراد من الشي‌ء هو عين النجس التي وطء عليها، على أنه وارد في كلام السائل، لا الامام عليه السلام فلا يدل على اعتبار القيد.

و أما قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «3» «و لكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها» فالمراد من لفظ «الأثر» فيه هو مرتبة خفيفة من العين بحيث تسمى في العرف أثرا، و لكن مع ذلك لا يصح سلب الاسم عنها بالمرة، و هذا هو مقتضى الجمع بينها و بين غيرها من الروايات على ما يأتي في الأثر بالمعنى الثاني، فليس المراد منه الأثر بمعنى اللّون و الرائحة جزما، كيف و الغالب بقائه بهذا المعنى في التطهير بالمسح أو المشي على الأرض، فلعلّ حمله على الأثر بهذا المعنى يوجب الحمل على الفرد النادر.

بل الغالب بقاء الأجزاء الصغار التي لا تتميّز أى لا ترى في نظر العرف.

و من هنا ظهر حكم الأثر بالمعنى الثاني أيضا، و هو الأجزاء الصغار غير المتميّزة، لأن الغالب في المشي على الأرض أو المسح بالتراب بقائها، فلا يمكن صرف الإطلاقات عنها لاستلزامه الحمل على النادر أيضا، فيكون مقتضى الجمع بينها و بين صحيحة زرارة هو حمل لفظ «الأثر» فيها على مرتبة خفيفة من العين بحيث لا ينافي الصدق عرفا- كما أشرنا-، فلا بد من إزالته حينئذ، و أما إذا بلغت في الضعف إلى حد عدم التمييز في نظر العرف، فلا‌

______________________________
(1) المتقدمة ص 202

(2) المتقدمة ص 201

(3) المتقدمة ص 199

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 233‌

كما في الاستنجاء بالأحجار (1) لكن الأحوط اعتبار زوالها (2).

كما أن الأحوط زوال الأجزاء الأرضيّة اللاصقة بالنعل و القدم، و ان كان لا يبعد طهارتها أيضا (3).

______________________________
مانع من بقائها.

و بهذا يمتاز التطهير بالأرض عن التطهير بالماء، فإن الأجزاء الصغار من النجاسة لا بد من إزالتها في التطهير بالماء، بخلاف التطهير بالأرض، لأن اشتراط زوالها في الماء لا يوجب حمل إطلاقاته على الفرد النادر، بخلاف التطهير بالأرض فيكون التطهير بالأرض أو التراب كالتطهير بأحجار الاستنجاء في أن بقاء الأثر بمعنى الأجزاء الصغار من النجاسة لا يكون مانعا عن حصول الطهارة- كما يأتي [1].

(1) و في بعض نسخ الكتاب «كما في ماء الاستنجاء» و الظاهر أنّه من سهو القلم، أو من غلط النسّاخ- كما أشرنا في التعليقة- لأن محل الكلام انما هو عدم مانعية بقاء الاجزاء الصغار من النجاسة في المحل، و هذا هو الحال في التطهير بأحجار الاستنجاء، فإنها لا تكون قالعة للأجزاء الصغار من المحل، فيكون التطهير بالأرض مثلها في عدم القالعيّة، و أما الاستنجاء بالماء فليس الحال فيه كذلك، للزوم النقاء فيه.

(2) و عن جامع المقاصد و منظومة الطباطبائي «2» القول بوجوب إزالة الأثر بمعنى الأجزاء الصغار التي تبقى ملتصقة من عين النجاسة، خلافا لكاشف الغطاء، و لكن قد عرفت انها إذا كانت غير متميزة فلا تجب إزالتها.

حكم الأجزاء الأرضيّة اللاصقة بالنعل

(3) الظاهر أن مراد المصنف «قده» هو الأجزاء الأرضيّة الملصقة بالقدم أو النعل قبل الملاقاة مع النجس، فتتنجس معهما بملاقاته، فهي تطهر‌

______________________________
[1] في أحكام التخلي في فصل الاستنجاء.

______________________________
(2) الجواهر ج 6 ص 310.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 234‌

[ (مسألة 1) إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي]

(مسألة 1) إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي (1) بل في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه إشكال، و ان قيل بطهارته بالتبع.

______________________________
بالمشي، كما يطهر نفس القدم أو النعل، و ذلك لتعارف التصاقها بالنعل و القدم بهذا المقدار، لان الطرق- غالبا- فيها شي‌ء من التّراب يلصق بما يشمى به من النعل و القدم، و ان أمكن فرض المشي على ما ليس فيه تراب أصلا، كالأراضي الصخريّة، إلا أن العمومات لا يختص به، بل لا بد من شمولها للأفراد المتعارفة قطعا، كما تشمل غيرها، فليس المراد الأجزاء التي تلصق بالنعل و القدم بالمشي المطهّر، إذ لا يحتمل المنع عنها، لأنها تكون طاهرة جزما، فلا حاجة إلى الاستدلال
«1» على طهارتها بالدلالة الالتزامية، فيكون نظير الدليل الدّال على طهارة المتنجس بالغسل الدال بالالتزام على طهارة المتخلّف من البلل، إذ المحتمل بقاء الأجزاء الأرضيّة السابقة على النجاسة، لا حدوث النجاسة في الأجزاء الأرضيّة في المشي المطهّر.

عدم طهارة داخل النعل

(1) إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا يطهر بالمشي، و كذا استشكل في المتن في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه النجاسة.

و الوجه في ذلك هو أن الظاهر من روايات الباب التي منها صحيحة الأحول «2» الدالة على طهارة النعل بالمشي هو طهارة ما يمس الأرض بالمشي أو المسح، فيعتبر في مطهّريتها حصول المماسة، و لا مماسة إلا مع السطح الظاهر من أسفل القدم أو النعل، فلا يزيد الأرض على الماء، فكما لا يطهر المتنجس بجميع أجزائه الا بوصول الماء اليه، فكذلك الأرض لا يكون مطهّرا إلا بالمباشرة، و حصول التماس، و لا دليل على الطهارة التبعيّة‌

______________________________
(1) تعريض على ما في المستمسك ج 2 ص 72- 73.

(2) المتقدمة ص 202

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 235‌

[ (مسألة 2) في طهارة ما بين أصابع الرجل إشكال]

(مسألة 2) في طهارة ما بين أصابع الرجل إشكال (1).

______________________________
في المقام بالنسبة إلى داخل النعل أو باطن الجلد، فيكون حالهما حال ظاهر القدم و النعل إذا أصابه النجس في عدم حصول الطهارة التبعيّة لها.

طهارة ما بين الأصابع

(1) منشأ الإشكال هو ما ذكرناه بالنسبة إلى داخل النعل و باطن جلدها من عدم شمول الإطلاقات لها، لاختصاصها بما يمس الأرض بالمشي عليها، و لا يتحقق ذلك بالنسبة لما بين الأصابع كما لا يتحقق بالنسبة إلى ما ذكر، و لا دليل على الطهارة التبعيّة.

هذا، و لكن الصحيح أنه لا ينبغي الإشكال في المقام، كما أشرنا في التعليقة [1] و ذلك لدلالة.

صحيحة زرارة المتقدمة «2» على طهارته قال فيها «رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها، أ ينقض ذلك وضوئه؟ و هل يجب عليه غسلها؟

فقال: لا يغسلها الا أن يقذّرها، و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلّى».

و من الظاهر أن الرجل التي تسيخ في العذرة تصل العذرة إلى ما بين أصابها غالبا أو دائما، و مع ذلك حكم الإمام عليه السلام بطهارة جميع الرجل (أسفلها و ما بين أصابعها) بالمسح.

نعم لا بد من تحقق المماسة مع الأرض حتى بالنسبة الى ما بين الأصابع على نحو يصدق زوال العين بالمشي أو المسح، لأن حصول الطّهارة له ليست تبعيّة، بل بالاستقلال، اى بنفس المشي أو المسح.

و من هنا لا يبعد صحة دعوى دلالة الصحيحة المذكورة على جواز مسح ما بين الأصابع بالأجزاء المنفصلة عن الأرض، كقطعة حجر أو مدر، و نحو ذلك، لعدم سهولة المماسة لما بين الأصابع بالاجزاء المتصلة بالأرض،

______________________________
[1] جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «أصابع الرجل اشكال»: (لا ينبغي الإشكال فيما تعارف تنجسه بالمشي، فيطهر بزوال العين به أو بالمسح).

______________________________
(2) في الصفحة 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 236‌

و أما أخمص القدم فان وصل الى الأرض يطهر، و الا فلا (1) فاللّازم وصول تمام الأجزاء النجسة إلى الأرض، فلو كان تمام باطن القدم نجسا، و مشى على بعضه لا يطهر الجميع، بل خصوص ما وصل إلى الأرض.

[ (مسألة 3) الظاهر كفاية المسح على الحائط]

(مسألة 3) الظاهر كفاية المسح على الحائط، و ان كان لا يخلو عن إشكال (2).

______________________________
أعني الأرض المسطحة التي لا تقع المماسة معها لما بين الأصابع، و هذا و ان منعنا عنه فيما سبق
«1» إلا أنه كان المنع بالنسبة إلى أسفل القدم و النعل مما يتعارف تماسه بالأرض بسهولة.

طهارة أخمص القدم

(1) لظهور الأخبار في لزوم حصول المماسة مع الأرض، و هذا هو الشأن في مطهّرية الماء أيضا، و لا يزيد التراب على الماء، إذ لا تحصل الطّهارة بالغسل الا بوصول الماء إلى جميع أجزاء المغسول، و عليه لا بد في تطهير أخمص القدم من السعى في إيصاله إلى الأرض، و يسهل ذلك في الأراضي غير المسطحة، و الحاصل: أن حال أخمص القدم كحال باقي أجزاءه في لزوم وصوله إلى الأرض. فلو كان تمام باطن القدم نجسا و مشى على بعضه لا يطهر الجميع- كما ذكر في المتن.

المسح على الحائط

(2) استشكل المصنف «قده» في الجواز بعد الفتوى به، و لعلّه لدعوى انصراف صحيحة زرارة الواردة في المسح عنه، و لكن الصحيح عدم الانصراف و شمولها للحائط أيضا، لصدق الأرض عليه، لأن غاية ما اعتبرناه في مطهّرية الأرض انما هو اتصال الأجزاء الأرضيّة بعضها ببعض، و هذا متحقق في الحائط أيضا، غايته أنه يكون اتصالا جعليّا فيكون حاله حال‌

______________________________
(1) في الصفحة 199.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 237‌

[ (مسألة 4) إذا شك في طهارة الأرض يبنى على طهارتها]

(مسألة 4) إذا شك في طهارة الأرض يبنى على طهارتها (1) فتكون مطهّرة إلا إذا كانت الحالة السابقة نجاستها، و إذا شك في جفافها لا تكون مطهّرة (2) الا مع سبق الجفاف فيستصحب.

[ (مسألة 5) إذا علم وجود عين النجاسة، أو المتنجس، لا بد من العلم بزوالها]

(مسألة 5) إذا علم وجود عين النجاسة، أو المتنجس، لا بد من العلم بزوالها، و أما إذا شك في وجودها فالظاهر كفاية المشي و ان لم

______________________________
إيجاد علو في الأرض بتجميع التراب و جعله كومة و الحاصل: أن حال العلو الجعلي في الأرض كما في الحائط و كومة التراب يكون كحال العلو الطبيعي فيها، كالأراضي الجبليّة و نحوها، و إلا فلا يطهر الرجل بالمشي على ثخن الحائط، مع أنه لا إشكال في مطهّريته، فلا فرق بين المسح و المشي.

الشك في طهارة الأرض

(1) إذا شك في طهارة الأرض يبنى على طهارتها، و من آثارها انها تكون مطهّرة.

و البناء على الطهارة إما أن يكون لاستصحابها، لأن كل جزء من أجزاء الأرض يكون مسبوقا بالطهارة، و إما لقاعدتها كما إذا فرض عدم جريان الاستصحاب لتوارد الحالتين، الا ان تكون الحالة السابقة النجاسة، فتستصحب.

الشك في جفاف الأرض

(2) لأن الجفاف أمر وجودي فيستصحب عدمه، و بعبارة أخرى: ان الجفاف يكون شرطا في مطهّرية الأرض- كما تقدم «1»- فلا بد من إحرازه، فمع الشك فيه يشك في المشروط أيضا، و مقتضى الأصل عدمه.

______________________________
(1) في الصفحة 224

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 238‌

يعلم بزوالها على فرض الوجود (1).

[ (مسألة 6) إذا كان في الظلمة، و لا يدرى أن ما تحت قدمه أرض]

(مسألة 6) إذا كان في الظلمة، و لا يدرى أن ما تحت قدمه أرض، أو شي‌ء آخر من فرش و نحوه لا يكفي المشي عليه، فلا بد من العلم

______________________________
الشك في وجود عين النجاسة

(1) قدّمنا «1» انه لا بد من زوال عين النجاسة في حصول الطهارة بالمشي أو المسح، فان علم بوجودها فلا بد و أن يعلم بزوالها أيضا، إذ مع الشك في البقاء فالأصل البقاء، فلا يمكن الحكم بالطّهارة لعدم إحراز الشرط.

و أما إذا شك في أصل وجودها لاحتمال عدم تلوّث الرجل بها رأسا فقال المصنف «قده» أن الظاهر كفاية المشي، و إن لم يعلم بزوالها على فرض الوجود، و ذلك لاستصحاب عدم وجود العين.

و فيه: أنه لا أثر للمستصحب في نفسه، لاشتراط الطهارة بالمماسة مع الأرض كما تقدم [1] و هو لا يثبته، فمجرد احتمال وجود العين المانع عن وصول القدم أو النعل إلى الأرض يكفي في الحكم بالنجاسة، لاستصحابها فيكون المقام نظير الشك في وجود المانع عند الغسل بالماء، فان استصحاب عدمه لا يثبت تحقق الغسل، إذ هو عبارة عن وصول الماء الى جميع أجزاء المغسول، و لا يثبته الاستصحاب المذكور.

و من هنا كتبنا في التعليقة على المتن: ان الظاهر عدم كفايته ما لم يعلم بزوال العين على فرض الوجود.

______________________________
[1] و قد جاء في تعليقته دام ظله على قول المصنف «قده» «يشكل الحكم بمطهّريته»:

(الظاهر أن لا يحكم بالمطهرية).

______________________________
(1) في الصفحة 206

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 239‌

بكونه أرضا (1).

بل إذا شك في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهّريته أيضا (2).

______________________________
إذا شك في أنه أرض أو فرش

(1) الشك في أن ما تحت قدمه أرض أو شي‌ء آخر من فرش و نحوه يكون على نحوين أشار إليهما في المتن.

(الأول) الشك البدوي من دون فرض علم بالحالة السابقة. و فيه لا يكفي المشي عليه، لعدم إحراز الشرط الذي هو عبارة عن أرضيّة ما يمشى عليه، إذ لا يكفى مجرد المشي و لو كان على غير الأرض، و الشك في الشرط ملازم للشك في المشروط نظير ما ذكرناه في الشك في الجفاف فيستصحب نجاسة القدم.

(الثاني) الشك المقرون بالعلم بالحالة السابقة بأن يشك في حدوث الفرش في محل بعد العلم بأنه لم يكن مفروشا سابقا.

استشكل المصنف «قده» في الحكم بالطهارة حينئذ، و الوجه فيه هو ما ذكرناه في المسألة السابقة من أن استصحاب عدم المانع لا يثبت تحقق الشرط أي المشي على الأرض و الفرش من الموانع فاستصحاب عدمه لا يثبت تحقق مماسة القدم مع الأرض، كما- ذكرنا- في مانعيّة عين النجس من المماسة.

و أوضح إشكالا ما إذا كان المحل موردا لتوارد الحالتين بان كان مفروشا في زمان و غير مفروش في زمان آخر، و شك في المتقدم و المتأخر منهما، ففي مثله لا يجرى استصحاب الحالة السابقة، أو يسقطان بالمعارضة، فليس هناك استصحاب يوجب توهم كفاية المشي على المشكوك.

(2) قد عرفت الوجه فيه آنفا، و هو أن استصحاب عدم المانع لا يثبت تحقق الشرط، فالصحيح أنه لا يحكم بالمطهرية، كما أشرنا في التعليقة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 240‌

[ (مسألة 7) إذا رقع نعله بوصلة طاهرة، فتنجست، تطهر بالمشي]

(مسألة 7) إذا رقع نعله بوصلة طاهرة، فتنجست، تطهر بالمشي (1) و أما إذا رقعها بوصلة متنجسة، ففي طهارتها اشكال (2) لما مر من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة.

______________________________
حكم رقعة النعل

(1) لإطلاق النص الشامل للنعل المرقّع.

(2) إذا كانت الرقعة متنجّسة قبل الترقيع بها فهل تطهر بالمشي أو لا؟ ذكر المصنّف «قده» أن في طهارتها إشكالا، و بنى ذلك على ما تقدم من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة، و لكن الصحيح عدم ابتنائه على ذلك، بل لا يحكم بطهارتها بالمشي و لو قلنا بعدم اعتبار كون النجاسة من الأرض، و ذلك لأن موضوع الحكم- على كل تقدير- هو النعل أزجزؤه، و أما الرقعة الخارجيّة قبل اتصالها بالنعل فليست داخلة في موضوع الحكم رأسا، و لو قلنا بعدم اعتبار النجاسة الواصلة من الأرض، و من هنا كتبنا في التعليقة: «ينبغي الجزم بعدم طهارتها حتى على القول بعدم الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي، إذ المفروض نجاسة الوصلة قبل كونها جزء من النعل».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 241‌

..........

______________________________
المطهّر الثالث الشمس‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌5، ص: 242‌

..........

______________________________
المطهّر الثالث: الشمس تطهر الأرض و كل ما لا ينقل بإشراق الشمس عليها، عموم الحكم لمطلق النجاسات، حكم الحصر و البواري، حكم السّفن و نحوها، شروط التطهير بالشمس، رطوبة المحل، تجفيفها بالشمس، زوال العين، حكم إشراق الشمس في المرآت، حكم باطن الأرض، حكم الحصى و التراب و الأحجار الواقعة على الأرض، حكم الشك في حصول الشروط، فروع و تطبيقات.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net