اعتبار الاجتهاد في القاضي 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2263


   وهل يعتبر الاجتهاد في الأهلية للقضاء أو أن المستفاد من الأدلة الواردة في المقام ثبوت الاذن لمطلق العالم بالقضاء وإن كان علمه مستنداً إلى التقليد دون الاجتهاد ؟

   الأوّل هو المشهور بين الأصحاب (قدّس سرّهم) بل ادعى عليه الاجماع في كلام جماعة منهم الشهيد الثاني في مسالكه (1) وإلى الثاني ذهب صاحب الجواهر (قدّس سرّه) مدعياً أن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد ، واستدل عليه بجملة من الآيات والروايات :

   أما الآيات فكقوله عزّ من قائل: (إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل )(2) وقوله : (يا أ يّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا )(3) ومفهوم قوله : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون )(4) (هم الظّالمون )(5) (هم الكافرون )(6) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فإن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين المجتهد ومن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد .

   وأما الروايات : فمنها : قوله (عليه السّلام) «القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة ، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسالك الافهام 2 : 283 .

(2) النساء 4 : 58 .

(3) المائدة 5 : 8 .

(4) المائدة 5 : 47 .

(5) المائدة 5 : 45 .

(6) المائدة 5 : 44 .

ــ[300]ــ

في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة» (1) .

   ومنها : صحيحة أبي خديجة قال «بعثني أبو عبدالله (عليه السّلام) إلى أصحابنا فقال : قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق ، إجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً ، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر» (2) .

   ومنها : صحيحته المتقدمة آنفاً (3) عن الصادق (عليه السّلام) «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ...» .

   ومنها : صحيحة الحلبي قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السّلام) : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا فقال : ليس هو ذاك إنما هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط» (4) إلى غير ذلك من النصوص الّتي ادعى (قدّس سرّه) بلوغها بالتعاضد أعلى مراتب القطع، ودلالتها على أن المدار في الحكم والقضاء بالحق الّذي هو عند النبي وأهل بيته (عليهم السّلام) بلا فرق في ذلك بين أن يكون المتصدّي للقضاء مجتهداً أو من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد لأنهم أيضاً عالمون بالقضاء والأحكام بالتقليد ، فإن المراد بالعلم في صحيحة أبي خديجة المتقدمة أعم من الوجداني والتعبدي ، وإلاّ لم تشمل الصحيحة حتى للمجتهد لعدم علمه الوجداني بالأحكام، ومن الظاهر أن المقلّد أيضاً عالم بالأحكام تعبداً لحجية فتوى المجتهد في حقه .

   بل ذكر (قدّس سرّه) أن ذلك لعلّه أولى من الأحكام الاجتهادية الظنية ، ثمّ أيّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 22 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6 .

(2) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6 .

(3) راجع ص 297  .

(4) وسائل الشيعة 27 : 15 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 8 .

ــ[301]ــ

ما  ذكره بقوله : بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممن أمر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنما كانوا يقضون بما سمعوه من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بالتقليد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل . وردّ الاجماع المدعى في كلماتهم بقوله : وأما دعوى الاجماع الّتي قد سمعتها فلم أتحققها بل لعلّ المحقق عندنا خلافها (1) . انتهى ما أردنا نقله .

   وقد يجاب عن ذلك بأن استدلاله (قدّس سرّه) هذا ليس إلاّ تمسكاً بالاطلاق ويكفي في تقييده ورفع اليد عن المطلقات الواردة في المقام ، مقبولة عمر بن حنظلة الصريحة في اعتبار النظر والاجتهاد في الحاكم ، حيث ورد فيها «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً ...» (2) والتوقيع الشريف بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام) ...  ، «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ...»(3) . لدلالتهما على لزوم الرجوع إلى رواة الحديث وهم المطّلعون بالأحكام الشرعية بواسطة الروايات المأثورة عنهم (عليهم السّلام) والنظر في مداليلها ورفع معارضاتها أو الجمع بينها وهو المعبّر عنه في الاصطلاح بالاجتهاد ومن هنا يظهر أن المقبولة قد دلت على اعتبار النظر والاجتهاد في القاضي بجميع جملاتها الثلاث أعني قوله (عليه السّلام) روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا . فالاستدلال بها غير مختص بالجملة الوسطانية فحسب ، فإن رواية الحديث والمعرفة بالأحكام مستتبعان أيضاً للاجتهاد بالتقريب المتقدم. ثمّ إنه وإن كانت المطلقات والمقيد كلاهما مثبتين إلاّ أن المقيد لما ورد في مقام البيان اقتضى ذلك تقديمه على المطلقات وتقييدها به لا محالة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جواهر الكلام 40 : 15 .

(2) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 .

(3) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9 .

ــ[302]ــ

   ويرد عليه : أن رواية عمر بن حنظلة ضعيفة السند كما مرّ غير مرة وإن كانت الرواية متلقاة عند الأصحاب بالقبول ومن ثمة سميت بالمقبولة ، وكذلك الحال في التوقيع الشريف فإن في سنده إسحاق بن يعقوب ومحمد بن محمد بن عصام ولم تثبت وثاقتهما . نعم ، محمد بن محمد شيخ الصدوق (قدّس سرّه) إلاّ أن مجرد الشيخوخة لمثله لا يقتضي التوثيق أبداً .

   هذا مضافاً إلى إمكان المناقشة في دلالته ، فإن الارجاع إلى رواة الحديث ظاهره الارجاع إليهم بما هم رواة لا بما أنهم مجتهدون ، والنسبة بين الراوي والمجتهد عموم من وجه ، وإن كان يمكن إطلاق الرواة على المجتهدين بعناية أنهم في الحقيقة رواة الأئمة (عليهم السّلام) ومستفيدين من آثارهم وعلومهم وليسوا في عرضهم بوجه إلاّ أنه إطلاق مسامحي ، ولا يقاس هذا بالارجاع إلى آحاد الرواة كالارجاع إلى محمد بن مسلم أو يونس بن عبدالرحمان أو زكريا بن آدم وغيرهم ممن أرجعوا إليهم بأشخاصهم على ما بيّناه في أوائل الكتاب ، والفرق واضح لا يخفى على الفطن فهذا الجواب مما لا يمكن المساعدة عليه .

   فالصحيح في الجواب أن يقال : إن الآيات المباركة ليست بصدد تعيين الحاكم وإنما هي بصدد بيان أن القضاوة لا بدّ أن تكون بالعدل والقسط فلا مجال للتمسك باطلاقها .

   وأما الروايات فهي أيضاً كذلك ، لأنها إنما وردت في قبال المخالفين للدلالة على عدم جواز الترافع إلى أهل الجور والفسوق ، وأن الايمان معتبر في القضاة . وأما أن القاضي يعتبر أن يكون مجتهداً أو يكفي كونه عالماً بالقضاء بالتقليد الصحيح أو أن القاضي يعتبر أن يكون رجلاً فلا يجوز الترافع إلى النساء أو غير ذلك من الاُمور فليست الروايات بصدد بيانها بوجه ، فصحّ ما ذكرناه من أن القدر المتيقن من المنصوبين للقضاء من قبلهم (عليهم السّلام) هو المجتهد دون المقلّد وهو المتيقن الخروج عن الأصل . مضافاً إلى إمكان المناقشة في صحة إطلاق العالم بالقضاء والأحكام على من تعلمها بالتقليد فلاحظ ، وعلى الأقل أنه منصرف عن مثله .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net