التجزِّي في الاجتهاد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1946


      2 ـ التجزِّي في الاجتهاد

   أعني من استنبط بعض الأحكام بالفعل ولا يتمكن من استنباط بعضها الآخر . والكلام فيه أيضاً من جهات :

   الجهة الاُولى : في إمكان التجزي واستحالته .

ــ[20]ــ

   قد يقال باستحالة التجزي في الاجتهاد ، نظراً إلى أنه ملكة كملكة الشجاعة أو السخاوة وغيرهما من الملكات ، والملكة كيف نفساني بسيط غير قابل للتجزئة والتقسيم من التنصيف أو التثليث أو غيرهما ، وإنما القابل لذلك هو الكم فدائماً يدور أمر الملكة بين الوجود والعدم ولا يعقل أن تتحقق متبعّضة بأن يقال : إن لفلان نصف ملكة الشجاعة أو نصف ملكة الاجتهاد ، إذن المتصدّي للاستنباط إمّا أن يكون مجتهداً مطلقاً ، وإما أن لا يتصف بالاجتهاد أصلاً فالتجزي في الاجتهاد أمر غير معقول هذا .

   لكن المغالطة في هذه الدعوى بينة ، لوضوح أن مدعي إمكان التجزّي لا يريد بذلك أن ملكة الاجتهاد قابلة للتجزية ، وأن للمتجزي نصف الملكة أو ثلثها فإنه كما مرّ غير معقول ، نظير دعوى أن زيداً له نصف ملكة الشجاعة مثلاً ، بل مراده أن متعلق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلقها في المجتهد المطلق لأنها فيه أوسع وتوضيحه : أن القدرة تتعدد بتعدد متعلقاتها ، فإن القدرة على استنباط حكم ، مغايرة للقدرة على استنباط حكم آخر ، وهما تغايران القدرة على استنباط حكم ثالث نظير القدرة على بقية الأفعال الخارجية ، فإن القدرة على الأكل غير القدرة على القيام وهما غير القدرة على التكلم وهكذا . كما أن من الواضح أن الأحكام تختلف بحسب سهولة المدرك والاستنباط وصعوبتهما ، فربّ حكم اختلفت فيه الأقوال وتضاربت أدلته وأخباره ، وحكم مدركه رواية واحدة ظاهرة الدلالة وتامة السند ، ومن البديهي أن الاستنباط في الأوّل أصعب وفي الثاني أسهل . إذن يمكن أن يحصل للانسان ملكة وقدرة على الاستنباط في مسألة لسهولة مقدماتها ومداركها ، ولا يحصل له ذلك في مسألة أخرى لصعوبة مباديها ومأخذها .

   فالفرق بين الاجتهاد المطلق والتجزي إنما هو في أن أفراد القدرة ومتعلقاتها في المتجزّي أقل منها في المجتهد المطلق . فلا وجه للمناقشة في إمكان التجزّي بل في وقوعه ، فترى أن الرجل لقوّة استعداده وكثرة ممارسته في الاُمور العقلية ومباديها يتمكن من استنباط الأحكام الراجعة إلى مقدمة الواجب أو اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه أو اجتماع الأمر والنهي أو غيرها من الأحكام الراجعة إلى المباحث

ــ[21]ــ

العقلية ، ولا يتمكن من ذلك فيما يرجع إلى الروايات ومباحث الألفاظ مثلاً ، لعدم تبحّره في تلك الأبحاث وعدم مؤانسته معها ، وربما يكون الأمر بالعكس . كما أنه قد يتمكن من استنباط الأحكام المربوطة بالمعاملات ، لقلّة رواياتها وعدم توقفه إلاّ على جملة من القواعد العامة وهي واضحة لديه ، ويعجز عن الاستنباط في أبواب العبادات لكثرة ما فيها من الأحاديث المتعارضة ، هذا .

   بل لا يبعد أن يقال : إن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزي دائماً وأن أي مجتهد مطلق ، كان متجزّياً في زمان ثمّ قوي وترقى شيئاً فشيئاً حتى تمكن من استنباط أكثر الأحكام أو كلها ، وذلك لأن دعوى أن الرجل قد أصبح مجتهداً مطلقاً من ساعته أو ليلته من غير أن يكون مسبوقاً بالتجزي في زمان ، مما لا شاهد له بل هي أمر غير عادي ولا نستعهد وقوعه بوجه . ولعلّه إلى ذلك أشار صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بقوله : بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق ـ عادة ـ غيرمسبوق
بالتجزّي(1).

   نعم ، ليس ذلك من المستحيلات العقلية نظير اجتماع الضدين أو النقيضين ، وذلك لأن المسائل الفقهية في عرض واحد ولا تقدم لبعضها على بعض آخر زماناً أو رتبة بأن يكون التمكن من استنباط بعضها مقدمة للقدرة على استنباط بعضها الآخر ، حتى يتوهم أن المتأخر يستحيل أن يتحقق قبل حصول المتقدم ، حيث إن تحقق ذي المقدمة من دون مقدمته في المقام يستلزم الطفرة المحال ، فأي مانع لدى العقل من أن تحصل ملكة الاجتهاد المطلق دفعة واحدة ولو بالاعجاز والإفاضة من الله (جلت عظمته) هذا كلّه في إمكان التجزّي ووقوعه .

   الجهة الثانية : جواز رجوعه إلى الغير فيما استنبطه وعدمه .

   قد اتضح الحال في ذلك مما سردناه في الاجتهاد بالقوة والملكة ، بل الأمر في المتجزّي أوضح بحيث لو قلنا بجواز رجوع من له ملكة الاجتهاد إلى الغير فرضاً لم نتمكن من الالتزام به في المقام ، لأن المتجزّي عالم بما استنبطه من الأحكام بل قد يكون أعلم من غيره ، ورجوعه إلى الغير وقتئذ من رجوع العالم إلى العالم أو إلى الجاهل باعتقاده ، لأنه قد يرى خطأه وهل يسوغ أن يرجع إلى من يعتقد خطأه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 467 .

ــ[22]ــ

استنباطاته واجتهاده ، فيبني مثلاً على صحّة الصلاة الّتي يعتقد فسادها لرجوعه إلى فتوى من يرى صحتها ، وهذا مما لا سبيل إلى الالتزام به . وكذلك الحال بالإضافة إلى الأدلة اللفظية ، لما تقدم من أنها مختصة بمن لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم فلا يشمل من يتمكن من تحصيلها فضلاً عمّن تصدى لذلك واستنبط جملة من المسائل والأحكام .

   الجهة الثالثة : جواز الرجوع إليه وتقليده فيما استنبطه من الأحكام .

   قد أسلفنا أن الموضوع للحكم بجواز الرجوع والتقليد ، إنما هو عنوان العالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الّتي لا تنطبق على من استنبط مسألة أو مسألتين ونحوهما ، فيشترط في جواز الرجوع إلى المتجزي أن يستنبط جملة معتداً بها من المسائل على نحو يصدق عليه عنوان الفقيه والعالم ، هذا كلّه حسبما تقتضيه الأدلة اللفظية في المقام .

   وأما السيرة العقلائية فهي تقتضي جواز الرجوع إليه فيما استنبطه وإن كان قليلاً غايته ، لأنه من رجوع الجاهل إلى العالم ، حيث إن استنباطه واطلاعه على بقية المسائل وعدمهما أجنبيان عمّا علم به واستنبطه . وهذه السيرة هي المتبعة في المقام ويأتي عند التكلم على شرائط المجتهد أن الأدلة اللفظية غير رادعة عنها بوجه .

   الجهة الرابعة : نفوذ قضائه وجواز أن يتصدى للاُمور الحِسبية وعدمهما .

   والصحيح عدم نفوذ قضاء المتجزّي وعدم جواز أن يتصدى للاُمور الحِسبية ، لأن الموضوع في لسان الأدلة المثبتة لهذه الأحكام ، إنما هو عنوان العالم والفقيه والعارف وغيرها من العناوين الّتي لا يصدق على من استنبط حكماً أو حكمين ونحوهما ، فلا ينفذ قضاء المتجزّي حتى يستنبط جملة معتداً بها من الأحكام ، ويصدق عليه العناوين المأخوذة في لسان الأخبار كما يأتي تفصيله في محلّه إن شاء الله .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net