المال المأخوذ بحكم من لا أهليّة له للحكم 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1692


   (4) المال الّذي يؤخذ بحكمه إن كان كلياً ولم يكن للمحكوم له ولا لغيره تشخيصه واختيار تطبيقه على ما في الخارج ، فلا شبهة في حرمته وعدم جواز التصرف فيه كما لو تنازعا في دين مؤجل قبل حلول أجله فادعاه أحدهما وأنكره الآخر ، وتحاكما عند من لا أهلية له للقضاء وحكم بلزوم أدائه إلى المدعي وأنه صاحب الدين ومستحقه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا كان المال كلياً في الذمة ولم يكن للمحكوم له حق تعيينه خارجاً ، وأما إذا كان عيناً خارجية أو كان كلياً وكان له حق التعيين فلا يكون أخذه حراماً .

(2) وسائل الشيعة 27 : 11 / أبواب صفات القاضي ب 1 .

ــ[304]ــ

وكان الأمر كذلك واقعاً ، فإن المال الّذي اشتغلت به ذمة المنكر بالاستدانة كلّي لا يتشخّص إلاّ بتشخيص المالك نفسه أعني المديون، فإذا شخّصه الحاكم الجائر أو الدائن قبل حلول الأجل فهو تشخيص غير شرعي وليس للدائن أن يتصرف فيه لوضوح أنه مال المديون ولم يطرأ عليه ما يوجب دخوله في ملك الدائن .

   وأما إذا كان المال عيناً شخصية ، كما إذا غصبها أحد أو أخذها بعنوان الاجارة أو العارية ثمّ أنكرها ، أو كان ديناً معجّلاً أو مؤجّلاً حلّ أجله وحكم الحاكم الّذي ليس له أهلية القضاء بردّه إلى صاحب المال ، فلا مانع من أخذه بوجه لأنه بعينه وخصوصياته مال لمالكه ، أو أن له أن يأخذه ويحسبه من دينه لحلول أجله . بل له أن يأخذه ممن هو عنده قهراً وقوة أو بحيلة ووسيلة . وعلى الجملة لا مانع في هذه الصورة من أن يأخذ مالك المال بماله مستنداً إلى حكم من ليست له أهلية ، لجواز استنقاذه منه ولو بأسباب اُخر غير حكم الحاكم فإنه ماله ويجوز أن يتصرف فيه ، وغاية الأمر أنه ردّه إليه باكراه الحاكم الجائر ، ولا يشمله حديث رفع الاكراه ، لأنه على خلاف الامتنان لاستلزامه الضرر على صاحب المال . نعم ، ترافعهما عند من لا أهلية له وحكّام الجور محرّم كما مرّ . والحاصل أن الترافع إلى حكّام الجور وإن كان محرّماً مطلقاً بلا فرق في ذلك بين الدين والعين إلاّ أن المال المأخوذ بحكمهم إنما يحرم إذا كان ديناً مؤجّلاً لا عيناً كما عرفت ، هذا .

   وقد يقال بالحرمة في جميع الصور المتقدمة من الدين والعين الشخصية ويستدل عليه بمقبولة عمر بن حنظلة : «وما يحكم به فإنما يأخذه سحتاً» أو «فحكم له فإنما يأخذه سحتاً» . فإن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الكلّي والشخصي بل الاطلاق هو ظاهر صدرها حيث سئل فيها عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فإن الميراث في مقابل الدين ظاهره العين ، وحمل الميراث على الدين بعيد جداً .

   ثمّ إن المقبولة وإن كان موردها التحاكم إلى السلطان أو القضاء إلاّ أن عموم تعليلها : لأنه أخذ بحكم الطاغوت ، يقتضي عدم الفرق بينهما وبين ما إذا كان الحاكم من المؤمنين الفاقدين لشرائط القضاء لأنه يشمل كل طاغ ، والمتصدي للقضاء المحرّم طاغ .

ــ[305]ــ

   ولا يعارضها ما رواه الحسن بن علي بن فضال قال «قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (عليه السّلام) وقرأته بخطّه سأله : ما تفسير قوله تعالى : (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكّام ) فكتب بخطّه : الحكّام : القضاة ، ثمّ كتب تحته : هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الّذي قد حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم» (1) وذلك لأنه إنما ورد في تفسير الآية الشريفة لا في بيان موضوع الحرمة مطلقاً ، ولا مانع من اعتبار الظلم في صدق الباطل دون صدق الحرمة ولو بعنوان آخر .

   ويرد عليه أوّلاً : أن المقبولة ضعيفة السند كما مرّ وغير صالحة للاستدلال بها بوجه .

   وثانياً : أنها ضعيفة الدلالة على المدعى ، لأن المستفاد من كلمات أهل اللغة أن للسحت إطلاقين فإنها قد تطلق على ما لا يحل كسبه ، وقد يطلق على ما هو خبيث الذات من المحرّمات ، ولا يصدق شيء منهما في المقام ، لأن المال بعينه للمحكوم له وكونه مورداً لحكم الجائر بالرّد إليه لا يحتمل أن يكون مستلزماً لخروجه عن ملكه فلا يكون أخذه من الانتقال المحرّم ، والسحت هو الانتقال من الغير على الوجه المحرّم فإنه معنى ما لا يحل كسبه . كما أنه ليس محرّماً خبيث الذات ، وما لم يكن كذلك لا يطلق عليه السحت وإن حرم بعنوان آخر طار عليه ، فمن أفطر بطعام مملوك له في نهار شهر رمضان لم يصح أن يقال : إنه آكل السحت أو أنه أكل سحتاً ، وإن كان إفطاره هذا محرّماً .

   وثالثاً : أن الميراث غير مختص بالعين الشخصية بل إنما هو مطلق يشملها كما يشمل العين المشتركة الّتي تتوقف فيها الحلية على رضى الطرفين بتقسيمها ، إذن لا مانع من حمل الميراث على العين المشتركة وهي لا تنقسم بتقسيم الحاكم الجائر، فإذا كان هو المباشر أو الآمر بتقسيم الميراث بين المتنازعين لم يجز للمحكوم له التصرف في قسمته ، لعدم خروج العين عن الاشتراك بتقسيمه فيكون المأخوذ بحكمه ـ كما في الدين ـ سحتاً . على أن مورد المقبولة هي الشبهة الحكمية فلا أثر لدعوى أن مورد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 15 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 9 .

ــ[306]ــ

المنازعة عين شخصية .

   ثمّ إنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على تمامية المقبولة بحسب السند والدلالة فالوجه في عدم كونها معارضة برواية ابن فضال المتقدمة ـ بناء على عدم المناقشة في سندها لأن في سندها محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى وهو مما استثناه ابن الوليد عن رواياته كما تقدم ـ أن الرواية إنما وردت تفسيراً للآية المباركة وقد دلت على أن المراد فيها بالحكّام هو القضاة ، فعلى تقدير تمامية الرواية لا بدّ من الأخذ بها في مورد الآية وهو حرمة أكل المال بالباطل ، ولا يستفاد منها بوجه أن المراد بالحاكم في جميع الموارد الّتي منها حرمة الأخذ بحكمه هو قضاة الجور .

   وأما دعوى أن المراد بالقضاة في الرواية قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينها وبين المقبولة .

   فيدفعها : تفسيرها بقضاة الجور في رواية أبي بصير قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السّلام) قول الله عزّ وجلّ في كتابه : (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكّام ) فقال : يا أبا بصير إن الله عزّ وجلّ قد علم أن في الاُمة حكّاماً يجورون أما إنه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنه عنى حكّام أهل الجور ، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكّام العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له ، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت وهو قول الله عزّ وجلّ : (ألم تر إلى الّذين يزعمون أ نّهم آمنوا بما اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت )(1) .

   وهذه الرواية وإن كان في سندها عبدالله بن بحر فهي ضعيفة لأجله ووقوعه في سند كامل الزيارات ـ على نسخة ـ غير مفيد لأن مع اختلاف النسخة لا يثبت التوثيق . ويؤيده أن ابن الغضائري قد ضعّف الرجل صريحاً ، إلاّ أن الرواية المتقدمة أيضاً ضعيفة لما مرّ فالكلام فيهما إنما هو مع الغض عن الضعف في سنديهما .

   فإلى هنا تحصّل أن الترافع إلى الحكّام الجائرين وإن كان محرّماً مطلقاً إلاّ أن حرمة الترافع غير مستلزمة لحرمة المال المأخوذ بحكمهم في الأعيان الشخصية كما تقدم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 12 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 3 .

ــ[307]ــ

   إلاّ إذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده (1) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net