تتمة الأواني 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌6   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 75

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 246‌

[ (مسألة 7): لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما]

(مسألة 7): لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما إذا لم يكن بحيث يصدق عليه أحدهما (1)

[ (مسألة 8): يحرم ما كان ممتزجا منهما]

(مسألة 8): يحرم ما كان ممتزجا منهما و إن لم يصدق عليه اسم أحدهما (2)

______________________________
(1)
الإناء الممتزج بغير النقدين إذا امتزج إناء الذهب، أو الفضة بغيرهما من الفلزات، كالنحاس أو غيره، فان كان المزيج كثيرا بحيث يمنع عن صدق الذهب أو الفضة، فلا حرمة، للأصل، لاختصاص أدلة المنع بالصدق، و أما إذا قل المزيج بحيث لا يمنع عن الصدق فيحرم لشمول النص، و عدم دليل على اعتبار الخلوص.

(2) الإناء الممتزج من النقدين إذا كان الامتزاج موجبا لاستهلاك أحدهما في الآخر كما إذا استهلكت الفضة في الذهب لقلتها، كالخمس في المائة، فلا إشكال في الحرمة، لصدق عنوان الذهب بل هذا هو المتعارف في الصياغات الذهبيّة، سواء في الحلي و الدنانير، و الأواني و غيرها.

و أما إذا كان المزيج بنسبة كثيرة، كالنصف، فلا يستهلك أحدهما في الآخر، و في نفس الوقت لا يصدق على الممتزج أحد العنوانين، لا الذهب، و لا الفضة، فهل يحرم حينئذ أولا، مقتضى الجمود على ظاهر النصوص هو عدم الحرمة، لعدم صدق الذهب، أو الفضة، و قد يقال «1» إنه ينحصر وجه الحرمة حينئذ في القطع بالمساواة، أو دعوى: ان موضوع الحكم هو القدر المشترك بينهما، و كلاهما محل تأمل، إذ من المحتمل اعتبار الخلوص، و لا خلوص في الممتزج منهما.

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 170- 171.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 247‌

بل و كذا ما كان مركبا منهما، بأن كان قطعة منه من ذهب و قطعة منه من فضّة (1)

[ (مسألة 9): لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما]

(مسألة 9): لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما (2) كاللوح، من الذهب، أو الفضة، و الحلي، كالخلخال، و ان كان مجوفا بل و غلاف السيف.

______________________________
أقول: إن مقتضى الفهم العرفي في أمثال المقام مما هو مركب من أجزاء محرّمة هو الحرمة، و من هنا لا إشكال في حرمة معجون مركّب من أجزاء محرّمة، و إن لم تكن نجسة كالممتزج من ميتة السمك و الدم المتخلف في الذبيحة، أو الممتزج من النخاع و التراب، و نحو ذلك.

(1) الإناء المركب من النقدين يجرى فيه ما جرى في الإناء الممتزج نفيا و إثباتا، و قد عرفت أن الأظهر هو الحرمة بمقتضى الفهم العرفي.

(2) حكم غير الأواني من الذهب و الفضة المشهور هو الجواز في غير الأواني، بل في الجواهر «1» «نص عليه الفاضلان و غيرهما، بل لا أجد فيه خلافا، بل في اللوامع الظاهر وفاقهم عليه.».

أقول: يكفينا الأصل، و عمومات الحلّ، لاختصاص روايات المنع بالأواني، فلا تعم غيرها، بل هناك روايات تدل على الجواز عموما، أو في موارد خاصّة، و لا فرق بينها و بين غيرها جزما.

أما العموم فمفهوم قوله عليه السّلام في:

صحيحة على بن جعفر عن أخيه عليه السّلام «إنما يكره استعمال ما يشرب‌

______________________________
(1) ج 6 ص 337.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 248‌

و السكين و امامة الشطب، بل و مثل القنديل و كذا

______________________________
به».
«1»

فإنه يدل على عدم الكراهة في غير الأواني.

الروايات المجوّزة و أما الروايات الخاصة الدالة على الجواز فهي عديدة.

1- (منها) ما ورد في المرآة لها حلقة من فضة كصدر صحيحة على بن جعفر قال: «سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟

قال: نعم.». «2»

2- (و منها) ما ورد في جملة مما يتعلق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كدرعه المسمات ب‍ (ذات الفضول) كان لها حلقات من فضة، ثلاث أو أربع «3» و سيفه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذي الفقار انه كان له حلقة من فضة «4» و في خبر آخر «5» ان حلية سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت فضة كلها قائمته، و قبيعته.

و روى ان «برة» «6» ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت من فضة. «7»

و ما روى من انه كان للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قصعة فيها حلقة من فضة، أو‌

______________________________
(1) الوسائل ج 3 ص 511 في الباب 67 من النجاسات ح 5 و 6 ط م قم.

(2) نفس المصدر.

(3) الوسائل ج 3 ص 511 في الباب 67 من أبواب النجاسات، ح 4 و 7 ط م قم.

(4) نفس المصدر، ح 3 و 8.

(5) الوسائل ج 5 ص 105 في الباب 64 من أبواب أحكام الملابس ح 2 و 4 كتاب الصلاة ط م قم.

(6) البرة بالضم، و خفّة الراء: الحلقة التي توضع في أنف البعير و هي الخزامة (مجمع البحرين).

(7) الوسائل ج 11 ص 98 في الباب 21 من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره، ح 2 كتاب الحج.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 249‌

نقش الكتب و السقوف و الجدران بهما

______________________________
ضبّتها
«1» كانت فضّة.

3- (و منها) ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه صلّى اللّه عليه السّلام قال: «ليس بتحلية السيف بأس بالذهب و الفضة.» «2»

4- (و منها) ما رواه منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «سألته عن التعويذ يعلق على الحائض؟ فقال: نعم إذا كان في جلد، أو فضة، أو قصبة حديد.» «3»

5- (و منها) ما ورد في جواز تحلية المصاحف و السيوف بالذهب. «4»

كما روى عن الصادق عليه السّلام في القرآن المعشّر بالذهب، و في آخره سورة مكتوبة بالذهب فلم يعب سوى كتابة القرآن بالذهب، و قال: «لا يعجبني أن يكتب القرآن الا بالسواد كما كتب أول مرّة». «5»

هذه جملة من النصوص الدالة على جواز استعمال الذهب و الفضة في غير الأواني مضافا الى الأصل.

لكن هناك روايات ربما توهم المنع «6» و من هنا جمع بينهما في الحدائق «7» بالكراهة في الآلات، و إن تفاوتت شدة و ضعفا في مواردها،

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 514.

(2) الوسائل ج 5 ص 104 في الباب 64 من أحكام الملابس ح 1 ط م قم.

(3) الوسائل ج 3 ص 511 في الباب 67 من أبواب النجاسات ح 2 ط م قم.

(4) الوسائل ج 5 ص 104 في الباب 64 في أحكام الملابس ح 1 ط م قم.

(5) الوسائل ج 17 ص 162 في الباب 32 من أبواب ما يكتسب به، ح 2 ط م قم.

(6) راجع الوسائل ج 3 ص 510 في الباب 67 من النجاسات كتاب الطهارة. و ج 5 ص 104 في الباب 64 من أبواب أحكام الملابس كتاب الصلاة كما أشار الى ذلك في الجواهر ج 6 ص 338- 339.

(7) ج 5 ص 515 و في الجواهر ج 6 ص 339 عنه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 250‌

..........

______________________________
بل حكى
«1» عن العلامة القول بحرمة المموّه بالذهب أو الفضة إذا انفصل منه شي‌ء في العرض على النار و لكنه خلاف الإجماع المحكي، و عن المدارك القول بحرمة زخرفة الحيطان و السقوف بهما «2» و لكنه خلاف الأصل و عمومات الحل و السيرة في المشاهد، بل و غيرها كما في الجواهر «3» هذه إشارة إلى الأقوال في المسألة.

و أما الروايات المانعة.

فهي بين ضعيفة السند، أو الدلالة، أو المحمولة على الكراهة جمعا مع روايات الجواز.

1- (منها) رواية فضيل بن يسار قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن السرير فيه الذهب، أ يصلح إمساكه في البيت؟ فقال: إن كان ذهبا فلا، و ان كان ماء الذهب فلا بأس». «4»

بدعوى دلالتها على حرمة إمساك السرير فيه الذهب.

و يدفعها: أولا ضعف السند كما تقدم «5» و ثانيا: ضعف الدلالة للإجماع على عدم حرمة مجرد إمساك الذهب سواء أ كان لوحا أو غيره و انما الكلام في حرمة استعمال غير الأواني بعد الاتفاق على حرمة استعمال الأواني في الأكل و الشرب، فلا بد من حملها على الكراهة، لأن إمساك السرير المذهب في البيت يكون من أظهر أنحاء الترف و الإقبال على الدنيا.

2- (و منها): صحيحة على بن جعفر عن أخيه عليه السّلام المروية بأسانيد‌

______________________________
(1) بنقل الجواهر ج 6 ص 339.

(2) بنقل الجواهر ج 6 ص 339.

(3) نفس المصدر.

(4) الوسائل ج 3 ص 510 في الباب 67 من أبواب النجاسات ح 1 ط م قم.

(5) صفحة 243.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 251‌

..........

______________________________
متعددة (في حديث تقدم صدره في المرآة) قال: «و سألته عن السرج، و اللّجام فيه الفضّة أ يركب به؟ قال: ان كان مموّها لا يقدر على نزعه فلا بأس، و إلا فلا يركب به».
«1»

بدعوى دلالتها على حرمة الركوب على السرج المفضّض، أو اتخاذ اللجام منه، الا إذا لم يكن قادرا على نزعه.

و فيه مضافا الى ما ذكرناه في رواية فضيل من الاتفاق «2» على عدم الحرمة في مورد الرواية: أن في متن الرواية قرينة على الكراهة، إذا لو كان الركوب بالسرج أو اللجام المقضّض حراما لا يفرق في الحرمة بين إمكان النزع «3» و عدمه، فإنه إذا لم يتمكن من النزع فيتمكن من تبديل السرج، أو المركب، أو المشي راجلا فمجرد عدم القدرة على النزع لا يكون مجوزا للركوب إلا إذا اضطر الى الركوب على المركب الذي عليه سرج، أو لجام مفضّض خاصة، و هذا لم يفرض في الرواية، فنفس الرواية قاصرة عن الدلالة على الحرمة «4» و كيف كان فلو سلم دلالتها على المنع التزم به في موردها خاصة و هو السرج و اللجام.

3- (و منها) صحيحة ابن بزيع قال: سألت الرضا عليه السّلام عن آنية الذهب، و‌

______________________________
(1) الوسائل في الباب المتقدم ح 5 و 6.

(2) كما في الجواهر ج 6 ص 339.

(3) سواء أريد نزع الفضة من السرج أو اللجام أو نزع السرج أو اللجام من المركوب.

(4) لا يخفى: ان ظاهر الصحيحة هو الفرق بين المموّه (اى المطلي) و المفضّض، أى ان كان السرج أو اللجام مطليا بماء الفضة الغير المقدور على نزعه، لأنه ملطخ به فلا بأس، و إلا أي إذا لم يكن مموّها بان كان فيه نفس الفضة- كما هو مفروض السؤال- بحيث كان قادرا على نزعه من السرج أو اللجام فلا يركب به فتكون الرواية دالة على الفرق بين المموّه بماء الفضة، و المرصّع بقطع الفضة فيجوز الركوب في الأول دون الثاني، و شأن الأول أنه لا يمكن نزعه بخلاف الثاني، فإن عين الفضة قابلة للنزع، إلا أنه مع ذلك لم يعمل بها.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 252‌

..........

______________________________
الفضة فكرههما، فقلت قد روى بعض أصحابنا أنه كان لأبي الحسن مرآة ملبّسة من فضة؟ فقال: لا، و الحمد للّه «و في نسخة لا و اللّه» إنما كانت لها حلقة من فضّة، و هي عندي، ثم قال: إن العباس
«1» حين عذر «2» عمل له قضيب ملبس من فضّة من نحو ما يعمل للصبيان تكون فضّة نحوا من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن فكسر». «3»

و قد تقدم صدرها في تحريم أواني الذهب و الفضّة، و كأن السائل توهم وحدة الحكم في الأواني و غيرها كالمرآة، فأعاد السؤال على صورة النقض، و كيف كان فقد يستدل بها للمنع عن غير الأواني أيضا، لإنكار الإمام عليه السّلام وجود مرآة ملبسة من فضة لأبي الحسن عليه السّلام قائلا إنما كان لها حلقة من فضة، كيف و قد أمر عليه السّلام بكسر القضيب الملبس بالفضة، و هذا دليل على المنع.

و فيه: منع ظاهر، لأن غايته الدلالة على إنكار ما في الخارج من وجود مرآة مفضّض لأبي الحسن الكاظم عليه السّلام لا إنكار الجواز، بل هو إنكار لصحة رواية بعض الأصحاب، إذ لا يناسب مقام الإمام عليه السّلام لدلالة مثل ذلك على الإقبال على الدنيا، و من هنا أمر عليه السّلام بكسر القضيب المفضّض أيضا.

4- (و منها) ما روى عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انه قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي حلال لأناثهم «4» مشيرا إلى الذهب و الحرير.

______________________________
(1) هو من أولاد الإمام أبى الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام، و عن كتاب عيون أخبار الرضا عليه السّلام القدح فيه، لقلة معرفته بإمام زمانه الرضا عليه السّلام.

(2) العذر: بالعين المهملة، ثم الذال المعجمة بمعنى الاختتان، و عذر الغلام اختتانه- الحدائق ج 5 ص 505- و لسان العرب.

(3) الوسائل ج 3 ص 505 في الباب 65 من أبواب النجاسات ح 1 ط م قم.

(4) مروي في كتب العامة كسنن النسائي ج 2 ص 285 و سنن أبى داود ج 4 ص 50 و مسند أحمد- ج 1 ص 96 (ط 1) رووه عن أبى زرير الغافقي.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 253‌

..........

______________________________
(و فيه): منع ظاهر أما أولا فلأنه مروي عن غير طرقنا، و ثانيا:

اختصاصها بالذهب و الحرير، و بالرجال، دون النساء مع أن محل الكلام أعم، و ثالثا: ظهورها في اللبس خاصة بقرينة ذكر الحرير، فإنه لا يحرم على الرجال إلا لبسه، دون غيره من الاستعمالات.

5- و هناك بعض الروايات أيضا قد يتوهم دلالتها على المنع، و لكنها قاصرة الدلالة، أو لم يعمل بمضمونها. «1»

و قد يحكى «2» الاستدلال للمنع بوجوه استحسانية، ككون الذهب و الفضة في غير الأواني تضييع للمال، و صرف له في غير الأغراض الصحيحة، فيكون إسرافا، أو فيه كسر قلوب الفقراء، و إظهار الجبروت و الخيلاء.

و فيه: ما أورد «3» عليه من أن التلذذ في الملابس و المساكن و نحوها من أعظم الأغراض الصحيحة، هذا مضافا إلى انه قد يترتب عليه مقاصد عظيمة، كتعظيم شعائر الدين، و إرغام أنف أعدائه، و نحو ذلك، كما لعلّه كان هو الغرض مما ذكرناه في الأشياء المتعلقة بالنبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المذكورة في روايات الجواز من وجود الفضة في درعه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو سيفه و نحو ذلك، فلا إسراف و لا تضييع، و أما ما يقال من أن فيه كسر قلوب الفقراء و إظهار العظمة و الخيلاء فممنوع أيضا و من هنا لم يلتزموا بحرمة استعمال الجواهر الثمينة، كالألماس، و الياقوت، و نحوهما، و الأعمال يتبع الأغراض.

و بالجملة الأدلة الاستحسانية، كالوجوه المذكورة، لا نعتمد عليها، فالأقوى الجواز كما ادعى عليه الإجماع.

______________________________
(1) لاحظ الجواهر ج 6 ص 339 كرواية عمرو بن ابى مقدام (الوسائل ج 3 ص 510 ب 66 من النجاسات ح 6) و رواية بريد (الوسائل في الباب المذكور ح 2)

(2) الجواهر ج 6 ص 339.

(3) الجواهر ج 6 ص 339.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 254‌

[ (مسألة 10): الظاهر أن المراد من الأواني ما يكون من قبيل الكأس، و الكوز]

(مسألة 10): الظاهر أن المراد من الأواني (1) ما يكون من قبيل الكأس، و الكوز، و الصيني، و القدر، و السماور، و الفنجان، و ما يطبخ فيه القهوة و أمثال ذلك مثل كوز القليان «1» بل و المصفاة، و المشقاب، و النعلبكى

______________________________
(1)
تعريف الآنية من المفاهيم الجملة المردّدة بين الأقل و الأكثر الموجب للشك في الصدق إنما هو مفهوم «الإناء» و لذا نرى المصنف قدّس سرّه و غيره «2» يترددون في تعريفه، و اكتفى في المتن بذكر المثال من دون تعريف للإناء، فجعل ما كان من قبيل الكأس و الكوز و الصيني و القدر و نحو ذلك كالنعلبكى مصداقا قطعا للإناء، و تردد في قسم من الظروف، كرأس القليان، و رأس الشطب، و نحو ذلك مما ذكره من الأمثلة، و قال صدق الإناء على مثل ذلك غير معلوم، و إن كانت ظروفا، و جعل قسما منها خارجا عن مفهوم الإناء قطعا، كبيت التعويذ إلى ان قال و مع الشك يرجع الى البراءة أى عن حرمة الاستعمال.

أقول: الصحيح هو ما ذكره، لأن الرجوع إلى أقوال اللغويين في معرفة مفاهيم الألفاظ لا يجدى التحديد القطعي، لأنهم لا يعرفون إلا موارد الاستعمال و لا يذكرون في كتبهم إلا جملة منها، لا أكثر، و يعسر غالبا استنباط مفهوم محدّد للفظ من الألفاظ، فليس المرجع في مثل ذلك إلا العرف- كما صرّح به غير واحد- و قد يشك في الصدق العرفي أيضا.

و كيف كان فقد يعرّف الإناء- كما عن المصباح- بأنه «كالوعاء و الأوعية‌

______________________________
(1) في تعليقته (دام ظله) «في كونه من الإناء إشكال» وجه الإشكال هو ما أفاده (دام ظله) في الشرح من كون الإناء عبارة عما يعد للأكل و الشرب فيه أو منه، و كوز القليان ليس كذلك.

(2) كصاحب الجواهر في ج 6 ص 334- 336، و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 65.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 255‌

..........

______________________________
وزنا و معنى» و من الظاهر أنه تفسير بالأعم، لإطلاق الوعاء على مثل الصندوق، و نحو ذلك، و لا يطلق عليه الإناء، فان الإناء وعاء خاص، لا مطلقه، بل هو تفسير بالمبائن، لأن أطلق الوعاء على الإناء إنما هو بلحاظ ما يوضع فيه، فيقال- مثلا- وعاء الماء، وعاء السمن و نحو ذلك، كما يقال موضع السمن و مقرّه، و مكانه، و لا يطلق عليه الوعاء إذا لوحظ الظرف في حد ذاته شيئا مستقلا، بخلاف الإناء فإنه يطلق عليه بلحاظ نفسه.

فلا بد في المقام من الأخذ بالقدر المتيقن، و ما علم صدق الإناء عليه، و في الزائد يرجع إلى أصالة البراءة عن حرمة استعماله، لأن الشبهة تحريميّة، و بعد الفحص يكون المرجع البراءة.

و الظاهر: أن المراد من الإناء عرفا إنما هو الظروف المعدة للأكل و الشرب فيها أو منها بلا واسطة أو معها، كالقدر و الكأس و الصيني و المشقاب و نحو ذلك، بل الحب، فإنه يستعمل فيما يشرب من الماء أو غيره، و لو مع الواسطة، كما يستعمل القدر في الأكل بواسطة الكأس، و المشقاب بواسطة الملعقة، و الصيني بواسطة وضع آنية أخرى فيها، و ان كان هناك ما يستعمل بلا واسطة أيضا، كالكأس يشرب منه الماء بلا واسطة، بل يصدق الإناء على مثل السماور و المصفاة و القاشق و نحو ذلك، نعم نمنع عن صدقه على كوز القليان و رأسه و المجمّرة و رأس الشطب، و غلاف السيف، و السكين و نحو ذلك مما لا يعدّ للأكل و الشرب فيها أو منها، و لو مع الواسطة، و هكذا نمنع عن صدقه على وعاء الحرز، و التعويذات، و الرقى، فإنها لا تعدّ آنية في العرف، كما يؤيده.

صحيحة منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال سألته عن التعويذ يعلق على الحائض؟ فقال: نعم، إذا كان في جلد، أو فضة، أو قصبة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 256‌

..........

______________________________
حديد.
«1»

فإنه لو كان وعاء الفضّة إناء لم يجز استعماله، و لو بوضع التعويذ فيه، و حملها على عدم صدق الإناء على الوعاء المذكور أولى من الحمل على الخروج الحكمي، مع الصدق الموضوعي، كما لا يخفى.

و لا يبعد أن يقال باختصاص المنع بآنية الشرب فقط، دون الأكل و ذلك ل‍ صحيحة على بن جعفر المتقدمة عن أخيه عليه السّلام قال: «سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضّة؟ قال: نعم، إنما يكره استعمال ما يشرب به». «2»

فإنها تدل على حصر المكروه فيما يشرب به، و قد سبق أن المراد من الكراهة هو الحرمة، فتختص الحرمة بمثل الكأس، بل القدر و الحب، لصدق الشرب منها، و لو مع الواسطة، بخلاف مثل الصيني و المشقاب، و نحوهما، إلا أن الأحوط هو المنع مطلقا، كما هو المشهور، بل المدعى عليه الإجماع، كما تقدم.

______________________________
(1) الوسائل ج 3 ص 511 في الباب 67 من أبواب النجاسات ح 2 ط م قم.

(2) الوسائل ج 3 ص 511 في الباب 67 من أبواب النجاسات ح 5 و 6 ط م قم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 257‌

دون مطلق ما يكون ظرفا، فشمولها لمثل رأس القليان، و رأس الشطب، و قراب السيف، و الخنجر، و السكين، و قاب الساعة، و ظرف الغالية و الكحل، و العنبر و المعجون، و الترياك، و نحو ذلك غير معلوم، و ان كان ظروفا، إذا الموجود في الأخبار «1» لفظ الآنية، و كونها مرادفا للظرف «2» غير معلوم، بل معلوم العدم، و ان كان الأحوط في جملة من المذكورات الاجتناب نعم لا بأس بما يصنع بيتا للتعويذ إذا كان من الفضة (1) بل الذهب أيضا، و بالجملة فالمناط صدق الآنية، و مع الشك فيه محكوم بالبراءة (2)

______________________________
(1) كما تقدم النص على جوازه و هو صحيح منصور ابن حازم المتقدمة
«3» و أشكل في الجواهر «4» في التعدي إلى الذهب.

(2) لأنها من الشبهة الحكمية التحريمية الناشئة من الشبهة المفهومية في سعة مفهوم الإناء و ضيقه فيرجع الى البراءة بعد الفحص، و يرجع المقلد الى مجتهده في مثل ذلك دون الشبهات الموضوعية.

______________________________
(1) تقدمت جملة منها في ص 220- 223.

(2) فلا يصح تعريفها بالظرف و لا بالوعاء كما تقدم، لأنهما أعم من الإناء.

(3) ص 255.

(4) ج 6 ص 335.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 258‌

[ (مسألة 11): لا فرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب، و الفضة]

(مسألة 11): لا فرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب، و الفضة بين مباشرتهما لفمه، أو أخذ اللقمة منهما، و وضعها في الفم، بل و كذا إذا وضع ظرف الطعام في الصيني، من أحدهما و كذا إذا وضع الفنجان في النعلبكى من أحدهما، و كذا لو فرّغ ما في الإناء من أحدهما في ظرف آخر لأجل الأكل و الشرب، لا لأجل نفس التفريغ، فان الظاهر حرمة الأكل و الشرب، لأن هذا يعدّ أيضا استعمالا لهما فيهما، بل لا يبعد حرمة شرب الچاى في مورد يكون (السماور) من أحدهما، و ان كان جميع الأدوات ما عداه من غيرهما، و الحاصل أن في المذكورات كما أن الاستعمال حرام كذلك الأكل و الشرب أيضا حرام (1)

______________________________
(1)
الأكل و الشرب بلا واسطة أو معها الغرض من بيان الأقسام المذكورة في المتن هو أنه لا فرق في حرمة استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب بين أن يكونا بلا واسطة أو معها، و ذلك لإطلاق النص و شموله لجميع الأقسام المذكورة في المتن، نعم مجرد الاستعمال من دون أكل و شرب لا يحرم على المختار، و ان كان محرّما على مبناه قدّس سرّه و لكن الأكل و الشرب منها حرام مطلقا، فإن الأكل من القدر إنما هو الأكل منه بواسطة إناء آخر، كالملعقة و المشقاب و الكأس و نحو ذلك، و هكذا المشقاب، فإن المتعارف فيه هو الأكل منه باليد، أو الملعقة، و الحاصل: أن صدق الأكل و الشرب من كل إناء إنما هو بحسبه، و المتعارف فيه، و لا يعتبر في صدقهما المباشرة بالفم، فإنه لو تم دعوى الانصراف، و لم يتم، فإنما هو في الماء يشرب بالفم، و أما الأكل فلا، لأن الغالب المتعارف فيه هو الأكل من الإناء، لا أقل من توسيط اليد، إذ ليس شأن الإنسان كالحيوان حيث يأكل العلوفة بفمه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 259‌

نعم المأكول و المشروب لا يصير حراما «1» (1)

______________________________
و لو نوقش في إطلاق ما دل على حرمة الأكل و الشرب من أواني الذهب و الفضة فيكفينا ما دل من روايات المقام على الكراهة، أو النهي عن نفس أواني الذهب و الفضة فإن حذف المتعلق فيها و ان كان منصرفا إلى حرمة الأكل و الشرب على المختار، دون مطلق الاستعمال، كما ذهب المصنف قدّس سرّه و غيره، إلا أنه مع ذلك لا بد من الالتزام بالإطلاق بالنسبة إلى نفس الأكل و الشرب بلا واسطة أو معها، تبعا للصدق العرفي، و هذا ظاهر.

(1) هل تسرى الحرمة إلى المأكول و المشروب وقع الكلام «2» بينهم في اختصاص الحرمة بالأكل و الشرب من الآنيتين، أى نفس الفعلين، دون المأكول و المشروب، المشهور هو الأول، و عن المفيد حرمة المأكول و المشروب أيضا، و ربما يظهر من الحدائق «3» الميل الى ذلك تبعا للمفيد قدّس سرّه القائل بالحرمة حيث حاول توجيه كلامه، و يرتب على ذلك أنه لو أفطر في نهار رمضان كان من الإفطار على الحرام، و تجب عليه كفارة الجمع أقول: لا وقع لهذا النزاع أصلا لعدم معقولية حرمة ذوات الأشياء، و إنما الحرام هو الفعل المتعلق بها في جميع الموارد التي تنسب الحرمة إلى الذات- كما هو ظاهر- فيقدر العمل المناسب للشي‌ء.

فإذا قيل تحرم الميتة يراد أكلها، و يحرم الخمر، أى شربه، و تحرم الأم أي‌

______________________________
(1) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف قدّس سرّه «و المشروب لا يصير حراما»: «لا وقع لهذا الكلام إذ لا معنى لحرمة المأكول و المشروب إلا حرمة أكله و شربه، نعم الأكل من الآنية المغصوبة لا يكون من الإفطار على الحرام، و الفرق بين الموردين ظاهر».

(2) الحدائق ج 5 ص 507 و الجواهر ج 6 ص 331- 332 و مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 649.

(3) ج 5 ص 508.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 260‌

..........

______________________________
نكاحها، و نحو ذلك، نعم غاية ما هناك انه قد تكون الحرمة ذاتية كما في حرمة أكل الميتة و أخرى عرضيّة، أى بالعنوان الثانوي كحرمة الغصب، و المضر و الموطوء و نحو ذلك.

ففي المقام يكون المحرم انما هو أكل ما في آنية الذهب أو الفضة، أو شربه، لصراحة جمله من النصوص بذلك، كما تقدم، فإنها نهت عن الأكل و الشرب منها أو فيها، و أما الكارهة أو الناهية عن تلك الأواني، فإن النهي فيها و ان تعلق بالذات الا أنه لا بد من تقدير الفعل هذا ما يرجع الى تحقيق المحرم فيما نحن فيه.

و أما مسألة الإفطار بالحرام و عدمه لو أكل أو شرب من هذه الأواني فترجع الى ما ذكر في تلك المسألة في كتاب الصوم من أنه هل تختص الأدلة بالحرمة الذاتية، كحرمة أكل الميتة و النجس، و لحم الخنزير، و الزنا و نحو ذلك من المفطرات، أو يعم الحرام العرضي بالعنوان الثانوي، كأكل المغصوب، أو وطي الحائض، و نحو ذلك من المفطرات إذا كانت محرمة بالعرض، و الأظهر هو التعميم، لإطلاق النصوص الدالة على لزوم كفارة الجمع لو أفطر بالحرام، كما ذكرنا هناك، و مقامنا من هذا القبيل، أي الحرمة العرضيّة، لما عرفت من أن المحرم إنما هو الأكل و الشرب مما في الآنية، فيحرم بالعنوان الثانوي، و يكون من الإفطار على الحرام، و لا يقاس ذلك بالأكل أو الشرب من الآنية المغصوبة إذا كان المأكول أو المشروب مباحا في نفسه، كما إذا كان ملكا له، لأن المحرّم فيه إنما هو استعمال الإناء المغصوب، لا المأكول أو المشروب، بخلاف المقام فان المحرم هو نفس الأكل و الشرب إذا كان من آنية الذهب، أو الفضة فظهر بما ذكرنا وجه الفرق بين الأكل و الشرب من، أو في آنية الذهب، و الفضة، و بين الأكل من الإناء المغصوب، فان المحرم في‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 261‌

فلو كان في نهار رمضان لا يصدق أنه أفطر على حرام (1) و ان صدق ان فعل الإفطار حرام و كذلك في الأكل و الشرب من الظرف الغصبي (2)

______________________________
الأول نفس الأكل و الشرب، بمعنى المضغ و الازدراد، بخلاف الثاني، فإنه لا يحرم نفس الأكل و الشرب، بل المحرم انما هو التناول و الأخذ من الآنية، أي التصرف فيها، و أما الأكل و الشرب بعد الأخذ من الآنية المغصوبة لا حرمة فيهما، فإن المقدمة تكون محرمة لا ذيها، فلا يصح ما في المتن من القياس على الأكل و الشرب من الظروف الغصبي، كما أشرنا في التعليقة.
«1»

نعم يصح قياسه على أكل المغصوب لانه محرم بالعنوان الثانوي كالأكل من إناء الذهب و الفضة.

(1) بل يصدق، لأنه أعم من الحرام الذاتي، كأكل الميتة، و العرضي كأكل المغصوب، و الأكل من آنية الذهب و الفضة- كما حرّر في كتاب الصوم.

(2) لا إشكال في صدق الإفطار على الحرام على الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة، لحرمته بالعنوان الثانوي، و قد أشرنا آنفا إلى ان الإفطار على الحرام يعم الحرام الذاتي و العرضي و أما الأكل من الإناء المغصوب فلا يكون من الإفطار على الحرام، لعدم حرمة نفس الأكل و الشرب بمعناه المذكور، أى المضغ و الازدراد، نعم المحرم فيه انما هو مقدمته أي الأخذ من الإناء، و التناول منه، لأنه تصرف في الغصب، فيكون الحرام مقدمة للأكل لا نفسه، فظهر الفرق بين الموردين كما أشرنا في التعليقة «2» نعم أكل المغصوب يكون كالأكل من آنية الذهب و الفضة لحرمته بالعنوان‌

______________________________
(1) تقدمت ص 259.

(2) تقدمت ص 259.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 262‌

[ (مسألة 12): حكم الشرب من القوري الذهبي]

(مسألة 12): ذكر بعض العلماء أنه إذا أمر شخص خادمه فصبّ الچاى من (القوري) من الذهب أو الفضة في (الفنجان الفرفورى) و أعطاه شخصا آخر، فشرب، فكما أن الخادم و الآمر عاصيان، كذلك الشارب لا يبعد «1» أن يكون عاصيا، و يعدّ هذا منه استعمالا لهما (1)

______________________________
الثانوي- كما ذكرنا.

(1) هذا مبنى على حرمة مطلق استعمال أواني الذهب و الفضة و لو في غير الأكل و الشرب، فعليه يحرم أما فعل الخادم فلأنه قد استعمل القوري من الذهب أو الفضة بصب الشاى منه في الفنجان و ان لم يشرب، و أما الآمر فقد فعل الحرام أيضا لتسبيبه إليه بالأمر بالصب.

و أما الشارب فقد يتوهم انه قد استعمل القوري الذهبي أيضا، لأنه شرب من الفنجان الفرفورى بعد صب الخادم الشاى فيه من القوري.

و يندفع بان الشارب في الفرض لا يعدّ مستعملا عرفا، فان الروايات الناهية بين ما تدل على حرمة الأكل و الشرب منهما، و ما تدل على النهى عنهما، أو كراهتهما كما تقدم و لا يشمل شي‌ء منهما لشرب الشارب الشاى في المقام، لعدم الصدق بعد صبّ الخادم الشاى في الفنجان، فان الشارب لا يكون مستعملا للقورى الذهبي و لو مع الواسطة، و انما استعمله الخادم فقط بالصبّ، و ان لم يشرب، فما ذكره في المتن من عدم الاستبعاد في صدق الاستعمال على شرب الشارب بعيد جدا، كما أشرنا في التعليقة.

______________________________
(1) جاء في تعليقة (دام ظله) على قول المصنف قدّس سرّه «لا يبعد»: (بل هو بعيد).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 263‌

[ (مسألة 13): إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما]

(مسألة 13): إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرّغه في ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به (1) و لا يحرم الشرب أو الأكل بعد هذا

______________________________
(1)
إفراغ الإناء بقصد التخلص إنما يتم ذلك فيما إذا لم يصدق عليه استعمال الآنية في الأكل و الشرب، و إلا فلا أثر للقصد في صدق الاستعمال و عدمه، لأن العبرة في ذلك بالصدق العرفي، دون القصد الشخصي.

و الوجه في ذلك هو اختلاف الأواني في كيفية الاستعمال حسب المتعارف عند الناس، فان بعضها يستعمل في الأكل أو الشرب بلا واسطة، كالكأس يشرب منه الماء بالفم، و بعضها لا يستعمل إلا مع الواسطة، كالقدر يطبخ فيه الطعام، ثم يؤكل منه بعد الصب في المشقاب أو الصيني، أو الكأس، و نحو ذلك، فيؤكل، إذ لم يتعارف الأكل من القدر مباشرة، و مثله السماور، فإنه لا يشرب منه الا بواسطة الفنجان و القوري، و بعضها يستعمل على كلا النحوين، كالمشقاب قد يؤكل منه بواسطة القاشوقة، و قد يؤكل منه باليد ان لم تعدّ من الواسطة، و لا أثر في شي‌ء من ذلك لقصد الإفراغ و التخلص من الحرام، فلو قصد تفريغ المشقاب أو الكأس من الطعام بالأكل باليد منهما أو بالقاشوقة و القدر من المأكول و المشروب بواسطة المشقاب أو الكأس و الصيني لا ترتفع الحرمة في شي‌ء من ذلك، لو قصد الإفراغ و التخلص، إذا أكل الطعام و شرب الشراب منها بما هو المتعارف فيها من الوسائط كالمشقاب في القدر و القاشوقة في إفراغ المشقاب.

نعم قد يكون الإفراغ إعراضا عن الإناء الأول عرفا، لا استعمالا له، كما إذا أفرغ الطعام من قدر الى قدر، أو من مشقاب الى مشقاب آخر فيما إذا لم‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 264‌

[ (مسألة 14): إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين]

(مسألة 14): إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين، فإن أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب، و الا سقط وجوب الوضوء أو الغسل و وجب التيمم (1)

______________________________
يتعارف فيه ذلك، فإنه لا يصدق على الإناء الأول انه استعمله في الأكل، بل أعرض عنه، و أفرغ الطعام منه إلى آخر، و هذا ليس بحرام، و ان كان المفرّغ ذهبا أو فضة، و لا يدور ذلك مدار القصد أيضا، فلو قصد العكس أى الاستعمال لا يحرم أيضا، لأن العبرة بصدق استعمال الإناء في الأكل و الشرب، و لا يصدق فيما فرضنا و إن قصد، و لعلّ هذا هو مراد المصنف قدّس سرّه من نفى الحرمة، إذا قصد التخلص من الحرام، اى فيما إذا لم يصدق الاستعمال.

(1) الوضوء أو الغسل من آنية الذهب أو الفضة تقدم الكلام في مثلها في الوضوء أو الغسل من الإناء المغصوب، و أما الآنيتان، فان قلنا بانحصار الحرمة في الأكل و الشرب منهما فقط- كما هو الأظهر عندنا- فلا مجال لطرح هذه المسألة، لعدم المنع عن استعمالهما في الوضوء و الغسل، و أما بناء على ما ذهب اليه المصنف قدّس سرّه و غيره «1» من حرمة مطلق استعمالهما، و لو في غير الأكل و الشرب فيقع الكلام فيها في صورتين:

الصورة الأولى في انحصار الماء (الأولى) صورة انحصار الماء و الإناء فيهما بحيث ليس هناك ماء آخر، و لا إناء آخر، و لو كان لم يتمكن من إفراغ الماء فيه على نحو لا يعد استعمالا لآنيتهما.

لا إشكال في أن فرضه في هذه الصورة هو التيمم- كما سبق في الآنية‌

______________________________
(1) في الحدائق ج 5 ص 508 طرحت هذه المسألة.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 265‌

..........

______________________________
المغصوبة- لتوقف الوضوء حينئذ على الحرام، فيقع الكلام في تصحيح الوضوء لو عصى و تخلف.

فنقول لو كان الوضوء على نحو الارتماس في الإناء أو صبه على الوجه و اليدين بطل، لصدق استعمال الآنية حينئذ على نفس الوضوء، فيكون محرّما، و لا يمكن التقرب بالحرام، و يكون من مصاديق اجتماع الأمر و النهى، و تقديم جانب الحرمة.

و أما إذا كان بنحو الاغتراف ثم التوضؤ بالماء المغترف فالأقوى الصحة، لتعلق الأمر الترتبي به، لأن الوضوء حينئذ لا يكون مصداقا للحرام، و ان توقف عليه، لأن الوضوء عبارة عن غسل الوجه و اليدين و لا يصدق عليه استعمال الإناء و إن توقف على الاغتراف منه، فاستعمال الآنية يكون مقدمة للوضوء، فلو عصى و اغترف كان واجدا للماء تكوينا فيكون مأمورا بالوضوء حينئذ، و أما ما عن شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من منع الأمر الترتبي فيما يعتبر فيه القدرة الشرعيّة، كالوضوء و الغسل، فقد تقدم الجواب عنه في البحث عن الوضوء من الإناء المغصوب بأنه لا مانع من الالتزام به حتى فيما اعتبرت فيه القدرة الشرعيّة، لتحقق موضوع الأمر بعصيان المترتب عليه، و لو تدريجا، لكفاية ذلك في صحة الأمر الترتبي من دون حاجة إلى كشف الملاك قبل الأمر إذ لا كاشف عنه إلا الأمر، من دون فرق بين المشروط بالقدرة العقلية، و الشرعيّة، إلا أخذ اعتبار القدرة في لسان الدليل في الثاني دون الأول، و النهى عن المقدمة- أي استعمال الآنية الذهبيّة- و ان كان رافعا للقدرة و تعجيزا مولويّا، إلا أنه بعد عصيانه و ارتكاب المحرم يتحقق موضوع الأمر بالوضوء قهرا، لأنه واجد للماء حقيقة و لو تدريجا بالاغتراف التدريجي، لأن المفروض استمراره في العصيان بأخذ الماء غرفة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 266‌

و إن توضأ أو اغتسل منهما بطل (1) سواء أخذ الماء منهما بيده، أو صب على محل الوضوء، أو ارتمس فيهما

______________________________
بعد غرفة، و تكفي القدرة التدريجية في الأمر بالمركبات التدريجية كما تقدم، و لا حاجة الى كشف الملاك قبل الأمر الترتبي، كما أفاد قدّس سرّه بل الأمر الترتبي هو الكاشف عنه، و تحققه بتحقق موضوعه هو مقتضى القاعدة من دون حاجة إلى دليل خاص،- كما تقرر في بحث الأصول.

(1) هذا مبنى على حرمة مطلق استعمال آنية الذهب و الفضة، ثم دعوى صدق الاستعمال على التوضؤ و الاغتسال في الصورة الثلاث فيكونان مصداقا للحرام فلا يمكن التقرب بهما حينئذ و فيه: أنه إنما يتم ذلك في صورتي الارتماس و الصب على الأعضاء بهما و أما في صورة الاغتراف من الإناء فالأقوى الصحة «1» لعدم اتحاد الوضوء مع استعمال الإناء فيها، لأن الاغتراف و أخذ الماء من الإناء ليس جزء من الطهارة، و لا يحصل الشروع فيها إلا بعده، لأن الوضوء عبارة عن غسل الوجه و اليدين بعد أخذ الماء من الإناء، نعم يتوقف عليه توقف الواجب على مقدمة محرّمة، و قد عرفت صحته بالأمر الترتبي لو عصى و ارتكب الحرام بالاغتراف فإنه واجد للماء حينئذ تكوينا فيؤمر بالوضوء أو الغسل، لتحقق موضوعهما و ان عوقب على ارتكاب الحرام.

______________________________
(1) كما أشار (دام ظله) في التعليقة على ما يأتي في الصورة الثانية.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 267‌

و إن كان له ماء آخر، أو أمكن التفريغ في ظرف آخر- و مع ذلك توضأ أو اغتسل منهما- فالأقوى أيضا البطلان (1) «1» لأنه و ان لم يكن مأمورا بالتيمم الا ان الوضوء و الغسل حينئذ يعد استعمالا لهما عرفا فيكون منهيا عنه «2»

______________________________
(1)
الصورة الثانية عدم انحصار الماء الصورة الثانية هي فرض عدم انحصار الماء في الآنيتين، بأن كان له ماء آخر، في إناء آخر، أو أمكن التفريغ في إناء آخر على نحو لا يعدّ استعمالا لهما عرفا فهل يصح وضوءه أو غسله من الماء الموجود فيهما أو لا؟ لا إشكال في أن فرضه حينئذ هو الوضوء أو الغسل، لأنه واجد للماء حقيقة، إلا أنه لو تخلف، و توضأ أو اغتسل من نفس الماء الموجود في الآنيتين بسوء اختياره فلا إشكال في بطلانهما في صورتي الارتماس و الصب على المحل، لاتحادهما مع الحرام حينئذ، لتحققهما بنفس الاستعمال كما تقدم.

و أما لو كان على نحو الاغتراف فالأقوى الصحة من دون حاجة الى الأمر الترتبي- كما في الصورة الأولى- لأنه واجد للماء حقيقة من دون توقف على حرام، إلا انه بسوء اختياره قد اختار المقدمة المحرمة، كما إذا توسط أرضا مغصوبة للوصول الى ماء مباح مع وجود طريق آخر مباح للوصول اليه، و مما ذكرنا يظهر عدم صحة ما في المتن من تعليله البطلان في هذه الصورة بصدق استعمالهما على الوضوء و الغسل، فيكونان منهيا عنهما، وجه الفساد هو عدم الصدق في صورة الاغتراف، بل هو مقدمة لهما اختاره‌

______________________________
(1) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف قدّس سرّه «فالأقوى أيضا البطلان»: «بل الأقوى الصحة في غير صورة الارتماس و لا يبعد الحكم بالصحة مع الانحصار أيضا».

(2) على الأحوط كما في تعليقته (دام ظله)

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 268‌

بل الأمر كذلك «1» لو جعلهما محلّا لغسالة الوضوء لما ذكر من أن توضؤه حينئذ يحسب في العرف استعمالا لهما (1)

______________________________
عصيانا مع تمكنه من اختيار المباح بسهولة على الفرض، لأن التوضؤ أو الاغتسال بعد الاغتراف فعل آخر زائدا على المقدمة كما إذا أخذ الماء من الآنية و رشه على الأرض، أو شربه، أو نحو ذلك، فالأقوى أيضا الصحة إلا أنه في صورة الانحصار بالأمر الترتبي، و في صورة عدمها بالأمر الأوّل، و لعلّ هذا هو السر في ذهاب، المشهور إلى القول بالصحة في صورة عدم الانحصار.

(1) جعل الإناء محلا لغسالة الوضوء يفرض الكلام تارة فيما إذا كان جمع الغسالة في الإناء مقصودا للمتوضئ، و أخرى في فرض عدم القصد، و انما صار الإناء مجمعا للغسالة من باب الاتفاق، فهنا صورتان أشار إليهما في المتن.

أما الصورة الأولى فلا إشكال في حرمة الصب حينئذ، لأنه ادخار للماء، و هو نحو استعمال للإناء، لأنه عبارة عن إعمال الشي‌ء فيما عدّله، و ادخار الماء في الإناء استعمال، فيحرم بناء على حرمة مطلق استعمال الآنيتين- كما هو مختار المصنف قدّس سرّه.

و أما الوضوء أو الغسل فهل يبطلان حينئذ أم لا؟ الأقوى هو الصحة كما أشرنا في التعليقة لعدم المقتضى للبطلان.

و دعوى صدق الاستعمال على نفس التوضؤ حينئذ عرفا- كما في المتن- فيبطل لحرمته في غاية الضعف، لعدم كون التوضؤ- بنفسه- استعمالا‌

______________________________
(1) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف قدّس سرّه «بل الأمر كذلك»: (استعمالهما في ذلك و ان فرض انه كان حراما إلا أن الأظهر عدم بطلان الوضوء به).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 269‌

..........

______________________________
للإناء، لأن الوضوء عبارة عن غسل الوجه و اليدين، و هو مغاير وجودا مع جمع الغسالة في الإناء، كما هو ظاهر، و حسبان العرف لا قيمة له في مثل ذلك.

و ربما يقال «1» في تقرير البطلان- بعد تسليم عدم الاتحاد مصداقا- بأنه علة للحرام، إذا الوضوء حينئذ سبب للصب في الإناء الذي هو استعمال محرم- على الفرض- و علة الحرام حرام، فيحرم الوضوء و يفسد.

و فيه: منع ذلك صغرى و كبرى أما الصغرى فبوجهين.

(الأول) ان الوضوء لا يكون مقدمة للصب فضلا عن العلية، و ذلك لعدم الملازمة بينهما، إذا الواجب في الوضوء إنما هو إمرار الماء على الأعضاء، لا أكثر (أي غسلها) و من الواضح أن هذا المقدار لا يستلزم أن يكون له غسالة تنفصل عنها فتصب في الإناء، نعم قد تكون هناك قطرات يسيرة ربما تنفصل عن الأعضاء بنحو الترشح التي لا شك في عدم كونها مصداقا للاستعمال و على الجملة: ما هو مأمور به في الوضوء أو الغسل انما هو مجرد غسل الأعضاء، و هذا قد يقترن مع انفصال الغسالة و اجتماعها في الإناء فيما إذا كثر الصب و أصبغ الوضوء، و قد لا يقترن كما إذا اكتفى بمجرد غسل الأعضاء من دون انفصال الغسالة، و النتيجة: أن الصب في الإناء و اجتماع الغسالة فيه يكون معلولا لكثرة صب الماء على الأعضاء الذي هو أجنبي عن حقيقة الوضوء أو الغسل- كما عرفت- و لا مساس له بالوضوء أو الغسل في نفسهما.

(الثاني): أنه لو سلّم الاستلزام فهو جزء العلة لا تمامها، فان اجتماع الغسالة في الإناء يكون معلولا لأمرين (أحدهما) وضع الإناء في‌

______________________________
(1) المستمسك ج 2 ص 181 و في بعض تعاليق الكتاب الميل الى ذلك.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 270‌

نعم لو لم يقصد جعلهما مصبا للغسالة لكن استلزم توضؤه ذلك أمكن أن يقال إنه لا يعدّ الوضوء استعمالا لهما، بل لا يبعد أن يقال: ان هذا الصب أيضا لا يعد استعمالا فضلا عن الوضوء كذلك (1)

______________________________
المحل الخاص (الثاني) صب الغسالة فيه، و كلاهما فعلان اختياريان للمكلف، فالتوضؤ يكون إحدى المقدمتين للتوصل الى الحرام، و لا دليل على حرمة مقدمة الحرام و لو على القول بوجوب مقدمة الواجب- كما قررنا في محله.

و أما منع الكبرى فلما ذكرناه في ذاك البحث من عدم الدليل على حرمة العلة التامة، و إن كان المعلول حراما، لتغاير وجودهما خارجا، و لا دليل على السراية، و ما اشتهر من أن علّة الحرام حرام لا يمكن المساعدة عليه، و تمام الكلام في بحث مقدمة الواجب.

فتحصل: انه لا موجب للقول ببطلان الوضوء أو الغسل، و إن قصد جمع الغسالة في الآنيتن فالأظهر الصحة، لمنع العينيّة و العلّية هذا في الصورة الأولى، و يأتي الكلام في الصورة الثانية.

(1) أما الصورة الثانية- و هي اجتماع الغسالة في الآنيتين من دون قصد- فلم يستبعد المصنف قدّس سرّه عدم صدق الاستعمال على الصب حينئذ فضلا عن الوضوء المستلزم لذلك و تكون النتيجة صحة الوضوء و الصحيح هو ما ذكره قدّس سرّه لوضوح عدم صدق الاستعمال على الصب من غير قصد، لما عرفت من تقومه بالقصد، فإنه عبارة عن إعمال الشي‌ء فيما أعد له، و لا شك في أن هذا غير صادق في فرض الخلو عن القصد، فلا يقال انه ادخر الماء في الإناء، أو استعمله فيما إذا اجتمع الماء فيه أحيانا، و من دون قصد، و إرادة من المتوضئ، و إن كان من لوازم فعله الاختياري.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 271‌

..........

______________________________
و دعوى
«1» ان جمع الماء في الإناء أوضح في صدق الاستعمال عليه من الوضوء من مائه الذي تقدم من المصنف قدّس سرّه انه استعمال للإناء، و إذا صدق على صب الماء في الإناء إنه استعمال له، فإذا كان الوضوء علة له كان حراما، لأن علة الحرام حرام.

غير مسموعة في صورة عدم القصد جزما، كما في هذه الصورة، و إن صحت في الصورة الأولى، و لا يقاس المقام بالصب في الإناء المغصوب المحرم قطعا، حتى فيما إذا لم يكن من قصده جمع الماء فيه، للفرق الواضح بين الموردين، فان المحرم في الغصب عنوان التصرف في مال الغير بدون إذنه و لا ريب في صدقه حتى مع عدم القصد بخلاف الاستعمال، فإنه لا يتحقق من دون قصد- كما عرفت.

و أما حديث العلية فقد عرفت الجواب عنه في الصورة الأولى فالأقوى هو ما أفاده في المتن من نفى صدق الاستعمال على الصب في صورة عدم القصد فضلا عن عدم صدقه على الوضوء المستلزم لذلك.

______________________________
(1) كما في المستمسك ج 2 ص 181.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 272‌

[ (مسألة 15): لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيّد منها و الردىّ و المعدنى و المصنوعى]

(مسألة 15): لا فرق في الذهب و الفضة (1) بين الجيّد منها و الردىّ و المعدنى و المصنوعى، و المغشوش و الخالص إذا لم يكن الغش إلى حد يخرجهما عن صدق الإسلام، و ان لم يصدق الخلوص، و ما ذكره بعض العلماء من أنه يعتبر الخلوص، و ان المغشوش ليس محرّما، و ان لم يناف صدق الاسم،- كما في الحرير المحرم على الرجال حيث يتوقف على كونه خالصا- لا وجه له، و الفرق بين الحرير و المقام أن الحرمة هناك معلّقة في الأخبار (2) على الحرير المحض، بخلاف المقام، فإنها معلقة على صدق الاسم

[ (مسألة 16): إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضّة مع الجهل بالحكم]

(مسألة 16): إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضّة مع الجهل بالحكم، أو الموضوع صح (3) «1» عدم الفرق بين أقسام الذهب و الفضة

______________________________
(1) لإطلاق الأدلة، لأن العبرة بصدق الاسم، و هو صادق على الأقسام المذكورة في المتن حتى المغشوش إذا لم يكن الغش بمقدار يمنع عن صدق الاسم، بل هو المتعارف في صياغة الحلّي و الأواني و النقود.

(2) لا يقاس الذهب و الفضة في المنع عن استعمال أوانيهما بالحرير، لتعلق الحرمة في المقام على العنوان، و هناك على الخلوص، كما في الأخبار. «2»

(3) حكم وضوء الجاهل بالحكم أو الموضوع توضيح المقال: إن التوضؤ أو الاغتسال- عند الجهل- قد يفرض على نحو الارتماس في الإناء- بحيث يتحد الوضوء و الغسل مع استعمال‌

______________________________
(1) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف قدّس سرّه «صح»: (إذا فرض بطلان الوضوء أو الغسل مع العلم فالحكم بالصحة في فرض الجهل انما هو مع كونه عذرا شرعيّا).

(2) الوسائل ج 4 ص 373 في الباب 13 من أبواب لباس المصلى ط م قم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 273‌

..........

______________________________
الإناء مصداقا- و أخرى على نحو الاغتراف- فيكون الوضوء أو الغسل متوقفا على الحرام من باب المقدمية- و لا ينبغي التأمل في الصحة في الصورة الثانية لو قلنا بها في فرض العلم بناء على الترتب- كما تقدم- فإن صورة الجهل لا تزيد على صورة العلم.

و أما على القول بالبطلان في جميع الصور، و إنكار الترتب فهل يمكن الالتزام بالصحة أولا.

أما في الصورة الأولى- و هي صورة وحدة الوضوء و الاستعمال كما في الارتماس- فالتحقيق هو القول بالبطلان، لأن الوضوء بنفسه يكون مصداقا للحرام في هذه الصورة، فيسقط عن صلاحية التقرب به، و لا يكون الجهل مؤثرا في رفع المبغوضية الواقعية، و المبغوض الواقعي غير صالح لتعلق الأمر به، و جهل المكلّف لا يغيّر الواقع عما هو عليه، و لو كان عن قصور كما في الشبهات الحكمية بعد الفحص أو الموضوعية، غايته أنه عذر للمكلف في ارتكاب الحرام.

و مما ذكرنا يظهر أن ما ينسب الى المشهور من ذهابهم الى القول بالامتناع في بحث اجتماع الأمر و النهى، مع التزامهم بصحة العبادة في صورة الجهل غير سديد- كما حققنا الكلام في ذلك في بحث اجتماع الأمر و النهى.

و أما الصورة الثانية- و هي مغايرة الوضوء مع الاستعمال و ان توقف عليه، فالأقوى الصحة، لعدم كون الوضوء بنفسه مصداقا للاستعمال المحرّم، و انما يكون الاغتراف منه مقدمة له، فيكون من باب تزاحم الواجب و الحرام، لكن لا يترتب عليه إلا البطلان- على القول به- في فرض العلم لسدّ الطريق حينئذ عن الماء شرعا، و المانع الشرعي كالعقلي، فهو فاقد للماء شرعا، و فرضه التيمم، و لا يجرى هذا في الجاهل، إذا الحرمة الواقعية الغير‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 274‌

[ (مسألة 17): الأواني من غير الجنسين لا مانع منها]

(مسألة 17): الأواني من غير الجنسين لا مانع منها (1) و إن كانت أعلى، و أغلى حتى إذا كانت من الجواهر الغالية كالياقوت، و الفيروزج

[ (مسألة 18): الذهب المعروف بالفرنكى لا بأس]

(مسألة 18): الذهب المعروف بالفرنكى لا بأس بما صنع منه (2) لأنه في الحقيقة ليس ذهبا، و كذا الفضة المسمّاة بالورشو، فإنها ليست فضة، بل هي صفر أبيض

______________________________
المعلومة لا تصلح مانعا عن الوضوء أو الغسل فيصدق عليه أنه واجدا للماء و لو ظاهرا، نعم لا بد من فرض ذلك في الجاهل القاصر- كما في الشبهات الحكمية بعد الفحص- أو الشبهات الموضوعية، و أما الجاهل المقصر- كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص- فليس بمعذور لكفاية الاحتمال في وجوب الاحتياط بالاجتناب عقلا، فهو عاجز عن الماء بحكم الاحتياط العقلي فلا يصح وضوئه أو غسله، بناء على البطلان في صورة العلم، مع قطع النظر عن الترتب، و أما بناء عليه فيصح في صورة العلم فضلا عن الجهل كما أشرنا في التعليقة
«1».

(1) الأواني الغالية لأن موضوع النهى إنما هو آنية الذهب و الفضّة، و لا علم لنا بملاكات الأحكام الإلهية كي نقول بأولوية ما كان أغلى منها ثمنا بالحرمة، فمقتضى التعبد و الجمود على النص هو عدم التعدي إلى غير مورد النص و لو كان أعلى و أغلى، كالإناء من الياقوت و نحوه، فما حكى «2» عن الشافعي من القول بالحرمة في أحد قوليه ليس بشي‌ء.

(2) و الوجه ظاهر- كما أشار المصنف قدّس سرّه- و هو عدم صدق موضوع‌

______________________________
(1) تقدمت في أول المسألة.

(2) عن مفتاح الكرامة بنقل المستمسك ج 2 ص 182 و أشار إليه في الجواهر ج 6 ص 344 أيضا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 275‌

[ (مسألة 19): إذا اضطر إلى استعمال أواني الذهب أو الفضة]

(مسألة 19): إذا اضطر إلى استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل و الشرب و غيرهما جاز، و كذا في غيرهما من الاستعمالات (1) نعم لا يجوز التوضؤ و الاغتسال منهما (2) بل ينتقل إلى التيمم

______________________________
النهى على ذلك، فلا يشمله دليل الحرمة.

(1) حكم الاضطرار إلى استعمال الآنيتين لو اضطر إلى استعمال آنية الذهب و الفضة في الأكل و الشرب، أو أكره عليه، جاز له ذلك لحديث «1» الرفع و لقوله عليه السّلام: «ليس شي‌ء مما حرّم اللّه إلا و قد أحلّه لمن اضطر إليه» «2» و هكذا الحال لو اضطر الى غيرهما من الاستعمالات بناء على حرمة مطلق الاستعمال.

(2) الوضوء و الاغتسال عند الاضطرار لعدم الاضطرار اليه، فيكون أخذ الماء من الإناء باقيا على حرمته، و ينتقل فرضه الى التيمم، لتوقف الطهارة المائية على مقدمة محرمة فهو فاقد للماء شرعا، فلا تصح إلا على القول بالترتب- كما عرفت.

نعم لو اضطر إلى الوضوء أو الغسل من الإناء كما لو أكره على ذلك صح، لرفع الحرمة، بالاضطرار و لو إلى صورة الوضوء، كغسل الوجه و اليدين، و‌

______________________________
(1) الوسائل ج 8 ص 249 في الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة و ج 15 ص 369 في الباب 56 من أبواب جهاد النفس ح 1، و هو ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من «انه قال وضع عن أمتي تسعة أشياء. الى ان قال: و ما اضطر و إليه.» ط م قم.

و ج 23 ص 237 في الباب 16 من أبواب كتاب الايمان ح 3 ط م قم و هو ما روى عن أبى عبد اللّه عليه السّلام انه قال «وضع عن هذه الأمة ست خصال إلى ان قال: و ما اضطر و اليه».

و قد عبّر عنهما بالصحيحة، فراجع السند و ان نوقش في سند الأولى.

(2) الوسائل ج 5 ص 482 في الباب 1 من أبواب القيام ح 6 و ج 23 ص 228 في الباب 12 من كتاب الايمان ح 18 ط م قم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 276‌

[ (مسألة 20): إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما]

(مسألة 20): إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما، أو استعمال الغصبي قدّمهما (1)

______________________________
مسح الرأس و الرجلين، لعدم تحقق الاضطرار أو الإكراه على قصد القربة فيقصد به القربة لزوما، لعدم منافاته لما اضطر اليه، بل لو اضطر الى الجامع بين الوضوء و الغسل، و غيرهما- كما لو أجبر على الاغتراف من الإناء تدريجا- وجب عليه الوضوء أو الغسل بالماء حينئذ، لجواز الاغتراف بالاضطرار، فبعده يكون واجدا للماء تكوينا، فيجب صرفه في الوضوء أو الغسل، و لا يشرع له التيمم في هاتين الصورتين أى الاضطرار و لو الى صورة الطهارة المائية بخصوصها أو الجامع بينها و بين غيرها، لرفع الحرمة على كل تقدير.

(1) دوران الأمر بين استعمالهما و استعمال الغصبي لو اضطر الى استعمال الإناء المغصوب، أو استعمال آنية الذهب و الفضة قدّمهما، و ليس الوجه في ذلك «1» أقوائية أدلة الغصب، لما في بعض أدلته من اقتران حرمة مال المسلم بحرمة دمه «2» أو بتعبير آخر كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه «3» أو قوله عليه السّلام «لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه». «4»

فان التعبير ب‍ «لا يحل» صريح في الحرمة، بخلاف أدلة حرمة استعمال أواني الذهب و الفضّة لاشتمال أدلتها على التعبير ب‍ «الكراهة» أو‌

______________________________
(1) قد يلوح ذلك من المستمسك ج 2 ص 183، الا ان يقال ان مراده الكشف عن أهمية الملاك.

(2) الوسائل ج 12 ص 297 في الباب 158 من أبواب أحكام العشرة ح 3 كتاب الحج ط: م- قم.

(3) الوسائل ج 5 ص 120 في الباب 3 من أبواب مكان المصلى، ح 3 ط م قم.

(4) الوسائل ج 9 ص 541 في الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 277‌

..........

______________________________
ب‍ «لا ينبغي».

أما أولا: فلما في بعض روايات «1» المقام من النهى عن الأواني المذكورة، و هو ظاهر في الحرمة، هذا مضافا إلى ما ذكرناه من عدم قصور لفظ «الكراهة» أو «لا ينبغي» في الدلالة على الحرمة عن لفظ «النهى» مادّة و صيغة، فلا يبعد دعوى التكافؤ في الدّلالة، و لو سلم الأقوائية في أدلة حرمة الغصب فيشكل.

ثانيا: بان التقديم بأقوائية الدلالة، أو السند إنما يكون في مورد التعارض في الأدلة، لا التزاحم في مقام الامتثال- كما حققناه في الأصول في بحث الترتب- و مقامنا من قبيل الثاني، لعدم التكاذب بين دليل حرمة الغصب و حرمة استعمال أواني الذهب و الفضة، و إنما وقع التزاحم في مقام امتثال الخطابين، بسبب عدم قدرة العبد على امتثالهما معا، لأن المفروض تحقق الاضطرار إلى مخالفة أحدهما، و فيه يقدم الأهم و لو كان أضعف دلالة، و سندا.

بل الوجه في تقدم استعمال الإنائين على الغصبي إنما هو أهمية ملاك حرمة الغصب، لأن فيه حقين حق اللّه، و حق الناس، حق اللّه بالنهي الشرعي، و حق الناس بالملكيّة الشرعيّة، و هذا بخلاف أواني الذهب و الفضّة، إذ ليس فيها إلا حق واحد، و هو حق النهي الشرعي، و لو شك في الأهمية قدم أيضا، لأن احتمال الأهمية كالقطع بها في لزوم التقديم- كما حرر في الأصول.

______________________________
(1) لاحظ ما تقدم من رواياتها ص 220 و ما بعدها.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 278‌

[ (مسألة 21): يحرم اجارة نفسه لصوغ الأواني من أحدهما]

(مسألة 21): يحرم اجارة نفسه لصوغ الأواني من أحدهما، و أجرته أيضا حرام- كما مر- (1)

[ (مسألة 22): يجب على صاحبهما كسرهما]

(مسألة 22): يجب على صاحبهما كسرهما (2) و أما غيره فان علم ان صاحبهما يقلد من يحرّم اقتنائهما أيضا و أنهما من الافراد المعلومة

______________________________
(1)
حرمة الإجارة على صياغتها تقدم «1» الكلام في ذلك، و الحكم بالحرمة مبنى على ما تقدم منه قدّس سرّه «2» من حرمة جميع التقلبات في أواني الذهب و الفضة حتى الاقتناء، دون خصوص الأكل و الشرب- كما هو المختار عندنا- و عليه فلا يجوز الإجارة لصياغة الأواني المذكورة، لمبغوضية هيئتها، فيكون من الإجارة على الحرام، فلا يشملها أدلة وجوب الوفاء بالعقود، فتكون باطلة فيحرم الأجرة، لأنها أكل المال بالباطل، و أما بناء على ما قوّيناه فيصح العقد، و تكون الأجرة محلّلة، لوجود المنفعة المحلّلة، كسائر الاستعمالات، أو التزيين، أو الاقتناء، كما أشرنا هناك. «3»

(2) كسر أواني الذهب و الفضّة.

تعرّض (قدّس سرّه) أولا لوظيفة نفس المالك، و ثانيا: لوظيفة غيره في قبال أواني الذهب و الفضّة.

أما نفس المالك فقال قدّس سرّه انه يجب عليه كسرها، و ذلك لما بنى عليه قدّس سرّه من حرمة التصرفات حتى اقتنائها، فتكون الهيئة الإنائية في الذهب و الفضة مبغوضة عند الشارع، كهيئة الصنم و الوثن، و آلات القمار فيجب إزالتها.

______________________________
(1) في المسألة الرابعة.

(2) في المسألة الرابعة.

(3) و كذا في تعليقته (دام ظله) في المسألة الرابعة، و في ذيل هذه المسألة أيضا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 279‌

في الحرمة (1) يجب عليه نهيه و ان توقف على الكسر يجوز له كسرهما (2)

______________________________
و أما على المختار فلا موجب للكسر لجواز الاقتناء، بل سائر الاستعمالات كما سبق.
«1»

و أما وظيفة غيره فتدخل في باب النهى عن المنكر، فان تمت شرائطه حكما و موضوعا يجب أولا نهى المالك عن إبقائها، أو يأمره بالكسر كي يباشره بنفسه، لعدم جواز التصرف في مال الغير بغير رضاه مهما أمكن و المادة ملك له، فان امتنع يجوز له أن يكسرها، و لا يضمن قيمة صياغتها، لعدم حرمتها شرعا، و أما التصرف في أصل المادة حينئذ بهذا المقدار فجائز، لأن المالك قد أسقط احترام ماله بامتناعه مباشرة الكسر، فيجوز لغيره الكسر، و لو استلزم تصرفا في مادة الإناء، فيكون المقام نظير ما ذكرناه في المصحف الشريف لو تنجس، فإنه إذا امتنع المالك عن تطهيره جاز بل وجب على غيره تطهيره، و لو لم يرض بذلك، و لا ضمان عليه لو استلزم نقصا في قيمة المصحف. نعم لا يجوز له إتلاف الأصل،- كإلقاء الإناء في البحر، أو إحراقه، و نحو ذلك- و يضمن قيمته، لبقاء احترام أصل المادة على حاله.

(1) كي يتم مقدمات النهى عن المنكر، كما إذا كان الإناء كأسا يؤكل فيه و يشرب منه، و علم انه يعتقد حرمته تقليدا، أو اجتهادا.

(2) لمبغوضية الهيئة الإنائية في الذهب و الفضة، كمبغوضية هيئة الصنم و آلات القمار، و هذا مبنى على مختاره قدّس سرّه من حرمة الأواني حتى اقتنائها، و الا‌

______________________________
(1) كما أشار (دام ظله) في تعليقته على (مسألة 21) حيث قال (تقدم الكلام في هذه و ما بعدها) يعنى ما ذكره في ذيل المسألة الرابعة من الجواز.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 280‌

و لا يضمن قيمة صياغتهما (1) نعم لو تلف الأصل ضمن (2) و ان احتمل أن يكون صاحبهما ممن يقلد من يرى جوز الاقتناء أو كانتا مما هو محل الخلاف في كونه آنية أم لا، لا يجوز له التعرض له (3)

______________________________
فلا يجوز.

(1) لسقوط الهيئة عن المالية شرعا، كما هو مختاره قدّس سرّه.

(2) لعدم سقوط أصل الذهب و الفضّة عن المالية شرعا، فيضمن، كما لو ألقى الإناء في البحر، أو أحرقه بالمرّة، و لا ينافي ذلك وجوب إتلاف الهيئة، لعدم الملازمة، فإنه يمكن الاقتصار على الكسر بدون إتلاف المادّة، فإن إزالة الهيئة لا تتوقف على إتلاف المادّة، فلو أتلفها ضمن، لقاعدة الإتلاف، نعم لو فرض توقف إتلاف الهيئة على إتلاف المادّة أيضا بحيث لا يمكن التفكيك بينهما في مورد كان وجوب الكسر حينئذ ضرريا يمكن الالتزام بعدمه.

(3) لعدم تمامية شرائط النهي عن المنكر حينئذ، إذ مجرد احتمال فعله على الصحة كاف في عدم جواز التعرض له، سواء أ كان ذلك من ناحية الشبهة الحكمية، كما إذا احتمل أن صاحب الآنية ممن يعتقد جواز الاقتناء اجتهادا، أو تقليدا، أو لشبهة موضوعيّة كما إذا كان الظرف المذكور مما اختلفوا في كونه آنية، أم لا، كالإبريق، و كوز القليان، و نحو ذلك- مثلا- و احتمل: أن صاحب الظرف أيضا شاك في صدق الإناء عليه، نظير سائر الشبهات الموضوعية مما يحتمل وجود الشبهة للمرتكب فلا موضوع للنهى عن المنكر حينئذ، لعدم كونه منكرا عنده، و ان كان منكرا عند الناظر اجتهادا أو تقليدا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 281‌

[ (مسألة 23): إذا شك في آنية أنها من أحدهما أم لا،]

(مسألة 23): إذا شك في آنية أنها من أحدهما أم لا، أو شك في كون شي‌ء مما يصدق عليه الآنية أم لا، لا مانع من استعمالها (1)

______________________________
(1)
جواز استعمال الإناء المشكوك الشك في الإناء يكون تارة من حيث الهيئة، و أخرى من حيث المادّة، و كل منهما إما ان يكون لشبهة موضوعية، أو لشبهة حكمية، فهنا صور أربع.

الصورة الأولى الشبهة الموضوعية من حيث هيئة الإناء، كما لو شك في ظرف أنه كأس أو صندوق، لظلمة أو عمى أو نحو ذلك، فيجري فيها استصحاب عدم كونه إناء عدما نعتيا، لأن الهيئة الإنائية تكون عارضة على المادّة بالصياغة فتكون مسبوقة بالعدم لا محالة، و مع قطع النظر عن ذلك فلا مانع من إجراء أصالة البراءة عن استعمالها، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية التحريميّة.

الصورة الثانية الشبهة الحكميّة في هيئة الإناء كما إذا شك في شمول مفهوم الإناء للإبريق المعدّ للاستنجاء- مثلا- فيجب عليه الفحص أولا في اللغة أو العرف، و يرجع المقلّد الى مقلّده، كما في سائر الموضوعات المستنبطة، ثم بعد الفحص و عدم العثور على مفهوم الإناء سعة و ضيقا لا مانع من الرجوع الى استصحاب عدم جعل الحرمة لمورد الشك، فإن الأحكام الشرعية مجعولة مسبوقة بالعدم الأزلي، لأن مرجع الشك في سعة المفهوم و ضيقة إلى الشك في جعل الحرمة للمشكوك، و لو نوقش في الاستصحاب المذكور كان المرجع أصالة البراءة عقلا و شرعا أيضا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌6، ص: 282‌

..........

______________________________
الصورة الثالثة الشبهة الموضوعية للمادّة- كما هو الغالب- كما إذا شك في آنية أنها ذهب أو نحاس- مثلا- أو انها فضة أو ورشو، فلا مانع من استصحاب عدم كونها ذهبا أو فضة عدما أزليا، كما هو الصحيح المختار عندنا، و مع قطع النظر عنه فيجري فيها أصالة البراءة الصورة الرابعة الشبهة الحكمية للمادّة، و هذه كما إذا شك في شمول مفهوم الذهب أو الفضة للمخلوط منهما بشي‌ء مستهلك فيهما أم لا، اى هل يعتبر الخلوص فيهما أم لا، و يجرى فيها ما ذكرناه في الشبهة الحكمية للهيئة بلا فرق بينهما هذا آخر ما أردنا تحريره في هذا الجزء و يتلوه الجزء السابع ان شاء اللّه تعالى‌




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net